رواية قطة في عرين الاسد الفصل الرابع والثلاثون 34 ج2 بقلم منى سلامه


رواية قطة في عرين الاسد الفصل الرابع والثلاثون 34 ج2
بقلم منى سلامه


كان شكلى ؟
نظرت اليه بدهشة .. ثم ما لبثت أن فهمت الى ما يرمى .. "ماجد" .. فقالت بتوتر :
- ليه بتسأل السؤال ده ؟
قال بهدوء :
- سؤال وخلاص جاوبيني عليه
لم تدر كيف تجيبه .. أنقذتها "ناهد" التى طرقت الباب ففتحت لها "مريم" .. دخلت حاملة طبق الحساء قائله :
- عايزه الطبق ده يخلص كله .. ومش عايزه أسمع كلمة مش عايز دى خالص
ابتسم "مراد" قائلاً :
- مش هفكر أقول مش عايز لانى عارف انك مش هتسمحيلى أقولها أصلاً
انتهى "مراد" من شرب حسائه وأخذ ادويته وخرجت "ناهد" من الغرفة .. هم بالنوم فقالت "مريم" بإستحياء :
- تعالى نام على السرير أحسن
التفت "مراد" ينظر اليها فى ظلام الغرفة التى لا يضيئها سوى نور القمر وقال بحنان :
- لا أنا كده كويس
قالت "مريم" :
- عشان تكون مرتاح أكتر
ابتسم "مراد" قائلاً :
- لو أنا نمت على السرير وانتى على الكنبة مش هكون مرتاح بالعكس
دخلت "مريم" الى الفراش وهى تلقى نظرة عليه كل فترة وأخرى .. الى أن شعرت أنه استسلم للنوم .. أخذت تنظر اليه الى أن نامت هى الأخرى فكان هو آخر ما رأته قبل أن تغمض عيناها .

****************************************
- عايز أعرف كل حاجه عن اللى اسمها "مريم" دى .. من يوم ما اتولدت لحد النهاردة
قال "حامد" هذه العبارة لمحاميه فى مكتبه .. فقال المحامى بثقه :
- متقلقش يا "حامد" بيه .. خلال يومين تلاته بالكتير وهيكون عندك كل المعلومات عنها
قال "حامد" بضيق :
- على آخر الزمن أدخل اقسام الشرطة ومتهم كمان
قال المحامى بسرعة :
- متقلقش يا "حامد" بيه ان شاء الله الموضوع هينتهى بدرى بدرى
قال "حامد"بغل :
- "مراد" التييييييييييييت ده لازم أدفعه تمن اللى عمله
لمس بيده الأسنان الصناعية التى حلت مكان الأسنان التى فقدها بعد ضرب "مراد" له و قال :
- اما وديتك فى ستين داهية يا تييييييييييييت مبقاش أنا "حامد"

*****************************************

فى منتصف النهار .. أصرت والدة "مراد" عليه على البقاء فى البيت وعدم الذهاب الى العمل .. اضطر "مراد" الى تنفيذ رغبتها بعدما احتد النقاش بينهما .. صعد الى غرفته ليستريح جلس على الأريكة يطالع احدى كتبه عندما دخلت "مريم" لإحضار هاتفها فأوقفها قائلاً :
- "مريم"
التفتت اليه فقال بحنان :
- اديني عنوان "مى" صحبتك وأنا أخلى السواق يروح يجيبها .. معلش مش هقدر أخرجك تزوريها النهاردة زى ما وعدتك
قالت "مريم" بسرعة :
- لا مفيش مشكلة أنا مقدرة انك تعبان
قال مصراً :
- طيب اكتبي العنوان فى ورقة وأنا ابعته يجيبها وكلميها عرفيها
ابتسمت "مريم" ودونت عنوانها وأعطته الورقة قائله :
- بجد متشكره أوى .. انت متتصورش هى وحشانى ازاى
تطلع اليها مبتسماً وهو يرقب السعادة فى عينيها .. قالت بخفوت :
- هروح أكلمها عشان تلحق تجهز نفسها
خرجت "مريم" وعينا "مراد" تتابعها .. بعد ساعتين حضرت "مى" الى الفيلا لزيارة صديقتها .. استقبلتها "مريم" قائله :
- "مي" حبيبتى وحشتيني
تعانقتا فى سعادة وكل منهما تنظر الى الأخرى بفرح .. جلستا معاً فى الحديقه بعدما قامت "مريم" بمهمة التعريف بين "مريم" و أهل البيت .. جلست مع "مى" على أحد المقاعد فى الحديقة قالت "مى" :
- ما شاء الله المكان جميل أوى
قالت "مرمي" بأسى :
- خايفة من اليوم اللى هضطر فيه أمشى من هنا .. انا اتعلقت بيهم أوى
التفتت اليها "مى" قائله :
- احكيلى يا "مريم" اليه آخر الأخبار
قصت عليها "مريم" ما فات "مى" من أحداث فهتفت "مى" :
- يعنى خلاص عرف انك كنتى مراة اخوه
قالت "مريم" :
- أيوة عرف .. بس اللى هيجننى ليه قالوله ان أخوه مات وهو صغير .. ليه كذبوا عليه .. وكمان ليه عمتو قالتلى مجبش سيرة لـ "مراد" عن أخوه وانها هى اللى هتتكلم معاه بنفسها .. حاسه ان فى حاجة غامضة
قالت "مى" وهى تفكر بإمعان :
- فعلا حسه ان فى حاجة غامضة
ثم سألتها :
- طيب انتى ليه ما قولتيش لـ "مراد" ان مامة "ماجد" موجودة وانها فى دار المسنين
قالت "مريم" بحيرة :
- مش عارفه يا "مى" خوفت أقوله .. لازم أفهم الأول ايه اللى بيحصل
ثم تنهدت قائله :
- فى حاجات كتير مش قادرة أفهمها
قالت "مى" بإهتمام :
- طبعاً ما قولتيلوش ان مامة "ماجد" دى .........
قاطعتها "مريم" قائله :
- لا طبعاً ما قولتلوش .. خفت من رد فعله .. أصلاً مشوفتيش كان عامل ازاى لما عرف بموضوع "ماجد" وانى كنت مراته وانه كان عايش ومماتش صغير .. عاملنى معاملة صعبة جداً .. فخوفت أقوله على موضوع ماما "زهرة"
تنهدت "مى" قائله :
- وهتعملى ايه دلوقتى
تطلعت "مريم" الى ما أمامها وهى تقول بحيرة :
- مش عارفه .. بجد مش عارفه

*************************************

- تفتكرى لي بابا وعمتو خبوا عليا ان أخويا "ماجد" عايش ؟
وجه "مراد" هذا السؤال لـ "ناهد" التى تجلس على الفراش تتطلع اليه وهى مصدومة مما تسمع وقالت :
- مش عارفه .. أنا بجد اتصدمت .. يعني "ماجد" كان عايش ومكنش ميت من زمان زى ما باباك قالنا
ثم سألته بإهتمام :
- و كان عايش مع مين طول السنين اللى فاتت ؟
قال "مراد" بحيرة :
- سألت "مريم" وقالت متعرفش
ثم قال بإصرار :
- مع انى حاسس انها عارفه حاجه ومخبياها عليا .. بس مسيري هعرفها
قالت "ناهد" وهى مازالت تحت تأثير الصدمة :
- مش قادرة أصدق .. أخوك كان عايش وكمان "مريم" كانت مراته .. مش قادرة أصدق
قال "مراد" بضيق :
- مكنتش مراته .. كانت خطيبته .. كانوا كاتبين كتابهم بس
تطلعت "ناهد" الى "مراد" بخبث وقالت بتحدى :
- وايه الفرق يعني خطيبته ولا مراته ولا حتى مراة واحد غيره انشاله تكون متجوزة عشرة قبل كدة مش هتفرق معانا فى حاجة
نظر اليها "مراد" بحده .. فأكملت قائله بتحدى :
- وأساساً بعد ما انت تطلقها أكيد هتتجوز بسرعة البنت كويسة ومحترمة ومؤدبة وملتزمة يعني أكيد فى حد معاها فى الشغل حاطط عينه عليها خاصة انها هتخرج من الجوازة دى صاغ سليم
ازدادت حدة نظرات "مراد" وقال بغضب :
- ماما انتى عايزه ايه بالظبط
قالت "ناهد" بخبث وهى تنهض لتغادر الغرفة :
- هعوذ ايه يعني .. أما أروح أشوف الغدا

***********************************************

حضر "أحمد" ابن أخت "ناهد" للإطمئنان على صحة "مراد" بعدما علم بمرضه .. قال "مراد" وهو يستقبله فى حجرة الصالون :
- مكنش فى داعى تتعب نفسك يا "أحمد" الموضوع مش مستاهل
ابتسم "أحمد" قائلاً :
- ازاى يعني .. متقولش كدة يا "مراد"
جلسا قبالة بعضهما البعض .. قال "أحمد" :
- بس انت باين عليك انك كويس أمال خالتى بتقول انك تعبان أوى ليه
ابتسم "مراد" قائلاً :
- ما انت عارف ماما يا "أحمد" لو حد فينا عطس تعلن حالة الطوارئ فى البيت
ابتسم "أحمد" قائلاً :
- ربنا يباركلكوا فيها
ثم تنحنح قائلاً :
- بصراحة فى موضوع كنت حابب أتكلم معاك فيه يا "مراد"
قال "مراد" بأهتمام :
- خير يا "أحمد"
قال "أحمد" بحرج :
- بصراحة أنا كنت عايز أكلمك من زمان بس كنت بتردد .. بس قولت خلاص لازم أتكلم لانى خايف تضيع منى
ضيق "مراد" عينيه وهو يحاول أن يعرف مقصد "أحمد" .. تنحنح "أحمد" مرة أخرى قائلاً :
- أنا عايز أطلب منك ايد الآنسه "نرمين"
لم يبدى "مراد" رد فعل فقال "أحمد" بتوتر :
- أنا من زمان وأنا عايز أفاتحك .. بس قولت أستنى لما العيادة بتعتى تجهز عشان أتقدم بقلب جامد
ابتسم "مراد" قائلاً :
- ايه ده العيادة جهزت .. طيب الحمد لله ألف مبروك يا "أحمد" انت تستاهل كل خير
ابتسم "أحمد" وقد استبشر خيراً وقال :
- الله يبارك فيك يا "مراد" .. طيب قولت ايه
قال "مراد" مفكراً :
- ان كان عليا فمعنديش أى اعتراض انت شاب محترم ومؤدب ومن العيلة وأنا مش هلاقى لـ "نرمين" أحسن منك .. بس باقى رأيها ورأى ماما طبعاً
ابتسم "أحمد" قائلاً بحماس :
- ان شاء الله خير انا متفائل
نظر اليه "مراد" قائلاً بإهتمام :
- انت اتكلمت مع "نرمين" فى حاجة
قال "أحمد" بسرعة :
- لا والله أبداً يا "مراد" انت أول حد أتكلم معاه بعد ما فاتحت ماما فى الموضوع .. حتى خالتى ما قولتلهاش حاجة ونبهت على ماما متجبلهاش سيرة الا لما أتكلم معاك الأول
ابتسم "مراد" وهو يقول :
- طول عمرك تعرف الأصول يا "أحمد"
قال "أحمد" مبتسماً :
- ربنا يكرمك يا "مراد" وانتوا طول عمركوا بيت أصول وعشان كدة أنا عارف ومتأكد انى مش هلاقى لنفسي زوجة أحسن من "نرمين" أختك
قال "مراد" بمرح :
- خلاص اتفاقنا يا دكتور .. هتكلم معاهم وان شاء الله خير .. وانت متناش صلاة الإستخارة

*********************************************

طرقت "مريم" باب غرفة المكتب فأذن لها "مراد" بالدخول .. ابتسمت قائله :
- هعطلك عن حاجة
ابتسم لها قائلاً :
- لا أبداً اتفضلى
دخلت "مريم" وهى تحمل حاسوبها وقالت :
- كنت عايزة أوريك الشغل اللى خلصته
توجه "مراد" الى الأريكة وجلس عليها وأخذ منها الحاسوب ووضعه على المنضدة أمامه وقال :
- وريني كده
جلس "مراد" بتفحص التصميمات ثم قال :
- ممتاز طبعاً
قالت له بعتاب :
- يعني أحسن من الزفت اللى كان قبله ؟
رفع نظره اليها وابتسم ابتسامه خفقت لها قلبها بشدة وتطلع اليها قائلاً :
- شغلك دايماً بيعجبنى
نظر مرة أخرى الى الحاسوب وأشار الى نقطة به وقال :
- بس مكان اللوجو هنا مش مرتاحله ممكن نخليه يمين بدل شمال
وقفت "مريم" بجواره لتتمكن من مشاهدة التصميم فأمرها بالجلوس .. جلست بجواره بحرج وقد تركت مسافة بينهما .. قالت "مريم" وهى تشير الى التصميم :
- مفيش مشكلة .. بسيطة .. نخليه يمين
أشار "مراد" الى الخط المكتوب به احدى الجمل وقال :
- ولو ينفع الفونت ده يتغير ويكون أوضح شوية
قالت دون أن تنظر اليه وهى تنظر الى التصميم بإهتمام :
- تمام مفيش مشكلة
كانت عينا "مراد" مسلطتان عليها .. يتأمل ملامح وجهها بعينان تلمعان بنظرات حانيه .. أكملت وهى مازالت تتطلع الى التصميم :
- ممكن أعمل أكتر من نسخة لكذا فونت وتختار اللى شكلها يعجبك أكتر
كانت نظرات "مراد" مازالت مسلطة عليها .. لم يشعر بنفسه الا وهو يرفع يده ليحتضن بين أصابعه احدى الخصلات المتساقطة على وجهها .. التفتت اليه "مريم" لترى تلك النظرة الغريبة فى عينيه .. والتى لم تعتادها منه .. شعرت بقلبها يخفق بجنون .. لمس بأصابعه وجنتها ومررها عليه فى رقه .. انتفضت فجأة وقد تدرجت وجنتاها خجلاً هبت واقفه وقالت وهى تغادر مسرعه :
- ثوانى وراجعه
عبرت الغرفة بخطوات متسارعه وعينا "مراد" ترمقانها بنظرات نارية .. خرجت لتتركه يغلى من الغضب .. أخذ يفكر فى رد فعلها وردود أفعالها السابقة .. أخذ يلعب بأصابعه فى الحاسوب وهو شارداً و غير منتبه بالفعل لما يفعل .. أفاق من شروده عندما وجد أمامه أحد الملفات المكتوب عليها "حبيبى" .. ضاقت عيناه بشدة و فتح الملف ليجد به العديد من الصور المصغرة .. كبرها وأخذ يتطلع اليها .. شعرت بصدمة شديدة تجتاح كيانه .. يالله كأنه ينظر فى المرآة .. رجلاً يشبهه الى حد بعيد يقف بجوار "مريم" محيطاً كتفيها بأحد ذراعيه ويبتسمان معاً للكاميرا .. أخذ يقلب فى الصور وينتقل من صورة لأخرى وشرارة الغضب بداخله تزداد حتى صارت كالبركان الذى على وشك القاء حممه التى تتأجج بداخله .. كان يتطلع الى الصور بحيرة بألم بيأس بلهفه بغضب بضيق بغيرة بحب .. مشاعر كثيرة مختلطة ومتضاربة شعر بها تجاه الاثنان اللذان يقفان معاً فى جميع الصور وعلامات الفرح والبهجة والحب على وجه كل منهما .. توقف عند الصورة التى تجمع "ماجد" بـ "مريم" وكلاهما يرتدى دبلته فى اصبعه اليمنى .. أغلق شاشة الحاسوب بعنف .. تذكرها .. تلك الدبلة التى مازالت تزين أصابعها حتى الآن .. والتى نقلتها "ناهد" من يدها اليمينى الى اليسرى ظناً منها انها لـ "مراد" .. نهض "مراد" وهو يحمل الحاسوبه وخرج ليبحث عن "مريم" حتى وجدها فى غرفته جالسه على الأريكة شاردة .. هبت واقفة بمجرد أن رأته وبلعت ريقها بصعوبة وهى تشعر بالخوف من نظراته التى كانت كالرصاص المصوب تجاهها ..فتح "مراد" الشاشة فظهرت أمامها آخر صورة كان يشاهدها .. نظرت الى الصورة وقلبها يخفق بعنف .. تلك الصورة التى لم تراها منذ أن وطأت قدماها هذا البيت .. ألقى "مراد" الحاسوب على السرير بعنف وهو يقول :
- نسخة منى .. اخويا كان نسخة منى .. عشان كدة كنتى بتبصيلي واحنا فى المركز الصحى فى الصعيد مش كدة ؟؟ .. لانى نسخة منه .. فكرتك بيه مش كده .. الشبه اللى بينا هو اللى خلاكى تعرفى انى أخوه .. عشان كده وافقتى تتجوزيني أنا مش "جمال" مش كدة ؟؟ .. عشان أنا شكل أخويا اللى حبيتيه واتجوزتيه وفقدتيه.. صح يا "مريم"
تطلعت اليه "مريم" باعين دامعة فأكمل يقول بقسوة :
- كنتى بتعوضى شوقك له بيا .. أما بتبصيلي بتشوفى مين يا "مريم" .. "ماجد" ولا "مراد" .. بتشوفيه هو .. صح .. مين اللى سبتى نفسك فى حضنه من يومين ؟ .. "ماجد" مش "مراد" مش كده ؟.. وعشان كدة كنت بصحى ألاقيكي بتبصيلى .. وكانت نظراتك بتكون غريبة ومكنتش قادر اعتها فسر معناها .. كنتى بتبصيله هو لملامحه هو .. مش كده ؟
انهمرت الدموع من عينيها بصمت وتمتمت بصوت خافت جداً لم يستطع سماعه :
- ده فى الأول بس
نظرت اليه بألم فصرخ بعنف و بغضب شديد :
- كنتى طول الوقت ماسكه اللاب وأعدة أدامه وتقوليلى شغل .. كنتى بتشوفى صوركوا سوا مش كدة .. كنتى عايشه معاه طول الوقت .. متعرفيش انك كده تبقى بتخونينى اى ان كان سبب جوازنا انتى كده بتخونيني
صاحت "مريم" والدموع تغرق وجهها :
- لا أنا مخنتكش .. انا مشوفتش صوره ولا مرة من ساعة ما دخلت البيت ده
نظر اليها "مراد" بإحتقار وعدم تصديق .. لم تتحمل تلك النظرة فى عيناه فتوجهت الى الدولاب وأخرجت منه الحقيبة التى تحوى رسائل "ماجد" .. أخرجت الرسائل وأمسكتها ولوحت بها أمامه قائله بحده بصوت مرتجف :
- دى رسايل "ماجد" .. كان كاتبهالى قبل ما يموت .. كان مريض بالكانسر وكان المرض فى مراحله الأخيره .. كتبلى الجوابات دى وقالى أقرأ جواب كل اسبوع فى نفس اليوم ونفس المعاد .. كان عارف انى مليش حد غيره .. أهلى كلهم ماتوا فى حادثة .. ماما و بابا و أختى .. كنت هموت لولا "ماجد" وقف جمبي وساعدنى انى أخرج من محنتى .. وكتبنا كتابنا كان كل حاجة ليا عوضنى عن كل أهلى اللى راحوا منى فجأة .. كان هو الهوا اللى بتنفسه .. كان مالى حياتى كلها مكنش ليا غيره
ثم انهمرت الدموع من عينيها كالشلال تغرق وجهها :
- لما عرفت انه مريض .. كنت هموت .. اتمنيت فعلاً انى أكون مكانه وان المرض ده يجيلى أنا وهو يفضل سليم .. كنت بموت وأنا عارفه انه بيموت أدامى ببطء وانى هخسره زى ما خسرت أهلى كلهم .. هو كان عارف موته هيعمل فيا ايه .. عشان كده كتبلى الجوابات دى تصبرنى لو حصله حاجه .. أنا بقالى أكتر من سنة من يوم ما مات عايشه على جواباته وكلامه المكتوب فيهم .. بفتح الجواب كل اسبوع فى نفس المعاد
ثم قالت بألم :
- بس والله من يوم ما دخلت البيت ده وأنا مقرأتش حرف واحد .. عارف معناه ايه انى مقراش جوابات "ماجد" وانى أمنع نفسي عنها .. بس أنا أجبرت نفسي على كده لانى مش خاينة وبكره الخيانة .. لانى عارفه انى مادمت على ذمتك مش من حقى انى أقرأ جوابات واحد تانى
انتهت من كلامها وساد الصمت الا من صوت شهقاتها الخافته .. بدا وجه "مراد" جامداً وهو ينظر الى الخطابات فى يدها .. والى الخطابات العديدة التى مازالت فى الحقيبة التى تحملها بيدها .. تحدث أخيراً .. بصوت هادئ صارم وتعبريات جامدة كالحجر :
- مكنتش أعرف انى معذبك كده .. وان جوازك منى آلمك بالشكل ده
تلاقت نظراتهما طويلاً .. الى أن قال بصوت مرتجف متقطع :
- بكره جهزى نفسك عشان هنروح للمأذون .. عشان أخلصك من الحبل الملفوف على رقبتك
نظرت اليه مصدومه فأكمل قائلاً بنبرة حازمة لم يستطع اخفاء الألم فيها :
- عشان ترجعى لحبيبك وصوره وجواباته اللى حارمه نفسك منها بسببي
قال ذلك وخرج من الغرفة وهى تتطلع اليه وعلامات الصدمة على وجهها.

***************************************

فى الصباح الباكر .. سمعت طرقاته على الباب دخل بهدوء وقال دون أن ينظر اليها :
- جاهزة ؟
قالت دون أن تنظر اليه وهى تتظاهر بالثبات :
- أيوة
حمل حقيبتها وسبقها الى الأسفل .. كانت تشعر بشعور غريب .. كانت تشعر وكأنها تعيش حلماً ستستيقظ منه بعد قليل .. سارت مسلوبة الإرادة الى السيارة .. بدا جامداً وبدت جامدة .. لم تتح لها الفرصة لتوديع "ناهد" و "سارة" و "نرمين" . فضلت هى ذلك حتى لا يكون الوداع مؤلماً .. سار بسيارته وقد ران بينهما الصمت وحالة غريبة تعترى كل منهما .. نزلا من السيارة وتوجها الى مكتب المأذون وكل منهما يشعر بأنه مسلوب الإرادة وكأن قوة خفية تحركهما .. جلسا متواجهان وهما يستمعان الى كلمات المأذون التى يحاول بها اثنائهما عن هذا القرار .. كان كل منهما يطرق برأسه وينظر الى الأرض .. وتعبيرات جامدة تظهر على وجه كل منهما .. لا تستطيع أن تتبين كيف يشعر أى منهما بالنظر الى وجهه .. حانت اللحظة .. وأخبر المأذون "مراد" أن يلقى بكلمة الطلاق على مسامع "مريم" .. ساد الصمت للحظات .. بدا وكأن لسانه يعصيه .. وقلبه يثنيه .. لكن عقله أرغمهما على طاعته .. قال وهو ينظر أرضاً بصوت مرتجف بنبره متقطعه وكأن روحه تفارق جسده :
- انتى طالق
لحظات مرت ورفع رأسه يلقى عليها نظرة .. بدت جامدة كالتمثال لا حياة فيه ولا روح .. أنهيا معاملات الطلاق وخرجا معاً .. فتح لها باب السيارة وهو يتحاشى النظر اليها .. ركبت وقد بدا عليها التماسك وكأن ما حدث منذ قليل كان حلماً سيفيق كلاهما منه قريباً .. أوصلها الى شقتها .. صعد خلفها حاملاً حقيبتها .. هم بالدخول فوضعت ذراعها أمام الباب تمنعه .. لم يعد يحل له الدخول .. لم يعد يحل له أى شئ .. ولا لها .. وضع الحقيبة فى الخارج .. نظر اليها نظرة أخيرة مودعه ثم هرب مسرعاً من أمامها وكأنه يخفى ما لا يريده أن يظهر للعيان .. أدخلت حقيبتها وأغلقت الباب .. وقفت خلفه تتطلع الى بيتها .. الذى فارقته .. وها هى تعود اليه مرة أخرى .. لكنها شعرت بأنها ليست "مريم" التى فارقت هذا البيت .. لقد عادت "مريم" أخرى .. تغير فيها الكثير .. تطلعت الى البيت مرة أخرى ولأول مرة تشعر فيه بالغربة .. عندئذ تحطم التمثال ليظهر القلب الذى ينبض بداخله .. انهمرت الدموع المحبوسه داخل عينيها وجلست على الأرض خلف الباب المغلق تحتضن قدميها الى صدرها بقوة لتوقف ارتعاشة جسدها .. وكل ذرة فيها تصرخ بألم .


تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة