
رواية وهم الحياة الفصل الأول 1
بقلم خديجة أحمد
— أنا فين؟ لقيت كل العيون بتبص عليا! وكلهم غريبين دماغي تقيلة، وجسمي كله بيوجعني…
دكاترة حواليا، وناس أنا معرفهمش خالص.
حاولت أقف، بس رجليّ مش مساعداني… حسيت كأن الأرض راحت من تحتي.
__ممكن… ممكن حد يقول انتوا مين واي اللي جابني هنا؟
سألت بصوت ضعيف…
صمت… بس كل العيون لسه بتبص عليا… ومفيش حد جاوب.
تحت هدوء الصمت اللي مالي الأوضة، حسيت بحاجة غريبة، وفتح الباب بسرعة شخص غريب. وشه وسيم، وعينيه خضراين فيها لهفة واضحة. قرب مني بخطوات سريعة، ومد إيده ماسك إيدي بين كفوفه وقال بصوت كله حرارة:
_وحشتيني
كانت عيونه مليانة قلق واهتمام:
__حمد لله على السلامة… أنا كنت قلقان عليكي أووي. متعرفيش قد إيه كنت خايف أفقدك.
قفلت عيني شوية، وحسيت بالارتباك، وبصيتله بعينين مليانين بعدم فهم. مين دا؟! إزاي؟!
سحبت إيدي ببطء، ولاقيته بيستغرب من ردة فعلي. بلعت ريقي، وقلبي بيدق بسرعة، وقلت بصوت متردد:
__مين… انت؟
ضحك بصدمه كدة وقال:
__مالك يا فجر انتي مش عارفاني؟
فجر
الدكتور وقف قدام السرير، في إيده ملف الأشعة، وبصّلي بنظرة فاحصة قبل ما يتكلم.
صوته كان هادي بس واضح:
— بصّي… إحنا عملنا كل الفحوصات اللازمة. أشعة مقطعية ورنين، ومفيش أي إصابة في المخ.
الشخص اللي واقف جنبي قال بسرعة، وصوته فيه توتر:
— يعني مش بسبب حادثة؟ ولا خبطة؟
الدكتور هز راسه بنفي، وحط الملف على الترابيزة:
— لو كان في حادثة أو ضربة مباشرة، كنا شفنا أثر واضح. نزيف، كدمة، أي حاجة.
لكن المخ سليم تمامًا.
بصّلي تاني، وانا قاعدة ساكتة، عيوني
بتلف في الأوضة كأنها غريبة عني.
كمل كلامه بنبرة أهدى:
— اللي عندها ده نوع من فقدان الذاكرة بيحصل بعد صدمة عصبية أو نفسية قوية.
مش شرط تكون صدمة جسدية… أحيانًا موقف واحد بس كفاية.
قرب شوية وقال:
— هي واعية، بتفهم، وبتتكلم طبيعي…
بس مخها قفل على جزء من ذكرياتها كنوع من الحماية.
سكت لحظة، وبعدين أضاف بجدية:
— الضغط عليها إنها تفتكر، أو محاولة تذكيرها غصب، ممكن يضرها أكتر.
رفعت عينيا له، وصوتي طلع واطي ومهزوز:
— يعني… أنا كده إيه؟ هفضل كده؟
الدكتور ابتسم ابتسامة مطمّنة:
— لا. في أغلب الحالات الذاكرة بترجع.
ممكن ترجع فجأة، وممكن واحدة واحدة…
بس محتاجة هدوء، وأمان، وصبر.
وساب الجملة الأخيرة معلّقة في الهوا،
كأنها وعد…
أو احتمال.
هزّيت راسي بوجع، وكلام الدكتور كان لسه بيرن في وداني.
خرج وسابني لوحدي، وأنا ببص في وشوش أول مرة أشوفها في حياتي…
وشوش بتبصلي كأني عارفاهم من زمان، وأنا غريبة عنهم كلهم.
ست في أواخر الخمسينات قربت مني.
ملامحها متعبة، وعيونها مليانة دموع محبوسة.
قالت بصوت مهزوز:
— الحمد لله على السلامة يا حبيبتي.
ابتسمت ابتسامة متوترة، وقلت بأدب:
— الله يسلم حضرتك.
الصدمة ظهرت في عينيها فورًا، كأني قلت حاجة ما ينفعش تتقال.
قربت مني أكتر، وحضنتي حضن كان تقيل، خانق، دافي… وغريب.
قالت وهي بتعيط:
— أنا أمك يا ضنايا…
أمك يا بنتي.
مش عارفة ليه، جسمي قشعر أول ما قالتها.
قلبي دق بسرعة، وعيوني دمعت غصب عني.
حسّيت إنها مستنية مني حاجة…
كلمة، حضن، دموع، أي رد فعل غير اللي طالع مني.
بس مفيش.
أنا مش فاكرة حاجة.
مش فاكراها…
ولا فاكرة أي حد في الأوضة دي.
الشخص اللي كان ماسك إيدي في الأول قرّب مني تاني.
نبرته كانت هادية، بس حاسّة فيها أمر أكتر من طلب.
— ممكن تسيبونا لوحدنا شوية؟
الكل هزّ راسه،
والأوضة بدأت تفضى واحدة واحدة.
وساعتها بس…
حسّيت إن الخوف بقى أوضح.
لأني خلاص، بقيت لوحدي مع شخص
بيقول بعينيه إنه يعرفني أكتر
ما أنا أعرف نفسي.
قعد ع الكرسي جمبي، نظرته هادية، وصوته كأنه بيهمس:
— عارفة أنا مين؟
قلت له بسخرية وأنا ببصله:
— يعني الدكتور لسه قال إني فقدت الذاكرة… هفتكرك إزاي؟
تنهد ببطء، وكأن اللي قلته ضايقه شوية، وقال:
— لسه لمضه… زي ما انتي يا فجر.
بصيت له بشك، قلبي بيدق بسرعة:
— أنا أصلاً مش متأكدة إذا كنت اسمي فجر ولا لأ… مش يمكن بتضحكوا عليا؟
ضحك ضحكة غريبة، ضحكة مفهمتهاش، وبعدها رجع ظهره على الكرسي، حاطط إيديه على راسه وهو بيضحك:
— أنتي صح.
طلع بطاقة من جيبه، ومدها ليا:
— دي بطاقته يا مدام زين.
اتصدمت. بلعت ريقي ببطء، وأخدت منه البطاقة…
وبصيت فيها.
مش بيضحك عليا…
ده هو…
جوزي!