
رواية قطة في عرين الاسد الفصل العشرون 20
بقلم منى سلامه
هتفت "سارة" بدهشة :
- انتى بتتكملى جد يا ماما .. "مراد" اتجوز ؟
قالت "ناهد" بحنق :
- أيوة اتجوز .. وجاى هو ومراته النهاردة
صاحت "نرمين" بغضب :
- واحنا ايه بأه ان شاء الله .. لزمتنا ايه .. هو احنا مش أهله برده .. فى واحد يسافر يومين وفجأة يتصل بأهله فى التليفون يقولهم أنا اتجوزت وراجع أنا وعروستى
قالت "ناهد" بحزم :
- بقولك ايه يا "نرمين" أنا مش عايزه مشاكل .. خلاص هو مرتاح كده خلاص .. "مراد" مش صغير وأدرى بمصلحته .. أهم حاجه انه اتجوز أنا كنت هموت وأشوف اليوم ده
قالت "سارة" بإستغراب :
- بس مش غريبة ان "مراد" يغير رأيه بالسرعة دى ويقرر انه يتجوز
قالت "ناهد" :
- لأ مش غريبة .. لأن أصلاً قبل ما يسافر كان وافق انى أدورله على عروسه
قالت "نرمين" بتهكم :
- عايزه تفهمينى انه راح النجع وشاف واحده ماشيه فى الشارع قام مشى وراها وعرف بيتها واتقدملها واتجوزها
قالت "ناهد" بنفاذ صبر :
- لأ .. "مراد" قالى ان العيلتين عارفه بعض .. تلاقى عمته "بهيرة" هى اللى اختارتهاله وشافها وعجبته واتجوزها
هتفت " نرمين":
- ماما انتى مقتنعه باللى انتى بتقوليه ده .. "مراد" شاف واحده وعجبته واتجوزها كل ده فى أقل من اسبوع .. "مراد" أصلاً مبيقتنعش بأى بنت بسهولة .. وبعد جوازته الأولانيه بأه صعب جداً ومش سهل كده يتجوز فجأة
قالت "ناهد" بنفاذ صبر :
- بقولكوا ايه اللى حصل حصل .. حياته وهو حر فيها
قالت "نرمين" شارده :
- تفتكروا هيعيش معانا هنا ولا هياخدلها بيت لوحدها
نظرت اليها "نرمين" و "ناهد" فى حيرة .. فقالت "ناهد" :
- مش عارفه متكلمناش فى النقطة دى
قالت "نرمين" :
- معتقدش ان "مراد" ممكن يسيبنا عايشين لوحدنا من غير راجل وكمان الفيلا كبيرة
قالت "سارة" بحزن :
- افرضى هى أصرت انه يسيبنا
هتفت "سارة" :
- يعني هو هيروح آخر الدنيا يعني .. ممكن يشوفلها مكان قريب من هنا
قامت "ناهد" قائله :
- الكلام ده سابق لأوانه لما يبقى "مراد" ييجى نبقى نفهم منه هو ناوى على ايه
أوقفتها "نرمين" قائله :
- ماما أنا زى ما قولتلك خارجه النهاردة أجيب اللبس
التفتت اليها "ناهد" وقالت :
- يا بنتى استنى "مراد" أحسن
قالت "نرمين" بحنق :
- يا ماما هو أنا صغيرة .. وبعدين أنا هروح كارفور بس .. مش هلف فى حته تانيه
صمتت "ناهد" فترجتها "نرمين" قائله :
- يا ماما عشان خاطرى أبوس ايدك وافقى .. "مراد" راجع النهاردة بالليل يعني مفيش فرصة أخرج فيها الا النهاردة
قالت "ناهد" محذرة :
- مش عايزه تأخير .. ساعتين بالكتير وتكونى هنا
قالت "نرمين" بحماس :
- متقلقيش وقبل ساعتين كمان
- طيب وخدى العربية بالسواق معاكى
قالت "نرمين" بسرعة :
- لأ لأ مفيش داعى .. هاخد تاكسى عشان لو احتجتى العربية .. يلا سلام طالعه ألبس
غادرت "نرمين" مسرعة قبل أن تترك لأمها فرصة للإعتراض.
***************************************
توقفت سيارة الأجرة أمام أحد المطاعم الراقية .. تلفتت "نرمين" يميناً ويساراً .. ثم أخرجت هاتفها من حقيبتها الصغيرة وهمت بأن تتصل .. سمعت خلفها صوتاً يقول :
- اتأخرتى عليا أوى
التفتت لتفاجأ بـ "حامد" صديق أخيها .. نظرت اليه بدهشة واضطراب فابتسم قائلاً :
- شكلك مصدومة .. ايه مكنتيش متوقعه انه أنا
أخفضت بصرها وقالت بخجل :
- لأ مكنتش متوقعه
همس قائلاً بخبث :
- طيب ايه .. عجبتك ؟ .. مفاجأة حلوة يعني ولا وحشة
شعرت بالإحمرار يغزو وجنتيها ولم تستطع أن تتحدث فقال لها :
- طيب تعالى نتكلم جوه
شعرت بالتوتر الشديد والتفتت يميناً ويساراً خوفاَ من أن يراها أحداً يعرفها .. لمس "حامد" ذراعها بيده ليوجهها داخل المطعم نظرت اليه وجذبت ذراعها بسرعة .. ابتسم قائلاً :
- طيب ادخلى انتى
دخلت "نرمين" وهى تتفحص وجوه رواد المطعم .. اختار "حامد" احدى الطاولات فى احد زوايا المطعم .. كانت تشعر بالتوتر الشديد .. نظر "حامد" اليها وابتسم قائلاً :
- مالك متوتره كده
قالت بصوت مضطرب :
- مفيش .. أصل دى أول مرة أخرج فيه مع واحد
ابتسم ونظر اليها نظرة أشعرها بالخجل وقال :
- أنا مش أى واحد .. خلاص احنا نعتبر مرتبطين .. باقى بس موافقة أخوكى
اقترب النادل فسألها عما تشرب .. ذهب النادل لإحضار ما طلبوا .. فهمس لها "حامد" :
- وحشتيني أوى .. لما وافقتى انك تقابليني مكنتش مصدق نفسي .. تعرفى انى من الصبح من ساعة ما كلمتك وأنا مش عارف أركز فى الشغل
ابتسمت بخجل فقام وجلس على المقعد المجاور لها وقربه منها شعرت بالتوتر فابتسم قائلاً :
- ايه خايفه من ايه احنا فى مكان عام زى ما طلبتى أهو .. والناس حولينا من كل اتجاه .. بس مش حابب أعد بعيد عنك
كانت "نرمين" متوتره للغايه ومشاعرها مضطربة مزيج من السعادة والخوف .. همس اليها :
- ممكن أسمع صوتك .. انتى ما قولتيش حاجه من ساعة ما أعدنا
قالت بصوت خافت :
- أنا مش هتأخر همشى بسرعة .. فقول اللى انت كنت عايز تقولهولى
قرب رأسه منها قائلاً :
- كنت بس عايز أشوف ردك فعلك لما تعرفى أنا مين .. وأتأكد انك موافقة عليا .. عشان محرجش نفسي مع "مراد"
ثم قال :
- ها .. عجبتك ولا لأ ؟
ابتسمت وخفضت بصرها فى خجل .. فابتسم بخبث قائلاً :
- تمام كده السكوت علامة الرضا .. كده خدت موافقتك باقى موافقة أخوكى
رن هاتف "نرمين" فاضطربت ونظرت الى هتفتها وقالت بتوتر :
- دى ماما
قال "حامد" :
- ردى عليها
قالت بتوتر وهى تضع هاتفها فى حقيبتها :
- لأ أنا همشى أحسن
- استنى احنا ملحقناش نعد سوا
نهضت بالفعل وقالت :
- معلش فعلاً مش هينفع أتأخر أكتر من كده
حملت الأكياس التى تحوى الملابس التى اشترتها قبل القدوم الى المطعم .. فغادر "حامد" المطعم معها قائلاً :
- استنى هوقفلك تاكسى .. مع انى نفسي أوصلك بنفسي
قالت بصوت خافت :
- مش هينفع
ابتسم وأمال برأسه اتجاهها قائلاً بخبث :
- بكره كل حاجه هتنفع
أبتعدت عنه .. فأوقف احدى السيارات .. ركبت فى المقعد الخلفى فانحنى على الشباك وابتسم قائلاً :
- طمنينى عليكي لما توصلى
ابتسمت له وأومأت برأسها .. أخرج "حامد" بعض المال ودفع أجرة السائق ولوح لها بيده فنظرت اليها مبتسمه قبل أن تنطلق السيارة .. تابع "حامد" السيارة بعينيه وبمجرد أن رحلت التفت لأحد الرجال الواقفين فى أحد الجوانب أمام المطعم وأخذ منه هاتفه الذى كان ممسكاً به بيده .. أخذ "حامد" يشاهد الصور التى جمعته بـ "نرمين" داخل المطعم وخارجه ثم ابتسم ولمعت عيناه خبثاً وقال :
- قشطة أوى .. تسلم يا باشا نردهالك فى الأفراح
قال له الرجل ضاحكاً :
- انت .. ده انت شيطان .. ربنا يكفينا شرك
نظر اليه "حامد" قائلاً بمرح :
- طيب يلا بينا نشوف أى حته نسهر فيها .. مزاجى حلو أوى النهاردة وعايز أتبسط على الآخر
************************************************
- خلى بالك منيها
قالت "بهيرة" هذه العبارة بنبرة حازمة وهى تودع "مراد" أمام سيارته .. فتنهد قائلاً :
- مع السلامة يا عمتو
عانقها مودعاً .. وسلم على "سباعى" قائلاُ :
- أشوفك بخير يا عمو
قال "سباعى" :
- طريج السلامة يا ولدى .. على مهلك وانت سايج .. الله معك
ركب "مراد" سيارته متوجهاً الى بيت "عبد الرحمن" .. فى بيت "عبد الرحمن" وقفت "مريم" تودع جدها وجدتها و "صباح" بأعين دامعه .. ما هى الا دقائق وأوقف "مراد" سيارته أمام الباب .. خرج اليه "عبد الرحمن" ورحب به قائلاً :
- أهلاً يا ولدى اتفضل اتفضل
سلم عليه "مراد" قائلاً بإقتضاب :
- معلش مضطر أمشى دلوقتى
قال له "عبد الرحمن" :
- طيب يا ابنى ثوانى أنادى لـ "مريم"
وقف "مراد" أمام سيارته فى انتظارها .. دخل "عبد الرحمن" الى البيت وحمل حقيبة "مريم" قائلاً :
- يلا يا بنتى .. جوزك بره
شعرت "مريم" بالإضطراب وبالألم يغزو بطنها وينتشر به من فرط التوتر .. قبلت رأس جدتها ويديها قائله :
- هتطمن عليكي بالتليفون دايماً يا تيته .. وان شاء الله فى أقرب وقت هاجى أزورك
قالت جدتها بأعين دامعة :
- ربنا ينورلك طريجك يا ابنيتي .. ويكفيكي شر ولاد الحرام .. مع السلامة يا غالية
خرجت "مريم" تسير خلف جدها .. التفت "مراد" وأسرع بحمل الحقيبة من يد "عبد الرحمن" .. هم بأن يضعها فى شنطة السيارة عندما وقعت عيناه على "مريم" .. تسمر فى مكانه وهو يمعن النظر اليها .. هربت من عيناه ونظرت الى يديها الممسكة بحقيبة يدها .. تعرف عليها "مراد" بمجرد أن رآها .. نعم انها نفس الفتاة التى قابلها أمام المركز الصحى والتى كانت تنظر اليه بإمعان شديد .. وضع الحقيبة فى السيارة فإلتفتت "مريم" تقبل يد جدها قائله بصوت مضطرب :
- مع السلامة يا جدو
قبل "عبد الرحمن" رأسها وقال :
- مع السلامة يا بنيتي .. خلى بالك من نفسك .. ولو احتجتى أيتها حاجه كلميني رقمى معاكى
دخلت "مريم" السيارة بجوار "مراد" وهى تشعر بتوتر لم تشعر به من قبل .. شعرت وكأنها عاجزة عن التنفس فى فرط توترها وهى جالسة الى جواره .. كانت تأخذ نفسها بصعوبة شديدة .. و .. انطلق "مراد" بسيارته بصحبة "مريم" فى طريقه الى القاهرة.
*********************************************
طرقت "سارة" باب غرفة "نرمين" فأذنت لها بالدخول .. وقفت "سارة" بجوار أختها فى الشباك قائله :
- أعده لوحدك ليه
قالت "نرمين" مبتسمه وهى تلعب بخصلات شعرها :
- عادى يعني
قالت "سارة" :
- "مراد" اتصل .. اتحرك على الطريق هو وعروسته
قالت "نرمين" بحده :
- أنا لسه مش مصدقه ان "مراد" اتجوز .. حاجه غريبه جداً .. مش فاهمه ايه سلق البيض ده .. وازاى هنعيش مع واحدة غريبة منعرفهاش
قالت "سارة" بهدوء :
- طالما عجبت "مراد" يبأه هى أكيد بنت كويسه
قالت "نرمين" :
- بقولك ايه متوجعيش دماغى أنا مبسوطة ومش عايزه حاجه تعكنن عليا
نظرت اليها "سارة" بإمعان قائله :
- وايه اللى باسطك كده .. متفرحيني معاكى
قالت "نرمين" بنفاذ صبر :
- "سارة" روحى شوفيلك حاجه اعمليها بعيد عنى
توجهت "سارة" الى الباب قائله :
- انا غلطانه أصلاً انى عبرتك وجيت أعد معاكى
خرجت "سارة" فإرتسمت ابتسامه على شفتى "نرمين" وهى تتذكر مقابلتها لـ "حامد" اليوم .
*******************************
ساد الصمت بينهما لأكثر من ساعة .. لم يتفوه أحدهما ببنت شفه .. اختلست "مريم" النظر الى "مراد" فخفق قلبها بشدة .. قالت فى نفسها : يا الله ما أشد الشبه بينهما كأننى أرى "ماجد" أمام عيناى .. بدا وكأن "مراد" الذى كان شارداً انتبه فجأة لوجودها بجواره .. التفت وألقى عليها نظره ثم عاد ونظر أمامه مرة أخرى .. تحدث فجأة قائلاً بحزم :
- ماما واخواتى ميعرفوش بتفاصيل الجوازه دى ولا بالمشاكل اللى حصلت فى النجع .. هنفهمهم ان جوازنا طبيعي .. يعني مش عايز حد فيهم يعرف الوضع بينا
قالت "مريم" وقد شعرت ببعض الراحة :
- هو حضرتك عايش مع مامتك واخواتك ؟
نظر اليها شزراً وقال بإقتضاب :
- أيوة
أخذت تفكر تُرى هل أخواته هو فقط أم أخوات "ماجد" أيضاً .. سألته قائله :
- هما أد ايه ؟
رد بإقتضاب :
- بنتين
ابتسمت فى نفسها .. سألته بإهتمام :
- اخوات حضرتك من نفس الأم والأب ؟
نظر اليها بدهشة وقال بحده :
- ايه السؤال الغريب ده
شعرت "مريم" بالحرج الشديد فتمتمت بخفوت :
- أنا آسفه
نظر "مراد" أمامه وبدا وكأنه يجاهد ليتحكم فى أعصابه .. قال بقسوة :
- مش عايزك تختلطى بيهم ولا تتكلمى معاهم كتير طول فترة وجودك معانا .. دول بنات محترمة ومتربين كويس .. ومش عايز حد يأثر عليهم
شعرت "مريم" بمهانة شديدة .. وبوغز الدموع فى عينيها لكنها تمالكت نفسها سريعاً .. فآخر شئ تريده هو البكاء أمام هذا الرجل القاسي .. ألقى "مراد" نظرة عليها ثم قال ببرود :
- جوزك اتوفى من أد ايه ؟
نظرت اليه بدهشة قائله :
- عرفت منين ؟
قال بسخرية :
- أكيد عرفت فى كتب الكتاب لما جدك ادى قسيمة جوازك وشهادة الوفاة للمأذون
صمت قليلا ثم أعاد سؤاله ببرود :
- مات من أد ايه ؟
شعرت بالحنق لأنه يتدخل فى خصوصياتها .. فقالت بضيق :
- من سنة
ضحك بسخرية قائلاً :
- سنة .. ولحقتى تنسيه وتدورى على غيره
شعرت "مريم" بالمهانة مرة أخرى فإسلوبه لم يكن محتملاً بالنسبة لها .. صكت على أسنانها وكظمت غيظها .. فأكمل "مراد" متهكماً :
- وملقتيش غير الصعيد .. أديكي اتدبستى فى جوازه
لم تتفوه "مريم" بكلمه نظر اليها فوجدها ساكنه هادئه لا تظهر أى من انفعالاتها الداخليه فأغاظه ذلك فأكمل ساخراً بقسوة :
- دلوقتى عرفت ليه كنتى بتبصيلي أوى ومركزة معايا أدام المركز الصحي
خفق قلب "مريم" والتفتت لتنظر اليه .. فتلاقت أعينهما شعرت بأن عيناه كعين الصقر مصوبتان اتجاهها وقال بوقاحه :
- اظاهر ان "جمال" مكنش مكفيكي
فاق ما قاله قدرتها على الإحتمال فصرخت فيه :
- وقف العربية .. بقولك وقف العربية
نظر "مراد" أمامه ببرود دون أن يمتثل لطلبها .. فتحت "مريم" باب السيارة وصرخت قائله :
- لو موقفتش العربية هنزل منها وهى ماشية
صرخ فيها "مراد" بغضب :
- اقفلى الباب ده وبطلى جنان
قالت بإصرار :
- بقولك وقف العربية دلوقتى حالاً يا إما هنزل منها وهى ماشية
ضغط "مراد" على الفرامل بقوة فأصدرت السيارة صوتاً مرعباً .. توقفت السيارة فأسرعت "مريم" بمغادرتها حاملة حقيبة يدها .. مشيت فى الإتجاه العكسي .. فى طريقها الى النجع مرة أخرى .. نظر اليها "مراد" من مرآة السيارة بغضب ثم انطلق بسيارته فى طريقة مرة أخرى .. مشت "مريم" مسرعة وهى تشعر بغضب بالغ .. كان غضبها يعميها على التفكير .. لا تعلم حتى الى أين ستذهب فى هذا الليل الذى قد أسدل أستاره .. وهى وحيده فى هذا الطريق الصحراوى الذى تسمع فيه من بعيد عواء الذئاب .. لكنها لم تعد تبالى بأى شئ لا تبالى أبداً .. سارت عدة أمتار ثم فجأة وجدت سيارة قادمة من الخلف وتقطع عليها الطريق لتتوقف أمامها .. التفتت لترتطم نظراتها بنظرات "مراد" الغاضبة .. ران الصمت عليهما لفترة .. ثم قال "مراد" بلهجة آمرة دون أن ينظر اليها :
- اركبي
ظلت واقفه أمامه وهى فى حيرة من أمرها .. فأعاد ما قال بصوت أكثر قسوة :
- قولتلك اركبي
تنهدت "مريم" بعمق .. ثم لفت حول السيارة وأعادت الجلوس فى معقدها .. أدار "مراد" سيارته وعاد فى اتجاه القاهرة مرة أخرى .. صمت كلاهما .. كانت "مريم" تتنفس بسرعة وقلبها يخفق بإضطراب .. قال "مراد" بصرامة دون أن ينظر اليها :
- اياكى تكرريها تانى
لم تجيبه .. ولم ينتظر رداً .. وأكملا طريقهما فى صمت .. صمت لم يقطعه كلمة من أى منهما .. ولا حتى نظرة
قال "مراد" بلهجة آمرة دون أن ينظر اليها :
- اركبي
ظلت واقفه أمامه وهى فى حيرة من أمرها .. فأعاد ما قال بصوت أكثر قسوة :
- قولتلك اركبي
تنهدت "مريم" بعمق .. ثم لفت حول السيارة وأعادت الجلوس فى معقدها .. أدار "مراد" سيارته وعاد فى اتجاه القاهرة مرة أخرى .. صمت كلاهما .. كانت "مريم" تتنفس بسرعة وقلبها يخفق بإضطراب .. قال "مراد" بصرامة دون أن ينظر اليها :
- اياكى تكرريها تانى
لم تجيبه .. ولم ينتظر رداً .. وأكملا طريقهما فى صمت .. صمت لم يقطعه كلمة من أى منهما .. ولا حتى نظرة .
بعد عدة ساعات عبرت سيارة "مراد" بوابة الفيلا .. نظرت "مريم" حولها وهى تتطلع الى الفيلا والحديقة فى ظلام الليل .. أخرجت هاتفها واتصلت بجدها قائله :
- أيوة يا جدو .. وصلت الحمد لله
- طيب يا بنيتي طمنتيني .. خلى بالك من نفسك .. ولو احتجتى حاجه كلمينى طوالى
نزل "مراد" من السيارة وأخرج حقيبة "مريم" وحقيبته .. مدت "مريم" يدها لتأخذ منه حقيبتها لكنه لم يلتفت اليها وصعد الدرجات الى باب الفيلا .. لم يحتاج الى اخراج مفتاحه .. فلقد فتحت أمه الباب بمجرد أن سمعت صوت السيارة .. صعدت "مريم" الدرجات خلفه ببطء وهى تشعر بتوتر بالغ .. كعابر سبيل ضل طريقه .. عانقته أمه قائله :
- حمدالله على السلامة يا "مراد" اتأخرتوا أوى كده ليه ؟
قال "مراد" بصوت متعب :
- لا اتأخرنا ولا حاجه يا ماما المسافة كبيرة أصلاً
نظرت "ناهد" خلفه تتطلع الى "مريم" الواقفه أمام الباب .. ابتسمت اليها قائله :
- أهلاً بيكِ .. ألف مبروك
اومأت "مريم" برأسها وقالت بتوتر بالغ :
- أهلا بحضرتك
أشارت"ناهد" بيدها قائله :
- اتفضلى ادخلى
دخلت "مريم" وهى تشعر بالإضطراب وقفت بجوارهما وهى لا تدرى ماذا تفعل وماذا تقول .. تفحصتها "ناهد" ثم رسمت ابتسامه على شفتيها قائله :
- زمانكوا تعبانين من السفر يلا اطلعوا ارتاحوا
أشار لها "مراد بإتجاه السلم الداخلى قائلاً:
- اتفضلى
صعدت "مريم" معه وهى واثقه كل الثقه أنه لم يبقى الا لحظات وتقفد وعيها من فرط التوتر .. كانت فى موقف لا تُحسد عليه .. متزوجة من رجل لا تريده ولا يريدها .. لا تطيقه ولا يطيقها .. ومرغمة على البقاء معه فى غرفته .. وليس هذا فحسب بل مطلوب منها أيضاً تمثيل دور العروس الجديدة أما أمه وأخواته .. فتح "مراد" باب الغرف وسبقها فى الدخول .. وقفت أمام الباب فالتفت اليها قائلاً بنفاذ صبر :
- ادخلى واقفلى الباب .. ماما زمانها طالعه أوضتها دلوقتى
دخلت "مريم" وأغلقت الباب .. تفحصت الغرفة بنظرة سريعة .. كانت تتسم بالطابع الذكوري .. لا يوجد بها أى لمسه أنثويه .. شعرت بحرج بالغ واشتعلت وجنتيها خجلاً ظلت واقفة أمام الباب المغلق تمسك حقيبة يدها بتوتر .. وضع "مراد" الحقائب بجوار الدولاب ثم التفت اليها متفحصاً اياها ثم قال بسخريه :
- اللى يشوف كده يقول أول مرة تدخل أوضة راجل
شعرت "مريم" بالخجل والحنق الشديد .. لكنه لم يكتفى ولن يكتفى .. اقترب منها ناظراً اليها بتهكم قائلاً بوقاحه :
- آه صحيح نسيت انك بتفضلى البيوت اللى لسه بتتبنى جديد
رفعت "مريم" رأسها ونظرت اليه بشراسة كقطة برية تهم بالإنقضاض على فريستها لتلتهمها وقالت بغضب :
- كفاية بأه .. كفاية اهانة .. مش هسمحلك تهنى أكتر من كده
قال "مراد" بعنف :
- انتى اللى أهنتى نفسك .. واحدة زيك لا عندها دين ولا أخلاق المفروض تتكسف من نفسها مش ترد ببجاحه
قالت بحده وهى تنظر اليه بغضب :
- أنا معملتش حاجه غلط عشان أتكسف منها اللى المفروض يتكسف من نفسه هو ابن عمك الغير محترم .. وأهو ربنا خدلى حقى منه ومرمى دلوقتى فى المستشفى لان دعوة المظلوم مستجابة وابن عمك افترى عليا وظلمنى
نظر اليها "مراد" بشك وهو يستمع الى كلماتها فأكملت بحزم وصرامة :
- لو جبت سيرتى على لسانك تانى بأى كلمة تمس شرفى اتأكد ساعتها انى هدعى عليك زى ما بدعى عليه بالظبط
صمت "مراد" وهو ينظر اليها متفحصاً ثم قال ببرود :
- الحاجه الوحيدة اللى عايزها منك انك تفضلى بعيده عنى
قالت بعنف :
- ومين قالك انى عايزة أقرب منك أصلاً .. أنا مجبرة على الجوازة دى زى ما انت مجبر عليها بالظبط
نظر اليها قليلاُ ثم توجه الى فراشه وأخذ وسادة وغطاء وألقاهم على الأريكة الموجود فى الغرفة ونظر اليها قائلاً ببرود :
- هتنامى هنا
شعرت "مريم" بالمهانه .. آخر ما كانت تريده هو النوم بجواره لكن إشارته لذلك بتلك الطريقة جعلها تشعر بالمهانه .. أكمل قائلاً :
- وزى ما فهمتك لا عايز أمى ولا اخواتى يعرفوا حاجه عن الوضع بينا لحد ما عمتو تيجى ونشوف حل للمصيبة دى
صمتت فقال وهو يغادر الغرفة :
- فى حمام فى الأوضة ادخلى غيري هدومك لان أكيد ماما هتطلعلك دلوقتى
قال ذلك ثم خرج و أغلق الباب خلفه دون أن ينتظر ردها .. تنهدت "مريم" بأسى وتوجهت الى الأريكة وجلست عليها وهى شاردة وعلامات الحزن على وجهها .. نظرت الى ساعتها فعلت أنه لم يبقى الا نصف ساعة على آذان الفجر فأسندت ظهرها وجلست تنتظر ميعاد الصلاة
نزل "مراد" للأسفل فوجد والدته تهم بالصعود وهى تقول له :
- سايب عروستك ونازل ليه
قال بنفاذ صبر :
- رايح أجيب حاجه من العربية .. انتى منمتيش ليه
قالت أمه بعتاب :
- يعني أسيب البنت تنام من غير عشا فى أول ليلة ليها هنا .. تقول علينا ايه
أومأ "مراد" برأسه فقالت "ناهد" وهى تصعد :
- أنا قولت لدادة "أمينة" تحضرلكم العشا وتطلعه أوضتك وهروح دلوقتى أطمن عليها قبل ما أنام ..خرج "مراد" وتوجه الى سيارته وجلس أمام المقود وهو يزفر بضيق .. رفع نظره الى شرفة غرفته التى أصبحت محتلة.
طرقت "ناهد" باب غرفة "مريم" .. فنهضت "مريم" بتوتر وفتحت الباب .. ابتسمت "ناهد" قائله :
- خفت تكونى نمتى
ابتسمت "مريم" بصعوبة وقالت :
- لا لسه
نظرت الي ملابسها وقالت :
- ولا حتى غيرتى هدومك
صمتت "مريم" فقالت "ناهد" :
- أنا معرفتش اسمك
- "مريم"
- وأنا "ناهد" مامة "مراد" طبعاً .. و "سارة" و "نرمين" كان نفسهم يشوفوكى بس للأسف اتاخرتوا أوى وهما ناموا .. الصبح ان شاء الله تتعرفوا على بعض
أومأت "مريم" برأسها فقالت "ناهد" قبل أن تغادر :
- دادة أمينة هتحضر العشا وتطلعلك بيه .. تصبحى على خير يا "مريم" أشوفك الصبح
تمتم "مريم" بضعف :
- وحضرتك من أهل الخير
أغلقت الباب وعادت الى مكانها على الأريكة .. أذن الفجر فنهضت وتوجهت الى الحمام وتوضأت .. احتارت كيف يكون اتجاه القبلة .. لامت نفسها لأنها لم تسأل "ناهد" .. شعرت بالضيق والحنق .. لحظات وسمعت طرقات على الباب .. ظنت أنه "مراد" فارتدت حجابها لتخفى شعرها .. فتحت لتجد امرأة بسيطة يبدو عليها الطيبة ابتسمت ببشاشه وهى تدخل الغرفة قائلاً :
- أهلا وسهلاً بالغالية مراة الغالى .. نورتى بيتك
نظرت اليها "مريم" وهى تضع الطعام على احدى الطاولات الصغيرة .. فالتفتت لها المرأة وقالت ببشاشه :
- أنا دادة "أمينة" .. أنا اللى مربية سي "مراد" من وهو صغير .. بس واعى تفتكريني عجوزة لا أنا لسه شباب برده
ابتسمت "مريم" لتلك السيدة الطيبة .. فقالت "أمينة" :
- أسيبك بأه ترتاحى وتتعشى همت بالخروج فأوقفتها "مريم" قائله :- بعد اذنك ممكن تعرفيني اتجاة القبلة
أرتها "أمينة" الإتجاة الصحيح وتركتها لتصلى الفجر .. وجدت "مريم" نفسها تبكى كثيراً فى السجود وهى تتضرع اللى الله عز وجل أن يحفظها ويقدر لها الخير ويصرف عنها السوء وينتقم ممن ظلمها وافترى عليها .. أنهى "مراد" صلاته فى المسجد القريب وأعاد أدراجه الى الفيلا وهو واجماً .. رفع نظره الى شرفة غرفته ليجد الضوء ما زال مضاءاً .. زفر بضيق وحنق .. طرق الباب عدة طرقات همت بأن تقوم لفتحه لكنه فتحه ببطء .. دخل وألقى نظرة على الطعام الذى لم تمسسه .. ثم توجه الى شرفة غرفته .. كانت "مريم" تشعر بالإرهاق وبالتعب الشديد .. ولكنها خجلت من أن تنام أمام أعين هذا الرجل الغريب .. أسندت رأسها على ذراع الأريكة وظلت تقاوم النعاس الى أن غلبها .. وقف "مراد" فى الشرفة وهو يشعر بالغضب والضيق .. كان الزواج هو آخر ما يريده .. خاصة ان كان زواج بهذه الطريقة .. زواج لانقاذ الموقف .. زواج من فتاة بعيدة كل البعد عن طباعه وأخلاقه .. أكثر ما يشعره بالضيق هو اضطراره الى مشاركتها غرفته .. عالمه الخاص .. الذى يشعر فيه بالراحة والسكينة بعيداً عن اعين الناس .. هذا المكان الوحيد الذى يظهر فيه عجزه واعاقته لأنه بمفرده لا يتطلع عليه أحد .. لا يرمقه فيه أحد بنظرات الشفقة او السخرية .. هو أمام الناس شخص كامل لا فرق بينه وبين أى رجل غيره .. يسير ويتحرك بطريقة طبيعية .. لكنه بينه وبين نفسه يشعر بنقصه .. وبإعاقته .. وبذلك الفراغ فى قدمه اليمنى .. ولا يدع أحداً أبداً مهما كان أن يراه بدون ساقه الصناعية .. وبالتأكيد فآخر ما يريده هو أن يظهر اعاقته أمام تلك الفتاة الغريبة التى تشاركه غرفته رغماً عنه .. قضى ليلته على أحد المقاعد فى الشرفة .. الى أن لاح نور الصباح
- انتى بتتكملى جد يا ماما .. "مراد" اتجوز ؟
قالت "ناهد" بحنق :
- أيوة اتجوز .. وجاى هو ومراته النهاردة
صاحت "نرمين" بغضب :
- واحنا ايه بأه ان شاء الله .. لزمتنا ايه .. هو احنا مش أهله برده .. فى واحد يسافر يومين وفجأة يتصل بأهله فى التليفون يقولهم أنا اتجوزت وراجع أنا وعروستى
قالت "ناهد" بحزم :
- بقولك ايه يا "نرمين" أنا مش عايزه مشاكل .. خلاص هو مرتاح كده خلاص .. "مراد" مش صغير وأدرى بمصلحته .. أهم حاجه انه اتجوز أنا كنت هموت وأشوف اليوم ده
قالت "سارة" بإستغراب :
- بس مش غريبة ان "مراد" يغير رأيه بالسرعة دى ويقرر انه يتجوز
قالت "ناهد" :
- لأ مش غريبة .. لأن أصلاً قبل ما يسافر كان وافق انى أدورله على عروسه
قالت "نرمين" بتهكم :
- عايزه تفهمينى انه راح النجع وشاف واحده ماشيه فى الشارع قام مشى وراها وعرف بيتها واتقدملها واتجوزها
قالت "ناهد" بنفاذ صبر :
- لأ .. "مراد" قالى ان العيلتين عارفه بعض .. تلاقى عمته "بهيرة" هى اللى اختارتهاله وشافها وعجبته واتجوزها
هتفت " نرمين":
- ماما انتى مقتنعه باللى انتى بتقوليه ده .. "مراد" شاف واحده وعجبته واتجوزها كل ده فى أقل من اسبوع .. "مراد" أصلاً مبيقتنعش بأى بنت بسهولة .. وبعد جوازته الأولانيه بأه صعب جداً ومش سهل كده يتجوز فجأة
قالت "ناهد" بنفاذ صبر :
- بقولكوا ايه اللى حصل حصل .. حياته وهو حر فيها
قالت "نرمين" شارده :
- تفتكروا هيعيش معانا هنا ولا هياخدلها بيت لوحدها
نظرت اليها "نرمين" و "ناهد" فى حيرة .. فقالت "ناهد" :
- مش عارفه متكلمناش فى النقطة دى
قالت "نرمين" :
- معتقدش ان "مراد" ممكن يسيبنا عايشين لوحدنا من غير راجل وكمان الفيلا كبيرة
قالت "سارة" بحزن :
- افرضى هى أصرت انه يسيبنا
هتفت "سارة" :
- يعني هو هيروح آخر الدنيا يعني .. ممكن يشوفلها مكان قريب من هنا
قامت "ناهد" قائله :
- الكلام ده سابق لأوانه لما يبقى "مراد" ييجى نبقى نفهم منه هو ناوى على ايه
أوقفتها "نرمين" قائله :
- ماما أنا زى ما قولتلك خارجه النهاردة أجيب اللبس
التفتت اليها "ناهد" وقالت :
- يا بنتى استنى "مراد" أحسن
قالت "نرمين" بحنق :
- يا ماما هو أنا صغيرة .. وبعدين أنا هروح كارفور بس .. مش هلف فى حته تانيه
صمتت "ناهد" فترجتها "نرمين" قائله :
- يا ماما عشان خاطرى أبوس ايدك وافقى .. "مراد" راجع النهاردة بالليل يعني مفيش فرصة أخرج فيها الا النهاردة
قالت "ناهد" محذرة :
- مش عايزه تأخير .. ساعتين بالكتير وتكونى هنا
قالت "نرمين" بحماس :
- متقلقيش وقبل ساعتين كمان
- طيب وخدى العربية بالسواق معاكى
قالت "نرمين" بسرعة :
- لأ لأ مفيش داعى .. هاخد تاكسى عشان لو احتجتى العربية .. يلا سلام طالعه ألبس
غادرت "نرمين" مسرعة قبل أن تترك لأمها فرصة للإعتراض.
***************************************
توقفت سيارة الأجرة أمام أحد المطاعم الراقية .. تلفتت "نرمين" يميناً ويساراً .. ثم أخرجت هاتفها من حقيبتها الصغيرة وهمت بأن تتصل .. سمعت خلفها صوتاً يقول :
- اتأخرتى عليا أوى
التفتت لتفاجأ بـ "حامد" صديق أخيها .. نظرت اليه بدهشة واضطراب فابتسم قائلاً :
- شكلك مصدومة .. ايه مكنتيش متوقعه انه أنا
أخفضت بصرها وقالت بخجل :
- لأ مكنتش متوقعه
همس قائلاً بخبث :
- طيب ايه .. عجبتك ؟ .. مفاجأة حلوة يعني ولا وحشة
شعرت بالإحمرار يغزو وجنتيها ولم تستطع أن تتحدث فقال لها :
- طيب تعالى نتكلم جوه
شعرت بالتوتر الشديد والتفتت يميناً ويساراً خوفاَ من أن يراها أحداً يعرفها .. لمس "حامد" ذراعها بيده ليوجهها داخل المطعم نظرت اليه وجذبت ذراعها بسرعة .. ابتسم قائلاً :
- طيب ادخلى انتى
دخلت "نرمين" وهى تتفحص وجوه رواد المطعم .. اختار "حامد" احدى الطاولات فى احد زوايا المطعم .. كانت تشعر بالتوتر الشديد .. نظر "حامد" اليها وابتسم قائلاً :
- مالك متوتره كده
قالت بصوت مضطرب :
- مفيش .. أصل دى أول مرة أخرج فيه مع واحد
ابتسم ونظر اليها نظرة أشعرها بالخجل وقال :
- أنا مش أى واحد .. خلاص احنا نعتبر مرتبطين .. باقى بس موافقة أخوكى
اقترب النادل فسألها عما تشرب .. ذهب النادل لإحضار ما طلبوا .. فهمس لها "حامد" :
- وحشتيني أوى .. لما وافقتى انك تقابليني مكنتش مصدق نفسي .. تعرفى انى من الصبح من ساعة ما كلمتك وأنا مش عارف أركز فى الشغل
ابتسمت بخجل فقام وجلس على المقعد المجاور لها وقربه منها شعرت بالتوتر فابتسم قائلاً :
- ايه خايفه من ايه احنا فى مكان عام زى ما طلبتى أهو .. والناس حولينا من كل اتجاه .. بس مش حابب أعد بعيد عنك
كانت "نرمين" متوتره للغايه ومشاعرها مضطربة مزيج من السعادة والخوف .. همس اليها :
- ممكن أسمع صوتك .. انتى ما قولتيش حاجه من ساعة ما أعدنا
قالت بصوت خافت :
- أنا مش هتأخر همشى بسرعة .. فقول اللى انت كنت عايز تقولهولى
قرب رأسه منها قائلاً :
- كنت بس عايز أشوف ردك فعلك لما تعرفى أنا مين .. وأتأكد انك موافقة عليا .. عشان محرجش نفسي مع "مراد"
ثم قال :
- ها .. عجبتك ولا لأ ؟
ابتسمت وخفضت بصرها فى خجل .. فابتسم بخبث قائلاً :
- تمام كده السكوت علامة الرضا .. كده خدت موافقتك باقى موافقة أخوكى
رن هاتف "نرمين" فاضطربت ونظرت الى هتفتها وقالت بتوتر :
- دى ماما
قال "حامد" :
- ردى عليها
قالت بتوتر وهى تضع هاتفها فى حقيبتها :
- لأ أنا همشى أحسن
- استنى احنا ملحقناش نعد سوا
نهضت بالفعل وقالت :
- معلش فعلاً مش هينفع أتأخر أكتر من كده
حملت الأكياس التى تحوى الملابس التى اشترتها قبل القدوم الى المطعم .. فغادر "حامد" المطعم معها قائلاً :
- استنى هوقفلك تاكسى .. مع انى نفسي أوصلك بنفسي
قالت بصوت خافت :
- مش هينفع
ابتسم وأمال برأسه اتجاهها قائلاً بخبث :
- بكره كل حاجه هتنفع
أبتعدت عنه .. فأوقف احدى السيارات .. ركبت فى المقعد الخلفى فانحنى على الشباك وابتسم قائلاً :
- طمنينى عليكي لما توصلى
ابتسمت له وأومأت برأسها .. أخرج "حامد" بعض المال ودفع أجرة السائق ولوح لها بيده فنظرت اليها مبتسمه قبل أن تنطلق السيارة .. تابع "حامد" السيارة بعينيه وبمجرد أن رحلت التفت لأحد الرجال الواقفين فى أحد الجوانب أمام المطعم وأخذ منه هاتفه الذى كان ممسكاً به بيده .. أخذ "حامد" يشاهد الصور التى جمعته بـ "نرمين" داخل المطعم وخارجه ثم ابتسم ولمعت عيناه خبثاً وقال :
- قشطة أوى .. تسلم يا باشا نردهالك فى الأفراح
قال له الرجل ضاحكاً :
- انت .. ده انت شيطان .. ربنا يكفينا شرك
نظر اليه "حامد" قائلاً بمرح :
- طيب يلا بينا نشوف أى حته نسهر فيها .. مزاجى حلو أوى النهاردة وعايز أتبسط على الآخر
************************************************
- خلى بالك منيها
قالت "بهيرة" هذه العبارة بنبرة حازمة وهى تودع "مراد" أمام سيارته .. فتنهد قائلاً :
- مع السلامة يا عمتو
عانقها مودعاً .. وسلم على "سباعى" قائلاُ :
- أشوفك بخير يا عمو
قال "سباعى" :
- طريج السلامة يا ولدى .. على مهلك وانت سايج .. الله معك
ركب "مراد" سيارته متوجهاً الى بيت "عبد الرحمن" .. فى بيت "عبد الرحمن" وقفت "مريم" تودع جدها وجدتها و "صباح" بأعين دامعه .. ما هى الا دقائق وأوقف "مراد" سيارته أمام الباب .. خرج اليه "عبد الرحمن" ورحب به قائلاً :
- أهلاً يا ولدى اتفضل اتفضل
سلم عليه "مراد" قائلاً بإقتضاب :
- معلش مضطر أمشى دلوقتى
قال له "عبد الرحمن" :
- طيب يا ابنى ثوانى أنادى لـ "مريم"
وقف "مراد" أمام سيارته فى انتظارها .. دخل "عبد الرحمن" الى البيت وحمل حقيبة "مريم" قائلاً :
- يلا يا بنتى .. جوزك بره
شعرت "مريم" بالإضطراب وبالألم يغزو بطنها وينتشر به من فرط التوتر .. قبلت رأس جدتها ويديها قائله :
- هتطمن عليكي بالتليفون دايماً يا تيته .. وان شاء الله فى أقرب وقت هاجى أزورك
قالت جدتها بأعين دامعة :
- ربنا ينورلك طريجك يا ابنيتي .. ويكفيكي شر ولاد الحرام .. مع السلامة يا غالية
خرجت "مريم" تسير خلف جدها .. التفت "مراد" وأسرع بحمل الحقيبة من يد "عبد الرحمن" .. هم بأن يضعها فى شنطة السيارة عندما وقعت عيناه على "مريم" .. تسمر فى مكانه وهو يمعن النظر اليها .. هربت من عيناه ونظرت الى يديها الممسكة بحقيبة يدها .. تعرف عليها "مراد" بمجرد أن رآها .. نعم انها نفس الفتاة التى قابلها أمام المركز الصحى والتى كانت تنظر اليه بإمعان شديد .. وضع الحقيبة فى السيارة فإلتفتت "مريم" تقبل يد جدها قائله بصوت مضطرب :
- مع السلامة يا جدو
قبل "عبد الرحمن" رأسها وقال :
- مع السلامة يا بنيتي .. خلى بالك من نفسك .. ولو احتجتى أيتها حاجه كلميني رقمى معاكى
دخلت "مريم" السيارة بجوار "مراد" وهى تشعر بتوتر لم تشعر به من قبل .. شعرت وكأنها عاجزة عن التنفس فى فرط توترها وهى جالسة الى جواره .. كانت تأخذ نفسها بصعوبة شديدة .. و .. انطلق "مراد" بسيارته بصحبة "مريم" فى طريقه الى القاهرة.
*********************************************
طرقت "سارة" باب غرفة "نرمين" فأذنت لها بالدخول .. وقفت "سارة" بجوار أختها فى الشباك قائله :
- أعده لوحدك ليه
قالت "نرمين" مبتسمه وهى تلعب بخصلات شعرها :
- عادى يعني
قالت "سارة" :
- "مراد" اتصل .. اتحرك على الطريق هو وعروسته
قالت "نرمين" بحده :
- أنا لسه مش مصدقه ان "مراد" اتجوز .. حاجه غريبه جداً .. مش فاهمه ايه سلق البيض ده .. وازاى هنعيش مع واحدة غريبة منعرفهاش
قالت "سارة" بهدوء :
- طالما عجبت "مراد" يبأه هى أكيد بنت كويسه
قالت "نرمين" :
- بقولك ايه متوجعيش دماغى أنا مبسوطة ومش عايزه حاجه تعكنن عليا
نظرت اليها "سارة" بإمعان قائله :
- وايه اللى باسطك كده .. متفرحيني معاكى
قالت "نرمين" بنفاذ صبر :
- "سارة" روحى شوفيلك حاجه اعمليها بعيد عنى
توجهت "سارة" الى الباب قائله :
- انا غلطانه أصلاً انى عبرتك وجيت أعد معاكى
خرجت "سارة" فإرتسمت ابتسامه على شفتى "نرمين" وهى تتذكر مقابلتها لـ "حامد" اليوم .
*******************************
ساد الصمت بينهما لأكثر من ساعة .. لم يتفوه أحدهما ببنت شفه .. اختلست "مريم" النظر الى "مراد" فخفق قلبها بشدة .. قالت فى نفسها : يا الله ما أشد الشبه بينهما كأننى أرى "ماجد" أمام عيناى .. بدا وكأن "مراد" الذى كان شارداً انتبه فجأة لوجودها بجواره .. التفت وألقى عليها نظره ثم عاد ونظر أمامه مرة أخرى .. تحدث فجأة قائلاً بحزم :
- ماما واخواتى ميعرفوش بتفاصيل الجوازه دى ولا بالمشاكل اللى حصلت فى النجع .. هنفهمهم ان جوازنا طبيعي .. يعني مش عايز حد فيهم يعرف الوضع بينا
قالت "مريم" وقد شعرت ببعض الراحة :
- هو حضرتك عايش مع مامتك واخواتك ؟
نظر اليها شزراً وقال بإقتضاب :
- أيوة
أخذت تفكر تُرى هل أخواته هو فقط أم أخوات "ماجد" أيضاً .. سألته قائله :
- هما أد ايه ؟
رد بإقتضاب :
- بنتين
ابتسمت فى نفسها .. سألته بإهتمام :
- اخوات حضرتك من نفس الأم والأب ؟
نظر اليها بدهشة وقال بحده :
- ايه السؤال الغريب ده
شعرت "مريم" بالحرج الشديد فتمتمت بخفوت :
- أنا آسفه
نظر "مراد" أمامه وبدا وكأنه يجاهد ليتحكم فى أعصابه .. قال بقسوة :
- مش عايزك تختلطى بيهم ولا تتكلمى معاهم كتير طول فترة وجودك معانا .. دول بنات محترمة ومتربين كويس .. ومش عايز حد يأثر عليهم
شعرت "مريم" بمهانة شديدة .. وبوغز الدموع فى عينيها لكنها تمالكت نفسها سريعاً .. فآخر شئ تريده هو البكاء أمام هذا الرجل القاسي .. ألقى "مراد" نظرة عليها ثم قال ببرود :
- جوزك اتوفى من أد ايه ؟
نظرت اليه بدهشة قائله :
- عرفت منين ؟
قال بسخرية :
- أكيد عرفت فى كتب الكتاب لما جدك ادى قسيمة جوازك وشهادة الوفاة للمأذون
صمت قليلا ثم أعاد سؤاله ببرود :
- مات من أد ايه ؟
شعرت بالحنق لأنه يتدخل فى خصوصياتها .. فقالت بضيق :
- من سنة
ضحك بسخرية قائلاً :
- سنة .. ولحقتى تنسيه وتدورى على غيره
شعرت "مريم" بالمهانة مرة أخرى فإسلوبه لم يكن محتملاً بالنسبة لها .. صكت على أسنانها وكظمت غيظها .. فأكمل "مراد" متهكماً :
- وملقتيش غير الصعيد .. أديكي اتدبستى فى جوازه
لم تتفوه "مريم" بكلمه نظر اليها فوجدها ساكنه هادئه لا تظهر أى من انفعالاتها الداخليه فأغاظه ذلك فأكمل ساخراً بقسوة :
- دلوقتى عرفت ليه كنتى بتبصيلي أوى ومركزة معايا أدام المركز الصحي
خفق قلب "مريم" والتفتت لتنظر اليه .. فتلاقت أعينهما شعرت بأن عيناه كعين الصقر مصوبتان اتجاهها وقال بوقاحه :
- اظاهر ان "جمال" مكنش مكفيكي
فاق ما قاله قدرتها على الإحتمال فصرخت فيه :
- وقف العربية .. بقولك وقف العربية
نظر "مراد" أمامه ببرود دون أن يمتثل لطلبها .. فتحت "مريم" باب السيارة وصرخت قائله :
- لو موقفتش العربية هنزل منها وهى ماشية
صرخ فيها "مراد" بغضب :
- اقفلى الباب ده وبطلى جنان
قالت بإصرار :
- بقولك وقف العربية دلوقتى حالاً يا إما هنزل منها وهى ماشية
ضغط "مراد" على الفرامل بقوة فأصدرت السيارة صوتاً مرعباً .. توقفت السيارة فأسرعت "مريم" بمغادرتها حاملة حقيبة يدها .. مشيت فى الإتجاه العكسي .. فى طريقها الى النجع مرة أخرى .. نظر اليها "مراد" من مرآة السيارة بغضب ثم انطلق بسيارته فى طريقة مرة أخرى .. مشت "مريم" مسرعة وهى تشعر بغضب بالغ .. كان غضبها يعميها على التفكير .. لا تعلم حتى الى أين ستذهب فى هذا الليل الذى قد أسدل أستاره .. وهى وحيده فى هذا الطريق الصحراوى الذى تسمع فيه من بعيد عواء الذئاب .. لكنها لم تعد تبالى بأى شئ لا تبالى أبداً .. سارت عدة أمتار ثم فجأة وجدت سيارة قادمة من الخلف وتقطع عليها الطريق لتتوقف أمامها .. التفتت لترتطم نظراتها بنظرات "مراد" الغاضبة .. ران الصمت عليهما لفترة .. ثم قال "مراد" بلهجة آمرة دون أن ينظر اليها :
- اركبي
ظلت واقفه أمامه وهى فى حيرة من أمرها .. فأعاد ما قال بصوت أكثر قسوة :
- قولتلك اركبي
تنهدت "مريم" بعمق .. ثم لفت حول السيارة وأعادت الجلوس فى معقدها .. أدار "مراد" سيارته وعاد فى اتجاه القاهرة مرة أخرى .. صمت كلاهما .. كانت "مريم" تتنفس بسرعة وقلبها يخفق بإضطراب .. قال "مراد" بصرامة دون أن ينظر اليها :
- اياكى تكرريها تانى
لم تجيبه .. ولم ينتظر رداً .. وأكملا طريقهما فى صمت .. صمت لم يقطعه كلمة من أى منهما .. ولا حتى نظرة
قال "مراد" بلهجة آمرة دون أن ينظر اليها :
- اركبي
ظلت واقفه أمامه وهى فى حيرة من أمرها .. فأعاد ما قال بصوت أكثر قسوة :
- قولتلك اركبي
تنهدت "مريم" بعمق .. ثم لفت حول السيارة وأعادت الجلوس فى معقدها .. أدار "مراد" سيارته وعاد فى اتجاه القاهرة مرة أخرى .. صمت كلاهما .. كانت "مريم" تتنفس بسرعة وقلبها يخفق بإضطراب .. قال "مراد" بصرامة دون أن ينظر اليها :
- اياكى تكرريها تانى
لم تجيبه .. ولم ينتظر رداً .. وأكملا طريقهما فى صمت .. صمت لم يقطعه كلمة من أى منهما .. ولا حتى نظرة .
بعد عدة ساعات عبرت سيارة "مراد" بوابة الفيلا .. نظرت "مريم" حولها وهى تتطلع الى الفيلا والحديقة فى ظلام الليل .. أخرجت هاتفها واتصلت بجدها قائله :
- أيوة يا جدو .. وصلت الحمد لله
- طيب يا بنيتي طمنتيني .. خلى بالك من نفسك .. ولو احتجتى حاجه كلمينى طوالى
نزل "مراد" من السيارة وأخرج حقيبة "مريم" وحقيبته .. مدت "مريم" يدها لتأخذ منه حقيبتها لكنه لم يلتفت اليها وصعد الدرجات الى باب الفيلا .. لم يحتاج الى اخراج مفتاحه .. فلقد فتحت أمه الباب بمجرد أن سمعت صوت السيارة .. صعدت "مريم" الدرجات خلفه ببطء وهى تشعر بتوتر بالغ .. كعابر سبيل ضل طريقه .. عانقته أمه قائله :
- حمدالله على السلامة يا "مراد" اتأخرتوا أوى كده ليه ؟
قال "مراد" بصوت متعب :
- لا اتأخرنا ولا حاجه يا ماما المسافة كبيرة أصلاً
نظرت "ناهد" خلفه تتطلع الى "مريم" الواقفه أمام الباب .. ابتسمت اليها قائله :
- أهلاً بيكِ .. ألف مبروك
اومأت "مريم" برأسها وقالت بتوتر بالغ :
- أهلا بحضرتك
أشارت"ناهد" بيدها قائله :
- اتفضلى ادخلى
دخلت "مريم" وهى تشعر بالإضطراب وقفت بجوارهما وهى لا تدرى ماذا تفعل وماذا تقول .. تفحصتها "ناهد" ثم رسمت ابتسامه على شفتيها قائله :
- زمانكوا تعبانين من السفر يلا اطلعوا ارتاحوا
أشار لها "مراد بإتجاه السلم الداخلى قائلاً:
- اتفضلى
صعدت "مريم" معه وهى واثقه كل الثقه أنه لم يبقى الا لحظات وتقفد وعيها من فرط التوتر .. كانت فى موقف لا تُحسد عليه .. متزوجة من رجل لا تريده ولا يريدها .. لا تطيقه ولا يطيقها .. ومرغمة على البقاء معه فى غرفته .. وليس هذا فحسب بل مطلوب منها أيضاً تمثيل دور العروس الجديدة أما أمه وأخواته .. فتح "مراد" باب الغرف وسبقها فى الدخول .. وقفت أمام الباب فالتفت اليها قائلاً بنفاذ صبر :
- ادخلى واقفلى الباب .. ماما زمانها طالعه أوضتها دلوقتى
دخلت "مريم" وأغلقت الباب .. تفحصت الغرفة بنظرة سريعة .. كانت تتسم بالطابع الذكوري .. لا يوجد بها أى لمسه أنثويه .. شعرت بحرج بالغ واشتعلت وجنتيها خجلاً ظلت واقفة أمام الباب المغلق تمسك حقيبة يدها بتوتر .. وضع "مراد" الحقائب بجوار الدولاب ثم التفت اليها متفحصاً اياها ثم قال بسخريه :
- اللى يشوف كده يقول أول مرة تدخل أوضة راجل
شعرت "مريم" بالخجل والحنق الشديد .. لكنه لم يكتفى ولن يكتفى .. اقترب منها ناظراً اليها بتهكم قائلاً بوقاحه :
- آه صحيح نسيت انك بتفضلى البيوت اللى لسه بتتبنى جديد
رفعت "مريم" رأسها ونظرت اليه بشراسة كقطة برية تهم بالإنقضاض على فريستها لتلتهمها وقالت بغضب :
- كفاية بأه .. كفاية اهانة .. مش هسمحلك تهنى أكتر من كده
قال "مراد" بعنف :
- انتى اللى أهنتى نفسك .. واحدة زيك لا عندها دين ولا أخلاق المفروض تتكسف من نفسها مش ترد ببجاحه
قالت بحده وهى تنظر اليه بغضب :
- أنا معملتش حاجه غلط عشان أتكسف منها اللى المفروض يتكسف من نفسه هو ابن عمك الغير محترم .. وأهو ربنا خدلى حقى منه ومرمى دلوقتى فى المستشفى لان دعوة المظلوم مستجابة وابن عمك افترى عليا وظلمنى
نظر اليها "مراد" بشك وهو يستمع الى كلماتها فأكملت بحزم وصرامة :
- لو جبت سيرتى على لسانك تانى بأى كلمة تمس شرفى اتأكد ساعتها انى هدعى عليك زى ما بدعى عليه بالظبط
صمت "مراد" وهو ينظر اليها متفحصاً ثم قال ببرود :
- الحاجه الوحيدة اللى عايزها منك انك تفضلى بعيده عنى
قالت بعنف :
- ومين قالك انى عايزة أقرب منك أصلاً .. أنا مجبرة على الجوازة دى زى ما انت مجبر عليها بالظبط
نظر اليها قليلاُ ثم توجه الى فراشه وأخذ وسادة وغطاء وألقاهم على الأريكة الموجود فى الغرفة ونظر اليها قائلاً ببرود :
- هتنامى هنا
شعرت "مريم" بالمهانه .. آخر ما كانت تريده هو النوم بجواره لكن إشارته لذلك بتلك الطريقة جعلها تشعر بالمهانه .. أكمل قائلاً :
- وزى ما فهمتك لا عايز أمى ولا اخواتى يعرفوا حاجه عن الوضع بينا لحد ما عمتو تيجى ونشوف حل للمصيبة دى
صمتت فقال وهو يغادر الغرفة :
- فى حمام فى الأوضة ادخلى غيري هدومك لان أكيد ماما هتطلعلك دلوقتى
قال ذلك ثم خرج و أغلق الباب خلفه دون أن ينتظر ردها .. تنهدت "مريم" بأسى وتوجهت الى الأريكة وجلست عليها وهى شاردة وعلامات الحزن على وجهها .. نظرت الى ساعتها فعلت أنه لم يبقى الا نصف ساعة على آذان الفجر فأسندت ظهرها وجلست تنتظر ميعاد الصلاة
نزل "مراد" للأسفل فوجد والدته تهم بالصعود وهى تقول له :
- سايب عروستك ونازل ليه
قال بنفاذ صبر :
- رايح أجيب حاجه من العربية .. انتى منمتيش ليه
قالت أمه بعتاب :
- يعني أسيب البنت تنام من غير عشا فى أول ليلة ليها هنا .. تقول علينا ايه
أومأ "مراد" برأسه فقالت "ناهد" وهى تصعد :
- أنا قولت لدادة "أمينة" تحضرلكم العشا وتطلعه أوضتك وهروح دلوقتى أطمن عليها قبل ما أنام ..خرج "مراد" وتوجه الى سيارته وجلس أمام المقود وهو يزفر بضيق .. رفع نظره الى شرفة غرفته التى أصبحت محتلة.
طرقت "ناهد" باب غرفة "مريم" .. فنهضت "مريم" بتوتر وفتحت الباب .. ابتسمت "ناهد" قائله :
- خفت تكونى نمتى
ابتسمت "مريم" بصعوبة وقالت :
- لا لسه
نظرت الي ملابسها وقالت :
- ولا حتى غيرتى هدومك
صمتت "مريم" فقالت "ناهد" :
- أنا معرفتش اسمك
- "مريم"
- وأنا "ناهد" مامة "مراد" طبعاً .. و "سارة" و "نرمين" كان نفسهم يشوفوكى بس للأسف اتاخرتوا أوى وهما ناموا .. الصبح ان شاء الله تتعرفوا على بعض
أومأت "مريم" برأسها فقالت "ناهد" قبل أن تغادر :
- دادة أمينة هتحضر العشا وتطلعلك بيه .. تصبحى على خير يا "مريم" أشوفك الصبح
تمتم "مريم" بضعف :
- وحضرتك من أهل الخير
أغلقت الباب وعادت الى مكانها على الأريكة .. أذن الفجر فنهضت وتوجهت الى الحمام وتوضأت .. احتارت كيف يكون اتجاه القبلة .. لامت نفسها لأنها لم تسأل "ناهد" .. شعرت بالضيق والحنق .. لحظات وسمعت طرقات على الباب .. ظنت أنه "مراد" فارتدت حجابها لتخفى شعرها .. فتحت لتجد امرأة بسيطة يبدو عليها الطيبة ابتسمت ببشاشه وهى تدخل الغرفة قائلاً :
- أهلا وسهلاً بالغالية مراة الغالى .. نورتى بيتك
نظرت اليها "مريم" وهى تضع الطعام على احدى الطاولات الصغيرة .. فالتفتت لها المرأة وقالت ببشاشه :
- أنا دادة "أمينة" .. أنا اللى مربية سي "مراد" من وهو صغير .. بس واعى تفتكريني عجوزة لا أنا لسه شباب برده
ابتسمت "مريم" لتلك السيدة الطيبة .. فقالت "أمينة" :
- أسيبك بأه ترتاحى وتتعشى همت بالخروج فأوقفتها "مريم" قائله :- بعد اذنك ممكن تعرفيني اتجاة القبلة
أرتها "أمينة" الإتجاة الصحيح وتركتها لتصلى الفجر .. وجدت "مريم" نفسها تبكى كثيراً فى السجود وهى تتضرع اللى الله عز وجل أن يحفظها ويقدر لها الخير ويصرف عنها السوء وينتقم ممن ظلمها وافترى عليها .. أنهى "مراد" صلاته فى المسجد القريب وأعاد أدراجه الى الفيلا وهو واجماً .. رفع نظره الى شرفة غرفته ليجد الضوء ما زال مضاءاً .. زفر بضيق وحنق .. طرق الباب عدة طرقات همت بأن تقوم لفتحه لكنه فتحه ببطء .. دخل وألقى نظرة على الطعام الذى لم تمسسه .. ثم توجه الى شرفة غرفته .. كانت "مريم" تشعر بالإرهاق وبالتعب الشديد .. ولكنها خجلت من أن تنام أمام أعين هذا الرجل الغريب .. أسندت رأسها على ذراع الأريكة وظلت تقاوم النعاس الى أن غلبها .. وقف "مراد" فى الشرفة وهو يشعر بالغضب والضيق .. كان الزواج هو آخر ما يريده .. خاصة ان كان زواج بهذه الطريقة .. زواج لانقاذ الموقف .. زواج من فتاة بعيدة كل البعد عن طباعه وأخلاقه .. أكثر ما يشعره بالضيق هو اضطراره الى مشاركتها غرفته .. عالمه الخاص .. الذى يشعر فيه بالراحة والسكينة بعيداً عن اعين الناس .. هذا المكان الوحيد الذى يظهر فيه عجزه واعاقته لأنه بمفرده لا يتطلع عليه أحد .. لا يرمقه فيه أحد بنظرات الشفقة او السخرية .. هو أمام الناس شخص كامل لا فرق بينه وبين أى رجل غيره .. يسير ويتحرك بطريقة طبيعية .. لكنه بينه وبين نفسه يشعر بنقصه .. وبإعاقته .. وبذلك الفراغ فى قدمه اليمنى .. ولا يدع أحداً أبداً مهما كان أن يراه بدون ساقه الصناعية .. وبالتأكيد فآخر ما يريده هو أن يظهر اعاقته أمام تلك الفتاة الغريبة التى تشاركه غرفته رغماً عنه .. قضى ليلته على أحد المقاعد فى الشرفة .. الى أن لاح نور الصباح