
بقلم منى سلامة
تقدم "أيمن" مع المحامى و "عبدالحميد" للخروج من المحكمة وكانت "ياسمين" تسير خلفهم تبحث عن هاتفها فى حقيبتها .. حينما وجدت فجأة يدا تمسكها من ذراعها بقوة التفتت الى الخلف لتجد نفسها وجهاً لوجه مع .. "مصطفى" .. شلتها الصدمة عن الحركة .. والتفكير .. وجدته ينظر اليها بشراسة ويقول بقسوة وهو يضغط على ذراعها بقوة :
- القاضى طلقك منى؟ .. بس ورحمة أمى اللى ماتت بحسرتها عليا ما أنا عاتقك
اتسعت عيناها خوفاً والتفتت بسرعة لتنادى على والدها :
- بابا .. بابا
تركها "مصطفى" بسرعة واختفى وسط الحشود.
تركها كزهرة ترتجف فى مهب الريح .. هرع والدها و "أيمن" اليها .. نظر اليها والدها بهلع قائلاً :
- ايه مالك يا "ياسمين" فى ايه ؟
أحاطت جسدها بذراعيها علها توقف ارتجافته .. وأخذت نفسهاً عميقاً تحاول به اعادة تنظيم ضربات قلبها المتسارعه .. ونظرت الى والدها قائله :
- "مصطفى" كان هنا
صاح والدها فى غضب :
- ابن التييييييييييت
وأخذ يبحث عنه بعينيه قائلاً :
- هو فين .. مشى منين ؟
قالت "ياسمين" بخفوت :
- مخدتش بالى
سألها "أيمن" بإهتمام :
- قالك ايه ؟
بللت شفتيها الجافة بلسانها .. وقالت :
- قالى القاضى طلقك منى بس مش هعتقك
شعر "أيمن" بالغضب الشديد وظل ينظر حوله .. على الرغم من أنه لا يعرف أصلاً شكل "مصطفى" .. ثم نظر الى والدها قائلاً :
- يلا يا عم "عبد الحميد" الأحسن نمشي من هنا
أحاطها الرجلين من كلا الجانبين وكأنهم يقومان بحمايتها .. وساروا معاً حتى ركبوا فى السيارة وانطلقوا عائدين الى المزرعة.
كان "عمر" ينتظر وصولهم فى لهفه .. لم يستطع متابعتهم على الطريق بسبب ضعف الشبكة .. كان اتصال يصيب .. وعشرة لا تصيب .. لكنه علم فى المرة الوحيدة التى تمكن من التحدث فيها مع "أيمن" على الطريق أن أمامهم قرابة الساعة ونصف .. لم يستطع التركيز فى عمله .. بل لم يستطع الجلوس فى مكتبه .. ذهب الى الشجرة .. شجرتــه .. والتى أصبحت .. شجرتـهــا .. كان سعيداً أنها اتخذت من هذا المكان عالماً خاصاً بها .. لكم كان يتمنى أن يشاركها لحظات الإستمتاع بتلك الطبيعة الخلابه .. والجلوس معها على ذلك الجذع .. وهو يحيطها بإحدى ذراعيه ويضمها الى صدره .. كان يعلم أن عليه الإنتظار لتحقيق حلمه .. لكن ما أصعب هذا الإنتظار .. مرت الساعة والنصف وهو فى هذا المكان .. يتأمل ما حوله .. وينسج فى خياله أحلاماً ورديه .. تشاركه "ياسمين" اياها .. نظر الى ساعته .. ثم نهض وتوجه الى البوابه .. أراد أن يستقبلها .. ويراها .. ياه لكم اشتاق اليها .. فارقته منذ بضع ساعات فقط .. لكن تلك الساعات أشعرته بحنين جارف اليها .. تلك الساعات جعلته يتأكد أنه لن يستطيع العيش دونها .. وكأنها أصحب فى حياته الهواء الذى يتنفسه ويعيش عليه .. خطفت قلبه ببراءتها .. وقيدتها بحنانه .. وأنسته أى امرأة عرفها قبلها .. وكأنه لا يرى فى الوجود سواها ..
رأى عبر السياج سيارة "أيمن" تقترب من البوابة .. خفق قلبه داخل صدره .. نهض الغفير وفتح البوابة عبر مسرعيها .. ابتسم "أيمن" الذى رأى صديقه واقفاً على بعد أمتار من البوابة .. دخل المزرعة وتوقف بجانب "عمر" .. انحنى "عمر" مستنداً على شباك السيارة بجانب "أيمن" .. ونظر الى الخلف .. حيث تجلس "ياسمين" .. هاله ما رآى .. كان يبدو عليها الحزن و الإضراب .. لم يتوقع أن يراها فى تلك الحاله .. كانت ينتظر بلهفه رؤية الإبتسامه على شفتيها .. قفز قلبه داخل صدره من الالم وكأنه طعن بخنجر مسموم .. أمن المعقول أنها حزينه عليه .. على طليقهــا .. أندمت على طلبها الطلاق .. هل شعرت بالحنين اليه .. نظر اليها عله يجد اجابات لأسئلته .. نزلت من السيارة بصحبة والدها .. توجها الى مكان سكنها .. أوقف "أيمن" السيارة جانباً ثم وقف أمام "عمر" الذى أخذ يتابع "ياسمين" بعينيه وهى تبتعد ..نظر "عمر" الى "أيمن" قائلا بحده :
- هى مالها .. فى ايه ؟
زفر "أيمن" قائلا :
- جوزها .. قصدى طليقها .. كلمها فى المحكمة .. وهددها
اتسعت عينا "عمر" وقال بحده :
- يعني ايه هددها ؟
قال "أيمن" بضيق :
- قالها القاضى طلقك منى بس مش هعتقك
نظر اليه "عمر" بحده وصاح غاضباً :
- وانت كنت فين يا "أيمن" أما الحيوان ده هددها .. انت ازاى تسمحله يتكلم معاها أصلاً
- اهدى يا "عمر" .. كنت أنا و عم "عبد الحميد" بنتكلم مع المحامى .. وهى كانت ماشيه ورانا
وضع "عمر" احدى يديه فى وسطه والأخرى على فمه وكأنه يكتم بركان ثائر .. ونظر الى حيث اختفت "ياسمين" .. ثم نظر الى "أيمن" قائلاً بغضب :
- لو أربلها تانى هقتله
ربت "أيمن" على كتفه قائلاً :
- خلاص اهدى .. هو مش هيقدر يوصلها هنا
أومأ "عمر" برأسه .. وأخذ يفكر فى "ياسمين" وفيما تشعر به الآن
******************
- ده حقير أوى
نطقت "ريهام" بتلك العبارة بعدما قصت عليها "ياسمين" فى غرفتهما ما حدث من تهديد "مصطفى" لها فى المحكمة .. نظرت اليها "ياسمين" قائله :
- أما التفت ولقيته ورايا كنت هموت من الرعب .. أنا مش عايزه أشوف البنى آدم ده مرة تانية أبداً
نظرت لها "ريهام" فى حنو قائله :
- متقلقيش خلاص معدتيش هتشوفيه تانى .. لا هو ولا أهله .. الله يحرقه هو وأهله
- أمه ماتت على فكرة
- وعرفتى منين ؟
- هو اللى قالى
أشاحت "ريهام"بيدها قائله:
- يلا خدت الشر وراحت
قالت "ياسمين" بأسى :
- ربنا يغفرلها ويرحمها .. ظلمتنى أوى .. بس مسمحاها
نظرت اليها "ريهام" بدهشة قائله :
- مسمحاها ايه يا بنتى .. دى تستاهل يتولع فيها هى وابنها
قالت لها "ياسمين" بهدوء :
- هى دلوقتى بتتحاسب يا "ريهام" على كل الى عملته فى حياتها .. أنا هسامحها .. عشان ألاقى اللى يسامحنى لما أموت أنا كمان
ابتسمت "ريهام" قائله :
- انتى طيبة أوى يا "ياسمين" .. واحدة غيرك كانت دعت عليها
- هى خلاص معدتش تقدر تأذيني دلوقتى .. مش هيفيدنى الدعاء عليها فى حاجة
صمتت قليلا ثم قالت :
- ربنا يرحمها هى وماما وكل أموات المسلمين
- اللهم آمين
**********************
التف الأصدقاء الثلاثة حول طاولة الطعام فى أحد المطاعم .. لتناول طعام العشاء .. بدا "عمر" شارداً .. يعبث بطرف ملعقته فى الطبق أمامه .. تبادل "أيمن" و "كرم" النظرات .. والابتسامات الخبيثه .. هتف " كرم" فى مرح :
- الحب بهدله .. تررم تررم .. خلانى أندله .. تررم تررم
نظر اليه "عمر" فى غيظ قائلاً :
- لو متلمتش هسيبكوا وأمشى
قال "كرم" بمرح :
- أنا قولت حاجه .. واحد وبيغني
صمت قليلاً ثم قال :
- صدق الشاعر اللى قال : الهس بس هس حبيبى لازم يحس ... حبيبى عمال بيتخن وانا عمال اخس
هم "عمر" بالإنصراف فجذبه "كرم" قائلاً وهو ينظر الى "أيمن" :
- خلاص يا "أيمن" كفايه .. عيب كده
ثم نظر الى "عمر" قائلاً :
- خلاص حبه جد بأه .. ناوى على ايه ؟
زفر "عمر" فى ضيق قائلاً :
- مضطر غصب عنى أستنى 3 شهور .. مش عارف أصلاً هقدر هصبر الوقت ده كله ازاى
سأله "أيمن" قائلاً :
- ومين قالك ان ياسمين عدتها 3 شهور ؟
نظر ايه "عمر" قائلاً :
- أمال ايه ؟
قال "أيمن" بإبتسامه :
- اللى بتطلق عن طريق الخلع عدتها بتكون شهر واحد بس .. هى دى السنة
سأله "عمر" بلهفه :
- بجد يا "أيمن" ؟
- أيوة بجد
قال "كرم" فى مرح :
- قشطة أوى .. بسبب حسن السير والسلوك خفضنا المدة من 3 شهور لشهر .. لف لفه وتعالى يمكن نعملك أوكازيون تانى
ابتسم "عمر" وشرع فى تناول طعامه قائلاً :
- كده الواحد ياكل بنفس
سعد كثيراً عندما علم أن ما يفصله عن "ياسمين" هو شهر واحد فقط.
*****************
فى صباح اليوم التالى خرجت "ياسمين" من غرفتها .. وقبل الذهب الى عملها .. توجهت حيث شجرتها .. لكنها اليوم تستقبلها بالإبتسامه فهذا هو يومها الأول بعد أن تحررت من قيد "مصطفى" .. القيد الذى كان أن يخنقها .. نظرت الى الخضرة حولها .. وللعصافير على الشجر .. كانت تشعر بأن تغريد العصافير مختلف اليوم .. لم تمسعهم يغردون بتلك السعادة من قبل .. شعرت بأنهم يشاطرونها فرحتها .. ويباركون لها حريتها .. أخيراً أصبحت حره مثلهم .. حتى الهواء الذى تستنشقه .. شعرت بأنه اليوم مختلف .. فكل نفس يحمل مزيج عجيب من السعادة والأمل والإرتياح .. يسرى عبر رئتيها لينعش جسدها .. قامت وتوجهت الى عملها .. ولأول مرة يراها دكتور "حسن" مقبله على عملها والإبتسامه تعلو شفتيها .. كان سعيداً لسعادتها .. وإن كان لا يعرف سبب تلك السعادة .. أثناء انهماكها فى عملها .. اقترب منها .. رفعت رأسها .. لتتلاقى نظراتهما فى صمت .. شعر بأنها اليوم أجمل من ذى قبل .. وجههاً يشع نوراً .. عينيها لم تعد تحمل تلك العبرات التى تهدد دائماً بالإنهمار .. اختفت نظرات الحزن والأسى لتحل محلها نظرات الفرح والأمل .. كانت عيناه اليوم أيضاً مختلفه .. كأنها تفصح عن سراً لطالما أخفته .. لكنها خانته اليوم .. وباحت بسره .. عبر شفره صغيره .. استقبلت عيناها تلك الشفره .. ومررتها على قلبها .. فترجمها .. وتعالت خفقاته عندما فهم تلك الشفرة التى أرسلتها عيناه الى عينيها .. أشاحت بوجهها .. فقلبها الضعيف وصلت سرعة خفقاته لذروتها .. قال لها بصوت حانى :
- صباح الخير
ردت بصوت خافت حاولت السيطرة على رجفته :
- صباح النور
ثم عادت لتكمل فحص الحاله التى أمامها .. ظلت عيناه معلقه بها .. وكأنه يخشى فرارها .. ابتسم قائلاً :
- مكنتش متوقع انك هتنزلى الشغل النهاردة .. لو تعبانه من سفر امبارح روحى ارتاحى النهاردة
قالت وهى تستمر فى أداء عملها :
- لأ .. أنا كويسه
أومأ برأسه وقال لها بحنان جارف :
- لو احتجتى حاجه عرفيني .. أى حاجه
لم تجبه .. التفت وانصرف .. تابعته بعينيها فى صمت .. وابتسامه صغيره تتكون ببطء على شفتيها
توقفت عن العمل عندما حان موعد استراحة الغداء .. توجهت الى القاعة والإبتسامه تعلو شفتيها .. كانت على الرغم منها لا تستطيع اخفاء فرحتها .. كانت وجههاً دائماً يفضحها .. لا تستطيع اخفاء ما تشعر به بداخلها .. حزناً كان أم فرحاً .. أنهت غدائها .. ووقفت قليلاً مع بعض زميلاتها العاملات فى المزرعة .. كانت "ياسمين" تتهرب دائماً من صحبتهن .. أو التحدث معهن .. فكان قلبها يحمل هماً يكتفها .. فلا تستطيع الإندماج مع الآخرين .. أو التواصل معهن .. لكنها اليوم كالطير الحبيس الذى حصل أخيرا على حريته .. وقفت تتجاذب معهن أطراف الحديث وتضحك فى مرح .. وفجأة اقتربت منها "مها" .. لم تلقى لها "ياسمين" بالاً .. وقفت "مها" بين الجمع وصفقت بيديها لتجذب انتباههم قائله :
- اسكت هووووس .. عندى ليكوا خبر حلو النهاردة
ثم التفتت الى "ياسمين" وقالت بخبث :
- ولا تحبي تقوليلهم الخبر بنفسك يا "ياسمين"
نظرت اليها "ياسمين" بدهشة قائله :
- خبر ايه يا "مها" ؟
قالت "مها" بعتاب مصطنع :
- اخص عليكي .. طالما فرحتى يبقى تفرحينا معاكى
جف حق "ياسمين" ونظرت اليها قائله :
- مش فاهمة قصدك ايه
نظرت "مها" الى الفتيات اللاتى توقفن عن الحديث وتابعن ما يحدث .. قالت لهن فى مرح :
- النهاردة عايزين كلنا نبارك لـ "ياسمين"
نظرن الى "ياسمين" وقالت احداهن :
- نباركلها على ايه ؟
وقالت أخرى :
- ايه اتخطبت ؟
قالت "مها" وهى تنظر الى "ياسمين" بشماته :
- لأ .. اطلقت
تعالت صيحات عدم التصديق .. نظرت الى بعضهن البعض فى دهشة .. كانت "ياسمين" تنظر الى "مها" فى جمود .. لكن اخترق أذنيها ردود فعل من حولها :
- بجد
- ايه ده هى كانت متجوزة أصلا
- أكيد بتهزرى
- ياسمين أصلا مش متجوزة
قالت "مها" شارحه فى استمتاع :
- "ياسمين" كانت رافعة قضية خلع على زوجها وكسبتها امبارح
ثم نظرت الي "ياسمين" قائله بخبث :
- والبشمهندس "عمر" كان كريم أوى معاها وخباها من جوزها هنا فى مزرعته لحد معاد الجلسه .. اظاهر ان البشمهندس "عمر" بيعزك أوى يا "ياسمين"
لم تستطع "ياسمين" تحمل تلميحاتها فإنصرفت فى عجاله .. كانت تسير بسرعة وهى لا ترى أمامها .. كانت العبرات تتجمع فى عينينها .. قابلها "هانى" فحاول يوقفها قائلاً :
- دكتورة "ياسمين" ثوانى لو سمحتى
لكنها لم تسمعه .. بل لم تراه .. صنعت العبرات غشاوة على عينيها فسارت تتبين طريقها بصعوبه .. وصلت الى شجرتها .. ألقت بنفسها على جذعها الذى فارقته منذ ساعات .. وضعت كفيها على وجهها وجهشت فى بكاء عميق .. لماذا لا يتركها الناس وحالها .. لما ينغصون عليها فرحها .. لماذا يستكثر بعض الناس أن يرى غيره سعيداً .. لماذا يخوض الناس فى أعراض بعضهم البعض ويمزقونهم بلا هواده .. لماذا لا يعلم الناس أن الكلمات التى تخرج من أفواههم هم محاسبون عليها تماما كأعمالهم .. لماذا لا يدرك البعض أن الكلمة قد تكون خنجراً ينغرس فى قلب من أمامه بلا هواده .. أو تكون بلسماً تطيب جرحه فى لحظات .. الى متى ستشعر بهذا الظلم .. الى متى ستظل الإبتسامه عزيزة عليها .. وكأنها زائر لا يحل إلا بعد غياب طويل .. لحظات ثم يعود ليرحل مرة أخرى بقسوة .. أخذت تردد بصوت مرتجف :
- اللهم انى مغلوب فإنتصر .. اللهم انى مغلوب فإنتصر
فجرت "مها" قنبلتها ثم أخذت طعامها وجلست على احدى الطاولات تتجاذب أطراف الحديث مع "شيماء" .. وفجأة رأت دكتور "حسن" يقف بجانبها .. فالتفتت تنظر اليه فى صمت .. فقال بحزم :
- المزرعة هنا للشغل وبس يا دكتورة "مها" .. مش مكان للقيل والقال .. لو ضايقتى أى زميلة ليكي مرة تانية أنا هبلغ البشمهندس "عمر" بنفسي
شعرت "مها" بالخوف فقالت له :
- أنا مكنتش قصدى أضايقها يا دكتور "حسن" أنا بس ....
قاطعها الرجل بحزم قائلاً :
- أنا مبحبش أقطع عيش حد .. لو البشمهندس "عمر" عرف اللى انتى عملتيه أظن هيتصرف معاكى تصرف يزعلك .. مش عايز أشوف منك غلطة مرة تانية .. لا فى حق دكتورة "ياسمين" ولا فى حق أى حد تانى هنا فى المزرعة .. مفهوم
أومأت برأسها فى صمت .. غادر القاعة فالتفتت الى "ِشيماء" قائله :
- هو ماله ده .. يكنش اشتغل محامى للست "ياسمين" وأنا معرفش
أخذت تتناول طعامها فى حنق
كان "عمر" يجلس فى مكتبه .. كان تركيزه كله موجه الى تلك الفتاة التى تبعد عنه بضع خطوات .. شعر بأنه يرغب فى رؤيتها مرة أخرى .. نهض من مكتبه وتوجه الى مكان عملها .. لم يجدها .. فسأل "هانى" الذى كان يجلس على أحد الكراسي يطالع كتاب بيده :
- مشفتش الدكتورة "ياسمين" يا "هانى" ؟
قال "هانى" بحنق :
- أديني آعد مستنيها .. شوفتها من شوية ماشيه وواخده فى وشها نادتلها معبرتنيش
قال "عمر" بقلق :
- مشيت منين ؟
أشار له "هانى" الى الإتجاه الذى رأى "ياسمين" تسير فيه .. ذهب "عمر" فى اثرها .. ظن أنها ذهبت الى شجرته .. اقترب من الشجرة فسمع صوت شهقات صغيره .. التف حول الشجرة ليجد "ياسمين" جالسه على الجذع تخفى وجهها بكفيها .. وتبكى .. هتف فى لوعه :
- "ياسمين" فى ايه ؟
رفعت رأسها لتراه أمامها .. مسحت عبراتها المتساقطه قائله :
- مفيش حاجه
تفرس فيها وسألها مرة أخرى :
- قوليلى ايه اللى حصل
ردت بحده دون أن تنظر اليه :
- قولتلك مفيش
احتار "عمر" فى تفسير سبب بكائها .. خطر بباله خاطر تألم له قلبه .. هل من المعقول أنها تبكى لفراق زوجها .. أمازالت تحبه .. أتبكيه .. أم تبكى حبها له .. أم تبكى صدمتها فيه .. أم تبكى بعدها عنه .. لم يتحمل حيرته .. سألها بصوت خافت :
- كنتى بتحبيه ؟
رفعت عينيها اليه فى دهشة .. من يقصد .. أيقصد "مصطفى" .. كيف يسألها عن أمر خاص كهذا .. ردت فى حزم قائله :
- لو سمحت اتفضل امشى
قال "عمر" بحده :
- طب ريحينى بس
نهضت قائله بغضب :
- خلاص همشى أنا
ثم تركته خلفها وانصرفت .. كانت الغيره تعصف بكيانه .. أتفكر فيه ؟ .. أتشتاق اليه؟ .. هل من الممكن أن تسامحه يوماً؟ .. هل من الممكن أن ترغب فى العودة اليه يوماً ؟ .. لماذا ترفض التحدث اليه .. لماذا لا تخبره بما فى قلبها وعقلها ليستريح قلبه .. عاد الى مكتبه والغضب على محياه .. وجد "كرم" ينتظر بالداخل .. نظر اليه "كرم" قائلاً :
- فى ايه يا "عمر" ؟
أزاح "عمر" كرسي المكتب وجلس عليه فى عصبيه قائلاً :
- شوفت "ياسمين" بتعيط من شويه سألتها مالك مرضتش تريحنى .
نظر الى "كرم" قائلاً بغضب :
- مش عارف حتى أتكلم مجرد كلام عادى مع البنت اللى بحبها .. مش مديانى أى فرصة أقرب منها
قال له "كرم" :
- "عمر" هى لسه مطلقة امبارح .. وكمان تهديد طليقها ليها .. يعني أكيد مشاعرها متضاربه
نظر اليه "عمر" قائلاً بصرامة :
- وأنا عايز أكون جمبها .. وأخدها فى حضنى .. أقولها متخفيش من حد انا جمبك .. عايز أتأكد ان الحيوان ده ملوش أى مكان دلوقتى فى قبلها .. وانها نسيته تماما
صمت "عمر" قليلا ثم هب واقفاً وهو يقول :
- أنا رايح حالا أطلبها من أبوها
اعترض "كرم" طريقه قائلاً :
- يا ابنى اهدى شوية .. دى لسه مطلقة
قال "عمر" بحده :
- هتجنن يا "كرم" دى مش راضية حتى تتكلم معايا .. عايز أثبتلها انى مش بلعب وانى عايزها بجد .. أنا لحد دلوقتى ماقولتهاش انى بحبها .. هموت وأقولهالها يا "كرم" .. بس خايف أقولها تضايق منى وتفتكرنى بلعب بيها .. عايز أتقدملها دلوقتى .. عشان لما أقولهالها تعرف انى بحبها بجد وعايزها بجد
قال "كرم" :
- يا ابنى وأهلك .. انتى ناسيهم
سأله "عمر" :
- ومالهم أهلى ؟
- مش لازم يعرفوا تفاصيل الموضوع ده .. دول ميعرفوش ان فى موضوع أصلاً
فكر "عمر" قليلا ثم قال :
- معاك حق لازم أستغل الشهر ده لحد ما عدتها تخلص .. أنا هكلم ماما وبابا وأعرفهم انى عايز أخطب .. وأخليهم ييجوا هنا ويتعرفوا عليها .. أهو على الأقل بعد ما الشهر يخلص تكون هى قربت من ماما وماما قربت منها وبقى بينهم علاقة كويسة
قال "كرم" :
- تمام كده .. مش تقولى أطلبها من أبوها فى العده
قال "عمر" بإصرار :
- أنا كدة كدة هكلم أبوها .. مش هستنى لما الشهر يخلص .. عايزها تعرف من دلوقتى انى عايزها .. وكمان عشان أقدر أأقدمها لأهلى ويتعرفوا عليها
- خلاص تمام كده .. رتب انت موضوع أهلك ده
أومأ "عمر" برأسه قائلاً :
- هكلمهم النهاردة ان شاء الله
هاتف "عمر" أهله فى المساء .. لم يتحدث عن أى تفاصيل .. فقط قال لأمه بأنه وجد فتاة أحلامه التى يتمنى الارتباط بها .. ويريدها أن تلتقى مع عائلته ويعرفهم عليها .. كانت والدته سعيدة للغاية .. فلطالما انتظرت اليوم الذى يدق فيه قلب ابنها مرة أخرى .. اتفقا على القدوم بعد ثلاثة أيام .. لن يحضر الأبوان فقط .. بل عمته "ثريا" أيضاً .. انهى المكالمه وهو يشعر بالسعادة فى قلبه .. فها هو يقترب من حلمه شيئاً فشيئاً .. "يــاسمـــيــن"
نادى الخادمة وقال لها :
- عايزك تنضفى البيت والأوض كلها كويس جدا لان أهلى جايين المزرعة وهيعدوا كام يوم
*******************
اقترب "عمر" من "عبد الحميد" الجالس داخل المخزن يدقق فى الدفاتر التى أمامه .. ابتسم "عمر" قائلاً :
- صباح الخير يا عم "عبد الحميد" .. ربا يديك الصحة
هب "عبد الحميد" واقفاً والتف حول المكتب وسلم على "عمر" قائلاً :
- يا صباح النور يا بشمهندس اتفضل
جلسا الإثنان أمام بعضها البعض .. صمت "عمر" قليلا وكأن يستجمع أفكاره ثم نظر الى "عبد الحميد" قائلاً :
- أنا كنت عايز أتكلم مع حضرتك فى موضوع .. موضوع يخص الدكتورة "ياسمين"
قال "عبدالحميد" بلهفه :
- مالها "ياسمين" بنتى
طمأنه "عمر" بإشاره من يده قائلاً :
- متقلقش مفيش حاجه وحشه .. أنا بس كنت عايز أكلمك فى موضوع .. أنا عارف انه مش وقته .. بس على الأقل يبقى فى ربط كلام بينا
قال "عبد الحميد " بقلق :
- خير يا بشمهندس قلقتنى
تنحنح "عمر" ونظر اليه ببعض الحرج قائلاً :
- أنا عارف ان الوقت ممكن ميكنش مناسب .. بس .. أنا عايز أطلب منك ايد الدكتورة "ياسمين"
بهت "عبد الحميد" وفتح فمه فى دهشة .. صمت لفترة وهو يحاول استيعاب ما يسمع .. ثم ردد قائلاً :
- عايز تتجوز "ياسمين" بنتى ؟
ابتسم "عمر" قائلاً :
- يشرفنى انى أطلب ايدها منك يا عم "عبد الحميد"
كان "عبد الحميد" مازال واقعاً تحت تأثير المفاجأة .. فتحدث "عمر" قائلاً :
- زى ما قولت لحضرتك .. أنا عارف ان الوقت مش مناسب .. بس أنا حابب انى أعرفك وأعرفها برغبتى دى من دلوقتى .. وكمان أهلى جايين بعد كام يوم وحابب ان الأسرتين يتعرفوا على بعض .. لحد ما يبقى الوقت مناسب اننا نعمل خطوبة
صمت قليلا ثم قال :
- وبعد اذنك أنا عايز خطوبة وكتب كتاب مع بعض .. والفرح هيكون بعدهم بوقت قصير
تحدث "عبد الحميد" أخيراً قائلاً :
- والله يا بشمهندس أنا اتفاجئت بطلبك .. وأنا عن نفسي مش هلاقى أحسن منك عريس لبنتى .. بس أنا لازم أخد رأيها الأول
قال "عمر" بسرعه :
- طبعاً يا عم "عبد الحميد" .. كلمها وأنا منتظر منك الرد ان شاء الله
ابتسم "عبد الحميد" قائلاً فى حبور :
- اللى فيه الخير يقدمه ربنا
استأذن "عمر" ثم انصرف .. وجدت العبرات طريقها الى عين "عبد الحميد" ورفع رأسه وتمتم قائلاً :
- أحمدك وأشكر فضلك يارب
**********************
- أصلاً من ساعة ما دخلت المزرعة وهى مش طايقانى
هتفت "ياسمين" بهذه العبارة وهى جالسه مع "سماح" فى بيتها .. قالت "سماح" :
- ليه مش طايقاكى
قالت "ياسمين" بحده :
- هى كده من الباب للطاق
ثم استطردت قائله :
- من البداية وهى فاكرة ان فى حاجه بينى وبين البشمهندس "عمر"
نظرت اليها "سماح" بخبث قائله :
- وهو فى حاجه بينك وبينه ؟
هتفت "ياسمين" بغضب :
-"سماح"
- خلاص خلاص كنت بهزر
زفت "سماح" ثم قالت :
- بصى سيبك منها .. ولو عملتلك حاجه تانى قولى لـ "عمر"
هتفت "ياسمين" بحده :
- أقوله ايه ... أقوله فى واحدة من اللى بيشتغلوا عندك فاكرة ان فى حاجه بينى وبينك !
تمتمت "سماح" :
- معاكى حق مينفعش تقوليله كده
ثم نظرت اليها قائله :
- أمال هتعملى ايه
قالت "ياسمين" بحزم :
- مش هسمحلها تتكلم عنى تانى .. وهوقفها عند حدها .. مش عشان طيبة يبقى آخد على أفايا .. لأ بعد كدة هاخد حقى بإيدي
قالت "سماح" بمرح:
- ماشى يا عم الجامد
سمعا صوت مفتاح فى الباب .. فقالت "ياسمين" بدهشة :
- ايه ده .. زوجك ؟
نهضت "سماح" واستقبلت زوجها على الباب وأخبرته أن "ياسمين" بصحبتها توجه الى غرفتهما .. عادت "سماح" لتجد "ياسمين" تنهض قائله :
- همشى أنا بقه يا "سماح"
قالت "سماح" بأسف :
- كل مرة بيتأخر فى الشغل .. النهاردة اليوم الوحيد الى جه بدرى عن معاده
قبلتها "ياسمين" قائله :
- معلش هجيلك وقت تانى
أوصلتها الى الباب قائله :
- المهم متحطيش الموضوع فى دماغك وتخلى البتاعه دى تعكنن عليكي
قالت "ياسمين" :
- لأ خلاص .. هى حسبي الله ونعم الوكيل فيها وخلاص
انصرفت "ياسمين" ودخلت "سماح" الى زوجها الذى قبلها وعانقها قائلاً :
- وحشتينى
ابتسمت قائله :
- انت وحشتنى أكتر .. مش كنت تقولى انك جاى بدرى
- الموبايل فصل شحن معرفتش أكلمك
قبلته على وجنته قائله :
- طب يا حبيبى ثوانى وأحضر السفرة
- تبعها الى المطبخ قائلاً :
- ماشى وأنا هساعدك
ضحكت قائله :
- ايه الهنا اللى أنا فيه ده
ابتسم قائلاً :
- آه بس متخديش على كده
أخذا يعدان السفرة معاً .. وعندما جلسا قال "أيمن" :
- "ياسمين" عاملة ايه دلوقتى
- كويسة الحمد لله .. مبسوطه انها خلصت من اللى كان زوجها
صمت قليلاً ثم قال :
- قوليلى يا "سماح" هو مفيش حاجه كده ولا كده ؟
نظرت اليه قائله :
- كده ولا كده ازاى يعني ؟
قال بخبث :
- يعني الأعدة الحريمي اللى كانت بره من شوية دى .. متقالش فيها حاجه متعلقه بان فى حد مثلا هى معجبه بيه
قالت "سماح"بخبث :
- لأ بصراحه ماقالتليش حاجه زى كده .. بس أنا حابه أسألك هو فى حد معجب بيها ؟
قال بخبث وهى يعاود تناول طعامه :
- الله أعلم
تركت الملعقة من يدها ونظرت اليها قائله :
- "أيمن" بطل غلاسه بأه لو تعرف حاجه قولهالى
ابتسم لها قائلاً :
- اعرف ايه .. كلى يا بنتى كلى
- مش واكله .. فى حاجه انت مخبيها .. ريحنى وقولهالى
- هكون مخبي ايه يعني
- ليه سألتنى عن ان "ياسمين" معجبه بحد
- عادى يعنى
صاحت بغضب طفولى :
- لأ مش عادى .. ريحنى بأه
ضحك بشدة قائلاً :
- يا ستير الستات دول عليهم فضول يودى فى داهية
أمسكت سكينة الطعام ورفعتها قائله :
- قر واعترف أحسنلك
صمت قليلاً ثم قال بجديه :
- طيب هقولك جملة بس متسألينيش عن أى تفاصيل اتفقنا
قالت بجديه مماثله :
- اتفقنا
أخذ رشفة من كوب الماء الموضوع على جانبه ثم قال :
- احتمال يبقى فى خطوبة قريب
كتمت انفعالتها .. ونظرت اليه قائله :
-هسألك سؤال واحد بس
- لأ .. قولنا بدون أسئله
صاحب بصوت طفولى :
- عشان خاطرى يا "أيمن" .. عشان خطرى .. سؤال واحد بس
- قولى يا ستى
نظرت اليه بلهفه قائله :
- "عمر" صح ؟
هتف "أيمن" قائلاً :
- يا سلام .. كدة بأه يبقى ايه التفاصيل اللى أنا مخبيها .. انتى بتستعبطى يا "سماح"
صفقت بيديها وهتفت فى مرح قائله :
- يبقى "عمر"
نظر اليها "أيمن" بغ
- القاضى طلقك منى؟ .. بس ورحمة أمى اللى ماتت بحسرتها عليا ما أنا عاتقك
اتسعت عيناها خوفاً والتفتت بسرعة لتنادى على والدها :
- بابا .. بابا
تركها "مصطفى" بسرعة واختفى وسط الحشود.
تركها كزهرة ترتجف فى مهب الريح .. هرع والدها و "أيمن" اليها .. نظر اليها والدها بهلع قائلاً :
- ايه مالك يا "ياسمين" فى ايه ؟
أحاطت جسدها بذراعيها علها توقف ارتجافته .. وأخذت نفسهاً عميقاً تحاول به اعادة تنظيم ضربات قلبها المتسارعه .. ونظرت الى والدها قائله :
- "مصطفى" كان هنا
صاح والدها فى غضب :
- ابن التييييييييييت
وأخذ يبحث عنه بعينيه قائلاً :
- هو فين .. مشى منين ؟
قالت "ياسمين" بخفوت :
- مخدتش بالى
سألها "أيمن" بإهتمام :
- قالك ايه ؟
بللت شفتيها الجافة بلسانها .. وقالت :
- قالى القاضى طلقك منى بس مش هعتقك
شعر "أيمن" بالغضب الشديد وظل ينظر حوله .. على الرغم من أنه لا يعرف أصلاً شكل "مصطفى" .. ثم نظر الى والدها قائلاً :
- يلا يا عم "عبد الحميد" الأحسن نمشي من هنا
أحاطها الرجلين من كلا الجانبين وكأنهم يقومان بحمايتها .. وساروا معاً حتى ركبوا فى السيارة وانطلقوا عائدين الى المزرعة.
كان "عمر" ينتظر وصولهم فى لهفه .. لم يستطع متابعتهم على الطريق بسبب ضعف الشبكة .. كان اتصال يصيب .. وعشرة لا تصيب .. لكنه علم فى المرة الوحيدة التى تمكن من التحدث فيها مع "أيمن" على الطريق أن أمامهم قرابة الساعة ونصف .. لم يستطع التركيز فى عمله .. بل لم يستطع الجلوس فى مكتبه .. ذهب الى الشجرة .. شجرتــه .. والتى أصبحت .. شجرتـهــا .. كان سعيداً أنها اتخذت من هذا المكان عالماً خاصاً بها .. لكم كان يتمنى أن يشاركها لحظات الإستمتاع بتلك الطبيعة الخلابه .. والجلوس معها على ذلك الجذع .. وهو يحيطها بإحدى ذراعيه ويضمها الى صدره .. كان يعلم أن عليه الإنتظار لتحقيق حلمه .. لكن ما أصعب هذا الإنتظار .. مرت الساعة والنصف وهو فى هذا المكان .. يتأمل ما حوله .. وينسج فى خياله أحلاماً ورديه .. تشاركه "ياسمين" اياها .. نظر الى ساعته .. ثم نهض وتوجه الى البوابه .. أراد أن يستقبلها .. ويراها .. ياه لكم اشتاق اليها .. فارقته منذ بضع ساعات فقط .. لكن تلك الساعات أشعرته بحنين جارف اليها .. تلك الساعات جعلته يتأكد أنه لن يستطيع العيش دونها .. وكأنها أصحب فى حياته الهواء الذى يتنفسه ويعيش عليه .. خطفت قلبه ببراءتها .. وقيدتها بحنانه .. وأنسته أى امرأة عرفها قبلها .. وكأنه لا يرى فى الوجود سواها ..
رأى عبر السياج سيارة "أيمن" تقترب من البوابة .. خفق قلبه داخل صدره .. نهض الغفير وفتح البوابة عبر مسرعيها .. ابتسم "أيمن" الذى رأى صديقه واقفاً على بعد أمتار من البوابة .. دخل المزرعة وتوقف بجانب "عمر" .. انحنى "عمر" مستنداً على شباك السيارة بجانب "أيمن" .. ونظر الى الخلف .. حيث تجلس "ياسمين" .. هاله ما رآى .. كان يبدو عليها الحزن و الإضراب .. لم يتوقع أن يراها فى تلك الحاله .. كانت ينتظر بلهفه رؤية الإبتسامه على شفتيها .. قفز قلبه داخل صدره من الالم وكأنه طعن بخنجر مسموم .. أمن المعقول أنها حزينه عليه .. على طليقهــا .. أندمت على طلبها الطلاق .. هل شعرت بالحنين اليه .. نظر اليها عله يجد اجابات لأسئلته .. نزلت من السيارة بصحبة والدها .. توجها الى مكان سكنها .. أوقف "أيمن" السيارة جانباً ثم وقف أمام "عمر" الذى أخذ يتابع "ياسمين" بعينيه وهى تبتعد ..نظر "عمر" الى "أيمن" قائلا بحده :
- هى مالها .. فى ايه ؟
زفر "أيمن" قائلا :
- جوزها .. قصدى طليقها .. كلمها فى المحكمة .. وهددها
اتسعت عينا "عمر" وقال بحده :
- يعني ايه هددها ؟
قال "أيمن" بضيق :
- قالها القاضى طلقك منى بس مش هعتقك
نظر اليه "عمر" بحده وصاح غاضباً :
- وانت كنت فين يا "أيمن" أما الحيوان ده هددها .. انت ازاى تسمحله يتكلم معاها أصلاً
- اهدى يا "عمر" .. كنت أنا و عم "عبد الحميد" بنتكلم مع المحامى .. وهى كانت ماشيه ورانا
وضع "عمر" احدى يديه فى وسطه والأخرى على فمه وكأنه يكتم بركان ثائر .. ونظر الى حيث اختفت "ياسمين" .. ثم نظر الى "أيمن" قائلاً بغضب :
- لو أربلها تانى هقتله
ربت "أيمن" على كتفه قائلاً :
- خلاص اهدى .. هو مش هيقدر يوصلها هنا
أومأ "عمر" برأسه .. وأخذ يفكر فى "ياسمين" وفيما تشعر به الآن
******************
- ده حقير أوى
نطقت "ريهام" بتلك العبارة بعدما قصت عليها "ياسمين" فى غرفتهما ما حدث من تهديد "مصطفى" لها فى المحكمة .. نظرت اليها "ياسمين" قائله :
- أما التفت ولقيته ورايا كنت هموت من الرعب .. أنا مش عايزه أشوف البنى آدم ده مرة تانية أبداً
نظرت لها "ريهام" فى حنو قائله :
- متقلقيش خلاص معدتيش هتشوفيه تانى .. لا هو ولا أهله .. الله يحرقه هو وأهله
- أمه ماتت على فكرة
- وعرفتى منين ؟
- هو اللى قالى
أشاحت "ريهام"بيدها قائله:
- يلا خدت الشر وراحت
قالت "ياسمين" بأسى :
- ربنا يغفرلها ويرحمها .. ظلمتنى أوى .. بس مسمحاها
نظرت اليها "ريهام" بدهشة قائله :
- مسمحاها ايه يا بنتى .. دى تستاهل يتولع فيها هى وابنها
قالت لها "ياسمين" بهدوء :
- هى دلوقتى بتتحاسب يا "ريهام" على كل الى عملته فى حياتها .. أنا هسامحها .. عشان ألاقى اللى يسامحنى لما أموت أنا كمان
ابتسمت "ريهام" قائله :
- انتى طيبة أوى يا "ياسمين" .. واحدة غيرك كانت دعت عليها
- هى خلاص معدتش تقدر تأذيني دلوقتى .. مش هيفيدنى الدعاء عليها فى حاجة
صمتت قليلا ثم قالت :
- ربنا يرحمها هى وماما وكل أموات المسلمين
- اللهم آمين
**********************
التف الأصدقاء الثلاثة حول طاولة الطعام فى أحد المطاعم .. لتناول طعام العشاء .. بدا "عمر" شارداً .. يعبث بطرف ملعقته فى الطبق أمامه .. تبادل "أيمن" و "كرم" النظرات .. والابتسامات الخبيثه .. هتف " كرم" فى مرح :
- الحب بهدله .. تررم تررم .. خلانى أندله .. تررم تررم
نظر اليه "عمر" فى غيظ قائلاً :
- لو متلمتش هسيبكوا وأمشى
قال "كرم" بمرح :
- أنا قولت حاجه .. واحد وبيغني
صمت قليلاً ثم قال :
- صدق الشاعر اللى قال : الهس بس هس حبيبى لازم يحس ... حبيبى عمال بيتخن وانا عمال اخس
هم "عمر" بالإنصراف فجذبه "كرم" قائلاً وهو ينظر الى "أيمن" :
- خلاص يا "أيمن" كفايه .. عيب كده
ثم نظر الى "عمر" قائلاً :
- خلاص حبه جد بأه .. ناوى على ايه ؟
زفر "عمر" فى ضيق قائلاً :
- مضطر غصب عنى أستنى 3 شهور .. مش عارف أصلاً هقدر هصبر الوقت ده كله ازاى
سأله "أيمن" قائلاً :
- ومين قالك ان ياسمين عدتها 3 شهور ؟
نظر ايه "عمر" قائلاً :
- أمال ايه ؟
قال "أيمن" بإبتسامه :
- اللى بتطلق عن طريق الخلع عدتها بتكون شهر واحد بس .. هى دى السنة
سأله "عمر" بلهفه :
- بجد يا "أيمن" ؟
- أيوة بجد
قال "كرم" فى مرح :
- قشطة أوى .. بسبب حسن السير والسلوك خفضنا المدة من 3 شهور لشهر .. لف لفه وتعالى يمكن نعملك أوكازيون تانى
ابتسم "عمر" وشرع فى تناول طعامه قائلاً :
- كده الواحد ياكل بنفس
سعد كثيراً عندما علم أن ما يفصله عن "ياسمين" هو شهر واحد فقط.
*****************
فى صباح اليوم التالى خرجت "ياسمين" من غرفتها .. وقبل الذهب الى عملها .. توجهت حيث شجرتها .. لكنها اليوم تستقبلها بالإبتسامه فهذا هو يومها الأول بعد أن تحررت من قيد "مصطفى" .. القيد الذى كان أن يخنقها .. نظرت الى الخضرة حولها .. وللعصافير على الشجر .. كانت تشعر بأن تغريد العصافير مختلف اليوم .. لم تمسعهم يغردون بتلك السعادة من قبل .. شعرت بأنهم يشاطرونها فرحتها .. ويباركون لها حريتها .. أخيراً أصبحت حره مثلهم .. حتى الهواء الذى تستنشقه .. شعرت بأنه اليوم مختلف .. فكل نفس يحمل مزيج عجيب من السعادة والأمل والإرتياح .. يسرى عبر رئتيها لينعش جسدها .. قامت وتوجهت الى عملها .. ولأول مرة يراها دكتور "حسن" مقبله على عملها والإبتسامه تعلو شفتيها .. كان سعيداً لسعادتها .. وإن كان لا يعرف سبب تلك السعادة .. أثناء انهماكها فى عملها .. اقترب منها .. رفعت رأسها .. لتتلاقى نظراتهما فى صمت .. شعر بأنها اليوم أجمل من ذى قبل .. وجههاً يشع نوراً .. عينيها لم تعد تحمل تلك العبرات التى تهدد دائماً بالإنهمار .. اختفت نظرات الحزن والأسى لتحل محلها نظرات الفرح والأمل .. كانت عيناه اليوم أيضاً مختلفه .. كأنها تفصح عن سراً لطالما أخفته .. لكنها خانته اليوم .. وباحت بسره .. عبر شفره صغيره .. استقبلت عيناها تلك الشفره .. ومررتها على قلبها .. فترجمها .. وتعالت خفقاته عندما فهم تلك الشفرة التى أرسلتها عيناه الى عينيها .. أشاحت بوجهها .. فقلبها الضعيف وصلت سرعة خفقاته لذروتها .. قال لها بصوت حانى :
- صباح الخير
ردت بصوت خافت حاولت السيطرة على رجفته :
- صباح النور
ثم عادت لتكمل فحص الحاله التى أمامها .. ظلت عيناه معلقه بها .. وكأنه يخشى فرارها .. ابتسم قائلاً :
- مكنتش متوقع انك هتنزلى الشغل النهاردة .. لو تعبانه من سفر امبارح روحى ارتاحى النهاردة
قالت وهى تستمر فى أداء عملها :
- لأ .. أنا كويسه
أومأ برأسه وقال لها بحنان جارف :
- لو احتجتى حاجه عرفيني .. أى حاجه
لم تجبه .. التفت وانصرف .. تابعته بعينيها فى صمت .. وابتسامه صغيره تتكون ببطء على شفتيها
توقفت عن العمل عندما حان موعد استراحة الغداء .. توجهت الى القاعة والإبتسامه تعلو شفتيها .. كانت على الرغم منها لا تستطيع اخفاء فرحتها .. كانت وجههاً دائماً يفضحها .. لا تستطيع اخفاء ما تشعر به بداخلها .. حزناً كان أم فرحاً .. أنهت غدائها .. ووقفت قليلاً مع بعض زميلاتها العاملات فى المزرعة .. كانت "ياسمين" تتهرب دائماً من صحبتهن .. أو التحدث معهن .. فكان قلبها يحمل هماً يكتفها .. فلا تستطيع الإندماج مع الآخرين .. أو التواصل معهن .. لكنها اليوم كالطير الحبيس الذى حصل أخيرا على حريته .. وقفت تتجاذب معهن أطراف الحديث وتضحك فى مرح .. وفجأة اقتربت منها "مها" .. لم تلقى لها "ياسمين" بالاً .. وقفت "مها" بين الجمع وصفقت بيديها لتجذب انتباههم قائله :
- اسكت هووووس .. عندى ليكوا خبر حلو النهاردة
ثم التفتت الى "ياسمين" وقالت بخبث :
- ولا تحبي تقوليلهم الخبر بنفسك يا "ياسمين"
نظرت اليها "ياسمين" بدهشة قائله :
- خبر ايه يا "مها" ؟
قالت "مها" بعتاب مصطنع :
- اخص عليكي .. طالما فرحتى يبقى تفرحينا معاكى
جف حق "ياسمين" ونظرت اليها قائله :
- مش فاهمة قصدك ايه
نظرت "مها" الى الفتيات اللاتى توقفن عن الحديث وتابعن ما يحدث .. قالت لهن فى مرح :
- النهاردة عايزين كلنا نبارك لـ "ياسمين"
نظرن الى "ياسمين" وقالت احداهن :
- نباركلها على ايه ؟
وقالت أخرى :
- ايه اتخطبت ؟
قالت "مها" وهى تنظر الى "ياسمين" بشماته :
- لأ .. اطلقت
تعالت صيحات عدم التصديق .. نظرت الى بعضهن البعض فى دهشة .. كانت "ياسمين" تنظر الى "مها" فى جمود .. لكن اخترق أذنيها ردود فعل من حولها :
- بجد
- ايه ده هى كانت متجوزة أصلا
- أكيد بتهزرى
- ياسمين أصلا مش متجوزة
قالت "مها" شارحه فى استمتاع :
- "ياسمين" كانت رافعة قضية خلع على زوجها وكسبتها امبارح
ثم نظرت الي "ياسمين" قائله بخبث :
- والبشمهندس "عمر" كان كريم أوى معاها وخباها من جوزها هنا فى مزرعته لحد معاد الجلسه .. اظاهر ان البشمهندس "عمر" بيعزك أوى يا "ياسمين"
لم تستطع "ياسمين" تحمل تلميحاتها فإنصرفت فى عجاله .. كانت تسير بسرعة وهى لا ترى أمامها .. كانت العبرات تتجمع فى عينينها .. قابلها "هانى" فحاول يوقفها قائلاً :
- دكتورة "ياسمين" ثوانى لو سمحتى
لكنها لم تسمعه .. بل لم تراه .. صنعت العبرات غشاوة على عينيها فسارت تتبين طريقها بصعوبه .. وصلت الى شجرتها .. ألقت بنفسها على جذعها الذى فارقته منذ ساعات .. وضعت كفيها على وجهها وجهشت فى بكاء عميق .. لماذا لا يتركها الناس وحالها .. لما ينغصون عليها فرحها .. لماذا يستكثر بعض الناس أن يرى غيره سعيداً .. لماذا يخوض الناس فى أعراض بعضهم البعض ويمزقونهم بلا هواده .. لماذا لا يعلم الناس أن الكلمات التى تخرج من أفواههم هم محاسبون عليها تماما كأعمالهم .. لماذا لا يدرك البعض أن الكلمة قد تكون خنجراً ينغرس فى قلب من أمامه بلا هواده .. أو تكون بلسماً تطيب جرحه فى لحظات .. الى متى ستشعر بهذا الظلم .. الى متى ستظل الإبتسامه عزيزة عليها .. وكأنها زائر لا يحل إلا بعد غياب طويل .. لحظات ثم يعود ليرحل مرة أخرى بقسوة .. أخذت تردد بصوت مرتجف :
- اللهم انى مغلوب فإنتصر .. اللهم انى مغلوب فإنتصر
فجرت "مها" قنبلتها ثم أخذت طعامها وجلست على احدى الطاولات تتجاذب أطراف الحديث مع "شيماء" .. وفجأة رأت دكتور "حسن" يقف بجانبها .. فالتفتت تنظر اليه فى صمت .. فقال بحزم :
- المزرعة هنا للشغل وبس يا دكتورة "مها" .. مش مكان للقيل والقال .. لو ضايقتى أى زميلة ليكي مرة تانية أنا هبلغ البشمهندس "عمر" بنفسي
شعرت "مها" بالخوف فقالت له :
- أنا مكنتش قصدى أضايقها يا دكتور "حسن" أنا بس ....
قاطعها الرجل بحزم قائلاً :
- أنا مبحبش أقطع عيش حد .. لو البشمهندس "عمر" عرف اللى انتى عملتيه أظن هيتصرف معاكى تصرف يزعلك .. مش عايز أشوف منك غلطة مرة تانية .. لا فى حق دكتورة "ياسمين" ولا فى حق أى حد تانى هنا فى المزرعة .. مفهوم
أومأت برأسها فى صمت .. غادر القاعة فالتفتت الى "ِشيماء" قائله :
- هو ماله ده .. يكنش اشتغل محامى للست "ياسمين" وأنا معرفش
أخذت تتناول طعامها فى حنق
كان "عمر" يجلس فى مكتبه .. كان تركيزه كله موجه الى تلك الفتاة التى تبعد عنه بضع خطوات .. شعر بأنه يرغب فى رؤيتها مرة أخرى .. نهض من مكتبه وتوجه الى مكان عملها .. لم يجدها .. فسأل "هانى" الذى كان يجلس على أحد الكراسي يطالع كتاب بيده :
- مشفتش الدكتورة "ياسمين" يا "هانى" ؟
قال "هانى" بحنق :
- أديني آعد مستنيها .. شوفتها من شوية ماشيه وواخده فى وشها نادتلها معبرتنيش
قال "عمر" بقلق :
- مشيت منين ؟
أشار له "هانى" الى الإتجاه الذى رأى "ياسمين" تسير فيه .. ذهب "عمر" فى اثرها .. ظن أنها ذهبت الى شجرته .. اقترب من الشجرة فسمع صوت شهقات صغيره .. التف حول الشجرة ليجد "ياسمين" جالسه على الجذع تخفى وجهها بكفيها .. وتبكى .. هتف فى لوعه :
- "ياسمين" فى ايه ؟
رفعت رأسها لتراه أمامها .. مسحت عبراتها المتساقطه قائله :
- مفيش حاجه
تفرس فيها وسألها مرة أخرى :
- قوليلى ايه اللى حصل
ردت بحده دون أن تنظر اليه :
- قولتلك مفيش
احتار "عمر" فى تفسير سبب بكائها .. خطر بباله خاطر تألم له قلبه .. هل من المعقول أنها تبكى لفراق زوجها .. أمازالت تحبه .. أتبكيه .. أم تبكى حبها له .. أم تبكى صدمتها فيه .. أم تبكى بعدها عنه .. لم يتحمل حيرته .. سألها بصوت خافت :
- كنتى بتحبيه ؟
رفعت عينيها اليه فى دهشة .. من يقصد .. أيقصد "مصطفى" .. كيف يسألها عن أمر خاص كهذا .. ردت فى حزم قائله :
- لو سمحت اتفضل امشى
قال "عمر" بحده :
- طب ريحينى بس
نهضت قائله بغضب :
- خلاص همشى أنا
ثم تركته خلفها وانصرفت .. كانت الغيره تعصف بكيانه .. أتفكر فيه ؟ .. أتشتاق اليه؟ .. هل من الممكن أن تسامحه يوماً؟ .. هل من الممكن أن ترغب فى العودة اليه يوماً ؟ .. لماذا ترفض التحدث اليه .. لماذا لا تخبره بما فى قلبها وعقلها ليستريح قلبه .. عاد الى مكتبه والغضب على محياه .. وجد "كرم" ينتظر بالداخل .. نظر اليه "كرم" قائلاً :
- فى ايه يا "عمر" ؟
أزاح "عمر" كرسي المكتب وجلس عليه فى عصبيه قائلاً :
- شوفت "ياسمين" بتعيط من شويه سألتها مالك مرضتش تريحنى .
نظر الى "كرم" قائلاً بغضب :
- مش عارف حتى أتكلم مجرد كلام عادى مع البنت اللى بحبها .. مش مديانى أى فرصة أقرب منها
قال له "كرم" :
- "عمر" هى لسه مطلقة امبارح .. وكمان تهديد طليقها ليها .. يعني أكيد مشاعرها متضاربه
نظر اليه "عمر" قائلاً بصرامة :
- وأنا عايز أكون جمبها .. وأخدها فى حضنى .. أقولها متخفيش من حد انا جمبك .. عايز أتأكد ان الحيوان ده ملوش أى مكان دلوقتى فى قبلها .. وانها نسيته تماما
صمت "عمر" قليلا ثم هب واقفاً وهو يقول :
- أنا رايح حالا أطلبها من أبوها
اعترض "كرم" طريقه قائلاً :
- يا ابنى اهدى شوية .. دى لسه مطلقة
قال "عمر" بحده :
- هتجنن يا "كرم" دى مش راضية حتى تتكلم معايا .. عايز أثبتلها انى مش بلعب وانى عايزها بجد .. أنا لحد دلوقتى ماقولتهاش انى بحبها .. هموت وأقولهالها يا "كرم" .. بس خايف أقولها تضايق منى وتفتكرنى بلعب بيها .. عايز أتقدملها دلوقتى .. عشان لما أقولهالها تعرف انى بحبها بجد وعايزها بجد
قال "كرم" :
- يا ابنى وأهلك .. انتى ناسيهم
سأله "عمر" :
- ومالهم أهلى ؟
- مش لازم يعرفوا تفاصيل الموضوع ده .. دول ميعرفوش ان فى موضوع أصلاً
فكر "عمر" قليلا ثم قال :
- معاك حق لازم أستغل الشهر ده لحد ما عدتها تخلص .. أنا هكلم ماما وبابا وأعرفهم انى عايز أخطب .. وأخليهم ييجوا هنا ويتعرفوا عليها .. أهو على الأقل بعد ما الشهر يخلص تكون هى قربت من ماما وماما قربت منها وبقى بينهم علاقة كويسة
قال "كرم" :
- تمام كده .. مش تقولى أطلبها من أبوها فى العده
قال "عمر" بإصرار :
- أنا كدة كدة هكلم أبوها .. مش هستنى لما الشهر يخلص .. عايزها تعرف من دلوقتى انى عايزها .. وكمان عشان أقدر أأقدمها لأهلى ويتعرفوا عليها
- خلاص تمام كده .. رتب انت موضوع أهلك ده
أومأ "عمر" برأسه قائلاً :
- هكلمهم النهاردة ان شاء الله
هاتف "عمر" أهله فى المساء .. لم يتحدث عن أى تفاصيل .. فقط قال لأمه بأنه وجد فتاة أحلامه التى يتمنى الارتباط بها .. ويريدها أن تلتقى مع عائلته ويعرفهم عليها .. كانت والدته سعيدة للغاية .. فلطالما انتظرت اليوم الذى يدق فيه قلب ابنها مرة أخرى .. اتفقا على القدوم بعد ثلاثة أيام .. لن يحضر الأبوان فقط .. بل عمته "ثريا" أيضاً .. انهى المكالمه وهو يشعر بالسعادة فى قلبه .. فها هو يقترب من حلمه شيئاً فشيئاً .. "يــاسمـــيــن"
نادى الخادمة وقال لها :
- عايزك تنضفى البيت والأوض كلها كويس جدا لان أهلى جايين المزرعة وهيعدوا كام يوم
*******************
اقترب "عمر" من "عبد الحميد" الجالس داخل المخزن يدقق فى الدفاتر التى أمامه .. ابتسم "عمر" قائلاً :
- صباح الخير يا عم "عبد الحميد" .. ربا يديك الصحة
هب "عبد الحميد" واقفاً والتف حول المكتب وسلم على "عمر" قائلاً :
- يا صباح النور يا بشمهندس اتفضل
جلسا الإثنان أمام بعضها البعض .. صمت "عمر" قليلا وكأن يستجمع أفكاره ثم نظر الى "عبد الحميد" قائلاً :
- أنا كنت عايز أتكلم مع حضرتك فى موضوع .. موضوع يخص الدكتورة "ياسمين"
قال "عبدالحميد" بلهفه :
- مالها "ياسمين" بنتى
طمأنه "عمر" بإشاره من يده قائلاً :
- متقلقش مفيش حاجه وحشه .. أنا بس كنت عايز أكلمك فى موضوع .. أنا عارف انه مش وقته .. بس على الأقل يبقى فى ربط كلام بينا
قال "عبد الحميد " بقلق :
- خير يا بشمهندس قلقتنى
تنحنح "عمر" ونظر اليه ببعض الحرج قائلاً :
- أنا عارف ان الوقت ممكن ميكنش مناسب .. بس .. أنا عايز أطلب منك ايد الدكتورة "ياسمين"
بهت "عبد الحميد" وفتح فمه فى دهشة .. صمت لفترة وهو يحاول استيعاب ما يسمع .. ثم ردد قائلاً :
- عايز تتجوز "ياسمين" بنتى ؟
ابتسم "عمر" قائلاً :
- يشرفنى انى أطلب ايدها منك يا عم "عبد الحميد"
كان "عبد الحميد" مازال واقعاً تحت تأثير المفاجأة .. فتحدث "عمر" قائلاً :
- زى ما قولت لحضرتك .. أنا عارف ان الوقت مش مناسب .. بس أنا حابب انى أعرفك وأعرفها برغبتى دى من دلوقتى .. وكمان أهلى جايين بعد كام يوم وحابب ان الأسرتين يتعرفوا على بعض .. لحد ما يبقى الوقت مناسب اننا نعمل خطوبة
صمت قليلا ثم قال :
- وبعد اذنك أنا عايز خطوبة وكتب كتاب مع بعض .. والفرح هيكون بعدهم بوقت قصير
تحدث "عبد الحميد" أخيراً قائلاً :
- والله يا بشمهندس أنا اتفاجئت بطلبك .. وأنا عن نفسي مش هلاقى أحسن منك عريس لبنتى .. بس أنا لازم أخد رأيها الأول
قال "عمر" بسرعه :
- طبعاً يا عم "عبد الحميد" .. كلمها وأنا منتظر منك الرد ان شاء الله
ابتسم "عبد الحميد" قائلاً فى حبور :
- اللى فيه الخير يقدمه ربنا
استأذن "عمر" ثم انصرف .. وجدت العبرات طريقها الى عين "عبد الحميد" ورفع رأسه وتمتم قائلاً :
- أحمدك وأشكر فضلك يارب
**********************
- أصلاً من ساعة ما دخلت المزرعة وهى مش طايقانى
هتفت "ياسمين" بهذه العبارة وهى جالسه مع "سماح" فى بيتها .. قالت "سماح" :
- ليه مش طايقاكى
قالت "ياسمين" بحده :
- هى كده من الباب للطاق
ثم استطردت قائله :
- من البداية وهى فاكرة ان فى حاجه بينى وبين البشمهندس "عمر"
نظرت اليها "سماح" بخبث قائله :
- وهو فى حاجه بينك وبينه ؟
هتفت "ياسمين" بغضب :
-"سماح"
- خلاص خلاص كنت بهزر
زفت "سماح" ثم قالت :
- بصى سيبك منها .. ولو عملتلك حاجه تانى قولى لـ "عمر"
هتفت "ياسمين" بحده :
- أقوله ايه ... أقوله فى واحدة من اللى بيشتغلوا عندك فاكرة ان فى حاجه بينى وبينك !
تمتمت "سماح" :
- معاكى حق مينفعش تقوليله كده
ثم نظرت اليها قائله :
- أمال هتعملى ايه
قالت "ياسمين" بحزم :
- مش هسمحلها تتكلم عنى تانى .. وهوقفها عند حدها .. مش عشان طيبة يبقى آخد على أفايا .. لأ بعد كدة هاخد حقى بإيدي
قالت "سماح" بمرح:
- ماشى يا عم الجامد
سمعا صوت مفتاح فى الباب .. فقالت "ياسمين" بدهشة :
- ايه ده .. زوجك ؟
نهضت "سماح" واستقبلت زوجها على الباب وأخبرته أن "ياسمين" بصحبتها توجه الى غرفتهما .. عادت "سماح" لتجد "ياسمين" تنهض قائله :
- همشى أنا بقه يا "سماح"
قالت "سماح" بأسف :
- كل مرة بيتأخر فى الشغل .. النهاردة اليوم الوحيد الى جه بدرى عن معاده
قبلتها "ياسمين" قائله :
- معلش هجيلك وقت تانى
أوصلتها الى الباب قائله :
- المهم متحطيش الموضوع فى دماغك وتخلى البتاعه دى تعكنن عليكي
قالت "ياسمين" :
- لأ خلاص .. هى حسبي الله ونعم الوكيل فيها وخلاص
انصرفت "ياسمين" ودخلت "سماح" الى زوجها الذى قبلها وعانقها قائلاً :
- وحشتينى
ابتسمت قائله :
- انت وحشتنى أكتر .. مش كنت تقولى انك جاى بدرى
- الموبايل فصل شحن معرفتش أكلمك
قبلته على وجنته قائله :
- طب يا حبيبى ثوانى وأحضر السفرة
- تبعها الى المطبخ قائلاً :
- ماشى وأنا هساعدك
ضحكت قائله :
- ايه الهنا اللى أنا فيه ده
ابتسم قائلاً :
- آه بس متخديش على كده
أخذا يعدان السفرة معاً .. وعندما جلسا قال "أيمن" :
- "ياسمين" عاملة ايه دلوقتى
- كويسة الحمد لله .. مبسوطه انها خلصت من اللى كان زوجها
صمت قليلاً ثم قال :
- قوليلى يا "سماح" هو مفيش حاجه كده ولا كده ؟
نظرت اليه قائله :
- كده ولا كده ازاى يعني ؟
قال بخبث :
- يعني الأعدة الحريمي اللى كانت بره من شوية دى .. متقالش فيها حاجه متعلقه بان فى حد مثلا هى معجبه بيه
قالت "سماح"بخبث :
- لأ بصراحه ماقالتليش حاجه زى كده .. بس أنا حابه أسألك هو فى حد معجب بيها ؟
قال بخبث وهى يعاود تناول طعامه :
- الله أعلم
تركت الملعقة من يدها ونظرت اليها قائله :
- "أيمن" بطل غلاسه بأه لو تعرف حاجه قولهالى
ابتسم لها قائلاً :
- اعرف ايه .. كلى يا بنتى كلى
- مش واكله .. فى حاجه انت مخبيها .. ريحنى وقولهالى
- هكون مخبي ايه يعني
- ليه سألتنى عن ان "ياسمين" معجبه بحد
- عادى يعنى
صاحت بغضب طفولى :
- لأ مش عادى .. ريحنى بأه
ضحك بشدة قائلاً :
- يا ستير الستات دول عليهم فضول يودى فى داهية
أمسكت سكينة الطعام ورفعتها قائله :
- قر واعترف أحسنلك
صمت قليلاً ثم قال بجديه :
- طيب هقولك جملة بس متسألينيش عن أى تفاصيل اتفقنا
قالت بجديه مماثله :
- اتفقنا
أخذ رشفة من كوب الماء الموضوع على جانبه ثم قال :
- احتمال يبقى فى خطوبة قريب
كتمت انفعالتها .. ونظرت اليه قائله :
-هسألك سؤال واحد بس
- لأ .. قولنا بدون أسئله
صاحب بصوت طفولى :
- عشان خاطرى يا "أيمن" .. عشان خطرى .. سؤال واحد بس
- قولى يا ستى
نظرت اليه بلهفه قائله :
- "عمر" صح ؟
هتف "أيمن" قائلاً :
- يا سلام .. كدة بأه يبقى ايه التفاصيل اللى أنا مخبيها .. انتى بتستعبطى يا "سماح"
صفقت بيديها وهتفت فى مرح قائله :
- يبقى "عمر"
نظر اليها "أيمن" بغ