رواية وهم الحياة الفصل العشرون والأخير 20 بقلم خديجة أحمد

رواية وهم الحياة الفصل العشرون والأخير 20

بقلم خديجة أحمد


فجر

لقيت وشّه اصفر فجأة.

بصّلي ثواني، وبعدها رجع يبصلها.

كان واضح عليه التردد…

يا إمّا بيفكر،

يا إمّا واخد القرار ومستني اللحظة.


رجع بصّلي تاني وقال بصوت واطي:

— إنتي طالق بالتلاتة يا مريم.


زعقت فيه بحدّة:

— أعلى!


غمّض عينه جامد، وكأنه بيقتل آخر حاجة جواه، وقال بصوت عالي ملي المكان:

— إنتي طاااالق بالتلاتة يا مرييييم!


مريم اتصدمت.

عيونها اتفتحت على آخرها،

وكأنها مش مصدّقة إنه سابها بالسهولة دي.


ضحكت ضحكة سخريّة باردة، وقلت:

— شاطر يا حبيبي.


بصّت له وهي ماسكة إيده، صوتها مكسور:

— إيييه؟

إنت قُلت إييه؟

بعد كل اللي عملته عشاااانك!


سحب إيده منها بعنف، وكأنه لمس نار، وقال وهو بيبصلها بنظرة عمري ما شوفتها قبل كده:

— اللي عملتيه عشانّي كان خيانة… وأنا مبعيش على الخيانة.


انهارت.

رجليها خانتها وقعدت على الأرض، صوت عياطها ملأ المكان.


قربت منها وبصّتلها من فوق لتحت، وقلت بهدوء يوجع أكتر من أي صوت عالي:

— هو دا تمن الاختيارات الغلط يا مريم.

محدش بيكسب وهو بيدوس على غيره.


رفعت عينيها ليا، ووشّها كله كراهية:

— انتي مبسوطه دلوقتي؟


ميلت راسي شوية وابتسمت ابتسامة هادية:

— لأ.

أنا بس رجّعت حقي.


لفّيت وشي ليعقوب وقلت ببرود:

— خلص اللي عندي هنا.


وبعدها بصّيت لزين، نظرة أخيرة:

— الحساب لسه ما خلصش…

بس دا وقته مش دلوقتي.


قربت من الباب عشان أخرج،

وصوت خطوات يعقوب ورايا.


لكن وقفت فجأة.

لفّيت على رجوعي،

ومشيت ناحيه زين خطوتين.


وقفت قدامه،

قريبة أوي…

لدرجة إنه حس بنفَسي.


وطيت صوتي وهمست:

— أنا خلعتك.


عينيه وسعت،

كأنه اتضرب في قلبه.


مدّ إيده من غير وعي،

بس أنا سبقت الحركة.


سحبت الدبلة من صباعي

ورميتها في وشه.


رنت على الأرض رنة حادة

كسرت الصمت.


قلت وأنا بلف وشي:

— دي كانت آخر حاجة ربطاني بيك.


وفتحت الباب وخرجت،

وسيبته واقف مكانه

مكسور…

لأول مرة.


كنت أنا ويعقوب خلاص نزلنا،

وفجأة لقينا أبو مريم في وشّنا.


ابتسمت ابتسامة خبيثة،

وبصّيتله بثبات وقلت:

— بنتك فوق مع جوزها.


سكت لحظة،

وبعدين كمّلت بسخرية تقيلة:

— قصدي… طليقها.


وشّه شدّ واصفر،

قبل ما أكمّل وأنا بعدّي من جنبه:

— أبقى ربي كويس قبل ما تجيبلنا الاشكال دي ع الدنيا يا حج.


عدّيت من قدامه وسيبته واقف مكانه

مصدوم…

ولا عارف يتكلم ولا يلحقني.


يعقوب كان هييجي ورايا،

بس أبو مريم مسكه من إيده فجأة

وصوته مكسور وهو بيقول:

— ده… ده بجد؟


يعقوب بصله بسخرية باردة وقال:

— اتفضل اطلع وشوف بنفسك.


سحب إيده من إيده،

ومشي ورايا

من غير ما يبص وراه.


________________


مريم


وقفت قدّامي لسه مصدومة

من كلمة

"انتي طالق بالتلاته"


زين كان قاعد، حاطط كفّه على راسه

وشكله مهموم…

ومكنتش فاهمة...مهموم علشان طلقني؟

ولا علشان فجر خلعته؟


ملحقتش ألاقي إجابة لسؤالي

لإن الباب خبط.


مسحت دموعي بسرعة

وجريت أفتح،

والصدمة لما لقيت

بابا واقف قدّامي.


أول ما شوفته اتلجلجت، ...ملحقتش أتكلم،

دخل وهو بيبص في كل حتة

كأنه بيدوّر على حاجة.


وأول ما عينه جات على زين…

وشه احمرّ وفكه اتشد.


وقف في مكانه،

صدره بيعلى وبينزل بسرعة

وصوته طلع زي الرعد:

— يعني اللي سمعته ده صح؟

بنتي... بنتي الوحيدة...

اتجوزت من ورايا؟!


مردّتش.

كنت بترعش

وببص في الأرض بخوف.


صرخ فيّا بصوت خلاني أرتعش:

— بكلمك يا مريم!

ردّي؟!!


كنت مستنية زين يتكلم…

يقول أي حاجة…

يدافع…

ينقذني.


بس ولا كلمة قاعد كأنه مش قاعد،

كأنه في دنيا غير الدنيا.


رفعت عيني لبابا بخوف

وقولت بصوت متقطع:

— هفهمك والله…


انفجر فيّا وهو بيضرب إيده في إيده:

— تفهميني إيه؟!

تفهميني إيه بالظبط يا مريم؟!


صوته ارتفع أكتر:

— إنك اتجوزتي وانتي مخطوبة؟

إنك خنتي ثقتي؟

إنك ضحكتي عليّا وعلى خطيبك؟

إنك اتجوزتي واحد متجوز

وسبتيني أمشي في الناس وأنا مرفوع الراس فيكي؟!


مسح وشه بإيده بعصبية:

— أنا كنت بفتخر بيكي!

كنت بقول للناس دي بنتي!

بنتي الوحيدة!

اللي ربيتها لوحدي بعد ما أمها راحت!


صوته اتخنق:

— دي البنت اللي سهرت الليالي عشانها؟

دي البنت اللي حرمت نفسي من كل حاجة عشان أربيها صح؟


حاولت أدافع عن نفسي

والدموع سايحة على خدودي:

— بابا… أنا وزين بنحب بعض!


بصّيت لزين

مستنية يأكّد كلامي…

لكن ماكانش باصص ناحيتي أصلًا.


بابا ضحك ضحكة مجنونة فيها مرارة:

— حب؟!

حب يا مريم؟!


قرب مني وهو بيصرخ:

— الحب يخليكي تكدبي على أبوكي؟

الحب يخليكي تتجوزي في السر؟

الحب يخليكي تتجوزي واحد

وإنتي مخطوبه لغيره؟!


صوته نزل فجأة وبقى مليان ألم:

— أنا معنديش غيرك يا مريم...

معنديش في الدنيا دي غيرك.


بصلي في عيني:

— وإنتي عملتي فيّا كده؟

ضحكتي عليّا كده؟


ثم صرخ تاني:

— أنا تعبت عمري كله عشانك!

ضحيت بكل حاجة عشان أشوفك عروسة

قدام الناس وأنا فخور بيكي!


وقرب مني أكتر:

— لكن إنتي...

إنتي ضيعتي كل حاجة.

ضيعتي نفسك.

ضيعتي سمعتك.

وضيعتيني أنا كمان.


وضربني.


قلم على وشي.


أول مرة يضربني

من ساعة ما اتولدت.

عمره ما مد إيده عليّا…

ودلوقتي بيضربني!


شاور عليّا بصباعه وهو بيترعش من الغضب:

— عمري ما هسامحك على اللي عملتيه.

عمري ما هسامح نفسي إني ربيت بنت زيك.


ليه؟

علشان حبيت؟

علشان اخترت اللي قلبي رايح له؟

علشان وافقت أتخطب لواحد مش بحبه

بس علشان هو يبقى راضي؟


مسكت خدي بإيدي

وبصّيت له وأنا منكسرة بس مش نادمة

وقولت:

— حضرتك السبب… على فكرة.


صرخ فيّا بكل قوته:

— اخرسي!

اخرسي بقى!


مسك كتافي بقوة:

— أنا السبب؟!

أنا اللي قلتلك تخونيني؟

أنا اللي قلتلك اتجوزي من وراي؟

أنا اللي جبرتك تتجوزي واحد متجوز ؟!


سابني ورجع لورا:

— متحطيش ذنبك عليّا.

أنا كل اللي عملته إني حبيتك أوي.

إني خفت عليكي من الدنيا.

إني كنت عايز أشوفك في بيت مستور

مع راجل كويس.


صوته اتكسر:

— لكن إنتي اخترتي.

اخترتي تكدبي.

اخترتي تخونيني.

اخترتي تبوظي حياتك بإيدك.


الدموع نزلت مني زي الشلال

وصرخت فيه:

— ده مش ذنبي لوحدي!

إنت اللي ضغطت عليّا!

إنت اللي خلتني أتخطب لواحد مبحبوش

بس علشان ابن صاحبك!

علشان الناس تقول إيه!

علشان صورتك قدامهم!


صوتي علا:

— إنت المذنب…

مش أنا.


بصلي بنظرة فيها كل خيبة الأمل في الدنيا:

— لو كنت فاكراني مذنب...

كان ليكي الشجاعة إنك تقوليلي.

تواجهيني.

مش تخونيني وتكدبي عليّا.


هز راسه بيأس:

— أنا خسرتك يا مريم.

خسرت البنت الوحيدة اللي كانت عندي.


وخرج وسابني واقفة

مصدومة.


الباب اتقفل وراه

وصوته كان أعلى من أي صريخ.


وقفت مكاني  ..مش عارفة أتحرك

ولا حتى أعيّط ..الدموع اتحبست

كأنها قررت تعاقبني أنا كمان.


لفّيت أبص حواليّا

البيت اللي كنت فاكرة هيبقى أمان

بقى غريب خانق!

وملوش ريحة.


بصّيت لزين…كان لسه قاعد مكانه

كأنه مش معني بحاجة حصلت.


وقتها حسّيت

إني خسرت كل حاجة

في نفس اللحظة:

أبويا

وبيتي

ونفسي

وراجل عمره ما كان راجل.


قربت من الكنبة قعدت ببطء

وكأني خايفة الأرض تهرب من تحتي.


حطّيت إيدي على بطني مش علشان وجع لكن علشان أتأكد إني لسه موجودة وإن اللي حصل مش كابوس.


طلعت مني همسة مكسورة:

— كده خلاص…؟


ولا حد رد وكان الصمت ..أقسى إجابة.


رفع زين راسه أخيرًا

وكأنه كان غرقان وطلع ياخد نفس.


صوته طلع واطي

مكسور

مش شبه صوت الراجل اللي حلفت بحبه:

— مريم… أنا…


سكت.

رجع بلع كلامه

وكمل بصعوبة:

— الموضوع أكبر منكِ ومني.


ضحكت ضحكة خفيفة

بس كانت طالعة من وجع

مش هزار.


قُلت وأنا ببص له:

— أكبر؟

أكبر منك طلقتني بسهوله؟

أكبر من إني اتضربت؟

أكبر من إني خسرت أبويا؟

ولا أكبر من إنك كنت ساكت

وأنا بتدبح قدامك؟


حاول يقوم ..وقف قدامي

بس عينه مكانتش قادرة تواجهني.

— أنا خوفت…

خوفت أتكلم

خوفت أخسر الكل.


قربت خطوة

وبصيت له في عينه لأول مرة من غير حب:

— وانت كده كسبت إيه؟


سكت.


كملت وأنا صوتي بيتهز:

— أنا الوحيدة اللي دفعت التمن

وأنت اخترت أسهل طريق…

السكوت.


مدّ إيده كأنه عايز يلمسني

لكن رجعها بسرعة.

— أنا آسف يا مريم.


الهوا وقف

والكلمة وقعت تقيلة.


هزّيت راسي بهدوء:

— الآسف

بيتقال بدري

مش بعد ما كل حاجة تتحطم.


لفّيت وشي

وأخدت شنطتي.


وقبل ما أخرج

قُلت من غير ما أبص له:

— فجر خدت حقها

وأنا خدت درسي.


وسيبت المكان وأنا عارفة

إن اللي مات مش الجواز

اللي مات أنا !.


_________________


فجر


كنت قاعدة جنب يعقوب

وشّي شاحب

بس حريصة أسيطر على ملامحي

كأني لابسة قناع ثابت

مش مسموح له يقع.


بصلي وقال بهدوء غريب:

— عيطتي يا فجر


اتصدمت.

جسمي اترعش رعشة خفيفة

بس تماسكت

وطلعت ضحكة سخيفة مني وأنا بقول بسخرية باهتة:

— هو العياط بالعافية؟


ما بصليش.

فضل باصص قدامه

واتكلم بهدوء

هدوء واحد شايف كل حاجة:

— باين قوي إنك كاتمة جواكي

ومسكة الدمعة بالعافية

لو عيطتي…

العياط هيفرّغ شوية من الحزن والغضب اللي جواكي.


سكت لحظة وأنا بصّة قدامي

حاسّة قلبي بيتعصر بس عنيد!


قلت وأنا صوتي ثابت بالعافية:

— في ناس لما تعيط بتخف

وأنا…

لو عيطت هتكسر.


لف وشه وبصلي نظرة مش شفقة

نظرة فهم

— وانتي متعودة تكوني قوية

حتى على نفسك.


ابتسمت ابتسامة صغيرة

بس موجوعة:

— القوة دي

هي الحاجة الوحيدة اللي فاضلالي.


وسكتنا.

بس المرة دي

الصمت ماكانش مريح كان تقيل

زي دمعة محبوسة ..مش لاقية طريقها.


الطريق كان طويل

وأطول منه الصمت اللي بينا.


كنت باصة من الشباك النور بيعدّي

وأنا ثابتة… قويّة

زي ما اتعودوا يشوفوني.


فجأة

نفَسي اتلخبط.


حاولت آخد نفس عادي ما عرفتش.


إيدي بدأت ترجف ضغطت عليها جامد كأني بعاقبها.


يعقوب حسّ

من غير ما يبص:

— فجر؟


ما رديتش.


الدمعة نزلت غصب عني

واحدة

وبعدين التانية.


عضّيت شفايفي بس صوتي خانّي:

— أنا…

أنا تعبانه.


الجملة طلعت مكسورة ضعيفة مش شبهّي.


وقفت العربية على جنب

ولف ناحيتي لسه ما لمسنيش

بس حضوره لوحده كفاية:

— سيبيها


هزّيت راسي لا زي طفلة عنيدة:

— لو سيبتها…

مش هعرف ألمّ نفسي تاني.


بس ما استحملتش.


صدري وجعني

وكأني بشهق من تحت الميّه وانفجرت.


مش عياط بصوت عالي

لا

بكاء مكتوم ..مكسور 

.كل دمعة فيه شايلة سنة.


غطّيت وشي بإيدي

وكتافي بيتهز

وأنا بقول بين شهقة والتانية:

— أنا عملت كل حاجة صح

ليه أنا اللي اتكسرت؟


يعقوب قرّب حط إيده على ضهري

لمسة ثابتة مش مستعجلة

ولا بتضغط:

— عيطي

انتي مش مطالبة تكوني قوية دلوقتي.


صرخت لأول مرة

صوت طالع من القلب:

— خانوني!

كلهم خانوني!


العياط قلب لنحيب وأنا حاسّة الدنيا بتقع بس المرة دي ما حاولتش أوقفها.


لأول مرة

سمحت لنفسي أضعف

من غير ما أعتذر.


وبين دموعي فهمت حاجة واحدة

أنا ما ضعفتش…


أنا أخيرًا سيبت نفسي.


العياط هدي شويةمش عشان الوجع راح لا

عشان جسمي تعب نفَسي بقى تقيل

وعيني حرقتني من كتر الدموع

وسكوتي كان أعلى من أي كلام.

يعقوب سحب مناديل

مدّها ناحيتي من غير ما يبص

كأنه عارف

إني مش عايزة شفقة مسحت وشي بسرعة

ورجعت أبص قدّامي

بس الدنيا كانت مغبشة.

قلت بصوت مبحوح:

— أنا عمري ما كنت أنانية…

كنت بس بطلب حقي.


سكت لحظة

وبعدين ضحكت ضحكة قصيرة

ملهاش أي معنى:

— طلعت غلطة.


يعقوب أخد نفس طويل

واتكلم بهدوء:

— لا

الغلط إنك افتكرتي إن الحب لوحده كفاية.


الكلمة دخلت في صدري زي مسمار.

بلعت ريقي

وقلت:

— أنا حبيت بجد…

مش لعب

مش تسلية

حبيت لحد ما نسيت نفسي.


بصلي المرّة دي نظرة ثابتة

فيها وجع… بس مفيهاش شفقة.

— وانتي دلوقتي نسيتي نفسك تاني.

الجملة كانت بسيطة بس هزّتني.

سندت راسي على الكرسي

قفلت عيني

ولأول مرة من وقت طويل

الإحساس اللي جوايا مش بس حزن…

كان فراغ

واسع بس هادي.

فتحت عيني وقلت بهمس:

— أنا خايفة.


رد من غير تفكير:

— طبيعي

بس الخوف ده مش ضعف

ده بداية.

لفّ العربية تاني ومشينا.

وأنا من جوايا ..كنت عارفة

إن اللي فجر اللي خرجت من البيت ده

مش هي نفس فجر اللي هترجع…

ولا عمرها هتكون.

 

ف قولت بهدوء وأنا بحاول أخفي توتري:

__وديني ع الشركة


رد وهو سايق بثقة وقال:

__لا احنا رايحين مكان تاني


قلبي دق بقوة، بصيت له بطرف عيني بحذر وقولت:

__مكان تاني؟

يعني إيه!


ابتسم ابتسامة غامضة وهو بيسوق ووقف على جنب مش عارفة للمرة الكام، استدار ناحيتي بكل ثقة وقال:

أنا طلبت إيدك من ماما!


حسيت بصدمة كهربائية جت في جسمي، بصيت له ورديت بسخرية عشان أخفي ارتباكي وقولت:

__ماما مين والناس نايمين!

اعقل كلامك كده

وبعدين إنت عرفت عنوان بيتي إزاي؟


اتكلم بغرور واضح وهو بيعدل هدومه بهدوء مستفز وقال بثقة مبالغ فيها:

__سر المهنة


رديت بصوت ثابت رغم الغضب اللي بدأ يغلي جوايا وقولت:

__سر المهنة آه

ومين قالك بقى إني موافقة؟


رد وهو بيبصلي في عيني نظرة فيها تحدي واضح وقال بيقين:

هتوافقي


رديت وأنا برفع حواجبي باستنكار، الغضب بدأ يتحول لإصرار على إثبات إنه غلطان، وقولت:

والله!

طب أنا مش موافقة


حطيت إيدي على مقبض باب العربية، وأنا حاسة بحاجة بين الغضب والإحباط، لسه هفتح الباب عشان أنزل وأهرب من العبث ده، لقيته فتح تسجيل بصوتي وأنا بقول:

"لبسته وفضحته قدام كل الناس في الشركة اللي بيشتغل فيها... كل حاجة ماشية مظبوط"


دمي وقف في عروقي للحظة، حسيت بخوف حقيقي لأول مرة منه. بصيت له شوية وأنا بحاول أستوعب الموقف، وقولت بسخرية باردة رغم القلق اللي بدأ يتسلل جوايا:

__وهو ده اللي هيخليني أوافق؟

أنا ملبستش حد، إنت عارف إنه فعلاً كان بيغش في الشغل وبيختلس فلوس من وراهم


رد بنفس الابتسامة الواثقة على وشه، ابتسامة كانت مزيج من الإعجاب والتحدي:

__بس اللي اتقال في التسجيل غير

عارف إن ده مش دليل لحاجة ضدك

بس برضه لو طلع التسجيل ممكن تكون حاجة تنفع زين

والناس تفتكر إنه مظلوم!

ساعتها كل اللي عملتيه هيبقى راح على الأرض!


ابتسمت رغماً عني، إعجاب غريب بدأ يتسرب لقلبي

ابتسامتي قلبت لضحك، ضحك هستيري مليان بمشاعر متضاربة بين الإعجاب بذكائه والغضب من تلاعبه، وأنا ببصله وقولت:

__لا حركة حلوة

عجبتني، مكنتش أعرف إنك بتعرف تشغل دماغك كده


رفع كتافه ليا بثقة منتصر وقال:

__أديكي عرفتي

نطلع على المأذون؟


ابتسمت وأنا ببص قدامي، حاسة بخليط غريب من الاستسلام والفضول، وقولت:

__نطلع على ماما الأول ولا إيه؟


ابتسم ابتسامة انتصار ودفء في نفس الوقت وقال:

__عيوني يا عيوني


وأنا قاعدة جنبه والعربية ماشية في الطريق، حسيت بدوامة جوايا

أفكاري كانت متلخبطة ومش عارفة أمسك فيها

قلبي كان بيدق بسرعة، مش عارفة لو ده من التوتر ولا من حاجة تانية


بصيت من الشباك وأنا بحاول أهرب من عينيه

جوايا صوت بيقولي: إنتي بتعملي إيه يا بنتي؟

ده إنت لسه مش متأكدة من مشاعرك أصلاً


صورة زين فضلت تيجي قدام عيني

زين بابتسامته، بضحكته، بكل اللحظات اللي عدت بينا

حسيت بوجع خفيف في صدري

هو أنا فعلاً نسيته؟

ولا أنا بهرب منه وبوهم نفسي إني نسيت؟


الراجل ده جنبي... ذكي، واثق من نفسه، عارف عايز إيه

بس أنا؟

أنا عارفة عايزة إيه؟


حسيت بخوف حقيقي

مش خوف منه... خوف من نفسي

خوف إني أكون بعمل غلط كبير

خوف إني أكون بستخدمه عشان أنسى حد تاني

وده مش عدل... لا ليه ولا ليا


قولت لنفسي: لو قلبك لسه معلق بزين، إزاي هتكملي مع حد تاني؟

إزاي هتقفي قدام المأذون وإنتي مش متأكدة؟


بس في نفس الوقت... في جزء مني كان حاسس بحاجة مختلفة

حاجة جديدة

الراجل ده مش زي زين

مش بيلعب لعبة القط والفار

واضح وصريح ومش خايف يقول عايز إيه


بصيت له بطرف عيني لقيته مركز في السواقة

ملامحه هادية، واثق، مرتاح

وأنا؟ أنا تايهة جوه نفسي


حسيت بدموع بتتجمع في عيني بس رفضت أبكي

مش قدامه... مش دلوقتي


سألت نفسي بصمت: يا ترى الصح إيه؟

أمشي في طريق أنا مش متأكدة منه؟

ولا أوقف دلوقتي وأكون صريحة معاه ومع نفسي؟


قلبي كان لسه بيدق بقوة

ومش عارفة لو ده عشان خايفة من المجهول

ولا عشان جزء مني لسه متعلق بماضي مش عايز يمشي


بلعت ريقي بصعوبة وحاولت أتنفس بهدوء

الطريق لبيت ماما كان قصير

والقرار... كان لازم ياخد وقت أطول من كده بكتير


فجأة حسيت بإيده الدافية بتمسك إيدي بلطف


اترعبت من اللمسة المفاجئة وبصيتله بعيون واسعة


لقيته بيبصلي بنظرة مختلفة عن كل النظرات اللي شفتها منه قبل كده

نظرة فيها حنية... فيها فهم


قال بصوت هادي ودافي:

أنا عارف إنك خايفة


قلبي وقف للحظة، ازاي عرف؟


كمل وهو لسه ماسك إيدي:

وعارف إنك مش متأكدة من حاجة دلوقتي

وعارف إن قلبك لسه مش نسي زين


حسيت بدموعي بتنزل من غير إذني، حاولت أشيل إيدي بس مسكها أقوى شوية


قال وهو بيبصلي في عيني:

__وأنا مش هجبرك على حاجة

مش هخليكي تعملي حاجة إنتي مش مرتاحة ليها


مسح دمعتي بإيده التانية بحنية خلتني أحس بأمان غريب


كمل بهدوء:

__بس أنا عايزك تعرفي حاجة

أنا مش بلعب... أنا جاد

وأنا مستعد أستنى لحد ما تكوني متأكدة

مستعد أديكي كل الوقت اللي محتاجاه


بصيتله بدموع ودهشة، مش مصدقة الكلام اللي بسمعه


قال وابتسامة صغيرة حنينة ظهرت على وشه:

__مش لازم نروح لماما دلوقتي

مش لازم نعمل حاجة بسرعة

إحنا نقدر نتعرف على بعض أحسن

نقدر ناخد وقتنا


سكت شوية وكمل:

__أنا عايزك تختاريني وإنتي متأكدة مني

مش عايزك تيجيلي وإنتي هاربة من حد تاني

عايزك تيجيلي عشاني أنا... مش عشان تنسي حد


كلامه دخل قلبي زي سهم دافي

__حسيت براحة غريبة... حسيت إن في حد فاهمني فعلاً


قال وهو بيشغل العربية تاني:

__دلوقتي هوديكي الشركة زي ما طلبتي

ولما تبقي مستعدة... ساعتها بس كلميني


بصيتله وأنا مش عارفة أقول إيه

حسيت إن الخوف اللي كان جوايا بدأ يقل شوية

مش راح خالص... بس بقى أخف


همست بصوت واطي مليان امتنان:

__شكراً


ابتسم وقال بدفء:

__مفيش شكر يا حبيبتي

أنا بس عايزك تكوني سعيدة

حتى لو مش معايا


**بعد مرور خمس سنين**


كنت واقفة في المطبخ بحضر الفطار، صوت الأطفال العالي كان مالي البيت

صوت يزيد ويامن التوأم وهم بيتخانقوا على الريموت، وصوت لين بنتي الصغيرة وهي بتعيط عايزة حضني


ابتسمت رغم التعب

خمس سنين... خمس سنين كاملة من يوم ما قررت أكمل مع يعقوب


افتكرت أول سنة جواز

كانت صعبة... مش هكدب

كنت لسه بتعلم أعيش مع حد تاني غير زين، أشارك حياتي مع حد

وكان في أوقات شكيت في نفسي، في قراري


بس يعقوب... يعقوب كان صبور زي ما وعدني

كان بيفهم لما أكون زعلانة من غير سبب

كان بيسيبلي مساحتي لما أحتاج أكون لوحدي

وكان بيحضني لما أحتاج حد يطمني إن كل حاجة هتبقى كويسة


وبعدين جه يزيد  ويامن ... التوأم اللي قلب حياتنا رأس على عقب

افتكرت يوم ما الدكتورة قالتلي "مبروك، حضرتك حامل في توأم"

يعقوب عيط من الفرحة يومها... عيط فعلاً


وبعدهم بسنتين جت لين... بنتي الصغيرة اللي شبهي في كل حاجة


حسيت بإيدين يعقوب بيلفوا حوالين خصري من ورايا وهو بيبوس رقبتي بحنان

قال بصوت لسه فيه نعاس:

__صباح الخير يا أم العيال


ضحكت وأنا بتكي على كتفه:

__صباح النور... نايم إزاي والبيت قايم على دماغي؟


ضحك وراح ناحية الصالة صارخ بصوت عالي:

__يلا يا جماعة الخير... بطلوا خناق

مامتكوا تعبت


فجأة البيت هدي كأن حد سكت الدنيا

يزيد ويامن جريوا عليه صارخين:

بابا! بابا!


ولين فضلت معايا ماسكة هدومي


بصيتله وهو شايل يزيد على كتفه ويامن ماسك إيده

حسيت بدفء غريب جوه قلبي


مين كان يصدق؟

أنا اللي كنت خايفة، تايهة، مش عارفة أختار

دلوقتي عندي عيلة كاملة... عندي بيت مليان حب


يعقوب بصلي من بعيد وغمزلي غمزة فيها شقاوة

همس بصوت واطي بس أنا سمعته:

__بحبك


ابتسمتله وقولت من غير صوت بس بحركة شفايفي:

__وأنا كمان بحبك


لين شدت هدومي وقالت بصوتها الرقيق:

__ماما... أنا جعانة


ضحكت وشلتها على إيدي:

__يلا يا حبيبتي... هنفطر كلنا مع بعض


ورحنا كلنا على السفرة

عيلتي... بيتي... حياتي

الحياة اللي استاهلت كل خوف، كل تردد، كل دمعة


لأني دلوقتي متأكدة

متأكدة إني اخترت الصح


تمت بحمدالله

        لقراءة جميع فصول الرواية من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة