رواية عشقت فتاة المصنع الفصل الثامن العشرون 28 بقلم صفاء حسنى

رواية عشقت فتاة المصنع الفصل الثامن العشرون 28 بقلم صفاء حسنى


طلب منهم مومن بهدوء حاسم:

– الكل يخرج دلوقتي…

على ما زينب تغيّر هدومها، وبعد كده نتكلم.

كانت لهجته هادية…

بس مافيهاش مساحة للنقاش.

ياسمين اتشدّت في مكانها، ووشّها اتلوّن برفض صريح، وقالت بانفعال مكبوت:

– أنا مع بنتي رجل على رجل…

أنا صدّقت لاقيتها!

الكلمة طلعت منها طالعة من جرح قديم…

جرح أم اتاخد منها عمر كامل.

زينب قربت منها خطوة، مسكت إيديها الاتنين، صوتها واطي بس ثابت:

– يا أمي…

مش همشي، ولا هضيع.

غير هدومي بس… وأنا راجعة لك.

بصّت لها ياسمين بعينين مليانين خوف أكتر من الغضب، وكأنها بتصارع فكرة إن الزمن ممكن يسرقها منها تاني.

مومن اتدخل بهدوء محسوب:

– يا أمي، دي دقيقة…

مش فراق.

وإنتي أول واحدة هتبقي موجودة لما نبدأ الكلام.

محمد كان واقف ساكت، بيتفرج على المشهد وقلبه بيتقطع…

قرب خطوة وقال بصوت مكسور:

– سيبيها يا ياسمين…

إحنا كلنا هنا.

سكتت ياسمين لحظة…

نَفَسها كان تقيل…

وبعدها شدّت إيدها بالعافية، وقالت وهي بتبص لزينب:

– دقيقة واحدة…

مش أكتر.

هزّت زينب راسها بابتسامة خفيفة:

– وعد.

خرجوا واحد ورا التاني…

وياسمين كانت آخر واحدة، كل شوية تلف راسها تبص على زينب،

كأنها بتتأكد إن المشهد ده حقيقي…

ومش حلم هيصحى منه.

والباب اتقفل بهدوووء…

بس القلوب جوه وبرّه كانت مولّعة بأسئلة كتير.


بعد ما اتأكد مومن إنهم خرجوا كلهم، رجع وقف قدام زينب، بصّ لها بتركيز، وقال بنبرة هادية لكن مباشرة:

– أنا حسّيت إنك عندك سبب تاني يخليكِ ترجعي مع الناس دي.

وقبل ما تقولي أي حاجة…

بلاش المبررات اللي ما تدخلش عقل طفل صغير:

صعبانة عليّ أمي اللي ربّتني،

والمصنع،

والبنات مسؤولين مني…

والكلام ده كله.

تنهدت زينب بعمق، وكأنها كانت مستنية السؤال ده من الأول، وقالت بصوت ثابت وفيه وجع:

– وماله لما أكون أصيلة؟

وأمتخلّيش عن الناس اللي كانوا معايا خطوة بخطوة في حياتي؟

ما مراتك نفسها ما تخلّتش عن أهلها،

ولا عن أمها اللي ربّتها.

ابتسم مومن ابتسامة خفيفة، فيها تفهّم بس كمان حزم، وقال:

– أنا ما بحبش المقارنة…

بس في فرق بين حياتك وحياة إيمان.

قرب خطوة، وكمل بنبرة أوضح:

– إيمان أمها كانت سندها حرفيًا.

كانت بتحاول بكل قوتها تحمي بنتها.

وعشان كده كان لازم إيمان تردّ لها الجميل،

وتخليها تعيش في حمايتنا.

سكت لحظة، وبص لزينب نظرة طويلة، وقال بهدوء موجع:

– إنما إنتِ…

إنتِ كنتِ مسؤولة عن نفسك.

الكلمة نزلت تقيلة في الهوا…

وزينب حسّت إنها مش مجرد جملة،

دي ملخّص عمر كاملة 

نظرت زينب لمومن وهي مترددة…

عينها مليانة حيرة:

تقول؟

ولا تسكت؟

ولو اللي سمعته ده مجرد حلم؟

هلوسة من الصدمة؟

وقبل ما تنطق بحرف…

جالها صوت واضح في ودنها:

– أنا فين؟

جسمها اتصلّب فجأة.

رفعت إيدها لمومن بسرعة وهمست:

– استنى دقيقة… لو سمحت، ما تعملش أي صوت.

في مكان تاني – مستشفى في إسكندرية

فتح زياد عينه ببطء…

لفّ راسه يمين وشمال، المكان غريب، الإضاءة ساطعة، وريحه مطهر خانقة.

قال بصوت مبحوح:

– أنا فين؟

ابتسمت الممرضة بارتياح:

– حمدالله على السلامة يا بشمهندس ياسر، أنا هبلّغ الدكتور.

خرجت تجري، وصوتها سبقها:

– المهندس ياسر فاق!

في لحظات، اتلمّ الناس قدام الأوضة، فرحة، زحمة، همهمات عالية.

جاء الدكتور ووقف قدامهم بحزم:

– من فضلكم… عايزين هدوء.

أنا هدخل أطمنكم على المريض.

دخل الأوضة، قرّب من السرير، وبدأ يكشف على زياد.

بص له وسأله بهدوء مهني:

– اسمك إيه؟

زياد بص له باستغراب وسأله بدل ما يرد:

– هو أنا هنا ليه؟

وحصل لي إيه؟

ابتسم الدكتور ابتسامة خفيفة:

– أنا اللي بسألك، جاوبني عشان نفهم إنت هنا ليه.

شخصية زياد الحقيقية كانت مسيطرة…

شدّ ملامحه وقال بحدة:

– إنت مين؟

وأنا فين؟

ضحك الدكتور بخفة، وقال:

– واضح إنك هتتعبني معاك.

أنا الدكتور المشرف عليك،

وإنت في إسكندرية.

قرّب أكتر وكمل:

– صيادين لقوك في نص البحر وأنقذوك.

كده أنا جاوبتك…

دورك بقى: اسمك إيه؟

زياد حاول يعصر دماغه…

ولا صورة،

ولا ذكرى،

ولا حتى إحساس مألوف.

هز راسه بتوهان:

– أنا…

مش فاكر أنا هنا ليه،

ولا فاكر اسمي إيه.

وسكت لحظة، وبص له بريبة وقال:

– بس شكلكم مريبين…

إوعوا تكونوا تجّار أعضاء وخدّوني؟

ضحك الدكتور ضحكة صافية:

– تجّار أعضاء مرة واحدة؟

واضح إنك متعرض لصدمة كبيرة.

تنهد وكمل:

– ما تقلقش،

أنا هدخل واحد واحد من أهلك،

يمكن لما تشوفهم تفتكر.

سأله زياد بقلق:

– ولو ما افتكرتش؟

رد الطبيب بثقة:

– ساعتها هنرجع للورق.

إحنا لقينا معاك بطاقة باسم

ياسر فراج.


في نفس اللحظة، عند زينب…

أول ما سمعت صوت زياد، ابتسمت غصب عنها. قلبها دق بسرعة، وإحساسها أكد لها إنها مكنتش بتتوهم، وإن اللي حاسة بيه حقيقي.

مسكت الموبايل بسرعة، وكتبت رسالة لـ مؤمن، ورفعته قدامه عشان يقراها.

كانت فاكرة الجهاز اللي زياد حطه في ودنها عشان يتابعها، ونفسها يكون معاه دلوقتي، عشان يقدر يكلمها.

مؤمن قرا الرسالة، وهو في الأول مش مستوعب…

ثواني، وملامحه بدأت تتغير، الصدمة ظهرت في عينيه.

مؤمن بذهول:

بجد؟ إنتِ بتتكلمي جد؟

زياد عايش؟! فين؟!

زينب بهدوء مشوب بتوتر:

كل اللي فهمته إنه في إسكندرية…

وموجود في مستشفى.

مؤمن اتصدم أكتر، وصوته بقى جاد:

مسمعتيش اسم المستشفى؟

زينب حاولت تفتكر، وفجأة…

في نفس اللحظة تقريبًا، زياد سأل نفس السؤال، كأنه سامعها بعقله، ومش فاهم الإحساس الغريب اللي مسيطر عليه.

زياد للدكتور:

هو اسم المستشفى إيه؟

الدكتور رد عليه باسم المستشفى.

وفي اللحظة نفسها، زينب رفعت عينيها وقالت الاسم.

مؤمن ابتسم ابتسامة خفيفة، فيها فخر وارتياح:

برافو عليكِ يا زينب.

قرب منها وقال بحسم:

أنا هبدأ أعمل تحريات.

وإنتِ تروحي هناك، وتسألي عن اسم العيلة اللي قولتي عليها.

وأنا من ناحيتي هشوف هنوصل لإيه.

ط

في نفس الوقت… عند زياد

فجأة حسّ زياد بوجع في ودنه.

الوجع كان تقيل، ومعاه وشّ وكلام كتير، كأن في حد بيتكلم جوّه ودنه…

بس الغرفة كانت فاضية تمامًا.

اتلخبط، وبصّ حواليه، وبعدين سأل الدكتور وهو متوتر:

زياد:

– هو ممكن يكون في ميه دخلت في ودني وأثّرت عليها؟

أنا سامع وشّ… وكأن حد بيتكلم في ودني.

الدكتور ركّز معاه شوية، وبعدين رد بهدوء مهني:

الدكتور:

– ممكن، عادي.

نجيبلك دكتور أنف وأذن وحنجرة يكشف عليك.

بس ندخّل أهلك الأول… هيجنّنوا عليك لو عرفوا إنك تعبان.

في اللحظة دي… زينب كانت سامعة

أول ما سمعت الكلام، قلبها وقع في رجليها.

الخوف شدّ صدرها، وإيدها مسكت في هدومها من غير ما تحس.

قربت من مؤمن بسرعة وهمست بانفعال:

زينب بخوف:

– بسرعة يا مؤمن…

مش ناقصة، ممكن يشيلوا الجهاز من ودنه لو دكتور أذن كشف عليه.

مؤمن بصّ لها بثبات، وهزّ راسه يطمنها:

مؤمن:

– متقلقيش.

أنا ليا صديق مشترك، شغّال في نفس القسم الخاص بزياد.

هبلّغه اللي حصل، وكل الشكوك اللي عندنا… وهنتصرّف.

وقف قدامها وبصّ في عينيها بجدية:

مؤمن:

– بس إنتِ أهم حاجة.

اكتبي أي حاجة تسمعيها…

أي معلومة، كبيرة أو صغيرة،

عشان نعرف نعمل تحرياتنا صح.

زينب هزّت راسها، وهي حاسّة إن كل نفس طالع منها بقى مسؤولية،

وإن أي كلمة هتسمعها…

ممكن تكون الخيط اللي يوصلهم للحقيقة.

في أوضة زياد

الوجع زاد فجأة، كأن حد لفّ سكينة جوّه ودنه.

زياد حط إيده عليها واتكلم بصوت واطي متلخبط:

زياد:

– لا… الوجع مش طبيعي.

وفي صوت… مش بس وشّ.

الدكتور قرّب منه شوية، حاول يطمنه:

الدكتور:

– متقلقش، التوتر بيعمل كده ساعات.

إحنا بس نطمن.

زياد سكت، بس جواه كان في حاجة بتقوله إن اللي بيحصل ده مش توهّم.

الإحساس كان مألوف…

كأن حد كان دايمًا قريب منه، حتى وهو فاكر نفسه لوحده.

غمّض عينه لحظة، وفجأة…

الصوت رجع أوضح.

«جريتي … لو سامعني،  بالله عليك متخليش حد يقرب منك شوي »

فتح عينه بسرعة، قلبه دق بعنف.

زياد بصوت مخنوق:

– دكتور…

هو في حد هنا غيرنا؟

الدكتور استغرب:

الدكتور:

– لأ… إحنا لوحدنا.

زياد بلع ريقه، وصوته واطي:

زياد:

– بس أنا متأكد…

في حد بيكلّمني.

في نفس اللحظة… عند زينب

زينب كانت قاعدة، إيدها بترتعش وهي ماسكة الموبايل.

النبض في ودنها عالي، بس فجأة…

الصوت اختفى.

قلبها وقع.

زينب بلهفة:

– مؤمن… الصوت راح.

كان وقتها زياد حط صوابعه فى ودنه من الوجع وسد ودنه 

مؤمن شدّ على فكه، ومسِك الموبايل بسرعة:

مؤمن:

– اهدي. كل حاجه تحت السيطره 


في اللحظة دي دخلت ممرضة أوضة زياد، وصوتها باين فيه قلق:

الممرضة:

– دكتور…

في اتصال من دكتور القسم الخاص. بالاذن 

بيقول إن الكشف يتأجل شوية لحين مراجعة ملف المريض.

الدكتور استغرب:


– ليه؟

الممرضة بتردد:

– قال…

في ملاحظات حسّاسة في التقرير الأخير.

زياد بصّ لهم، قلبه كان بيدق بعنف.

هو مش فاهم إيه اللي بيحصل…

بس لأول مرة يحس إن في حد واقف في صفّه.

عند مؤمن 

قفل المكالمة وبصّ لزينب بابتسامة خفيفة، فيها نفس النفس اللي دايمًا بيطلع وقت الشدّة:

مؤمن:

– كسبنا وقت.

زينب سألته بقلق:

– وبعدين؟

مؤمن قرب منها خطوة:

مؤمن:


زياد فقد الذكره قرب يسمع الحقيقة بنفسه.

زينب بصّت قدامها، ودموعها لمعت:

زينب بهمس:

– يا رب يكون وقتها  مستعد.

أكمل مومن كلامه 

الا عرفته من تقرير 

زياد انه  فاقد الذاكرة…

وده معناه حاجة واحدة خطيرة:

لو قربنا منه دلوقتي مش هيعرفني.

علشان كده اتاخد القرار بسرعة…

نأجّل أي مواجهة لحدّ ما يوصل الدكتور اللي ركّب السماعة ليك 

– هنغيّر الجهاز القديم.

السماعة اتأثرت من البحر 

زينب قلبها كان بيدق بعنف.

– الجديد هيخلّيني أسمع اللي بيحصل؟

تنهد مومن 

– آه… تسمعي كل كلمة، كل نفس.

بس هو مش هيسمعك.

لازم الحقيقة توصل له… مش تتفرض عليه.

زينب سكتت، وبصّت قدّامها.

دموعها لمعت في عينيها وهي بتهمس:

– يا رب…

يكون وقتها مستعد.

بعد نص ساعة… عند زياد 

باب الأوضة اتفتح.

دخل دكتور في منتصف الأربعينات، هادي، ملامحه مطمّنة.

زياد كان تعبان، بس أول ما عينه جت عليه…

حس بحاجة غريبة.

ركّز في وشّه شوية، وبصوت متردد قال:

– أنا…

حاسس إني شوفتك قبل كده.

الدكتور ابتسم ابتسامة خفيفة، مدروسة:

– طبيعي يا مهندس ياسر.

أنا الدكتور الخاص بيك.

إحنا متابعين مشكلة ودنك من فترة.

زياد حاول يفتكر…

ملامح، صوت، إحساس… بس ولا صورة كملت.

الدكتور كمّل بهدوء:

– واضح إن الميه أثّرت على ودنك.

خصوصًا بعد اللي حصل في البحر.

قرب منه خطوة:

– تعالى معايا أوضة الكشف.

نغسل ودنك ونطمن.

وإن شاء الله هتبقى بخير.

زياد قام معاه، وهو حاسس إن في حاجة ناقصة…

حاجة مش عارف يوصلها.

وفي اللحظة دي…

زينب كانت سامعة كل كلمة.

قلبها بيتعصر، بس عقلها فاهم:

لسه بدري.

لسه الحقيقة مستنية.


وفعلًا…

تمّ الكشف.

الدكتور شال السماعة القديمة،

وسحبها بحذر من ودن ياسر،

وبدأ غسيل الودن.

الألم كان قاسي.

ياسر مسك طرف السرير، صوابعه بيضا من شدّتها،

أنفاسه متقطعة، ووشّه متكشّر.

الدكتور:

– استحمل شوية…

ده لازم.

الدقايق عدّت تقيلة…

طويلة أكتر من اللازم.

برا المستشفى…

زينب خرجت،

خطواتها سريعة بس مش ثابتة،

قلبها سابقها.

السماعة الجديدة مش شغّالة…

ولا صوت.

ولا نفس.

صوت زياد اختفى.

وقفت فجأة، حطّت إيديها على صدرها،

أنفاسها بتطلع بالعافية.

بهمس متكسر:

– بيعمل إيه كل ده؟

ليه طول؟

ليه مش سامعة حاجة؟

حاولت تتماسك…

بس الخوف كان أقوى.

– أنا مش عايزة يضيع منّي…

مش بعد كل اللي حصل.

عينها دمعت،

وشعور واحد مسيطر عليها:

السكوت أحيانًا أخطر من أي حقيقة.

خرج ياسر من أوضة الكشف،

وشّه شاحب،

ودانه لسه بتوجعه،

وعقله تايه أكتر من أي وقت.

أول ما شافوه…

أهله اتلمّوا عليه مرة واحدة.

أبوه قرّب بسرعة،

فتح دراعاته وضمه بقوة، كأنه خايف يهرب من إيده.

بصوت مكسور وراجف:

– ياسر…

ولدي…

إنت بخير؟

طمني عليك.

ياسر اتخشّب بين إيديه،

مش فاهم،

مش حاسس بالألفة اللي المفروض تكون موجودة.

الأب كمّل وهو مش واخد باله:

– كان لازم السفرية دي ما تحصلش…

كنت قلتلك بلاش البحر،

كنت حاسس إن في حاجة هتحصل.

ياسر رفع عينه ببطء،

بصّله باستغراب واضح،

وسحب نفسه بهدوء من حضنه.

بصوت واطي بس صريح:

– حضرتك…

إنت مين؟

السكوت نزل على المكان تقيل.

الأم شهقت،

والأب اتجمّد.

ياسر كمّل، وهو لسه تايه:

– وسافرت إيه؟

أنا فاكر إني كنت هنا…

مش فاكر أي سفر.

الأب حسّ إن الأرض بتتهز تحته،

حاول يبتسم غصب عنه،

لكن صوته خانُه:

– أنا…

أنا أبوك يا ياسر.

العين في العين،

بس مفيش ذكرى…

ولا إحساس.

تنهدت الأم،

والدموع نازلة من غير ما تحس،

صوتها كان مخنوق بالحسرة:

– الله ما يسامحها…

هي السبب.

هي اللي خلتك تتغرب وتسيبنا من حزنك عليها.

ما قدرتش تشوفها مع واحد تاني…

فركبت المركب وقررت تهاجر.

بصّت لياسر/زياد،

وكأنها بتدور جوا وشّه على ابنها الضايع.

الأب أخد نفس تقيل،

وكمل بصوت متكسر:

– أخدت مركبك وطلعت بيها…

وإنت حزين.

واختفيت يومين…

يومين يا ولدي ومفيش أي أثر ليك.

سكت لحظة،

وبلع ريقه بالعافية:

– وفجأة…

جالنا خبر إن السفينة انصدمت في صخر في البحر.

دورنا عليك في كل حتة،

تعبنا من التدوير…

سألنا الصيادين، المستشفيات، المواني.

بس…

ولا نفس.

نزلت دمعة من عينه غصب عنه:

– قالوا إنك غرقت…

بس إحنا عمرنا ما اقتنعنا.

فضلنا مستنيينك.

زياد كان سامع،

حاسس إن الكلام ده مش غريب…

كأنه سمعه قبل كده،

بس مش قادر يمسك طرف الخيط.

في مكان تاني…

مؤمن قاعد قدام كريم الحسيني،

نبرته جادة وقلق واضح في عينه:

– هو فعلاً كان في شاب اسمه ياسر؟

وإزاي أهله مقتنعين إن زياد هو ياسر؟

أكيد في اختلاف في الملامح…

إلا لو…

زياد كان متنكر وقتها؟

ابتسم كريم ابتسامة خفيفة،

وفيها خبث المهنة:

– آه…

كان متنكر.

سكت لحظة، وبعدين كمل:

– ودهن وشه.

بس الحقيقة؟

أختك هي اللي كانت السبب إنه يروح للدهان.

مؤمن عقد حواجبه،

وكريم كمل وهو بيرتب الكلام:

– لما طلبت من زياد يقوم بالمهمة دي،

كان لازم يكون صادق في شغله.

العصابة مش سهلة،

وأي حد يظهر في الصورة

بيعملوا عليه تحريات.

مال لقدام شوية:

– وفي نفس الوقت…

وصل لنا خبر إن في جثة شاب في البحر

شبه زياد بشكل غريب…

تحس إنهم توأم.

مؤمن شد انتباهه:

– فين؟

– في حدود اليونان.

السفارة شافت الموضوع،

ومع البحث عرفنا التفاصيل.

كريم رفع صباعه كأنه بيوضح نقطة مهمة:

– الفرق الوحيد كان في الأنف.

عملنا عملية بسيطة.

وأهله ما خدوش بالهم…

خصوصًا بعد الحادثة والعمليات الكتير.

نبرته بقت أوضح وأخطر:

– البطاقة،

الباسبور،

كل حاجة تخص ياسر

كانت معاه.

سكت كريم،

وساب الكلمة الأخيرة تقع تقيلة:

– ومن هنا…

زياد بقى ياسر.

زينب كانت واقفة قدامهم، عيونها مولعة نار، إيديها بتترعش وصوتها طالع مكسور من الغضب والخوف في نفس الوقت:

زينب بانفعال: – إنت وديت صوت زياد فين؟! مش سامعاه… ليه؟!

كريم اتفاجئ بنبرتها، بصّ لها شوية وبعدين حاول يهدّي الموقف:

كريم بهدوء محسوب: – اهدي يا زينب… الموضوع بسيط، السماعة القديمة اتشالت، ولسه الجديدة متركتش.

قلبها وقع في رجليها، قربت خطوة، صوتها واطي بس موجوع:

زينب: – يعني إيه؟! يعني هو دلوقتي… لا سامعني ولا سامع أي حاجة؟!

الدكتور خرج في اللحظة دي، ماسك الملف، باين عليه التعب:

الدكتور: – للأسف آه… ودنه كانت ملتهبة جامد، والغسيل أخد وقت ومجهود. محتاج شوية وقت يركّب سماعة جديدة، بس لازم يستريح الأول.

زينب حطّت إيدها على بقها، عينيها غرقت دموع، همست كأنها بتكلم نفسها:

– يا رب… أنا كنت سامعاه، كنت حاسّة بيه، كنت مطمّنة.


........... 

من جوه الأوضة، ياسر كان قاعد على السرير، باصص حواليه بتيه، شاف وشوش كتير، بس ولا صوت… ولا إحساس مكتمل. شفايفهم بتتحرك، بس هو مش سامع غير الصمت.

أبوه قرّب منه، حضنه تاني، وهو بيبص في الفراغ:

الأب بصوت مخنوق: – متخافش يا ولدي… إحنا جنبك.

ياسر بصله باستغراب، حاول يقرأ شفايفه، سحب نفسه بهدوء، وسأل بصوت واطي مبحوح:

ياسر: – هو… أنا ليه حاسس إني تايه؟

ليه كل ده غريب عليّا… بس في نفس الوقت مألوف؟


               الفصل التاسع والعشرون من هنا 

  لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة