رواية حبًا تغير مجراه الفصل الثاني والاربعون 42 ج2 والاخير بقلم مارينا مختار


رواية حبًا تغير مجراه الفصل الثاني والاربعون 42 ج2 والاخير
بقلم مارينا مختار


جلست داليا في غرفتها،شاردة الذهن

،تغوص في أفكارها الثقيلة.كيف ستتصرف الآن؟لقد قضت سنوات تحاول إخفاء قصتها،تهرب من ماضٍ خافت أن يُكشف،و الآن يشاء القدر أن يعرف به أولادها

كانت طوال تلك السنين تخشى أن يكتشف تامر سرها،أما الآن،فقد فُرض عليها أن تبوح بكل ما كتمته

لسنوات.شعرت بثقل يكاد يخنق صدرها...كيف ستخبر أولادها؟كانت تخاف من ردة فعلهم،تماما كما كانت تخاف عليهم من الصدمةً.إنها تعلم أن

.الأمر ليس هيناً

ماذا ستكون ردة فعل كارما،ابنتها

،عندما تعلم أن الشخص الوحيد الذي أحبته لم تستطع أن تتزوجه؟

،و سيف.....هل سيسامحها هو الآخر؟

ترقرقت الدموع في عيني داليا

.مجدداً،حزناً على نفسها،و على أولادها

أما كارما،فكانت ممدة على فراشها

،عيناها مثبتتان على السقف،و الدموع تنهمر منهما بصمت

تفكر في كل ما حدث...و كل ما قد يحدث.كيف تفعل بها والدتها هذا؟،كيف تُطفئ فرحتها؟،و لماذا؟

و ماذا عن سيف؟هل سيعود؟أم أنها خسرته إلى الأبد؟

و حتى إن عاد،هل سيقبل والداه بما حدث؟،تساؤلات كثيرة تدور في رأسها

.و لا إجابة واحدة تطمئن قلبها ،

في الجهة الأخرى،قص سيف ما حدث على والديه،فاستغربا،و حاولا جاهدين فهم السبب وراء ردة فعل والدة كارما الغريب و طلبها لمقابلتهما. لكن دون

.جدوى...لم يتوصلا إلى شيء

أما سيف فقد حسم أمره بأنه سيقنع

.والديه بالذهاب لمقابلة والدة كارما

فعليهم أن يفهموا ما الذي دفعها

.لذلك

.................

في اليوم التالي

تلقت كارما اتصالاً من سيف

، يخبرها فيه بأنه سيأتي الليلة مع

والديه، كما طلبت والدتها.فاطمئنت و

.هدأ قلبها قليلاً

في الجهة الأخرى،لم يكن الأمر

سهلاً على أحمد و ناهد.فبعد

محاولات متعددة من سيف لإقناعهما

،اضطرا أخيراً إلى الخضوع لرغبته،و الموافقة على الذهاب معه إلى منزل

. والدة كارما

لم يكونا راغبين في لقائها،خاصة بعد ردة الفعل الغريبة التي صدرت عنها في لقائها السابق مع سيف.خشيا من إحراجٍ محتمل،لا سيما أنهما لا يعلمان ما الدافع الحقيقي خلف تصرفها.و مع ذلك،لم يجدا أمام إصرار سيف

. سبيلاً سوى الموافقة

أما كارما،فأبلغت والدتها باتصال سيف ،و أكدت لها أنه قادم الليلة مع

.والديه

ثم نظرت إلى والدتها بوجه يحمل مزيجاً من الرجاء و القلق، و طلبت منها،بوضوح و صراحة،ألا تكرر ما فعلته مع سيف في لقائهما السابق،و

ألا تفسد هذه الليلة.كانت تدرك جيداً أن هذه الليلة قد تكون فرصتها

. الأخيرة لإصلاح ما انكسر

هزت داليا رأسها بصمت،و في عينيها

.حزن عميق و أسى على أولادها

كيف وصلت الأمور إلى هذا الحد؟

كيف أصبحت هي السهم الذي سيخترق قلوب أبنائها؟

لكنها رغم الأسى،لم تشأ أن تحمل نفسها الذنب كاملاً.هو أيضاً أخطأ،بل

.ربما كان السبب الأول

لابد أن يتحمل نصيبه من الذنب..لا

.يمكن أن يقع العبء كله عليها وحدها

....................

مرت الساعات كالضهر عليهم جميعاً ،و خاصة على داليا التي كانت محملة بعبئاً كبير،أثقل من قدرتها على

. الإحتمال...عبء الإعتراف

.حل أخيراً موعد اللقاء المنتظر

اللقاء الذي سيغير كل شيء رئساً على عقب،الذي سينهي قصة حب قبل أن تولد، و يكتب بداية قصة أخرى لم

.تكن في الحسبان

جلست داليا تراقب عقارب الساعة كأنها تحاكمها،و كل دقيقة تمر تسرق من قلبها جزءًا.كانت تعلم أن هذه اللحظة ستترك أثراً لا يُمحى،فنهاية طريق قد تكون بداية لآخر...أكثر

.صدقاً،و ربما أكثر وجعاً

...........

في المساء

وصلت سيارة سيف و توقفت بهدوء أسفل بناية كارما.ترجل منها أولاً و لحِق به والداه بعد لحظات،ثم اتجهوا معاً نحو مدخل البناية.بينما في الأعلى

.كانت كارما و داليا في قلق و ترقب

كانت كارما تقف أمام المرآة تعدل من مظهرها،بينما قلب داليا يخفق بعنف،كما لو كانت تنتظر لحظة اعدامها.شعور ثقيل يخنق أنفاسها،لكنها كانت تدرك

.تماماً أن لا مفر من هذا اللقاء

رن جرس الباب.انتفضت داليا من شرودها،و في اللحظة نفسها هرعت

كارما نحو الباب لتفتحه،لكن يد والدتها

.سبقتها و منعتها برفق

ترددت كارما للحظة،ثم ابتعدت خطوة إلى الوراء،و هي لا تفهم ما يدور في رأس والدتها،لكنها شعرت أن هناك أمراً غير مريح على وشك الحدوث...شيء لا يمكنها التنبؤ به،لكن قلبها كان

.يحذرها

فتحت داليا الباب ببطء،فكان سيف أول من ظهر أمامها،واقفاً بابتسامته المعتادة،يُخفي خلفه والديه اللذين لم يكونا بعد في مرمى الرؤية.لم تتمالك نفسها،فبادرت باحتضانه بقوة،كما لو كانت تحاول انتزاع لحظة دافئة من زمن مضى.لم تتذكر متى كانت آخر مرة ضمته فيها،لكنها كانت تشتاق إليه

.بصدق

تفاجأ الجميع من فعلتها،لكنها سرعان ما تمالكت نفسها و تراجعت خطوة

.للوراء،ثم أفسحت له الطريق ليدخل

و ما إن دلف سيف إلى الداخل،حتى

.ظهرت خلفه ناهد و أحمد

هنا،تسمرت داليا في مكانها،و نظرت مباشرة إلى أحمد بعينين تحملان مزيجاَ من الألم و العتاب،و كأنها

لم تحتج إلى.تحاكمه بنظراتها وحدها

أن تنطق بكلمة،فقد عرفها على الفور

،ملامحها لم تتغير.هي هي،كما تركها

.منذ سنوات طويلة

تجمد أحمد في مكانه،و تغيرت

ملامحه فجأة.بات يدرك الآن...لماذا طلبت داليا هذا اللقاء،و لماذا احتضنت سيف بهذه الطريقة الغريبة.كانت الحقيقة تقترب منه ببطءٍ قاسٍ و

.بدون مقدمات

ساد صمت ثقيل،كأن الهواء قد انقطع

.من المكان

شعرت ناهد بالتوتر،فحاولت كسر هذا الجمود و مدت يدها لمصافحة داليا بابتسامة مرتبكة،فبادلتها الأخيرة المصافحة بجفاء واضح.ثم نظر أحمد إلى داليا،متردداً،قبل أن يمد يده هو

الآخر،لكن داليا تجاهلته تماماً،ثم أشارت لهما بالدخول دون أن تنطق

.بكلمة

شعر أحمد بالإحراج،لكنه لم يُظهره

،فباله كان مشغولاً بما هو أعمق و

:أخطر.داخله كان يضج بالأسئلة

ماذا لو عرف سيف بالحقيقة؟

كيف ستكون ردة فعله إن علم أن الفتاة التي أحبها بكل كيانه هي في الحقيقة..أخته؟

كيف يشاء القدر أن يكشف كل شيء دفعة واحدة،هكذا،دون إنذار؟

ارتبكت دقات قلبه،و تلاحقت أنفاسه

،أما عقله فكان ساحة معركة بين الذكريات و التساؤلات،بين الندم و الخوف.لم يكن يعلم بعد،أن المفاجأة

القادمة...ستقلب كل شيء رأساً على

.عقب

...................

في الصالون

أفاق أحمد من شروده على صوت

...كارما و

-كارما:تشربوا ايه؟

-داليا:مفيش داعي...تعالي اقعدي جنبي يا كارما

استغرب الجميع رد داليا،و كادت كارما أن تتحدث،لكن والدتها سبقتها،و حدقت

:بأحمد مباشرة

-داليا بحزم:أومال فين والدة سيف يا بشمهندس أحمد؟

استغرب الجميع من سؤلها،خاصة سيف ،فهو أوضح لها الأمر سابقاً...فما سر اهتمامها به الآن تحديداً؟

تجمد أحمد في مكانه،و أحمر وجهه

،و شعر بثقل شديد أصاب لسانه،كأن الكلمات قد تجمدت داخله.لم ينطق

.بحرف

-داليا بصوت أكثر حدة : ساكت ليه؟،أقولك أنا فين؟ازاي جالك قلب تحرق قلب ابنك على أمه؟ازاي جالك قلب تجيبله أم تانية و أمه لسه عايشة؟.يعني مش كفاية انك حرمتني منه السنين دي كلها، كمان قلتله اني مت!!و جبتله واحدة تانية تتمتع بيه؟

..ده انت جاحد يا أخي

ساد الصمت ثقيل المكان.الكل

مذهول.. تساؤلات كثيرة تدور في

الأذهان،خاصة كارما و سيف،فقد كانت

.الصدمة عليهما عنيفة

حتى ناهد كانت مندهشة،فهي لم ترَ

داليا من قبل،و لم تتخيل أنها والدة

.سيف الحقيقية

نظرت كارما نحو سيف...أخوها؟أدركت فجأة أنها أحبت أخاها....كيف تغير كل شيء بهذه السرعة؟

ترقرقت الدموع في عينيها،فكل شيء انتهى قبل أن يبدأ.أما سيف،فلم يكن حاله أفضل...الدموع كانت تنهمر من

.عينيه بغزارة

كيف خدعه والده؟،كيف حرمه من

والدته كل تلك السنين؟و كيف تركته

والدته كل تلك السنين؟و ماذا عن ناهد؟ هل كانت تعلم بالحقيقة؟ أم خُدعت هي الأخرى؟

و ماذا عن كارما؟

الفتاه التي أحبها...هل هي فعلاً أخته!!؟؟؟

لم يتحمل سيف أكثر،فصرخ فجأة

...

-سيف بنبرة عالية:ايه اللي انتي بتقوليه ده؟،ما ترد عليها يا بابا!!ساكت ليه؟قول أي حاجة!؟

-أحمد بتلعثم محاولاً إيجاد كلاماً مناسباً:تعالى نروح و...و أنا هفهمك كل حاجة

-سيف بانفعال:تفهمني ايه؟!تفهمني إنك كدبت عليا كل السنين دي؟ازاي حرمتني من أمي؟ازاي خليتني أقول كلمة ماما لوحدة تانية و هي أمي الحقيقية عاشية؟،ازاي هنت عليك؟

!و انتي

كنتي عارفة ان أمي عايشة و سكتي و فضلتي تمثلي عليا؟ ولا كان ضاحك عليكي انتي كمان؟ما تردوا،ساكتين ليه؟

-ناهد بنبرة تحمل مزيجاً من الحنية و الرجاء:سيف حبيبي،اهدى شوية، و

..خلينا نفهمك

أنا عمري ما كنت بمثل عليك،و انت عارف كده،أنا فعلاً بعتبرك زي ابني و مكنش في أيدي أعمل حاجة.أنا قلتله كتير أنه يقولك الحقيقة،بس هو كان بيرفض عشان كان خايف عليك

-سيف بصوت مكسور و غاضب:خايف عليا يحرمني من أمي؟ يجبلي أم مزيفة عشان يرضي ضميره؟

ثم توجه بنظره نحو داليا:و انتي..انتي كنتي فين السنين دي كلها؟مجتيش تسألي عليا ليه؟محاولتيش تشوفيني ليه؟ولا جاية دلوقتي تفتكري ان عندك ابن؟ازاي هنت عليكي تسيبيني كل السنين دي؟ازاي تعملوا فيا كده؟...ازاي؟

-داليا بصوت باكي:لا يا سيف ماتلومنيش ،ده كان غصب عني،أنا عمري ما نسيتك...ولا غبت عن بالي لحظة.حاولت اخدك منه كتير،بس كان بيرفض و بيطردني،و كان بيهددني. و أنا كنت لوحدي مليش حد، معرفتش

.أعمل حاجة

استحملت اللي مافيش ست تتحمله عشانك،استحملت قرفه،و ضربه،و

.اهانته،و خيانته...كل ده عشانك

فمتجيش دلوقتي و تلومني.على عيني كان بعدك عني،بس ماكنش في أيدي حاجة....أنا مكنتش قده

انت مشفتوش على حقيقته... ده مفتري و ظالم

تحول الحوار إلى شجار عارم،الكل يتكلم في الوقت نفسه...لكن كارما ظلت صامتة،مشوشة،تتلقى الصفعات واحدة تلو الأخرى.لم تصدر منها كلمة

.فقط دموع تنساب بصمت ،

لكنها لم تكن تعلم أن الصدمة الأكبر

.لم تأتِ بعد

-أحمد بصوت مرتفع و بنبرة ساخرة:لمي نفسك،و واضح انك كنتي متأثرة على بعد ابنك،عشان كده روحتي اتجوزتي و خلفتي و عشتي حياتك

-داليا و هي تحاول أن تبتلع غصة مريرة علقت في حلقها:أنا اتجوزت عشان ألاقي حد يسترني و يصرف عليا أنا و.... بنتك،بعد ما طردتني من بيتك،و سبتني من غير جنيه أعيش

.بيه

هنا استفاقت كارما من شرودها..عقلها عاجز عن الاستيعاب.شعرت بجسدها ينهار،فجلست على طرف الأريكة

.مرتجفة،متحجرة الملامح،

كانوا جميعاً ينظرون إلى داليا و

علامات الدهشة جلية على وجوههم

،ثم نهض أحمد من مكانه،و اقترب

:منها صارخاً في وجه داليا

-أحمد بصوت هادر:انتي بتخرفي بتقولي ايه؟!،انتي اتجننتي!بنت مين دي؟! بنتي؟!،روحي شوفي مين أبوها

-صرخت داليا و هي ترتجف:اخرس

خالص!،أنا مش هسمحلك تهني تاني انت فاهم،و هي بنتك، عايز تصدق..صدق،مش عايز اتفلق...ولا فارق معايا.هي مش محتجاك أصلاً ،ولا شافت منك حاجة،و الراجل اللي اتجوزته اللي مش عجبك، ده ستر علينا و سبلنا فلوس تأمنا و نعيش بيها،مع انه كان عارف انها مش بنته

، بس مطلعش ندل زيك

-أحمد:يا سلام، يعني انتي عايزة ترجعي بعد السنين دي كلها،اللي انا معرفش حاجة فيها عنك،و تقوليلي

؟!عندك بنت و أصدقك

-داليا:قلتلك لم لسانك أحسلك،و بعدين أنا مش طالبة منك تصدق،البت بقلها سنين عايشة من غيرك عادي،و مكتوبة على اسم راجل مش بدورلها على أب يعني،و هي أصلاً مايشرفهاش انك تكون أبوها،أنا بس حبيت أعرفك اني شربتك من نفس الكأس اللي شربتني منها،انت حرمتني من ابني و أنا حرمتك من بنتك...انت جبت له أم تانية،و أنا جبت لها أب تاني

-في هذه اللحظة نهضت كارما من على الأريكة،و صرخت بصوت متحشرج :اسكتوااا

سكت الجميع فجأة،بينما نظرت هي إلى والدتها بعينين حمراوين من كثرة

:البكاء و قالت بصوت مبحوح

-انتوا ازاي تعملوا فينا كده!؟ما سعبناش عليكوا!؟،عشان تنتقموا من بعض تؤذونا احنا؟،هو اتحرم من أمه،و أنا اتحرمت من أبويا،و خلتيني أعيش عمري كله فاكرة نفسي بنت راجل تاني!،و مكنتيش ناوية تقوليلي!،و في

الأخر احنا اللي شلنا ده،احنا اللي

اتوجعنا،!يعني أنا دلوقتي...حبيت

!!أخويا؟؟

لالا...لاااا

ثم وضعت كفيها على وجهها، و انهارت في البكاء.اقتربت منها داليا

....و احتضنتها بقوة و

-داليا و هي تربت على ظهر ابنتها:لا يا حبيبتي،صدقيني،أنا مكنش غردي اني أنتقم منه،مستحيل أعمل كده على حسابك.أنا عمري ما كنت ناوية أتكلم ولا أقول حاجة عشان ماجرحكيش

،دليل اني فضلت ساكتة كل السنين دي،بس لولا الموقف اللي اتحطينا فيه فاضطريت أقول

-نظرت كارما بين دموعها:و انتي ليه تعملي كده أصلاً،ليه؟

-داليا:عشان خفت انه يحرمني منك زي ما حرمني من سيف

-نظر أحمد إلى داليا،و سأل بحدة:ازاي حصل ده؟

تنهدت داليا،و بدأت في سرد ما

... حدث

فلاش باك

كانت داليا تعاني منذ اليوم الأول لزواجها من أحمد.كان رجل قاسٍ،لا يعرف سوى العنف و الشتائم.لم يكد يمر شهر دون أن يرفع يده عليها أو يهينها بكلمات تترك في قلبها جروحاً لا تندمل .لكنها كانت تتحمل،تواسي نفسها بأملٍ كاذب أنه سيتغير،خصوصاً بعد أن رزقا بابنهما الأول، سيف.إلا أن شيئاً لم يتغير.ظل كما هو،بل ازدادت

.قسوته

تحملت داليا كل شيء من أجل ابنها .و لكن ذات ليلة، نشب بينهما شجار عنيف،فقد أعصابه و بدأ ينهال عليها ضرباً حتى كادت أن تفقد وعيها.تلك الليلة كانت القشة

الأخيرة.لم تعد تملك القدرة على الصمت،فصرخت فيه و هاجمته بكل ما بقي في قلبها من وجع و طلبت

.الطلاق

فعلها فوراً.طلقها و طردها من البيت بلا رحمة،لم يترك لها شيئاً...لا مالاً

،ولا مأوى،ولا حتى ابنها.حرمها من رؤيته،و رفض كل محاولاتها بعد ذلك أن تراه،رغم توسلاتها بأن تسمح له بزيارته متى شاء،لكنه أصر على

.حرمانها التام منه

في تلك الفترة لم تكن تملك داليا سوى مبلغ صغير من المال ،كانت

والدتها-رحمها الله-قد تركته لها قبل وفاتها.و لكنها أخفت الأمر عن أحمد

،فلو علم به لسلبه منها.لم يكن المبلغ كافياً لتوكيل محامي أو حتى للوقوف

فلم تجد خياراً .أمامه في المحكمة

.سوى الرحيل

سافرت داليا إلى برشلونة،حيث تعيش خالتها.فلم يكن لها أحد آخر في القاهرة،حتى ابنها لم يُسمح لها

برؤيته.فما الذي يبقيها؟

بعد أيام قليلة من وصولها إلى برشلونة،اكتشفت داليا أنها حامل

،فترددت اذا تخبر أحمد أم لا،و لكنها قررت بأن لا تخبره،و لن تعود له،و لن

فهي.تضع ابنتها في نفس الجحيم

تخاف بأن يُحرمها من ابنتها كما فعل

.سابقا

قررت أن تبدأ من جديد.أن تعتمد على نفسها لأجل طفلتها القادمة.عملت كنادلة في أحد الكافيهات،و هناك

.التقاها رأفت

كان رجلاً أرملاً،توفيت زوجته منذ عام،يعيش وحيداً و لم يُرزق

بأولاد لأنه عقيم.كان يتردد على المقهى بانتظام،ولاحظ داليا منذ أول مرة رآها.شيء ما فيها شده،ربما

ملامح الحزن المختبئة خلف ابتسامتها المهنية،أو ربما طريقتها الهادئة في

.التعامل مع الزبائن

طلب منها أن يجلسا معاً.تحدث معها

،أخبرها عن وحدته،عن رغبته في شريكة لحياته تأنس عليه وحدته

، و ترعاه و تعتني به كما يعتني بها

.هو.عرض عليها الزواج

رفضت داليا في البداية،لكن عقلها كان يقاوم قلبها.فكرت بالأمر بموضوعية:هي امرأة وحيدة،حامل،بلا سند،و لا

مال.تحتاج إلى من يرعاها و

يحتويها. لكنها كانت واضحة من البداية،وضعت شرطاً واحداً:أن تُنسب ابنتها إليه،و تحمل اسمه،حتى لا يصل أحمد إليها يوماً،و حتى تضمن

مستقبلاً أمناً لها...و مستقبلاً في

.إرث رأفت اذا طال عمره أو قصر

قصت عليه كل شيء،لم تخفِ عنه شيئاً.حكت له عن زواجها،طليقها،حملها

،و خوفها.لم يغضب،بل رحب بالأمر

،فهو لم يُرزق بأبناء،و لكن قد تكون

.هذه الطفلة هبة الله له

تزوجا بعد أن أتمت داليا عدتها.أخبر رأفت شقيقه تامر بزواجه،لكنه لم يخبره بأمر حمل داليا حتى تضع

بسلام ،فقد كان يعرف طمع أخيه جيداً،و يخشى أن يسعى لحرمان داليا و ابنتها من أي حق في ماله.لكن

.القدر لم يمهلهما طويلاً

تدهورت صحة رأفت فجأة.شعر بأن النهاية قريبة،فقرر أن يؤمن زوجته و ابنتها القادمة.كتب كل أملاكه باسم

داليا،و حرر وصية واضحة،صريحة،و موقعة بكامل إعادته.ذكر فيها علمه بحملها،و أوصى بأن تُعامل الطفلة كابنته الشرعية.و أوصى بها و بأمها لصديق عمره،السيد أدونيس المحامي

.الذي ترك معه الوصية

و قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة،التفت إليها بعينين تترنح فيهما الحياة،و كأنه يلملم ما تبقى من أنفاسه ليطمئن عليها للمرة الأخيرة.كانت وصيته واضحة،مختصرة،لكنها حملت في طياتها كل الخوف و الحب و القلق.أوصاها أن ترحل فوراً إذا أصابه مكروه،أن تبيع كل شيء دون تردد و تغادر بعيداً،حيث لا يمكن لتامر أن يصل إليها أو يؤذيها هي أو طفلتها.طمأنها بأن السيد أدونيس سيتكفل بكل الإجرائات،و أنه يمكنها الوثوق به كما وثق هو به طوال

.حياته

و بالفعل،لم تمضِ أيام قليلة حتى توفي رأفت.نفذ أدونيس وصية صديقه بكل أمانة.ساعد داليا على بيع كل ما تملكه،و رتب لها أوراق السفر،فأخذت أموالها،و حزمت ما تبقى من عمرها،و

.عادت إلى القاهرة

وضعت داليا طفلتها هناك،و أطلقت عليها اسم"كارما".كتبتها في الأوراق الرسمية باسم "كارما رأفت"،تماماً كما اتفقت مع زوجها الراحل،و مع قلبها الذي اختار أن يدفن الماضي إلى

. الأبد

.............

عودة مرة أخرى للوقت الحالي

لم تحتمل كارما ما سمعته.كانت

.الصدمة أقوى من أن تُحتمل

عاشت طوال عمرها داخل كذبة

.ضخمة نسجتها والدتها بإحكام

والدها لم يكن والدها،و حبيبها الذي أحبته بصدق أصبح فجأة شقيقه.كل شيء انهار أمام عينيها في لحظة واحدة.سقط الحلم، و تحطمت القصة

.قبل أن تبدأ

شهقت بحدة،و انهارت،ثم دفعت جسدها المرتجف و ركضت باكية نحو غرفتها،تغلق الباب خلفها بعنف كمن

.يريد أن يغلق العالم كله

بينما التفت سيف إلى والدته ،و

عيناه بالدموع،و صوته يخرج متهدجاً

:من صدره

-و ليه ما حولتيش تسألي عليا تاني و تشوفيني بعد لما رجعتي؟!،كنتي

خلاص نسيتيني؟

نظرت إليه داليا بألم،و دموعها تسابق

:كلماتها

-لا أبداً، أنا حاولت بس لما رُحت بيتنا القديم، قالولي انه عزل و الشركة اللي كان شغال فيها قالولي انه سابها و مايعرفوش عنه حاجة.أنا عمري ما نسيتك يا سيف... مفيش أم بتنسى

.ابنها

..................

لم يرد سيف.لم ينطق بحرف.فقط اكتفى بنظرة مطولة نحو باب غرفة كارما المغلق،و كأن جزءاً منه ظل

عالقاً خلف ذلك الباب.دمعة ثقيلة انسابت على خده،ثم استدار فجأة،و ركض إلى الخارج دون أن يلتفت

.وراءه

...................

بعد مرور وقت

سافرت كارما ألى باريس لتُكمل دراستها.لم تكن قادرة على البقاء هنا

،بعد كل ما عرفته.لم تحتمل فكرة أن تكون قريبة من سيف،و في الوقت نفسه...بعيدة عنه.لم تستطع أن تنظر إليه كأخ،بعد أن كان يوماً حبيبها.كان

.الحل الوحيد بالنسبة لها هو الهروب

الهروب بعيداً،إلى حيث لا يذكرها

.شيء بما فُقد منها

حزنت داليا بشدة على قرار ابنتها،فهي فعلت كل ما فعلته كي لا تبتعد كارما عنها...لكن القدر شاء أن يحدث

العكس.لم تستطع أن تعارضها،كانت تدرك تماماً كم كانت الصدمة قاسية عليها،و كانت تعلم أيضاً أنه من المستحيل لكارما و سيف أن يجتمعا سوياً.فوافقت على قرارها بصمت،فكل ما كانت تريده في النهاية...هو راحة

.ابنتها

أما سيف،فقد أنهى دراسته و التحق

بالعمل في إحدى الشركات.لم يستطع أن يغفر لوالده ما فعله به،فرفض العمل معه في شركته،بل ترك له الفيلا و غادرها.استأجر بيتاً صغيراً سكن فيه برفقة والدته،التي حُرم منها طوال عمره.لم يكن قادراً على البقاء في نفس المنزل الذي عاشت فيه كارما...الحبيبة التي تحولت فجأة إلى

.شقيقة

لم ينسَ سيف فضل والده عليه،ولا فضل ناهد التي كانت دوماً تعتبره كابن لها،فكان يزورهم كل يوم. يطمئن عليهما، يجلس معهما لبعض الوقت،ثم يغادر في هدوء...حاملاً معه قلباً لا

.يزال يتألم

....................

بعد مرور سنين

مرت سنوات طويلة،تغير فيها كل

.....شيء

في باريس،كانت كارما قد استقرت هناك،و تزوجت من زميل لها في الجامعة.رزقت منه بطفلة جميلة أسمتها'جوليا'،كانت تشبهها إلى حدٍ

.كبير

أما سيف،فقد ترك شركته الأولى بعد أن مرض والده و عجز عن الاستمرار في العمل.فكان لزاماً على سيف أن يحمل على عاتقه مسؤولية الشركة،و

.هو ما فعله باخلاص

تزوج هو الآخر،و رُزق بابنته الأولى،فأسماها 'داليا' على اسم والدته التي كانت و ما زالت عماد حياته.و كانت ينتظر مولوده الثاني...ولداً،اتفق مع

'سليمان' زوجته بأن يسميه

تيا،بدورها،حققت حلمها القديم و تزوجت من ياسر،حب عمرها.لم يكن زواجهما سهلاً في بداياته،لكنه ثبت

مع الوقت،و رزقا بتوأمين،أطلقا عليهما

'جودي'اسمي 'جومانا و

تاليا أيضا شقت طريقها كما كانت تتمنى،فالتحقت بكلية الطب البيطري،و ها هي اليوم مخطوبة لشاب طيب القلب يُدعى يوسف،وجدت فيه رفيقاً

.للحلم و الحياة

أما تامر...فقد علم أخيراً بالحقيقة.لم يكن غبياً ليغفل عما حدث،لكنه في الوقت ذاته لم يكن يملك ما يفعله.بعد ما عرفت كارما كل شيء،سقطت

.أوراقه الأخيرة

لم يعد هناك ما يهددها به،و لا شيء يستطيع استخدامه ليكسرها..لقد خسر

.لعبته إلى الأبد

.......................

انتهت قصة حب... لتبدأ قصة حب

.من نوع أخر

....هكذا أصبح الحبيب القريب البعيد

قريباً منها في الدم،بعيداً عنها في

.المصير

و أصبحت هي قريبة منه بجدران النسب، و لكنها لم تعد ملكه كما كانت

.من قبل

تحول الحب الكبير إلى حب

مختلف...لا يشبه ما عرفاه،ولا ما حلما

.به

أصبح قريباً منها و بعيداً عنها في آنً

.واحد

أصبحت الحبيبة القريبة البعيدة،قريبة

منه لكنها لم تعد ملكه،و أصبح هو

الأخ الذي يحمل في قلبه ذكرى حُبٍ

.لم يُكمل طريقه

صار يحمل لها مشاعر من نوع خاص،مشاعر وُلدت من الحب،و تشكلت

بالألم ، و استقرت في مكانٍ ما بين

.الذاكرة و الحنين

...لقد تغير مجرى حبهما

.لكنه لم يمت

فحبهما كليهما تغير مجراه
 
تمت بحمدالله

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة