رواية قطة في عرين الاسد الفصل الخامس والثلاثون 35 ج2 بقلم منى سلامه


رواية قطة في عرين الاسد الفصل الخامس والثلاثون 35 ج2
بقلم منى سلامه


قال أحد رجال "حسن المنفلوطى" بثقه :
- أيوة طبعا متأكد يا "حسن" بييه .. "خيري السمري" مات ومعندوش الا بنت واحدة .. و"خيري الهواري" مات وعنديه ولدين واحد مات والتانى لساته عايش
ابتسم "حسن" بتشفى وعياه تضيقان خبثاً هو يقول :
- وهيحصل أخوه جريب جوى
ثم التفت الى الرجل قائلاً :
- عايزك تجبلى كل المعلومات عن ابنه .. كل صغيرة وكبيرة لازمن أعرفها .. فاهم
قال الرجل بحماس :
- فاهم يا "حسن" بييه .. هعرفلك كل حاجه عنه .. انت تأمر يا "حسن" بييه المهم انت تبجى راضى عنينا
ابتسم "حسن" وهو يربت على رأس الرجل قائلاً :
- حلاوتك محفوظه متجلجش

**************************************

سمعت جارة "مريم" التى تسكن تحتها طرقات فى الصباح الباكر .. فتحت الباب بحذر لتجد رجلاً لا تعرفه فقالت :
- خير يا ابنى فى حاجة
قال الرجل وهو يلقى نظرة من فوقها على البيت من الداخل :
- هى مش مدام "مريم" ساكنه هنا
قالت المرأة وهى تنظر اليه وتضيق عينيها بسبب ضعف بصرها وهى تحاول تبين من هو وماذا يريد :
- أيوة ساكنه هنا بس فى الشقة اللى فوقى على طول
قالى وهو يهم بالصعود :
- شكراً يا حجه
نظرت اليه المرأة وهو يصعد وقالت بفضول :
- انت مين يا ابنى ؟
التفت اليها ورسم ابتسامه على شفتيه قائلاً :
- أنا من طرف أستاذ "مراد" .. طليقها
صعد وترك المرأة فاتحة فمها دهشة .. ثم قالت لنفسها:
- طليقها !

انتهت "مريم" من ارتداء ملابسها وهمت بحمل حقيبتها للذهاب الى قسم الشرطة كما وعدت "مراد" بالأمس .. عندما سمعت طرقاً على باب شقتها .. اقتربت قائله :
- مين ؟
سمعت صوتاً يقول :
- أنا سواق أستاذ "مراد" باعتنى عشان أوصل حضرتك بالعربية
شعرت بالحنق .. لماذا لا يتركها وشأنها .. لم يعد لها حقوق عليه .. وليس ملزماً بإرسال سيارته الخاصه لإحضارها .. فتحت الباب وقالت للرجل :
- ثانية واحدة هجيب شنطتى
التفتت لتحضر حقيبتها .. لكنها شعرت بالرجل يطوقها بذراعه من الخلف .. وقبل أن تصرخ كتم فمها بقطعة قماش موضوع عليها أحد أنواع الأدوية المخدرة .. لحظات وفقدت وعيها .. حملها الرجل ونزل بها مسرعاً بمجرد أن خرج من البوابة أخذ يصرخ فى المارة قائلاً :
- حد يفتحلى باب العربية بسرعة .. البنت أغمى عليها وجتلها غيبوبة سكر
قال أحد المارة :
- لا حول ولا قوة الا بالله
قام أحد المارة على الفور بفتح المقعد الخلفى للسيارة
تمتم آخر :
- بسرعة يا ابنى على أقرب مستشفى
وقال آخر :
- لا حول ولا قوة الا بالله شكلها صغير .. استر يارب
صعد الرجل بسرعة خلف المقود وانطلق بالسيارة وبصحبته "مريم" فاقدة الوعى على المقعد الخلفى

***********************************
ظل "مراد" ينظر الى ساعته وهو ينتظر "مريم" أمام قسم الشرطة .. على الرغم من طلاقهما مازال يشعر بداخله أنها ملزمة منه .. وكأن شئ خفى يربطه بها .. شئ أقوى من الكلمة التى قالها لتقطع أى وصال بينهما .. حاول الاتصال بها لكن كالعادة هاتفها مغلق .. زفر بضيق قائلاً :
- افتحيه بأه
زاد قلقه عندما ازداد تأخرها .. ركب سيارته وتوجه الى بيتها .. ظل يطرق الباب كثيراً دون رد .. حاول الاتصال بها دون جدوى .. ظل يفكر .. معقول أنه جاء من هنا لتذهب هى من هنا .. لكنه شعر بشئ ينبئه بأن مكروهاً قد حدث .. سمع من الأسفل امرأة تقول :
- مين ؟ .. انت عايز مين ؟
نزل "مراد" ليجد الجارة التى تحدثت معها "مريم" من قبل فقال لها بلهفه :
- متعرفيش هى "مريم" فين ؟ .. بخبط عليها ومحدش بيرد
قالت المرأة وهى تنظر اليه وتدقق نظرها :
- آه فى راجل خبط عليها من ساعتين كده وقال انه من طرف طليقها
قال "مراد" بإهتمام :
- طليقها ؟ .. راجل ؟ .. قال ايه بالظبط ؟
قالت المرأة وهى تحاول التذكر :
- قال انه من طرف واحد اسمه "مراد" وانه طليقها .. أنا اصلا مكنتش أعرف انها اتجوزت تانى
فجأة اتسعت عينا المرأة وهى تنظر الى "مراد" وتقرب وجهها منه قائله بفزع :
- بسم الله الرحمن الرحيم .. مش انت "ماجد" اللى مات
قال "مراد" بحنق :
- لا أنا "مراد" .. أخوه
قالت المرأة وهى مازالت مصدومة :
- أخوه .. سبحان الله .. انت أخو جوزها ولا جوزها ولا طليقها ولا ايه بالظبط
قال "مراد" بنفاذ صبر :
- شكله ايه الراجل ده
قالت الجارة وهى مازالت تتطلع الى وجهه :
- كان شكلك بالظبط سبحان الله
قال "مراد" بضيق :
- مش بتكلم عن أخويا .. يا حجة ركزى .. بتكلم عن الراجل اللى قال انه من طرفى
قالت المرأة وهى تحاول التذكر :
- والله ما أعرف يا بنى مش فاكرة .. أهو جدع كده طول بعرض .. وشكله كده متجوز
نظر اليها "مراد" بغيظ :
- أعمل أنا ايه بمتجوز ولا مش متجوز .. مفيش أى حاجة مميزه فيه ؟
قالت المرأة وهى تفكر :
- حاجة مميزة ؟ .. ازاى يعني .. لا هو كان زى الفل
ثم صاحت بحده :
- وبعدين انت مين عشان تسأل كل الأسئله دى .. أنا ايه يضمنلى ان "مريم" تعرفك وانك طليقها بجد مش يمكن بتضحك عليا
قال "مراد" :
- يا حجه أنا كنت مع "مريم" المرة اللى فاتت لما سلمت عليكي
قالت المرأة بحزن :
- معلش يا ابنى أصلك كنت واقف بعيد وأنا نظرى على أدى
قال "مراد" وهو يعطيها ورقه كتب بها رقمه :
- ده رقمى يا حجة لو "مريم" جت كلميني على طول .. ماشى
قالت المرأة وهى تأخذ منه الورقة وتقول بثقه :
- حاضر يا ابنى ومتقلقش أنا على طول أعدة ورا الباب ومحدش بيطلع ولا بينزل غير لما بعرف
قال "مراد" وهو يرمقها بنظراته :
- ما هو واضح
ثم غادر مسرعاً

***************************************

أفاقت "مريم" لتجد نفسها فى غرفة جيدة الأثاث نظرت حولها فى ريبه ثم انتبهت الى يديها الموثوقتان خلفها وقدميها الموثوقتان .. أخذت تصرخ قائله :
- الحقونى .. الحقونى .. حد يساعدنى
فجأة انفتح الباب ليخد منه الرجل الذى رأته على باب شقتها فأخذت تصرخ فيه قائله :
- أنت ايه اللى انت عملته ده أنا هوديك فى ستين داهية
قال الرجل :
- اهدى يا مدام ثوانى و "حامد" بيه هيجي .. هيتكلم معاكى بس مش أكتر من كده
صاحت بغضب :
- مين "حامد" ده ..وازاى تعمل كده .. انت خطفتنى غصب عنى .. انت ازاى تعمل كده
خرج الرجل دون أن يرد عليها .. حاولت الوقوف لكنها لم تستطع الحركة بسبب قدميها .. جلست على الفراش تتأمل الغرفة وقلبها يخفق بهلع بعد عدة دقائق انفتح الباب ووجدت "حامد" أمامها وخلفه الرجل الذى خطفها .. توجه "حامد" الى مقعد امامها وقال :
- آسفين يا مدام .. بس ملقتش طريقة غير كدة أقدر أتكلم معاكى بيها .. والوقت سرقنى وكان لازم نتكلم قبل ما تروحى القسم
قالت "مريم" بحزم :
- فكنى وسبنى أمشى .. كدة هيبقوا قضيتين خطف مش قضية واحدة
وضع "حامد" ساقاً فوق ساق وأخرج غليونه يشعله وقال بثقه مبتسماً :
- لا ان شاء الله مفيش قضية ولا حاجة
أخذ ينفث دخانه وهو ينظر اليها بجرأة شعرت بالغضب بداخلها .. تحدث أخيراً وقال :
- أنا عرفت حاجات كتير عنك وأهمها ان "مراد" طلقك ورماكى ورجعتى بيتك القديم اللى عايشه فيه لوحدك من يوم ما أهلك ماتوا فى حادثة عربية من 3 سنين
شعرت "مريم" بالدهشة لعلمه بكل تلك التفاصيل عنها فأكمل قائلاً :
- طبعا دى فرصة عشان تنتقمى من "مراد" وترديله القلم
قالت بثقه :
- الطلاق كان بإتفاق بينا .. وان كنت فاكر انى هأذى "مراد" تبقى غلطان
أمر الرجل الواقف بجواره قائلاً :
- فكها
اقتربالرجل منها فشعرت بالخوف .. أخذ يفك قيدها وهى تحاول قدر الإمكان الابتعاد عنه وعدم الإحتكاك به .. قال "حامد" :
- شوفتى أنا طيب معاكى ازاى .. أنا مش عايز أأذيكي .. عايز بس منك خدمة صغيره
قالت بشك وهى تفرق رسغيها بكفيها :
- خدمة ايه
قال "حامد" :
- هتروحى القسم وتقولى ان كل اللى شهدتى بيه قبل كده كلام "مراد" مش كلامك وانك اضطريتى تقولى كده لانه هددك وخوفك .. وممكن كمان تسبكى الحكاية بإنك تقولى ان ده سبب طلاقك منه لانك اكتشفتى انه راجل معندوش ضمير
قالت "مريم" بتهكم :
- بتحلم .. لو فاكر انى هشهد زور يبقى بتحلم .. ولو فاكر انى ممكن أأذى "مراد" يبقى بتحلم
كانت تنظر اليه بثقه شديدة .. ضاق عيناه وهو يقول :
- تقدرى تقوليلى وانتى عايشة لوحدك كده مين اللى هيحميكي منى ؟
شعرت "مريم" بالخوف فأكمل وهو ينظر اليها بشراسه :
- تقدرى تقوليلى ازاى هتحمى نفسك لو بعتلك واحد من رجالتى جوه بيتك يقتلك وانتى نايمة أو يعمل اللى أسوأ من كده ؟
أخافتها نظراته بقدر ما أخافتها كلماته .. قالت بصوت مضطرب :
- ربنا معايا
قال "حامد" بتحكم :
- ممكن أنفذ ده دلوقتى ومستناش انك تروحى بيتك
نظر الى الرجل الواقف بجواره وأشار له بعينه تجاه "مريم" .. أقبل الرجل تجاهها فقامت من مكانها وانذوت فى أحد أركان الغرفة وهى تبكى قائله بفزع :
- حرام عليك اتقى ربنا
التصقت بالحائط خائفة مرعوبة فقال "حامد" للرجل قبل أن يصل اليها :
- استنى يمكن تكون عقلت
ثم التفت الى "مريم" قائلا :
- ها يا قطة عقلتى ولا لسه ؟
قالت وهى تبكى بحرقة :
- حسبي الله ونعم والوكيل فيك انت ايه معندكش ضمير مش خايف من ربنا ؟
قال "حامد" بتهكم :
- أنا قلبي ميت مبخفش من حاجه
قالت "مريم" وهى تنظر اليه بإحتقار :
- فعلاً انت قلبك ميت
أشار "حامد" بعينه الى الرجل ليتقدم بإتجاه "مريم" هم الرجل بلمسها فأنزوت أكثر لتبعد نفسها عنه وهى تصرخ قائله :
- خلاص موافقة
توقف الرجل ونظر الى "حامد" ينتظر اشاره منه فأشار له "حامد" بالتراجع ووقف واقترب من "مريم" قائلاً بحزم :
- خليكي فاكرة يا قطة ان مش "حامد" اللى يضحك عليه .. لو بتقولى كده عشان تخلصى منى وتبلغى عن اللى حصل أول ما توصلى القسم تبقى بتلعبى فى عداد عمرك .. ولو روحتى فين هجيبك يعني هجيبك
ثم قال بشراسة :
- وساعتها مش هعتقك .. فاهمانى .. مش هتعقك
أومأت "مريم" برأسها ودموعها تنهمر على وجهها وجسدها يرتجف خوفاً .. أمسكها "حامد" من ذراعها ليخرجها فجذبت ذراعها بعنف فأشار للباب ساخراً :
- اتفضلى يا مدام المحامى منتظرك تحت عشان يروح معاكى القسم
نزلت "مريم" للدور الأرضى من الفليا وهى تراقب ما حولها .. كان رجلاً فى انتظارهم بالأسفل فقال "حامد" للرجل :
- خلاص مدام "مريم" اعترفتلى بكل حاجة وحابه تريح ضميرها وتقول الحقيقة
ثم غمز لها وهو يبتسم بخبث فأشاحت بوجهها عنه وهى لا تطيق مجرد النظر اليه .. سبقها المحامى الى السيارة وقبل أن تهم بالركوب قال لها "حامد" :
- حفظتى اللى هتقوليه ؟
قالت دون أن تنظر اليه :
- أيوة
قال بنبره محذره :
- أى غلطة عارفه ايه اللى هيحصل
تنهدت قائله :
- عارفه
ركبت مع المحامى فى السيارة التى انطلقت بهما الى قسم الشرطة

************************************************

كاد "مراد" أن يفقد عقله وهو يبحث عن "مريم" اتصل بـ "طارق" قائلاً :
- أرجوك يا "طارق" اتصل بـ "مى" صحبتها يمكن تكون عندها
قال "طارق" :
- حاضر يا "مراد" متقلقش
اتصل "طارق" بـ "مى" التى قالت له بهلع :
- لا مجتش عندى ومتكلمناش مع بعض وأول مرة أعرف بموضوع الطلاق ده
قال "طارق" بقلق :
- ياريت لو كلمتك أو عرفتى أى حاجة عنها تعرفيني لأن "مراد" هيتجنن عليها
قالت "مى" وهى تشعر بالخوف هى الأخرى :
- حاضر بس ياريت لو حضرتك وصلت ليها تعرفنى لأنى أنا كمان قلقانه أوى
قال "طارق" :
- خلاص ماشى اللى يعرف حاجة الأول يكلم التانى

كان "مراد" فى حالة يرثى لها وهو يسير فى الشوارع بسيارته هائماً يبحث عنها بعينيه .. يعلم بأنه لا يستطيع تقديم بلاغ عن اختفائها .. أخذ عقله يفكر بسرعة وهو يحاول أن يجد حلاً .. لا يمكنه الجلوس والانتظار حتى تظهر أو حتى يمر 24 ساعة ليستطيع تقديم البلاغ .. اتصل بأمه فقالت :
- لا مكلمتنيش ولا كلمت حد من البنات .. لا حول ولا قوة الا بالله .. أنا خايفه عليها أوى
قال "مراد" :
- طيب اقفلى دلوقتى ولو كملتك عرفيني
قالت "ناهد" بلهفه :
- ولو عرفت حاجة عرفنى يا "مراد" أنا اعده على أعصابي
كان "مراد" ينهج بشدة وقلبه يخفق بجنون وبهلع .. شعر بغشاوه من العبرات تظلل عينيه وهو يتمتم :
- يارب .. يارب احفظها

*******************************************

وقفت "مريم" خارج مكتب الضابط فى انتظار المحامى .. الذى خرج بعد عدة دقائق واشار لها بالدخول قبل أن تدخل همس فى أذنها :
- "حامد" بيه مستنى تليفون منى
نظرت "مريم" الى المحامى بإحتقار .. كيف يبيع رجل قانون ضميره هكذا .. دخلت "مريم" وجلست وجلست المحامى قبالتها وهو ينظر اليها نظرات ذات مغزى فخفضت بصرها حتى لا ترتطم عيناها بنظراته المهدده .. قال الضابظ وهو يعقد كفيه على المكتب :
- ها يا مدام "مريم" .. محامى "حامد" بيه بيقول انك عايزه تغيري أقوالك
صمتت "مريم" فقال المحامى :
- ايوة يا باشا هى اضطرت تعمل كده عشان كانت خايفه من جوزها اللى هو دلوقتى طليقها لكن خلاص هى اطلقت منه ومعدلوش حكم عليها
قال الضابط للمحامى :
- لو سمحت سيبها هى تتكلم
ثم نظر الى "مريم" التى تطرق برأسها قائلاً :
- ها يا مدام "مريم" عايز أسمع منك
أخذت "مريم" تفكر فى الوضع الذى زجُت فيه .. تذكرت كلمات "حامد" المهددة اياها بالقتل أو ما هو اسوأ .. تذكرت نظرات الرجل الخبيثة التى رمقها بها وهو يقترب منها .. تذكرت بيتها الذى يخلو الا منها .. تذكرت وحشة الليل والسكون الذى يغمر بيتها كلمها حل المساء .. لكنها وسط كل ذلك تذكرت شيئين .. تذكرت "مراد" الذى لا ولم لن تؤذيه أبداً .. شهادتها التى يريدها "حامد" أن تشهد بها ستؤذى "مراد" بشدة وقد يسجن بسببها .. وتذكرت ربها .. وتلك الآيات التى قراتها كثراً فى سورة النساء وهى تقيم الليل " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً " .. وتذكرت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ( ثلاثاً ) ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : الإشراك بالله و عقوق الوالدين و جلس وكان متكئاً فقال : ألا و قول الزور " قال : فما زال يكررها حتى قلنا : ليته سكت " .. عندما تذكرت ذلك شعرت بثقه كبيرة بداخلها وهرب منها الخوف ليحل مكانه الأمان وتشعر أنها فى معية الله .. كرر الضابط كلامه قائلاً :
- مدام "مريم" عايز أسمع منك شهادتك الجديدة
رفعت نظرها الى المحامى بعدما شعرت بأن كل الخوف بداخلها قد تبدد لم تعد نظراته المهدده تجدى نفعاً معها .. التفتت الى الضابط وقالت بثقه :
- لا مش هغير أقوالى يا فندم
نظر اليها المحامى بصرامة فتجاهلته تماماً .. فقال الضابط بإهتمام وهو ينظر اليها :
- يعني الاستاذ "مراد" مأجبركيش انك تشهدى بشهادتك الأولى
قالت "مريم" بثقه شديدة :
- لأ محشد أجبرنى .. كل اللى قولته حصل .. شوفت اللى اسمه "حامد" ده وهو بيخدر "نرمين" فى العربية وبيفقدها وعيها وكان هيمشى بيها لولا انى وقفت ومنعته وصرخت .. ورماها من العربية وهرب .. ده كل اللى حصل
نظر الضابط الى المحامى قائلاً :
- ابقى اتأكد من المعلومات اللى عندك قبل ما تبلغنا بيها
شعر المحامى بالحرج والغيظ ..
قالت "مريم" بحزم :
- وعايزة أأقدم بلاغ فى "حامد" بتهمة خطفى
قال الضابط بدهشة :
- ازاى ؟
قصت عليه "مريم" ما حدث بالتفصيل فقال لها :
- تمام هنفتح محضر بالكلام ده بس محتاجين بطاقتك
قالت "مريم"
- بطاقتى فى البيت هروح أجيبها وارجع تانى
أومأ الضابط برأسه وهو ينظر الى المحامى شزراً .. نهضت "مريم" قائله :
- تسمحلى أمشى ؟
أشار الضابط الى الباب قائلاً :
- اتفضلى
خرجت "مريم" وخلفها المحامى .. وقبل أن يتحدث اليها التفتت اليه ترمقه بنظرات ناريه وهى تقول بتحدى :
- قول للى مشغلك ان كان هو مبيخافش من ربنا فأنا مبخافش غير منه
ثم أدرات لها ظهرها وانصرفت تغادر قسم الشرطة وعينا المحامى ترمقها بغيظ وهو يخرج هاتفه فى عصبيه

***************************************
عاد "مراد" الى قسم الشرطة مرة أخرى عله يجدها .. فدخل الى الضابط الذى طمأنه على "مريم" وقص عليه بلاغها الثاني .. امتقع وجه "مراد وهو يستمع اليه والى ما حدث لـ "مريم" من "حامد"

عادت "مريم" الى بيتها وفى عقلها شئ واحد .. خوفها على "مراد" .. خافت من أن تطاله يد "حامد" لتصبيه بمكروه هو أو أحد من أهل بيتسه .. انتبهت الى كونها تفكر فيه أكثر من تفكيرها فى نفسها .. وخائفه عليه أكثر من خوفها على نفسها .. تذكرت عندما رأته أمام الباب أمس .. شعرت بحنين جارف اليه .. شعرت بالضيق الشديد من هذا الشعور الذى راودها .. جلست لتخبئ وجهها بين كفيها .. حدثها عقلها ليقنع قلبها قائلاً :
- لا تقلق أيها القلب فما تشعر به ليس سوى حنين لرجل يشبه حبيبك
قال القلب بحيرة :
- أأنت متأكد أيها العقل .. أتجزم بذلك
قال العقل بثقه :
- طبعاً متأكد .. لا تقلق فما تشعر به طبيعي وسيزول مع الوقت .. فقط أنت تحتاج الى وقت أيها القلب
صمت القلب قليلاً ثم قال :
- لكننى أحفظ دقاتئ جيداً أيها العقل .. وتلك الطريقة التى أخفق بها عندما أكون قريباً منه .. تشى بأننى قد أحمل له شيئاً بداخلى
قال العقل بعند :
- لا تردد هذا كثيراً حتى لا تقنعنى به .. افعل ما أقوله لك .. وقل أنك متلهف فقط على شبيه حبيبك
قال القلب فى عدم اقتناع :
- أنا متلهف فقط على شبيه حبيبي
قال العقل شاعراً بإنتصاره :
- أرأيت أيها القلب أنت قلتها بنفسك
قال القلب بحزن :
- نعم قلتها لكننى لا أشعر بها
صاح العقل بحده :
- بل تشعر بها لكنك غارق فى الأوهام .. افق قبل أن تحطم نفسك بنفسك يكفيك يا فيك .. أنا العقل وأنت القلب .. انا دائماً أكون على حق .. لكنك تخطئ وتصيب .. استمع الى فأنا أكثر حكمة منك .. أنا الذى أدير هذا الجسد وأتحكم فى كل وظائفه .. لماذا لم تُترك لك هذه المهمة وأوكلت لى وحدى ؟ .. لأننى قادر عليها .. وقادر الآن على ارغامك بما أريد
قال القلب بإستسلام :
- معك حق أيها العقل .. قوتك أكبر منى .. سأردد كلماتك الى أن اقتنع بها .. فلا أريد سوى راحة هذا الجسد .. ومادامت راحته فى الاستماع اليك فسأفعل
قال العقل مبتسماً بثقه :
- رائع أيها القلب .. انت على الطريق الصحيح الآن .. استمر هكذا وتستريح للأبد .. وتذكر أنا دائماً على حق
انتهت المحادثة بين عقل "مريم" وقلبها لتشعر بالراحة لما انتهى اليه النقاش .. تذكرت خطابات "ماجد" تلك الخطابات التى يبث فيها كلماته التى تطمئنها وتنزل برداً على قلبها .. هبت واقفة وفتحت دولابها لتخرج الخطاب .. الخطاب الذى رفضت أن تفتحه منذ أن أصبحت زوجة لـ "مراد" .. جلست على فراشها .. تذكرت "مراد" واتهامه اياها بالخيانة .. نظرت الى الخطاب وهى تشعر بأنها تحررت .. تحررت من القيد الذى منعها من قراءة خطابات "ماجد" .. لم تعد الآن زوجة لـ "مراد" .. أصبح من حقها قراءة الخطاب دون أدنى شعور بالذنب .. نظرت الى الخطاب تقلبه بين يديها .. نظرت الى يديها بإستنكار .. لماذا لا تفتحيه بلهفه كما اعتدتى .. أأتفقت كل جوارحى اليوم ضدى .. لماذا لا ترتعشين بلهفه وشوق .. لماذا أيها القلب لا تخفق بلهفه كما اعتدت عندما أهم بقراءة خطابات حبيبى .. ألم تسمع ما قاله العقل لك منذ قليل .. تحدث القلب بوهن قائلاً :
- آسف أيها الجسد .. أنا ما خلقت لأفكر .. بل خلقت لأشعر .. ورغم كل الكلمات التى أسمعنى اياها عقلك .. الا أننى لن أخفق اليوم كما أخفق من قبل وأنت تمسك بتلك الخطابات .. لأن بكل بساطة .. أصبح لى حبيباً آخر
وكأنها لم تكتفى بعصيان قلبها ويديها .. اعلنت عيناها أيضاً العصيان فبكت شوقاً لهذا الحبيب.
سمعت طرقات على الباب ففزعت وهبت واقفة .. مسحت دموعها وهى تقترب من الباب الذى يتعالى صوت الطرقات عليه قالت بحذر بصوت مرتجف :
- مين ؟
سمعت صوت "مراد" خلف الباب يقول :
- أنا "مراد" افتحى يا "مريم"
شعرت بشعور غريب وهى تستمع الى صوته .. اختفى كل شعور داخلها بالخوف ليحل محله آمان لا حدود له .. فتحت الباب فاقترب "مراد" فإضطرت للرجوع للخلف .. دخل واغلق الباب خلفه .. وجدته ينظر اليها بشوق ولهفه وخوف وجزع .. كتلك النظرات التى رمقها بها بعد أن خرجا من البحر يوم احتراق اللانش .. قال "مراد" بلهفه وهو مازال يحتضن وجهها بعيناه :
- انتى كويسه
قالت بضعف وهى تحاول التظاهر بالتماسك وتناسى خفقات قلبها العنيفه :
- أيوة كويسة
قال بلهفه :
- ايه اللى حصل قالك ايه وعملك ايه عايز أسمع منك
قالت "مريم" وقد انتبهت لوجوده داخل بيتها والباب المغلق خلفه :
- مينفعش كده .. لو سمحت اخرج
قال "مراد" يحده :
- بقولك قوليلى اللى حصل
قالت "مريم" بحده مماثله وهى تنظر اليه وتحاول التحكم فى تلك المشاعر التى تجتاحها بقوة :
- بقولك اخرج لو سمحت .. ميصحش كده انا عايشه لوحدى .. كده مينفعش
أطبق "مراد" على شفتيه بقوة وهو ينظر اليها ثم قال بهدوء :
- طيب أنا هخليه ينفع
صمت لبرهه وعيناه تنظر داخل أعماق عينيها .. ثم قال بحزم وبصوت رخيم :
- رديتك يا "مريم"
توقف قلبها عن العمل لثانيه ثم عاد ليخفق بجنون .. اتسعت عيناها دهشة وهى تنظر اليه وصدرها يعلو ويهبط من سرعة تنفسها .. صاح القلب ضاحكاً بإنتصار :
- أرأيت أيها العقل .. لقد كنت على حق .. ها أنا أخفق كالمجنون بسعادة .. اسكت أيها العقل ولا تملى على أوامرك مرة أخرى .. لقد انتصرت عليك هذه المرة



تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة