
بقلم اسماعيل موسى
كان فارس جالس فى مكتبه يراجع مستندات مهمه عندما انفتح باب مكتبه فجأه.
فارس لم يكن ينتظر زيارة، لم يطلب شيء من الخدم
أطلت مليكه من وراء الباب تحمل فنجان القهوة
دهش للحظه قبل أن يبتسم فى سره، مدام مليكه، تاعبة نفسك ليه ؟
همست مليكه لقيتك مش بتسأل قلت اسأل انا
استطعم فارس الكلمه ،انفتح الباب المغلق امامه وقرر ان يمنح مليكه جائزة.
الموضوع مش انى مش بسأل يا مليكه الحقيقه انا مكنتش عايز ازعجك، كنت بعيد عشانك مش عشان مش عايزك
وترك الكلمه الاخيره تلف داخل المكتب وتستقر بين الملفات
إبتسمت مليكه ولاحظ فارس حجم التغير إلى حصل فيها
أصبحت مليكه امرأه مثيره انيقه وجميله حتى ان فارس لم يتمالك نفسه ولأول مره تخلى عن هدوءة وصبرة
اشار إلى مليكه بيده ، ايه مش هتقعدى ؟
قربت مليكه منه بلا تردد وصدمه حجم الجمال البادى
فارس انت ليك علاقه ببنتى ؟
همس فارس وهو يقبض عليها لا.
فى الشركه كانت فريده بتحقق نجاحات متواصله ،بلا مساعدة فارس حصلت على ترقيه وأصبح لها مكتب خاص
الشغل مكنش بيشغل فريده اكتر من انشغالها بوالدتها
لاحظت انها تغيرت فى الأيام الاخيره، بتقعد ساكته كتير وبتقف قدام المرآيه وقت طويل، وتطلب من فريده أدوات تجميل لا تستخدمها سوى عروس او فتاه شابه
قلبها أخبرها ان فيه حاجه حصلت لكن وقتها مكنش يسمح ليها التقصى خلف الأسباب
ولما سألت امها عن سبب تغيرها قالت، انتى تكرهى انى اكون سعيده ؟
صمتت فريده، طبعآ يا ماما بتمنى ليكى السعاده دايما
خلف باب المكتب المغلق تعلمت مليكه ان تطيع التعليمات ووجدت فيها بعد الرفض قبول لكنه ليس مريح وكانت تسخر من نفسها احيانا وتقول ان عودتها إلى القصر لم تكن صائبه آبدآ ،ثم حدث انها انقطعت عن خدمة فارس فجأه
لم تذهب إلى مكتبه ولم تحضر القهوة ولم يبحث فارس عنها
كان بينهم اتفاق ان يحترم فارس رغبتها فى الهرب عندما
تأتى ،كانت مليكه تعرف أنه سيأتى يوم تلعن فسه نفسها
ويصحو ضميرها وقد كان.
لم يكن الندم هو ما أيقظ مليكة، بل الفراغ
الفراغ الذي تركه توقفها المفاجئ، والهدوء الذي لم يلاحقها فيه فارس، وعدم سماعها لصوته يناديها أو يأمرها، وكأن القصر كله قرر أن يتركها تواجه نفسها دون مرايا.
مرت أيام لم تذهب فيها إلى مكتبه، ولم تحمل القهوة، ولم تنتظر إشارة بيده.
وكانت تتوقع – في داخلها – أن يُغلق الباب عليها مرة أخرى، أن يستدعيها بنبرة لا تُرفض، أن يعيدها إلى الدور الذي تتقنه. لكنه لم يفعل.
شيء ما في صمته هزّها أكثر من أي سيطرة مارسها سابقًا،
في إحدى الليالي، وقفت أمام مرآة غرفتها، لا لتتزين هذه المرة، بل لتخلع كل ما ارتدته كدرع.
خلعت الأناقة التي ظنتها قوة، وخلعت النظرة التي تعلمت أن تواجه بها، وبقيت وحدها… امرأة تخشى أن تكون عرفت نفسها متأخرة،في اليوم التالي، لم تتجه إلى مكتب فارس،
اتجهت إلى الإدارة،طلبت مقابلة رسمية،
ليس بصفة امرأة تدخل من باب خاص، بل بصفة موظفة تطلب موقعًا محددًا في القصر.
حين جلس فارس أمامها في قاعة الاجتماعات وليس خلف مكتبه، فهم أن شيئًا تبدل فعلًا.
قالت بهدوء لم يعرفه فيها من قبل: أنا مش عايزة أهرب تاني… ومش عايزة أرجع لنفس المكان.
أنا عايزة أشتغل هنا بشكل واضح. وظيفة حقيقية،مرتب واضح، مواعيد واضحة، من غير أبواب مقفولة
نظر إليها طويلًا، لا بابتسامة ساخرة، ولا ببرود السيد المعتاد، بل بنوع من الاعتراف الصامت
سألها: ولو قولت لأ؟
ردت دون ارتباك: همشي فعلًا. مش ههرب… همشي.
ولأول مرة، لم يكن التهديد هو ما في صوتها… بل الاستقلال.
في الخارج، كانت فريدة قد بدأت مشروعًا جانبيًا داخل الشركة، مستفيدة من ترقيتها، فكرة توسع جديدة تحتاج إدارة نسائية دقيقة، وحين علمت بطلب والدتها، عرضت عليها أن تكون جزءًا من المشروع تحت إشرافها المباشر.
وهنا انفتحت أول نافذة مختلفة،
مليكة لم تعد بين ساقي رجل، ولا خلف باب مغلق، ولا واقفة تنتظر إشارة
بل واقفة خلف مكتب صغير، تحت إدارة ابنتها، تتعلم من جديد كيف تُبنى السلطة بشكل نظيف،أما فارس، فلم يمنع القرار، ولم يسهله.
ترك الأوراق تُوقع بشكل رسمي، وترك اسمها يُدرج في الهيكل الإداري الجديد.
وفي المساء، حين مر بجانب المكتب الزجاجي ورآها تنحني فوق ملفات حقيقية، لا فوق وهمٍ قديم، أدرك أن المرأة التي كان يسيطر عليها… خرجت من يده دون أن تخسر نفسها.
فكرة فريدة بدأت كمشروع صغير داخل الشركة ولم يتوقع أحد أن يتحول إلى كيان حقيقي قادر على الوقوف وحده كانت مجرد إدارة جديدة اقترحتها فريدة بحماس الشباب لكن في داخلها لم تكن تجربة عابرة بل كانت بداية انفصال محسوب عملت عليه ليل نهار دون ضجيج وضعت له خطة مالية مستقلة واختارت فريقا لا يدين بالولاء إلا لكفاءته وبنت شبكة عملاء مختلفة تماما عن دائرة نفوذ فارس
في الشهور الأولى ظهرت النتائج واضحة وقوية المشروع حقق أرباحا تجاوزت التوقعات ونجح في جذب سوق جديد لم تستطع الشركة الأم الوصول إليه من قبل الأرقام كانت تتحدث بثقة ومجلس الإدارة لم يعد يستطيع التقليل من قيمة ما يحدث
فارس تابع بصمت لم يمنحها دعما صريحا ولم يضع في طريقها عوائق كان يراقب من بعيد ويرى كيف تتحرك بخطوات ثابتة لا تشبه التهور الذي كان يتوقعه أدرك أن فريدة لم تعد مجرد ابنة تعمل تحت اسمه بل أصبحت اسما يتشكل أمامه بقوة مستقلة
فريدة من جهتها بدأت ترتب كل شيء بدقة قانونية سجلت علامتها التجارية الخاصة وفتحت حسابات منفصلة وأعادت هيكلة العقود بطريقة تضمن استقلالا كاملا لم تكن تبحث عن مواجهة مباشرة لكنها كانت تسير في اتجاه واضح لا رجعة فيه
مليكة كانت تتابع بصمت الأم التي تخاف وتفخر في آن واحد رأت في خطوات ابنتها شجاعة لم تملكها يوما ورأت فيها أيضا تصحيحا لمسارات قديمة حاولت هي نفسها الهروب منها
في إحدى الليالي عادت فريدة إلى البيت بعد اجتماع طويل وجلست أمام والدتها بهدوء وقالت إن الوقت قد حان لاتخاذ القرار النهائي أخبرتها بأنها ستفصل المشروع رسميا مع نهاية العام وأن الشركة الجديدة ستحمل اسمها وحدها دون أي شراكة خفية أو تبعية قديمة.
مليكة سألتها إن كانت مستعدة لتحمل النتائج فأجابت فريدة بثبات أنها اعتادت دفع ثمن الصمت طويلا وهذه المرة ستدفع ثمن حريتها
في اليوم التالي وصل إلى مكتب فارس ملف قانوني يتضمن طلبات إعادة الهيكلة وفصل الأصول كان اسم فريدة واضحا في كل صفحة قرأ الأوراق كاملة دون أن تتغير ملامحه فهم أن ما يحدث ليس تمردا عاطفيا ولا نزوة عابرة بل قرار مكتمل الأركان
وضع الملف جانبا في هدوء كأنما يقر بنهاية مرحلة وبداية أخرى النهاية لم تأت بصوت مرتفع ولم تحتج إلى صراع معلن جاءت في صورة عقد ينتظر توقيعا وكل الأطراف تعرف أن ما بعده لن يكون كما قبله.