
عبد المنعم
وقفت سهر بجانب ركن من أركان اليخت، تتأمل ذلك الاحتفال التي أتته رغماً عنها، مثلما طلب زوجها.
تأففت قليلاً فلم تكن ترغب بالمجئ، حضرت إلى هنا بعد أن أمضت أوقاتاً جميلة بجواره في عطلتهما.
عقدت حاجبيها بحدة وهي ترى فتحي يبتسم لسليم وزوجته العروس.
زفرت بحنق، تضم شفتيها بغيظ، قائلة لنفسها: ده اللي ناقص لازم آجي فرح غصب عني وكمان أعمل نفسي فرحانه ومبسوطه، وفوق ده كله فرح مين البوص.
سارت نحو الأكلات المختلفة الموضوعة على طاولات الأعراس.
تريد إفراغ حنقها به، لاحظ فتحي اختفاءها.. لمحها عند الطعام تأكل بلا هدف.
اقترب منها قائلاً بدهشة: غريبة يعني معقولة أنتِ جعانه للدرجادي.
زفرت بضيق، تتجاهله دون أن ترد عليه، دقق النظر بها قائلاً بسخرية: غيرانة أكيد مش كده.
إلتفتت إليه بحدة قائلة بانفعال: ومين دي اللي أغير منها.. انا.. لم تستطع أن تستكمل جملتها من قسوة نظراته إليها.
غادرت المكان نهائياً، ابتعدت إلى ركن ما باليخت تتأمل النهر.
عله يهدئ من العصبية التي تشعر بها، أتى فتحي خلفها ووقف قائلاً بتحذير: سهر حاولي تمسكي أعصابك أكتر من كده احنا قدام الناس… ومش هسكت.
أغمضت عيونها تجبح دموعها التي تريد الهبوط على وجنتيها، فلا أحد منهم يدرك ما بها.
ابتسم البوص ابتسامة جعلتها تفهم أنها مهما فعلت، لن تفهمه أبداً ولا تعرف ما وراء هذه الابتسامة.
قائلاً بهدوء استفذها: ياترى يا ملوكه بتفكري في إيه…. أقولك أنا ولا تقولي أنتِ.
احمر ذلك الوجه الرقيق على ما يفعله بها من ضغط على أعصابها، كلما تحدث إليها في الآونة الاخيرة، تجاهلت كلماته الحرجه.
قائلة بتساؤل خجول: احنا مش هنمشي من هنا.
جذبها بغتةً بين ذراعيه يراقصها على أنغام الموسيقى التي تصدح بكل أرجاء اليخت.
ظهرت على شفتيه إبتسامة خبيثه جعلته أكثر غموضاً، انحنى قليلاً برأسه بجانب أذنها قائلاً بعبث: نمشي إيه بس هوا احنا لسه احتفالنا.
بُهت محياها بشدة من المفاجأة والرقصة التي لم تكن بالحسبان، فقد شعرت بأن أنظار كل المدعوين عليهم.
لم تستطع إجابته من الصدمة، ضحك وهو يلفُها حول نفسها عدة مرات، عائداً مرةً أخرى بجذبها سريعاً من يدها إلى صدره.
تأملت تلك العيون الواسعة على حياء التي تراقب رد فعلها على ما يفعله بها.
كأنها دميته الجديدة الذي كان بانتظارها منذ فترة طويلة من الزمن، شيء جديد يلهو به من حين لآخر.
تركها بغتةً وهو يلف حولها ببطء يراقصها ليعود يتناول خصرها إليه مرة ثانية.
بوغتت ملك بأنه يدرك كل حركة يفعلها من حركاته الثابتة كأنه متدرب على ذلك.
لفها حول نفسها مرة أخرى عدة مرات، جاذباً إياها من خصرها رافعاً إياها بخفه إلى الأعلى..
دار بها في المكان، زاد احمرار وجهها بخجل مع التصفيق الحاد ممن هم حولهم.
تستند براحتيها على كتفيه القويين، حتى أصبح كل من يشاهدهم هكذا يظن في نفسه أنهم عاشقين لا محالة.
عيونهم تتحدث بكلمات كثيرة، صامته مبعثرة بداخلهم لا يدركها غيرهم.
همست من بين خليط مشاعرها: نزلني يا سليم.
لم يهبطها إلا عندما أراد هو، مجيباً إياها بجوار أذنها بصوتٍ عذب: ياريت تفهمي إن كل كلمة هتقوليها مش هتتنفذ غير لما أنا بس اللي أبقي عايز كده… ماشي يا قطة.
ابتسم البعض ظناً منهم أنه يغازلها بكلماته الساحرة، مستكملاً بخبث: على فكرة في مفاجأة كبيرة مستنياكي.
ابتعد عنها وعلامات المكر واضحة على محياه الوسيم… تسللت الدماء إلى وجنتيها بشدة.
لا تعرف أتخجل مما يتفوه به أم تحاول الصمود أمام سيطرته الكاملة عليها.
ومع تلك المفاجأة المنتظرة، تساءلت بداخلها بدهشة إلى أي مدى سيلقي بها سليم وبخيالها الذي جمح بها رغماً عنها.
من بعيد وقفت ترقبهم نهلة مع الخادمة كما اتفقت من قبل مع العروس.
قائلة بخفوت: الله شكلهم حلو اوي كان نفسي اكون جنبهم دلوقتي.
ربتت انتصار على كتفها قائلة بحنان: معلش انتي عايزه البوص يشوفنا ولا إيه.
لاحت بوادر الخوف على وجهها فتوارت مرة أخرى عن الأعين.
خامسة بحذر: طبعاً لأ بس…. قاطعتها الخادمة بقولها الخافت: نهلة احمدي ربنا أنه مشفناش لا هوا ولا ابراهيم…
ظهر الحزن واليأس على وجه الصغيرة… قائلة بخفوت: خلاص هسكت وهتفرج من جديد.
مر ساعة أخرى عليهم ما بين النظرات المسروقة والواثقة ووقوفهم مع بعض المدعويين.
بغتة انطلقت أعيرةٍ نارية كالمطر من يخت آخر أصغر حجماً ماراً من أمامهم سريعاً.
يوجه ضرباته اللعينة بأسلحة مختلفة ما بين العشوائية والمنتظمة، صوب البوص والملتفين حوله.
انتبه رجال البوص لما يحدث، وصوت الصرخات المفزوعة من قِبل المدعوين وزوجاتهم تصيح بالمكان، مع زيادة الهرج فالجميع يحاولن الاختباء.
تحت الطاولات والمقاعد الموضوعة فوق اليخت خصيصا لهم.
أسرع البعض منهم إلى الدفاع عن سليم وزوجته.
والبعض الآخر الدفاع عن الجميع، لكن البوص أمسك بكف ملك واتجه بها إلى الأسفل.
هبط سليم بأسفل اليخت بغرفةً منعزلة عن كل ما يحدث بالأعلى، لم تستوعب ملك ما يحدث معهم.
الصدمة تجتاح كيانها دون التعبير عنها، لكنها استوقفته بتساؤل عندما وجدته يخرج من خزانةٍ صغيرة سلاحين مختلفين.
قائلة بقلق: ممكن تقولي انت هتعمل إيه وإيه اللي بيحصل فوق ده.
أخبأ البوص عدة رصاصات في جيب بنطاله والآخرون قام بتزويدهم بالسلاح على عجلة من أمره.
دون أن يجيب تساؤلها الحائر، استعد للخروج عارضته بحدة مستطردة: انت مش هتخرج غير لما تقولي إيه بالظبط اللي بيحصل.
أبعدها بغضب عن طريقه قائلاً باختصار: ملك مش وقته هتفهمي بعدين، بس إياك تخرجي من هنا من غير ما أنا أجيلك أو ابراهيم.
تطلعت إليه وهو يغادرها مغلقاً الباب خلفه بقوة، وضعت كفيها على وجنتيها غير مصدقه ما تمر به من مشاكل، وأحداث لم تتوقعها أن تحدث يوماً ما في حياتها.
ضيقت حاجبيها متذكرة نهلة والخادمة... الذين اتفقت معهم خلسةً على المجيء إلى حفلة الزفاف لكن ما يحدث الآن،لم يكن في الحسبان.
قائلة لنفسها بذعر: طب سليم ميعرفش أي حاجه عن وجود نهلة ولا انتصار، وممكن أوي لاقدر الله يحصلهم أي حاجه بسببي.
ابتلعت ريقها بصعوبة متابعة بندم: يارتني ماجيبتهم ولااتصرفت من وراه بالشكل ده... أنا بس المسئولة عن أي حاجه تحصل.
أغمضت عيونها تفكر ما السبيل إلى الخروج من هذا المأذق، الذي كان بيدها أيضاً، أخذت تفرك بكفيها بضيق، والذعر يزداد بداخل قلبها، فلم تجد حلاً سوى الخروج من هذه الحجرة وبأقصى سرعة.
لكن كلماته التحذيرية... عادت تتردد بأذنيها من جديد، لكنها تجاهلتها بالرغم من القلق والخوف، الذي يتصاعد بقلبها.
لمح ابراهيم طيف البوص أتياً من الأسفل، شاهراً سلاحه ضد هؤلاء الرجال الذين أطلقوا الرصاص فجأةً عليهم.
ركض نحوه قائلاً بصوتٍ لاهث: كل اللي على اليخت نزلناهم بدون اصابات زي ما أمرت.
لم يجيبه إنما أطلق أعيرته النارية صوب أحد الأشخاص الذي كاد أن يطلق رصاصه على أحد رجاله، من الجانب الأيمن.
صوت زجاج تهشم بغتةً خلفه بقوة فانطلقت صرخات طفلةً ينتابها الرعب، ضيق حاجبيه بتفكير عاجل فهذا الصوت يعرفه جيداً.
مما جعله يهرول ناحيتها سريعاً صارخاً بإسمها بصدمةٍ فزعة: نهلة.....!!!
جلست أيتن واضعة قدم فوق القدم الأخرى، تحدق بشقيق البوص.
وعلى شفتيها تعلو ابتسامة نصر قائلة باستهزاء: حلوة هدية الجواز اللي وصينا عليها لسليم الانصاري.
رد عثمان بحذر قائلاً: بس أكيد مش هيهدى غير لما يعرف مين اللي اتجرأ وعمل كده يوم فرحه.
رفعت أحد حاجبيها بإسلوب مستفذ، قائلة بخبث: بدأت تخاف ولا إيه.
زفر بقوة قائلاً: أنا مش خايف أنا قلقان وخصوصاً إن أدهم الصاوي… ممكن أوي يبعدنا في أي لحظة.
ضحكت بعبث قائلة بثقة: لا متقلقش من الناحية دي… ده اتفاق مش لعب عيال.
هز رأسه نافياً كل هذه الثقة المطلقة به قائلاً بضيق: أدهم الصاوي يبيع أبوه وقت ما يضطر لكده.
تنفست بعمق قائلة: عارفه كل ده ورغم كده انا بقولك مش هيقدر يجيب سيرتنا بأي حاجه وقت اللزوم.
نظر إليها بعيون تشعر بالتوتر دون أن يعلق على جملتها الأخيرة.
استطردت قائلة بسعادة: طب يالا بينا بقى أنا عزماك برا على العشا وفي أحسن مكان تختاره.
رفض النهوض من مكانه قائلا: مليش مزاج أخرج.
أمسكت بيده تحاول أن تجعله يهب من مقعده رغماً عنه.
قائلة بدلال: ما يبقاش دمك تقيل بقى، وقوم بسرعة يالا بينا مضيعش فرحتي، في يوم زي ده.
حملق طارق بصدمةٍ قوية بأدهم قائلاً برعب: أدهم انت كنت في وعيك لما فكرت تعمل اللي عملته ده.
ضم شفتيه باستهزاء مجيباً باللامبالاة: أكيد طبعاً واعي يعني كنت سكران مثلاً.
تنهد طارق بقوة قائلاً: انت عارف إن البوص مش هيسكت ويقلب الترابيزة علينا ومش هيرحم حد فينا.
ضحك بخبث وهو يرتشف قهوته ببطء، منادياً على أحد رجاله قائلاً بلهجة آمره: عصير ليمون هنا بسرعه.
شعر طارق بضيق قائلاً: يا برودك يا أخي، مين قال إن عايز أشرب عصير.
أجابه بهدوء وكأنه جالس بحديقةٍ يستمتع بها، وليس بمكتبه:
لازم تشربه علشان تهدى وتفكر كويس قبل ما تهاجمني.
ضرب على مكتبه بقبضة قوية قائلاً بحدة: احنا مش متفقين إننا ملناش دخل بيه… انت لسه محروق مخزنك مفيش أسبوعين.
زفر بخنق متذكرا ما خسره بسبب ما حدث، رد بصوت حازم: كان لازم أرد عليه وانتقم لنفسي.
أغمض طارق عيونه بقوة قائلاً بحسم: تمام واضح أوي كده إن مهما اتكلمت وقلت مبقاش ييجي منه، بعد اللي حصل عن إذنك بس ابقى خد بالك من نفسك.
انتفضت فريدة في مكانها وهرب الدم من وجنتيها عندما وجدت عاصي يصرخ بإسمها.
وقعت الجريدة من يدها بفزع فوق مكتبه، امتقع وجهها بشدة من اقترابه السريع منها.
قائلاً بتحذير: اطلعي على فوق ومتورنيش وشك لمدة أسبوع فاهمة.
أرادت أن ترد عليه لكن نظراته الغاضبة، أوقفت ذلك السيل العارم من التساؤلات الصادمة التي أرادت أن تلقيها عليه.
الذي انطلق بداخلها فور قراءتها للجريدة التي من الواضح عليها بأنها منذ سنوات عديدة.
حدقت به دون أن تتحرك، عاد هاتفا بها بانفعال: فريدة انتي سمعتي أنا قلت إيه.
أسرعت تركض إلى الأعلى تحاول إخفاء معالم الحزن عن وجهها.
أغلق عاصي درج مكتبه بقوة قائلاً بحدة: أكيد عرفت كل حاجه وده مش وقته… الله يسامحك يا فريدة كذا مرة نبهتك قبل كده ومفيش فايدة.
أمسك بالجريدة بضيق ناظرا إلى محتواها متابعاً: ربنا يستر من اللي جاي بعد كده.