
أفاقت من ذكرياتها على صوت "آريان" يُناديها بهدوء...نظرت إليه...كانت أنفاسها غير مُتزنة، وعيونها أنكمشت لتجتمع الدموع...فتحت باب العربية، ونزلت فوراً عشان تستنشق بعض الهواء.
وقفت على حافة الطريق الفارغ...وقفت وهي تبكي بصوت مكتوم...كانت تحك يدها ورقبتها بهستيريا...وكأن أصابتها حساسية بسبب تذكرها للماضي...كانت تحاول النسيان، ولكنه صعب...لا تستطيع....إنكمشت وصوت أنينها المختنق يتسارع...
أما آريان فقد لحقها ووقف خلفها وهو مُستغرب من حالتها...هذا السر هو الوحيد الذي لا يعلم عنه شيء...كان يريد أن يعرفه منها، ولكن يتضح بأنه سر ثقيل على كاهلها...
لم يعي على نفسه وهو يضع يده على كتفها بهدوء...فا إلتفت ونظرت له ودموعها تزداد غزارة...فجأة لم تجد سواه لتقترب وتتجاوز كُل الحدود وتحتضنه...كانت دهشة بالنسبة له...وكان ملجأ بالنسبة لها.
كانت تعانق خصره، وتضع رأسها على صدره العريض...كان لأول مرة تشعر بأنها تريد أحدا يواسيها...لم تطلب أبدا المواساه من أحد من أهلها، لم يكن هناك أحد أصلاً...كانت وحيدة كانت مُنكسرة ولم يهتم لها أحد.
ظلّت تبكي، وهو لم يُبعدها، ولم يحتضنها...فقط ظلّ مكانه يستوعب ما يحدث...كان لأول مرة يعانقه أحد، لم يجرب شعور العناق في حالة الضعف هذه من قبل..
إستوعبت بعد دقيقة ما فعلته، وشعرت بالإحراج لما قامت به...قبضت يدها بعيداً عنه، وتراجعت خطوة للخلف وهي تنظر للأسفل وأعادت خصلات شعرها المُتراكمة على وجهها لخلف أذنها.
إلتف ببرود قائلا :
_متعمليش كدا تاني...مش أي حد تحضنيه في لحظة ضعفك.
سكتت وإبتلعت ريقها،ومسحت أثر دموعها المُتجمع حوالين خدها..
وتحرك هو للسيارة بهدوء بعدما نظر للأمام ليرى مسافة الطريق.
جلست في السيارة من الخلف، وهو يقود بهدوء...كانت واضعة يدها على خدها، وتنظر للإرض بملامح مرهقة وباهتة، تهاجم عقلها كي لا تُفكر، لا تتذكر...فهكذا أعتادت على مهاجمة الذكريات حتى تنسى، حتى لو تنسى نفسها لا بأس.
رفع نظره في المرآة...كان هادئاً وغير مُهتم، لكن جزء منه يشعر بالفضول لمعرفة ذالك السر...وجزء منه لا يريدها صامتة.
لم يعي على نفسه عندما تحدث بنبرته العميقة وقال:
_مفيش مانع لو أكلتي شكولاتة زيادة.
رفعت نظرها له ببطيء قائلة بوهن:
_بجد!
نظر في المرآه ليستطيع النظر لها وقال بتهكم:
_بس لو جرالك حاجة أنا مش مسؤول.
قالت:
_يعني مش هتسعفني مثلا؟
رد ببرود عندما أعاد أنظراه للطريق:
_مش هضيع فلوسي عليكي...وفي النهاية هتمو.تي،يبقى إيه الفايدة.
علمت بأنه يتلاعب بها، وقالت بغيظ:
_بطّل بقى.
ضحك بخفوت وخبث...وهي عقدت ذراعها وأعادت ظهرها للخلف لكرسيه من الغلف بإمتعاض وإغاظة..وقالت داخل عقلها:
_معفن.
فجأة أوقف السيارة لدرجة انها أُفزعت، ولف وجهه لها ناظراً لعينيها بحدة وقال بنبرته الخافتة:
_قولتي إيه؟
إبتلعت ريقها بتوتر و بإرتباك وهي مصدومة، هل قرأ أفكارها؟...لم تعرف ماذا تقول...لكن مهلاً لقد شتمته للتو ولم يكن داخل رأسها لقد همست دون وعي منها...لم تعلم ماذا تقول ولكنها أجابت قبل أن يدفنها حيثما تجلس:
_ق قولت ا إن إنت...ح حلو.
رفع حاجبه، فا أكملت بإستنكار وخوف:
_ووسيم..و ومُهذب أوي الصراحة.
رمقها بأنظاره الباردة،وإلتف وأعاد تشغيل المُحرك وأكمل قيادة للأمام.
زفرت براحة وتلبّك،وعادت أنظارها لحقيبتها وأخرجت لوح الشوكولا...أكلت نصفه وتركت الباقي في جيب بنطالها....ولم ترى تحديقه المُستمر لها من المرآة الجانبية لباب السيارة.
وصلو بعد ساعة في "باليرمو" في إيطاليا، جزيرة صقلية.
ظلّ يتحرك على الطرقات، وهي تنظر من النافذة على الأماكن الخلاّبة...وشكل مدينة"باليرمو"...وكيف شكل سكانها...والدهشة على ملامحها، وإبتسامة صغيرة تغزو ثغرها...لأول مرة ترى العالم، لأول مرة تُسافر لإحدى البلاد الأخرى...
توقف بالسيارة أمام أحد معارض السيارات الفاخرة...
ترجّل من السيارة تحت أنظارها...وقف وتحدث قليلاً بهدوء تام مع العامل الواقف أمام المعرض، والذي في الحقيقة لم يكن كأي عامل كان يرتدي قميص صيفي باهظ الثمن، وساعة رولكس تلمع بإنعكاس الشمس عليها..
وجدت أنظاره وبعدها حرك آريان رأسه لينظر لها، وكإن الحديث يتمحور عليها.
إرتبكت والأفكار السيئة تتوالى داخل عقلها:
"شكله كدا بيفكر يبيعني...دي أخرتها، أتباع زي سوق العبيد...ينهار حلاوة،دا بيقرب...دا جاي عندي، خلاص النهاية...أكيد عرف إني إفتكرت مكان الفلاشة..ب بس عرف إزاي؟
وذهب عقلها لمشهد قبل يومين...عندما كانوا في سيارة" فرنسوا"...وكانت تتدقق النظر في جرح آريان وهو يعالج نفسه...الجرح الذي على جانبه الأيسر...تذكرت وقتها كُل شيء، تذكرت تلك الليلة جيداً بجميع تفاصيها...ذكرها الجرح بذالك الرجل الذي ساعدته وكانت تظنه قاسم...ولكن السؤال، هل آريان هو نفس الشخص؟...أم أنه كان قاسم فعلاً...
ما يشتتها فعلاً بأنها عندما رأت جرح آريان ظنّت بأنه جديد بسبب رجال الياكوزا...ومالا تعرف بأنه جرح قديم من أكثر من شهرين ولكنه مازال واضحاً.
فتح آريان باب السيارة، وهي إنتفضت، وأمسك معصمها، وتحرك لداخل المعرض، وهي عيونها على الناس والأشخاص...الذي عيونهم تتحرك عليها بشك.
تحرك آريان وفتح إحدى الأبواب مُتوسطة الحجم، ودخل إحدى الممرات الضيقة، مما جعله بتحرك بطريقة ليتفادا عرضه ضيق الممر.
خرجو من الممر، وهنا كانت الدهشة بالنسبة لليلى...كانت غرفة واسعة كبيرة وفارغة وأنوارها بيضاء وساطعة...وفجأة تم إصدار صوت من الأرض.
فتحت فمها من الدهشة وهي تنظر لسيارة "لامبورغيني" كسيارات السباق، تخرج من أسفل الأرض بحركة شبه بطيئة...
تحرك آريان لجهة السيارة، ومسكت ليلى في يده بحماسة ورجاء:
_خليني أنا آسوق، معلش خليني أسوق.
أنزل نظره ليدها التي تتشبث في يده، مما جعلها تتضطرب وتبعد يدها بإحراج...ولم يسمح لها بإعادة الحديث،إذا به يتجه ناحية باب السيارة وفتحه ودخل هو مكان القيادة.
تأففت بضيق،وتحركت وركبت بجانبه وأغلقت حزام الأمان قائلة :
_هنروح فين يا أُستاذ أستكوزا؟
كان يفتح أنظمة السيارة لتعمل، وعندما سمعها تقول هذا نظر لها بتحرك رأسه ببطء...مما جعلها تبتلع ريقها من نظرته المُخيفة وقالت:
_إيه؟... ب بهزر معاك.
رمقها بنظراته الباردة التي تسير القشعرير بأنحاء جسدها، وحرك رأسه لينظر للأمام قائلا بتهكم :
_متهزريش معايا تاني..أنسة بطاطس.
فتحت عينيها بصدمة وإزدراء مما يقوله، وتذكرت البارحة عندما أكلت البطاطس عندما ظنّت بأنها ستمو*ت...
عقدت ذراعيها وقررت الصمت، الذي لم يدم لثانية وقالت:
_بس شنطتي برا، والعربية، و...
قاطعها قائلا والمحرك يصدر صوتاً قوياً:
_متقلقيش...هتيجي ورانا.
قبل آن تسأل، وجدت الحائط أمامها يتسلل للأسفل، وظهر خلفه ممر طويل، كان طريق فارغ...يشبه المدمار...وفجأة إنطلقت السيارة بسرعة فائقة جعلتها تشهق وهي تتمسك في حزام الأمان الذي تضمه لصد.رها.
كان الممر طويلاً جداً، والسيارة تتحرك فيه بإحترافيه بفضل سائقها...مرّت ربع ساعة...وصعد بهم الممر للأعلى.
كانو على مكان مليء بالأشجار والثراء، إذا بها ترى إحدى القصور،مثل القصور الملكية ولكن على الطراز الحديث...كانت تشبه المملكة...إذا بها ممر طويل لقيادة السيارة للوصول لباب القصر، والكثير والكثير من الحراس الواقفين كالتماثيل...وبقعة من الأرض يوجد بها أنواع مُتعددة من السيارات الحديثة.
توقفت السيارة أخيراً، ونزل آريان، وفتحت ليلى الباب بتوتر وخرجت..
وجدته يتحرك للأمام جريت وراه قائلة وهي تنظر للرجال خلفها بخوف:
_إستنى، متسبنيش لوحدي.
نظر لها بطرف عينه وقال بتهكم:
_خايفة؟
رفعت رأسها لتنظر له وقالت بإرتباك ونبرة مهزوزة:
_ا إيه؟..ا أنا؟..لأ طبعاً...د دا أنا جيت جمبك عشان يعني قولت يمكن إنت إل خايف.
ظهرت إبتسامة جانبية خفيفة وساخرة على رثغه من أسفل الكمامة.
بعدها بثانية توقف، ونظر لها عندما تذكر شيئا وقال وهو يتحدث بتحذير:
_إياكي تنطقي إسمي جوا، أو قدام حد.
إستغربت وقالت:- ليه؟!
قال بنبرة لا يليها نقاش:- إسمعي الكلام وبس...متنطقيش إسم آريان هنا، مفهوم؟
صمتت لثانية، ومن ثُم أومأت بطاعة.
مشو للداخل،ووصلوا أمام البوابة الداخلية للقصر...فُتح الباب مع صوت صرير حاد يحذر لما هو قادم...
وأجساد الحراس مكانها، ولكن أعينهم تراقب من يجرء على الدخول...ولكنهم لا يستيطعون مهاجمة أل"بالور".
خطى بخطواته الثقيلة للداخل، وعيناه تتبعان كُل شيء موجود في القصر، كُل شيء محفور برأسه كدهر لا يُنسى ولا يُمحى.
ثقلت أنفاسه بحده،وخلفه ليلى التي تنظر للقصر بإنبهار وغباء...لا تعرف ما ينظرها بسبب وطئة قدمها على هذا المكان الشنيع الذي تجمله التماثيل الوارثية والجدران الامعة...ولكن ذالك القصر شهد على الكثير والكثير من الدم والمو*ت.
وقفو بمنتصف القصر... فإذا برجل يجلس على إحدى الكراسي المُقابلة لهم، ولا يرون سوى مؤخرة رأسه...كان يتصاعد الدخان بجانب رأسه.
إشتدت ملامح آريان قائلا بنبرة قوية ولكن هادئة وهو ينظر بعينيه للأسفل:
_Signore
_سيدي
ثواني،وبرقت ليلى عندما سمعت صوت ضحكات جبارة...إرتبكت لدرجة إنها وقفت خلف آريان، ولكن نصف جسدها فقط.
وقف الرجل، وإلتف بهدوء...رجل يُغنيه الوقار والثراء...واقفاً ويرتدي بذلة قطيفة وكلاسيكية...في يده نوع سيجا.ر غليظ وذات لون بُني..ذات شعر بخصلات بيضاء...ويتضح أنه في الخمسينات من العمر.
إقترب بخطوات بطيئة ولكنها قوية تهز أبدان من حولها...ما عدا آريان الذي قد إعتاد على هذه الخطوات، وهذا الوجه، وهذه الحياة.
تقدم الرجل أكثر، ووقف أمام آريان تماماً وهو ينظر له بعيونه الناعسة الحادة..
بعدها حرك عينه لجنب ثم لأسفل كتف آريان، إذا به يراها، إختفت إبتسامته وظهر الجمود على وجهه قائلا بالإيطالية :
_È questa?
_هذه هي؟
أومأ أريان إيماء واحدة بثبات...إما ليلى فقد توترت من نظرات ذالك العجوز، وعادت خطوة للخلف بقلق، لكنها إصدمت بشيء.
لفت وجهها ووجدت ذالك الشاب الغليظ"لوكاس" وإبتسامته المُستفزة.
عادت بالعكس لتصدم في ظهر آريان، على الأقل هو الوحيد الذي تعرفه.
ضحك لوكاس بخفة،وإلتف ليقف بجانب الرجل الكبير قائلا بالإيطالية :
_Mi manchi. Lewis
_إشتقت لك...لويس.
ونقل أنظاره على ليلى وتوسعت إبتسامته وقال :
_E anche per te
_ولكِ أيضاً.
لم تفهم ليلى أي كلمة، ولكنها تمسكت في كُم آريان بتوتر، وهي تشعر بالغرابة والقلق..
أنزل الرجل الكبير نظره ناحية يدها التي تتمسك بأريان، وإلى آريان الواقف بجمود وثبات ينظر له فقط.
تنهد الرجل وقال ببرود:
_Consegnalo nella tua stanza... E parliamo.
_أوصلها لغرفتك...وتعال لنتحدث.
وتحرك بعدها الرجل للخارج، بعدما نقل نظرة سريعة على ليلى التي لاحظتها وإزداد خوفها أكثر.
أمسك آريان معصمها،وتحرك ناحية مصعد موجود في القصر، دخل وهي واقفة خلفه بسنتي واحد، وأغلق الباب بعدما القى نظرة على لوكاس الواقف مُبتسم وينظر له.
صعد المصعد، وإستغلت ليلى الفرصة وقالت:
_مين دول؟
رد دون النظر لها:
_الراجل إل رباني..وإبنه.
فتحت فمها بدهشة وقالت:
_البقرة دا يبقى إبنه!!!
ضحك ضحكة مكتومة دون أن يُظهر لها، وبعدها قال بهدوء ثابت :
_عيب ياليلى.
عقدت ذراعيها قائلة :
_لأ مش عيب، دا يستاهل كُل شتيمة غير مُحترمة في العالم، واحد ملزّق.
سكت، وفُتح باب المصعد...إندهشت..كان دور ذات حائط باللون الأسود فقط، رغم جمال القصر من الخارج والأسفل...إلا إن هذه البقعة كئيبة.
تحرك وتحركت خلفه،كان لا يوجد سوى ثلاث غرف مغلقة بأبواب من حديد...ماعدا غرفة واحدة ذات باب خشبي.
فتح الباب ودخل، أما هي وقفت بالخارج خائفة من الدخول...لكنها إتنهدت بصعوبة ودخلت غرفة كئيبة جداً.
ليس بها سوى سرير غير عالي، وقديم...غرفة غريبة ذات رائحة أغرب..هي دون رائحة، هذا هو الغريب...المكان أسود وباهت لا يُضيئه سوى ضوء من"لمبة" ذات ضوء أبيض..يوجد خدوش غريبة في المكان، وبعض بقع الدماء الممسوحة، ولكن جزء منها ظاهر وجاف جداً.
رفعت رأسها له،ووجدته ينظر للغرفة بهدوء غريب، وكأنه يستعيد ما حدث فيها بعقله.
_دي أوضتك؟
إلتف لها عندما سألت، وأومأ بخفة...إبتلعت ريقها وتحاشت النظر في عينه وهي حزينة...تشعر بالشفقة إتجاهه،ولكن ليس الشفقة فقط.
قالت:- يعني بيت عريض وطويل، ومكانش قادر يعملك أوضة حلوة شوية!
كان يعلم بأنها تتحدث على ذالك الرجل...فا تنهد وإلتف ليضع يديه في جيوبه قائلا بهدوء :
_أنا مش إبنه عشان يعاملني كويس...انا كُنت آلة في إيده، بيدربها مش أكتر عشان تكون سلاح لما يكبر.
لم يستطيع لسانها النطق...وفضّلت الصمت قليلاً، ثم قررت التفاؤل قليلاً وقالت:
_آريان..إنت عندك كام سنة؟!
نظر لعينها بهدوء ليّن جعلها ترتبك ببعض الخجل وقال:
_بتسألي ليه؟!
ردت بسلاسة وبرفع كتفيها:
_فضول.
إبتسم بجانبية أسفل كمامته وقال:
_فضولك دا مش بيزهق أبداً؟...على العموم 29 سنة.
ضمّت شفتيها للداخل ناظرة للأسفل وهي تُفكر مُهمهمة:
_إممم، تسعة وعشرين، إمم، و18...لأ أنا خلاص بقيت 19..الفرق هو....
شهقت بصدمة وقالت:
_عشرة!!!..دا إنت عجوز أوي.
إبتسم بجانبية وضحكة خافتة وساخرة قائلا بنبرته العميقة الباحتة:
_إنتي إل صغيرة يا ليلى.
خجلت لأول مرة..ورفعت عيونها لتنظر له...وتقابلت عيونهم للحظة سريعة، ولكن مالا تعرفوه بأن الوقت توقف في تلك اللحظة، شعور غريب أحاط بهم...ولكنه تجاهله، أما هي فلم تستطيع.
تنهد وقال وهو ينظر لأنحاء الغرفة:
_أقعدي فيها حالياً، وشوية كدا وهاخدك لأوضة أفضل منها.
قالت:
_وإنت هتقعد فين؟
نظر لها وقال:
_هنا..دي أوضتي،وبيتي الأول.
ردت دون تردد وبسرعة:
_طب أنا عايزة أقعد معاك.
رفع حاجبه ليستمع ويفهم أكثر ما تقصده...فا إتحركت وتحركت أنظارها في أماكن كثيرة ثم قالت وهي تُشابك يديها:
_ق قصدي يعني...ه هخاف أقعد في أوضة لوحدي...فا هقعد معاك أحسن...إل نعرفه أحسن من إل منعرفوش.
مال عليها قليلاً لينظر لعينها، ولكنه أربكها أكثر، وحينها قال:
_وإنتي تعرفيني يا ليلى؟!
رمشت كثيراً قبل الرد وقالت بتوتر:
_ت تقريباً..
إجاب بتهكم حاد:
_تؤتؤ..غلط،إنتي متعرفيش أنا مين...يبقى متعرفنيش.
نظرت لعينه بتحدي وقالت:
_على الأقل إسمك آريان وعمرك تسعة وعشرين، وقاتل مأجور...ودي معلومات كافية تخليني أعرفك.
إبتسم بجانبية وهو يرى عدم تقبل حديثه في عينها، فتنهد بخفة وعاد خطوة للخلف قائلا :
_تمام..براحتك.
سكتت لثانية،وهو كاد التحرك ليخرج من الغرفة لكنها قالت بقوة:
_آريان...عايزة أشوف وشك.
توقف وتنهد وهو يُعطيها ظهره وقال :
_مش إتكلمنا في الموضوع؟
إقتربت منه خطوة وقالت:
_آه...بس أنا عايزة أشوفه في عقلي.
إستغرب، وإلتف لها، عندها إهتز شيء بداخله عندما وقعت عينيه على إبتسامة جميلة وصغيرة على ثغرها...
قالت بنبرتها الرقيقة:
_اوعدك إني مش هفتح عيني...عايزة ألمسك بس.
لم يفهم ما كانت تعنيه، حتى رآها تُغمض عيناها، ومازالت إبتسامتها على ثغرها.
رفعت يديها الصغيرة بحذر، مما ذات دهشته وتعجبه منها...لم يستطيع الحراك، لم يستطيع المقوامة وهو يراها تنزع الكمامة من على وجهه.
شعور خطير أثار في أنحاء روحه عندما شعر بأنمالها تلتمس فكه الحاد، وتصعد لباقي مُنحنيات وجهه الثابتة، لمست شفتيه الثلجية..ثم لأنفه العقوف كالصقر، ثم لعينيه
أغلق عينه اليمين عندما كادت على إدخال إصبعها به...لم ينتبه لنفسه وعلى تلك الإبتسامة الصغيرة التي وسطت ثغره...
ثم ضحكت هي ضحكتها الصغيرة قائلة بإعتذار:
_أسفة لو حطيت إيدي جوا عينك.
توسعت إبتسامته أكثر،لم يشعر من قبل بذالك الشعور...كان دائما يقمع شعور السعادة بداخله، أما الأن عقله مًتوقف لأول مرة، وحواسه تستشعر فقط بسكون.
صعدت بيديها ناحية شعره، غارزة أنمالها به وهي تبتسم وقالت:
_نفسي أشده بجد وإنتقم منك...بس حياتي مُهمة.
ضحك بخفة ،وهو ينظر لها...حتى فجأة قطع كُل شيء صوت رنين هاتفه...
إنتفض من وقفته وعاد للخلف، ليس فزعاً من صوت الهاتف، بل من صوت عقله الذي صرخ به بقوة ليبتعد، وكأنه يحذره من خطر..
إرتدى الكمامة بسرعة قبل آن تفتح عينيها بإستغراب من إبتعاده السريع.
إلتف وهو يُعطيها ظهره المعضّل...ويلتقط أنفاسه الثقيلة،تقدمت ووضعت يدها على كتفه لترى ما به...ولكنه أزاح كتفه وقال دون الإلتفاف إليها:
_إرتاحي دلوقتي...مش هتأخر،ومتطلعيش من الأوضة تحت أي ظرف، وفي حمام جمب الاوضة، إستخدميه وقت الضرورة...مفهوم؟
سكتت،فأعاد سؤاله بحده مُميلاً بوجهه لليمين ليستمع أكثر بأذنه :
_مفهـــوم؟
_حاضر.
ردت بنبرة خافتة،ولم ينتظر أكثر من ثانية حتى تحرك وخرح من الغرفة بهدوء...
تنهدت،وجلست على السرير، كان سرير أرضي، ولم يكن عالياً...أخذت نفس عميق ووضعت يدها على خدها وهي تنظر للحائط بملل.
ولكن فجأة،ظهرت إبتسامتها تدريجياً على ثغرها وهي تتذكر لمسها لوجهه، رغم أنها لم تراه، ولكن يكفي أنها لمسته...شعور غريب تغلغل داخلها ويزغزغ معدتها.
دفنت وجهها في يدها وهي تصرخ بتذمر وصوت شبه مكتوم:
_"بسسسس...بطّلي يا ليلى،إيه العبط إل بتفكري فيه دا!!!
صمتت قليلاً، ثم وقفت شاهقة وقالت:
_الحقنة!
تذكرت بأنها لم تأخذ إبرة الأنسولين، وهي مع آريان...تحركت بسرعة وفتحت باب الغرفة،نظرت للممر ولم ترى أحداً...جريت بسرعة على آمل أن تلحقه، ولكن لم تجده...نظرت للمصعد وتوترت، لقد حذرها من عدم الخروج...ولكن ماذا إن تأخر، ماذا إن تعبت؟..
إنقطعت أفكارها عندما سمعت أصوات خفيفو قادمة من على السلالم جانب المصعد...
تحركت بحذر لهناك...ونزلت على السلالم وهي تنظر للأسفل بتوتر...نزلت درجات السُلم وكُل درجة تكتب مصيرٍ جديد...وآنمالها تزحف على سوره المًتخشب كا قلوب أصحابه.
نزلت وقد وجدت نفسها في صالة كبيرة، إحدى حوائطها عبارة عن زجاج عاكس...لم تعي على نفسها وهي تتحرك لهناك، ونظرت للسماء بإنبهار وهي ترى الأرض الواسعة للقصر، وكيف هي تُشبه المملكة.
ولكن نزلت أنظارها للأسفل، وظهرت إبتسامة مُطمئنة عى ثغرها عندما رأت آريان واقفاً ويتحدث بهدوء مع ذالك الرجل الكبير.
ولكن إختفت إبتسامتها تدريجياً عندما رأت فتاة غريبة تركض من خلف آريان وتحتضنه بقوة...كانت بالغة ذات فستان ضيق ولونه أسود، وشعر بُني اللون وطويل جداً، للخصر.
إتضايقت ليلى من تلك الفتاة ذات المفاتن الجذابة، والأناقة الظاهرة...وإتضايقت أكتر عندما إلتفت آريان إليها وبادلها بإبتسامة صغيرة ومتحفظة.
مقدرتش تقف أكثر،وحست بدوخة...لفت وإتحركت بعدم توازن وصعدت على السلم، صاعدة لذالك الدور...ولكن آنفاسها كانت تقل تدريجياً...وتسند بيديها على الحائط، والحركة أصبحت أبطئ...والغرفة أمامها بعشر خطوات لكن لا تستطيع الإستمرار.
وقعت على الأرض وجسدها يرتعش، وصوت أنفاسها المُختفية مسموعة...لم تستطيع آن تنادي أو تستنجد بأحدهم، فقط نادته بصوت خافت وواهن ومكتوم:
_آ...أريـان.
أغمضت عينيها بعد حديثها...لم تشعر بشيء أخر سوى بذكرياتها التي تتدفق داخل عقلها بسرعة.
جاء ذالك المشهد مُجدداً....وهي في ذالك الفندق، في تلك الغرفة لتغيير الملائات.
عندما كانت تجلس على الأرض وتعالج قاسم من جرحه، لكن مهلاً هل كان ذالك هو قاسم فعلاً؟...كانت تريد رفع وجهها لتنظر له، لتتذكر أكثر، ولكن لا تستطيع رفع رأسها لتنظر لعينيه...أما أن الحلم يعلن إنتهائه.
فجأة،إختفى المشهد... وظهرت وهي في المنزل وتحديدا في غرفتها وهي تحمل الشارة بين يدها، ولا تتذكر كيف أتت هذه العملة، لكنها وقفت وتنهدت وقامت وقفت بملل...لكن وقعت تلك الشارة من يديها وتتدحرجت حتى دخلت أسفل بقعة صغيرة جدا أسفل الدولاب.
لم تهتم وتحركت لتذهب للحم.....
_لـيـلـى...فوقي.
توقف حديث عقلها،وفجأة فتحت عينيها وشهقت بقوة وهي تنظر للسقف لتلتقط أنفاسها المفقودة.
وجدت نفسها مُستلقية على ذالك السرير في الغرفة الكئيبة، سرير آريان، وهو يجلس بجانبها بعدما أعطاها الإبرة قبل فوات الأوان.
نظرت إليه، وتجمعت دموعها في عينها دون سبب، وفجأة...جلست ولفت ذراعيها حول عنقه تحتضنه بقوة...حتى لو كان خاطفها، ولكنها تشعر ولأول مرة بشيء غريب، بالراحة...ليس الأمان، إنما الراحة بقربه.
أما هو فقد إستعجب حركتها، ووضع كف يده الضخم على رأسها منها الخلف قائلا :
_إنتي تعبانة؟..عندك سخونة؟
ضحكت بخفة وسط تلك الدموع، وإبتعدت عنه بإحراج وهي تنظر للإسفل.
قال بهدوء :
_قولتلك متحضنيش أي حد قدامك، حتى أنا.
نظرت إليه بسخرية قائلة :
_ليه؟...عندك حساسية!
لم يرد وهو ينظر لها بتهكم...وبعدها أخذت نفس وقالت:
_شكراً...أنا كًنت هاجي أناديلك، بس مقدرتش.
قال:
_ودا يفسر سبب خروجك....بس متفتكريش إني أنقذت حياتك من حبي فيكي!..دا عشان مجهزلك مو*تة أحسن.
نظرت له بسخرية وغيظ مًتمتمة:
_نينينيني.
إبتسم بجانبية خفيفة،وبعدها تذكرت هي ذالك الحلم الغريب، ولكنه لم يكن حلم، لقد كان ذكرى.
إذا الأن تلك الشارة أسفل دولابها...ترددت قليلاً قبل النظر له والسؤال:
_مُممكن أسئل سؤال؟
نظر لها بسخرية قائلا :
_إنتي مبتزهقيش من الأسئلة ياليلى.
أبتسمت بخفة قائلة :
_عارفة....بس بجد عايزة أسألك السؤال دا أوي.
قال بهدوء:
_قولي.
تنهدت وبعدها قالت بصوت خافت:
_ل لو أنا إفتكرت مكان الشارة، وقولتلك عليها...ه هتقتلني؟
صمت لثلاث ثواني وعيونه في عينيها المُنتظرة الإجابة وقال بنبرة هادئة :
_إنتي عايزاني أقتلك؟
إبتلعت ريقها بقلق، ولم تُجيب...فمال برأسه قليلاً قائلا بنفس نبرته الخافتة التي تُربكها:
_ردي يا ليلى.
نظرت لمقلتيه، وحركت رأسها قائلة :
_ل لأ...م مش عايزة كدا.
قال بنفس نبرة هدوئه:
_أُمال عايزة إيه؟
إرتبكت أكثر وهي تنظر له، تحت نظراته الثابتة لعينها، حتى وإن تحاشت النظر له، ولكنه لا يُبعد ناظريه عن عينيها...
فقالت بنبرة خافتة وتردد:
_ل لو قولتلك...ه هتسيبني أمشي؟
رد عليها بهدوء:
_إنتي عايزة تمشي؟
إرتبكت، لأول مرة لا تملك الإجابة، لأول مرة تحتار هكذا وتتردد، ولم تعي وهي تقول:
_مش عارفة.
تبسّم من أسفل كمامته بهدوء...وقام وقف ليضع يده في جيبه ثم يقول:
_ترددك دا عطاني إجابة.
لم تفهم ما يعنيه، وإستقامت بجلستها أكثر أمامه قائلة :
_هتقتلني؟
مال لمستواها قليلاً واضعاً يده على حواف فكها بهدوء ولين...ورفع ذقنها قليلاً لتتقابل عيونهم وقال بتلك النبرة العميقة الباحتة التي تدخل قلبها قبل عقلها:
_إنتي عايزة إيه؟
_عايزاك.
شهقت عندما تحدثت بتلك الجملة الذي ظنت بأنها ترددها داخل عقلها، ولكنها صدأت وخرجت للسانها لتنطقها أمامه، مما جعله يضحك ضحكته الرجولية الساهرة وقال بالإيطالية:
_Sei davvero pazzo.
لم تفهم، ورفعت حاجبها قائلة:
_يا عم كلمني عربي بقى...أنا مش فاهمة حاجة.
نظر لعينيها بهدوء بعدما أنهى ضحكاته، ولكن إبتسامته مازالت موجودة وقال بنبرة هينة:
_وأنا كمان عايزك يا ليلى.
إندهشت، وهو قام وقف بإستقامة وقال:
_قتل ضحية زيك هتكون خسارة ليا.
قامت وقفت وقالت بتعجب:
_قصدك إيه؟
نظر لها قائلا :
_يعني هعرض عليكي صفقة، هسمحلك تقرري فيها براحتك...حياتك قصاد الفلاشة.
عقدت حاجبيها قائلة :
_فلاشة!
رد بهدوء:
_ايوا، الشارة فيها فلاشة مُهمة...لو قولتيلي مكانها، هعفوا عن حياتك.
كانت ستقول الحقيقة، ولكنها تراجعت بأهر لحظة، ولو حتى انها تشعر بجانبه بالراحة! مازالت لا تثق به بقوة فقالت بإستنكار:
_لسة مش فاكرة.
مال عليها وتحدث بنبرة خافتة وخبيثة:
_بجد ياليلى؟...يعني مش عارفة مثلاً ومخبية!
إرتبكت بتعجب، ورمشت عدة مرات ولم تسطيع الرد.
أما هو فا إبتسم وقال:
_مافيش مانع، خبي قد ما تقدري...في النهاية دا مُفيد ليكي،ومُمتع بالنسبالي.
لم تفهم مايقصده، فتوقفت عن طرح الأسئلة وقالت:
_أنا جعانة.
ضحك بخفوت من تحولها المُفاجئ وقال بروية:
_تمام..الأميرة تحب تاكل إيه؟
إبتسمت بخفة وخجل وبعدها قالت بغرور مزيف:
_بطاطس.
رد بتهكم:
_حاضر يا ليلى...رغم إن وجودها صعب هنا، بس هجيبها عشانك.
دقّ قلبها بقوة من حديثه المتوازن، وأكمل هو وهو يلتف:
_لوكاس عنده حساسية منها، عشان كدا هي ممنوعة هنا.
قال هذا وهو يظن بأنها كانت ستسأله عن السبب، ولكن ما يجهله بأن قلبها هو من يسأل"من هذا الغريب؟ لماذا يهتم بي؟ هل يعقل بأنه مُعجب بي؟ هل يعقل بأنه يحبني؟ من أنا؟ ومن هو؟ لماذا يهتم بي؟ ولماذا أهتم له؟ ولماكا أنبض هكذا؟ ماذا يُسمى هذا الشعور؟"
خرج آريان من الغرفة وهو يتوجه للأمام ناحية المصعد، ولكن تحولت ملامح وجهه الهادئة فجأة للحدة بل أشبه بالبرود والجمود، ودخل المصعد، وعينيه على باب الغرفة بثبات قائلا بنبرة هادئة وثابتة ولكنها أشبه بعاصفة قادمة ستأتي وتحمل معها كُل الضرر والأذى:
_Iniziazione della missione
_بدأت المُهمة.