
جاء المساء، وجاء قاسم ومعه والدته ووالده.
وقعدو في غرفة الصالون، وقعد معاهم توفيق والد ليلى، ورجل أخر في نفس سنه ويكون أخوه وعم ليلى وإسمه"عادل"..وشاب في الخامسة والعشرين من العمر وإسمه "رامز"وهو إبن عادل.
قال توفيق بهدوء:-نورتونا...إزيك يا قاسم؟
حرك قاسم نظره ناحية توفيق بهدوء، وإكتفى بلإيماء برأسه.
سِكت توفيق....وباب غرفة الصالون خبط، وكانت ليلى وبجانبها عمتها"شيماء" كانت ليلى ترتدي دريس بيجي طويل وبأكمام، وفوقه طرحة وهي تنظر للأرض ولم يظهر شيئا من ملامحها... كانت ترتدي الطرحة بأمر من والدها...كي يُعجب بها آهل الشاب.
لم يرفع قاسم نظره ناحيتها...فهو يعرفها.
قعدت ليلى بجانب عمتها، ولم تُسلم على أحد...فلا أحد يشعر بما تشعر به هي الأن.
نظر لها والدها بحدة، لكنه قام وقف ومعه أخيه عادل الذي قال:-طب نسيب العرسان يتعرفوا على بعض.
خرج الجميع ما عدا ليلى وقاسم...كانت بتفرك في إيدها بشكل غريب، وكانت بتتنفس بسرعة وبتوتر...كانت مش طبيعية،وكأنها بتتخنق وحاسة إنها هتعيط، وصدرها بيضيقعلى قلبها..
مكانتش زي أي عروسة،مكانتش مكسوفة، ولا متوترة...دي خايفة من شيء، مش من الماضي بس، دي خايفة من المُستقبل وخايفة من بكرا.
نظر قاسم لها بهدوء، وعرفها فوراً عٍدما تذكرها....لكنه لم يتفاجأ، بل ظل هادي في ملامحه.
ولكنه تحدث بصوته الغليظ:-إزيك يا ليلى!
مرفعتش رأسها، ومردتش...كانت عايزة تزعق،تتعصب...لكن مجاتش ليها الجرأة إنها تتكلم.
رفعت رأسها لتنظر له...ولكنها لم تتعرف عليه، رغم مرور شهر واحد..ولكنها نست ملامحه.
شاف عينيها الحمراء، كان واضح إنها مش من العياط، دي من الكتمان.
إتنهد وقال بهدوء:-أنا هبدأ معاكي بصراحة...
وسكت قليلا وبعدها قال:-أنا مش موافق على كل دا...لكن أنا مجبور بسبب والدي.
شعرت بالراحة بتسري في قلبها، وسكتت ليكمل حديثه وقال :- أنا بعتذر، لكن أنا في قلبي واحدة تانية...هنوافق قدامهم عشان يفتكرو إن.....
قاطعت كلامه وهي ترفع كف وجهها ليقابله، وقامت وقفت وقررت تستحوذ على ليلى المغرور قائلة ببرود:- دا مش مُبرر حضرتك...مفيش راجل بيتجبر على حاجة...وعيب جداً تقول إنك مغصوب، أمال خليت إيه للبنات!!!
إندهش من جرأتها وإتعصب، وقام وقف ليرد عليها، ولكن هي قاطعته مرة كمان بغرور وهي تضم ذراعيها على صدرها قائلة :-
_ أنا بعتذر لحضرتك على كلامي...لكن هي الحقيقة كدا، بتبقى مرة دايماً...إنت جاي تقولي مجبور وبحب واحدة تانية، وإنت تقدر توقف المهزلة دي وتقول مش موافق...لكن شكلك كدا بتحب المسرحيات ونتجوز ونمثل والعبط والكلام دا!...
ورفعت حاجبيها بغرور وهي تنظر له من أعلى لأسفل قائلة :- عيب أوي لما تبقى طول بعرض كدا، وتقول بابا جابرني...عيب جدا،إنت مش صغير يا كابتن...تقدر تعتمد على نفسك وعلى قراراتك، إنت مش صغير عشان واادك يتحكم فيك.
إتصدم من كلامها، وإتصدم من نفسه إنه ساكت، كان عارف إن كلامها صح، بس مش موزون...فا قرر يتكلم ويقول بحدة:- عيب إل حضرتك بتقوليه دا...أسلوبك وحش.
إبتسمت ساخرة وقالت:-وحش!!!...طب متتشطرش عليا وروح إتشطر على أبو...
قاطعها بعصبية وهو يرفع إصبعه السبابة أمامها:-إلتزمي حدودك، أنا لسة مراعي إنك عيلة مش فاهمة حاجة.
إبتسمت أكتر ساخرة وقالت :-بجد مُشفقة على البنت إل بتحبها...ياريت تبقى راجل بمعنى الكلمة وتتجوزها.
وقبل ما يتقدم عندها كانت خرجت غير مُهتمة بيه، لكن من داخلها مبسوطة لإن الخطوبة أكيد مش هتحصل بعد إل حصل.
كان الجميع قاعد في الصالة، ولكن ليلى مهتمتش وطلعت على فوق فوراً، والجميع إستغرب ووالدها إتحرج.
وقام رامز إبن عمها وطلع هو كمان فوق، بعد ما الجميع دخل أوضة الجلوس يشوف في توافق أو لأ.
خبط على باب غرفتها، وفتحت والعصبية على ملامحها، ولكنها إتصدمت لما شافت إبن عمها إل إبتسم بخفة.
وكادت أن تغلق الباب ولكنه زقه ودخل وقال بطريقة غريبة:- في إيه مالك خايفة ليه؟
تراجعت للخلف بعصبية وقالت:-إطلع برا.
قال وهو يُخرج هاتفه:-أنا كُنت عايزك تكلمي والدتك، عرفت إن عمي أخد منك تلفونك...فا لو عايزة تكلميها تلفوني موجود.
سِكتت قليلا بشك منه، لكنها عايزة تكلم والدتها فعلاً...أخدت التلفون فوراً وعطته ظهرها وهي بتكتب رقم والدتها عشان تتصل بيها.
وإبن عمها عمال يقرب منها بطريقة غريبة لحد ما إلتصق بها من الخلف وهو يضع أنماله على ذراعها...إبتعدت عنه بسرعة وهي تضع الهاتف على أذنها.
وقالت:-إياك...إبعد.
رفع يده بهدوء للأعلى وكأنه لم يفعل شيئا، وهي فضلت مُنتظرة والدتها ترد لكن مردش، ودموعها إتجمعت في عينها وقلبها بيتعصر.
آخذت تحاول خمس مرات ومنفعش، أعطت الهاتف لإبن عمها ومسحت دموعها ناظرة له بحدة وقالت:-إطلع برا.
أومأ وهو بيخطوا خطوات بطيئة جدا ، بالكاد تُسمى خطوات...
صرخت بيه قائلة وهي تُمسك المزهرية بقوة:-قولتلك إطلع براااا.
ضحك ضحكة مُستفزة،وإتحرك للخارج، وهي جريت على الباب وقفلته بالمفتاح، لإنها عارفة والدها هييجي بعد شوية وهيبقى عايز يتخانق معاها.
وبالفعل،بعد نص ساعة كانت سامعة زعيقه تحت مع عمها وعمتها، وإهانته لبنته إل هي ليلى، وشتيمة كمان...وطلع وهو عمال يخبط على الباب بشكل هستيري وغضب، لكنها خافت ومردتش عليه ومفتحتش الباب، ودموعها بتتجمع في عينها.
بعد ما عمها وعمتها حاولو يهدوه، مشي وكلهم مشيوا وروحوا بيتهم...
وقعدت ليلى على السرير تعيط، وإفتكرت العريس وظنت إنه أكيد قالهم على حديثها..
ظلت مكانها وضامة رجلها ودافنة وجهها، والوقت بقى مُنتصف الليل...مكامتش فاتحة الانوار، يادوب نور القمر داخل من الشباك بتاع أوضتها.
سمعت صوت خربشة غريبة عند الشباك، إستغربت وقامت وقفت وراحت ناحية الشباك وإستشعرت نسمات الهواء الباردة، والليل المُظلم في الشوارع..ملقتش عربية بابها تحت، عرفت إنه مش في البيت.
قفلت الشباك كويس، وغريت ملابسها لبجامة واسعة بنطلون رياضي لونه رمادي، وتيشرت بأكمام لونه رمادي، وإتحركت ناحية الباب وفتحته وإتحركت لتحت لإنها كانت جعانة وإتجهت ناحية المطبخ.
كانت الفيلا كلها ظلام، يادوب شوية أنوار خفيفة بس إل شغالة..
دخلت المطبخ وشعرت بحاجة غريبة، هدوء غريب كانت متعودة عليه، لكن المرادي بقى مُريب.
كانت سامعة أصوات همهمة غريبة، جعلت القشعريرة تسري بجسدها، ولكنها مهتمتش وإتحركت.
فتحت التلاجة وأخدت علبة عصير، لكنها وقعت من إيدها بخضة لما سمعت صوت هاتف يدوى في أرجاء المكان.
أخدت أنفاسها بسرعة وخوف وهي تضع يدها على صد.رها..إتحركت للخارج بخطوات مهزوزة، ووقفت قدام باب المطبخ وشافت في الصالة هاتف موجود على التربيزة.
إندهشت وجريت عليه عشان تتصل بوالدتها، وأخدت الهاتف وهو مازال يرن...إستغربت لإنها أول مرة تشوف التلفون دا...لكن إفتكرت إنه تلفون والدها.
جالها فضول تعرف مين المُتصل، ردت ووضعت الهاتف على أذنها بدون أن تتحدث..
لكنها سمعت صوت رجل غليظ ومُرتبك:
_ توفيق...إهرب يا توفيق دا عندك في الفيلا، هيقتلك إنت وبنتك لو مهربتش من تحت إيده...إهرب دا مجنون.
لسانها إتشل، وجسمها نفس الشيء، حست الهوا بقى تقيل على أنفاسها...أبوها مش هنا،وهي لوحدها في البيت...ا أومال مين المجنون إل الراجل بيتكلم عليه؟...أو هو هنا فعلاً؟
حست بخطوات تقيلة وراها...خطوات ثابتة ومُرعبة، مع كل خطوة قلبها بيوقف نبض، مكانتش قادرة تلف تشوف مين...مكانتش عارفة تنطق،خصوصاً إن الخط قطع ومش هتقدر تستنجد بالراجل إل كلمها.
لكن عقلها إتحرك، وقررت تنجو بحياتها، جريت للأمام بأقصى سرعة عندها، وطلعت على السلم، ولكن كان أسرع منها بأضعاف.
مسك ساق رجلها،مما وقعها على الأرض، صرخت بقوة ولفت تنظر له وهي بتحاول تضربه برجلها عشان تبعد...كان شخص معضل وطويل وعريض، ولابس إسود في إسود زي الجواسيس ويرتدي قفازات جلد سوداء وكإنه شبح، وقبعة وكمامة سودة مخبية ملامحه...لكن عينه ذات اللون الآزرق الفاتح زي لون السماء وليس البحر، كانت واضحة مع ضوء القمر المُنعكس عليهم من سطح الفيلاً...كانت عينه حادة ومُريبة ولونها إل كإن شبح إل مسكها.
صرخت أكتر ودموعها بتتساقط، وهي بترفس برجليها عشان يسيبها، لكن هو كان بيقرب منها أكتر، وهي مبقتش شايفاه من غماءم دموعها على عينها...
فجأة،رش شيء على وجهها...وغصب عنها إستنشقته، بقت تحاول، تعافر، تستحمل...لكن مقدرتش..
كل قواها رخت تحت إيده...وشعرت بيه وهو بيشيلها على كتفه، ووجهها بقا مُقابل لظهره الذي حلغت وقتها وكإنها متعلقة على حائط صلب لا يهتز.
شافته وهي بتغمض عينها على الأخر، وهما برا أمام الفيلا، وبيتجه ناحية سيارة حديثة ذات لون أسود مثل عتمة الليل، "لمبرغيني"
وأغمضت عينها وهي لا تشعر بشيء من حولها، وأعمضت عينها لتستحوذ عليها الأحلام.
في الصعيد_وتحديداً في نفس الوقت.
واقف قاسم في شرفة غرفته، وواقف جمبه أخوه فارس وهو ينفث دخان سيجا.رته.
مد فارس سيجا.رته لقاسم قائلا :-تاخد؟
نظر له قاسم بضيق وقال:-إنت عارف إني مبشربش.
أعاد فارس سيجا.رته لفمه قائلا :-قولت هتغير رأيك.
سِكت قاسم،وتحدث فارس قائلا :-طب وعملت إيه؟
قال قاسم:-معملتش، أنا قولتلهم إني مش موافق، ولما أبوها سأل قولته مفيش، بس أنا مش مرتاح ولا شايف إن إحنا نناسب بعض.
قال فارس بهدوء:-قولت كدا قدام أبوك!
رد قاسم وهو ينظر له:-بصراحة أه...حتى لو كلام البنت دي مُستفز، بس أثر فيا..هي معاها حق، أنا مش صغير عشان أبوك يتحكم فيا.
نفث فارس من سيجا.رته بتنهيدة حادة ومهمومة وقال:-ياحظك..ياريت البنت دي جاتلي قبل ما أوافق أتجوز ورد.
قال قاسم:-ومالها ورد يا فارس؟...أنا عارف إنك مش بتحبها، بس هي بنت جدعة وست بيت شاطرة، والأهم إنها طيبة.
قال فارس بحدة:-تخينة.
رد قاسم:-لأ مش تخينة، وزنها دا طبيعي ومش كبير...بس إنت إل بتبرر لنفسك بإي كلام.
نظر له فارس،ورمى سيجارته وضغط عليها بأقدامه قائلا :-أنا إيه إل جابني عندك أصلا...أنا رايح أنام.
ومشي فارس،وإتنهد قاسم وهو يشعر بالراحة لسكوت والده، وإنه كمان إتكلم في وجهه ورفض.
إبتسم بجانبية وهو يضع يده في جيبه قائلا بسخرية:-كانت حلال فيكي الحقنة.
كان هو نفس الشخص إل عطاها حقنة الأنسولين، ولكن بعد ما سلمها لأحمد صديقه ذهب...إذا من كان ااذي معها في غرفة المشارف؟
___________________________
في مكان مجهول الهوية.
فتحت ليلى عينها ببطء وفتور وعينها واجعاها...
سندت على جسدها لتجلس على ذالك الشيء الناعم التي تجلس عليه..وضوء خفيف زي ضوء الصباح بيتسلل في المكان.
الرؤية ضبابية...لكنها إستنتجت إنها قاعدة على سرير...فتحت عينها وقفلتها وهي بتحاول تستوعب هي فين..
وبالفعل،بدأت تتفحص المكان بعينها، بعدما وضعت إيدها على رأسها من ألم الدوار..
كانت في غرفة جميلة، حديثة الطراز...لونها بين الرمادي والأسود، تجلس على سرير بملاءات رقيقة ذات لون أسود...وحمام خاص.
كل حاجة في الأوضة جميلة، وحديثة وديكورها مُميز، وفي زجاج متين يطل على الشارع.
لكن لحظة؟...فين الشارع،وقفت وهي تنظر حولها، مفيش بيوت، مفيش ناس...المكان كُله أمام ناظريها عبارة عن بحر، محيط شاسع لا تظهر نهايته.
نبضات قلبها بتتسارع،وأنفاسها بتتسحب منها، ودموعها بتتجمع في عينها... هي في مكان غريب، ولوحدها، مش عارفة إيه إل جابها هنا؟
لكنها بدأت تفتكر أخر حاجة، وهي السيارة السودة..
نظرت ناحية الباب،متجرأتش تروح وتخبط عليه، رجلها كانت مشلولة بس بترتعش...
حاسة إن ضغطها بيزيد بيعلى، مش عارفة تعمل إيه...
_الحقنة...م محتاجة الحقنة.
دي الكلمات إل كانت بتتفوه بيها بإرتباك وتعب، لكنها لمحت صينية على الكمود، وعليها بعض الطعام الفاخر، وجمبها حقنة أنسولين.
إتحركت بخطوات مهزوزة ومرتعشة في أطرافها، قعدت على حافة السرير...وأمسكت بالإبرة،وأعطتها لنفسها في ذراعها بهدوء...على من ستكذب، دي كانت بتترعش والخوف بيسري على جلدها.
نظرت للطعام، كانت خايفة تاكل ليكون مسموم، لكنها مجبورة.. لازم تاكل بعد الحقنة، بدأت تاكل بسرعة وتشرب كُل شوية مياه من كوب المياه، لدرجة إن ملابسها تقاطرت عليه بعض القطرات المائية.
أكلت وسابت الصينية، قامت وقفت وهي بتتلفت في المكان، وبتفتح الأدراج على أمل تلاقي حاجة...لكن كل الأدراج فاضية، ومفيش أي تلفون.
ضربت رأسها بكف إيدها، ما هيبقى غباء لو لقت تلفون...رغم إن الغرفة جميلة لكن مفيش أثاث كتير، حتى مفيش تلفزيون.
إتلففت حوالين نفسها، وهي بتعيط كا طفلة تائهة، مكانتش عارفة تروح فين وتيجي منين...كانت مُتأكدة إن الباب مقفول، خصوصاً لما رضت ضميرها وأتحركت ناحية الباب وحاولت تفتحه لكن متفتحش، فضلت تشد في المقبض على أمل يتفتح لكن لأ برضوا...
مقدرتش تخبط وتصرخ،يمكن عشان خايفة، أو مش مُستعدة تشوف إل خطفها...الخوف حاصرها وخلاها مش قادرة تفكر.
مرت ساعات كانت بالنسابلها سنة...ساعات كتير وهي بتحاول ترمي الكرسي على الزجاج الذي يطل على البحر، لكن كان زجاج متين ضد الكسر، لدرجة إنه أقسمت بإن إيدها كانت هتتكسر من كتر الضرب والخبط.
إستسلمت وهي بتقعد عن الزاوية وبتضم رجلها ليها...حست إنها وحيدة وملهاش حد، ومش معاها حد...لا أمها ولا أبوها، ولا أي حد...ياترا أبوها بيدور عليها دلوقتي...دا السؤال إل كان بيدور في عقلها كل ثانية.
حلّ المساء، وهي زي ما هي...قاعدة تنظر للشمس وهي بتغرب والقمر يحل مكانها، ودموعها منشفتش ودماغها صدعت وجسمها متلبش..
لحد ما إتفزعت، عندما سمعت صوت قفل الباب، إلتصقت بالحائط أكثر وهي تنتظر رؤية من الدخيل.
قلبها وقف عن النبض، لما شافت نفس الرجل إل خطفها، لابس نفس لبسه، وكمامته السوداء، وقبعته...يعتبر ما فيش حاجة ظاهرة منه غير عينه الحادة الراصدة.
نظر لها لثواني وهو شايف رجفتها وخوفها، إتحرك بهدوء وكان معاه صينية طعام أخرى، وضعها على الكمود وأخذ الصينية الفارغة، وإتحرك للخارج لكنه توقف عندما نادته بدموع قائلة :-إستنى أرجوك...ا أنا فين؟..و وعايز مني إيه؟...ا أنا معملتش ليك حاجة.
مردش عليها،وخرج من الغرفة وقفل الباب خلفه، قامت وقفت وجريت على الباب إتعصبت وبقت تضرب عليه بكل قوتها وهي بتصرخ وبتانديه عشان يفهمها على الأقل...
لكن مافيش رد..إستسلمت وهي تجلس على الأرض وتضم رجلها وتبكي...كان دا ميعاد إبرتها، لكن مهتمتش...كل إل كان هاممها إنها تعرف هي في المكان دا ليه؟
ظلّت تبكي، وقامت وهي بتتسند على جميع أطراف يرديها وقدمها لتقف، لكن الدوار كان أشد منها...وبعد ما وقفت وقعت على الأرض، وإيدها خبطت في الطربيزة الزجاجية إل أمامها وإتجرحت، ووقعت مغشى عليها.
_
فاقت بعد لحظات بتعب، وهي تنظر حولها، كان الصباح أشرق في المكان...وهي مُستلقية على السرير، لقت جمبها محاليل متوصلة بإيدها، وكانيولا في إيدها..
وإيدها ملفوف عليها شاش أبيض.
واضح إنه دخل وعالجها كويس، بس ياترا هو عايز منها إيه؟...وعايزها عايشة ليه؟
لقت صينية الطعام جمبها، وكانت شوربة وسوخنة، يعني هو كان هنا من ثواني.
قامت قعدت وهي بتسحب الكانيولا من إيدها، ونظرت للشوربة، أخدتها وبدأت تتناولها...رغم في ظرف زي دا شهيتها تكون مقفولة، لكنها لازم تعيش، وعشان تعيش وتهرب من هنا لازم تاكل.
إستجمعت قوتها،وقامت وقفت وإتجهت ناحية الحمام، كان مُتوسط الحجم وأنيق ونظيف بشكل مُلفت، لكنها دخلت لتقضي حاجتها وتغسل وشها كويس عشان تفوق وتفكر تعمل إيه.
______________________
قاعد توفيق في فيلته، ويجلس على الكرسي واضعاً إيده على رأسه.
وحواليه أخوه، وإبن أخوه رامز، وأخته بيحاولو يطمنوه.
قال أخوه:-إهدى يا توفيق...البوليس بيشوف شغله.
قال توفيق بتنهيدة مُتعبة :- مش عارف هلاقيها ولا لأ.
ردت أخته شيماء:-هتبقى كويسة يا أخويا...متتعبش نفسك إنت.
قال أخوه:-أهم حاجة دلوقتي الخبر ميوصلش لأمها عشان متحصلش مشاكل.
الجميع كان هادي بعض الشيء، وكإن إل إختفت دي متبقاش بنتهم.
______________________
في المكان المجهول...وجاء مساء يوم جديد.
واقفة قدام الزجاج وهي تنظر للبحر وبتبكي...بتفتكر مامتها، وأبوها، وبيتها.
كانت تنظر للبحر وهو يتحرك مع حركة الرياح، وضوء القمر الذي ينتشر في جزء منه...كانت في الدور الثالث كما ظنت لإن المكان عالي.
فجأة إتفتح قفل الباب، إتخضت ووقفت في الزاوية، والخوف مسيطر عليها...مع كل دخول ليه بتحس إن دي نهايتها.
دخل ومعه صينية طعام أخرى، وضعها على التربيزة، ولم ينظر لها وإتحرك ليخرج...وفي اللحظة دي قررت التهور ومسكت المزهرية وجريت عليه عشان تضر.به في رأسه...لكن صوت أقدامها ولمحه ليها وهي بتقرب، قلبت الموازين.
إلتف ومسك معصم إيدها إل ماسكة فيها المزهرية...صحيح مكانتش شايفة ملامحه...لكن حست إنه بيبتسم بسخرية عليها، أخد من يدها المزهرية بالقوة...وزقها ووقعت على الأرض.
نظر للمزهرية، وبعدها نظر لها، مال بهدوء ونزل لمستواها ونظر لعينها...مقدرتش تتكلم فقط تبكي، زحفت للخلف بخوف من نظراته الهادية، لكن كانت نظرات مُربكة ليها، بل غريبة وغير مُطمءنة..
وضع المزهرية بجانبها، وقام وقف وخرج من المكان وقفل الباب....إنهارت في البكاء أكتر...وزقت المزهرية بإيدها وبعصبية..
ظلّت لدقائق وقامت وقفت ونظرت للطعام، قربت منه وأمسكت بحقنة الأنسولين...وتناولت الطعام بسرعة عشان تفكر في خطة تانية.
لكن لم تمر إلا ساعة، ولقت الباب بيتفتح تاني...كانت قاعدة على حافة السرير ملحقتش تقوم تجري للزاوية..
لقته دخل، وإتحرك بخطوات بطيئة ناحيتها، إلتصقت في الحافة الخشبية للسرير وهي تنظر له...جلس على الأريكة الصغسرة بجانب الكمود ناظراً لها.
إرتبكت من نظراته الثابتة ليها، وكإنه بيتفحص فريسته..إبتلعت ريقها وأبعدت أنظارها عنه وهي تنظر للأسفل، ويداها قابضة على السرير بقوة وخوف.
أخرج شيئا من جيبه وإتفزعت، كانت فاكراه مُسدس أو حاجة...لكن دا تلفون، أظهر شيئا على الهاتف ورفعه أمامها...كانت صورة لشيء.
نظرت للصورة وإستغربت، كان عبارة عن عُملة كبيرة مُدورة عليها شكل دبدوب أسود وبارز وكإنها علبة مدورة.
مكانتش فاهمة حاجة،وحاسة إنها شافت العملة دي قبل كدا لك مش عارفة فين...سِكتت وهي تنظر له بخوف وإرتباك وإستغراب.
إتنهد بحدة، وأخيراً ظهر صوته الرجولي الغليظ الحاد الذي يُشبه سِن السكاكين وقال:
_ فين؟!
قشعريرة غريبة سارت في جميع أنحاء جسد.ها عندما سمعت صوته، ولكنها ردت بعد ثواني بتوتر وإرتباك قائلة :- ه..هي. إيه؟!
تحدث بعدما جزّ على أسنانه بحدة قائلا :-..الشارة!
سِكتت وهي مش عارفة تقول إيه، ولكن تساقطت دموعها أكتر وقالت:-ا أرجوك...ا أنا عايزة أر.....
لم تُكمل حديثها، عندما فُزعت عندما إنقض عليها غارزاً يده الضخمة داخل شعرها وهو يُمسكها بقوة وعُنف...شهقت بألم لدرجة إن أنفاسها إتسحبت منها.
بينما تحدث هو، وهو يقبض على شعرها أكثر لدرجة إنه مُممكن يتخلع في إيده...وقال بنبرة حادة ولكن مليئة بالغضب والفحيح:-
_أظن إني سألتك سؤال..يبقى إجابته تكون واضحة.
تساقطت دموعها أكتر وهي تضع يديها على قبضة إيده قائلة :-ا أرجوك...ا أنا مش فاهمة إنت عايزة إيه؟
شدد على قبضته أكثر هامساً بنفس نبرته:-..الشارة.
بكت أكثر وصوتها بيتسحب منها لكنها قالت:-م مش عارفة...و..وولله م. ماعارفة...أرجوك سيبني.
ظل صامت، ونظر لها لثواني وبعدها قال بحدة وسُخرية واضحة:-
_ يبقى هتفضلي هنا لحد ما تفتكري يا حلوة.
وزقها بقوة وهو يبتعد عنها، وأثر دفعه لها جعل رأسها تضرب في طرف السرير...وضعت إيدها على رأسها مكان الجرح وهي بتبكي وبتنكمش خوفاً منه..وهو لف وخرج من الغرفة بعدما أغلق الباب خلفه.
إنكمشت على نفسها وهي مُنهارة من البكاء من حياتها إل بائسة، إنهارت جامد...وهي بتسأل ربنا...
"أنا عملت إيه عشان يحصل فيا كُل دا؟"
شهقاتها ذادت وهي تضع إيدها على رأسها، وبتسأل نفسها، إمتا يخلص الكابوس دا؟..متى ينتهي هذا الجحيم...متى ينتهي الخوف.
شارة إيه إل بيتكلم عليها، وهل هي مُهمة أوي كدا...يا ترا إيه وراها الشارة أو ما بداخلها...وياترا هتفتكر ولا لأ...لكنها خافت...خافت أكتر لإنها فاكرة إن كان معاها واحدة زيها و رمتها، رمتها فين بس مش فاكرة...خافت أكتر لإنها مش فاكرة إن معاها شارة بالشكل دا...لو قالتله إنها مش معاها أو رمتها، يا ترا هيعمل فيها إيه؟...هيسيبها ولاا...يقتلها!