
بقلم اسماعيل موسى
مليكه خلصت الشغل يومها وهي حاسه إن الشقه أضيق من ما هي عليه، مش عشان المساحه، لكن عشان النظرات اللي كانت لازقه فيها طول الوقت. الشاب ما اتحركش من مكانه غير مرات بسيطه، كان بيشرب قهوته براحه وكأنه بيتفرج على حاجه قدامه في التلفزيون، مش ست واقفه ماسكه ممسحه وبتحاول تخلص شغلها وتهرب.
كانت بتقنع نفسها إنه ما عملش حاجه صريحه، ما قربش، ما قالش كلمه تجاوز، لكنه كان بيبص بطريقه خلتها حاسه إن هدومها تقيله عليها، وإن كل حركه منها محسوبه. حاولت تسرع من إيدها، خلصت الأوضه ورا التانيه، وكل ما تعدي من قدامه تحس إن عينه بتمشي معاها خطوه بخطوه.
لما قربت تخلص، دخلت المطبخ تعصر القماشه آخر مره، وغسلت إيديها كويس كأنها عايزه تغسل إحساس مش مريح أكتر من أي وساخه. خرجت تقوله إنها خلصت، قام ببطء ومشي لحد باب الشقه، وقبل ما تخرج مد إيده بفلوس زيادة عن المتفق عليه. بقشيش تقيل يخلي أي حد يبتسم.
بصت للفلوس لحظه، وترددت ثانيتين، وبعدين خدتهم وهي بتقول شكرا بصوت ثابت. هي محتاجه الفلوس، ومش هتنكر ده. نزلت السلم يومها وقلبها مش مرتاح، لكن عقلها كان بيحسب الرقم ويقسمه على الإيجار والفواتير.
بعد أسبوع، وهي قاعده في البيت مستنيه مكالمة شغل جديد، رن تليفونها. المكتب بيقولها إن في عميل طالبها بالاسم، نفس الشقه، نفس العنوان. سكتت لحظه وهي فاكره النظرات أكتر من المكان نفسه. سألتهم إذا في حد غيره في البيت، الموظفه ردت ببرود إن ده مش من اختصاصهم، هما بيرسلوا خادمه وخلاص.
قفلت مع المكتب وقعدت تبص قدامها. كانت عارفه إنها تقدر ترفض، بس كانت عارفه برضه إن الرفض معناه إن الدور ده هيروح لغيرها، وإنها ممكن ما تتطلبش تاني. الفلوس اللي اداها لها المره اللي فاتت كانت أكتر من شغل شقتين عاديين.
قامت وقفت قدام المرايه، بصت لوشها وقالت لنفسها إن الشغل شغل، طول ما مفيش حاجه بتتقال أو تتعمل صريح، يبقى هي مسيطرة. لكنها جواها كانت فاهمه إن الموضوع مش بالبساطه دي، وإن كل مره هتروح هناك هتبقى محتاجه قوه أكتر من مجرد ممسحه وجردل ميه.
ومع ذلك، لما جه اليوم، لبست ونزلت. كانت ماشيه ناحية نفس العماره وهي حاسه إن الخطوات بتسألها سؤال واحد، انتي رايحه عشان محتاجه، ولا عشان بتختبري نفسك قد إيه تستحملي.
دخلت مليكه الشقه للمره التانيه وهي حافظه شكل الصاله، حافظه مكان الكنبه اللي كان قاعد عليها، وحافظه الإحساس اللي كان سابقها قبل ما حتى تخبط على الباب. فتح لها الشاب بنفس الهدوء، بنفس النظره الثابته اللي ما فيهاش ابتسامه واضحه ولا وقاحه صريحه.
بدأت تجهز أدواتها من غير كلام كتير. هو قعد مكانه، ولع سيجاره، وفضل ساكت تماما. ما قالش كلمه، ما طلبش حاجه، بس عينه كانت شغاله أكتر من أي لسان. كانت حاسه بالدخان بيتحرك في الجو، وبنظره بتتحرك معاها من وهي واقفه لحد ما تنحني تمسح تحت الترابيزة.
حاولت تشتغل كأنها لوحدها، تركز في البقع، في زوايا السراميك، في تفاصيل مش شايفاها غير هي، لكن الإحساس إنه بيتفرج عليها ما كانش بيسيبها. كل ما تعدي من قدامه تحس إن جسمها متقسم قدامه، بيتقاس بنظره هاديه بارده، كأنها مش ست جايه تشتغل، لكنها حاجه بيتأملها.
ارتبكت أكتر من المره اللي فاتت. قلبها كان بيدق بسرعه وهي بتحاول تحافظ على ثبات حركتها. سألت نفسها ألف سؤال، هو شايف إيه بالظبط؟ هو بيبص كده ليه؟ وليه هي حاسه بالخجل وفي نفس الوقت بحاجه تانيه مش عايزه تعترف بيها؟
لما خلصت كانت متوتره، حسه إنها كانت واقفه قدام اختبار طويل. دخلت الحمام تغسل إيديها، ووقفت لحظه قدام المرايه الكبيره المعلقه هناك. بصت لنفسها كويس. وشها لسه محتفظ بنضارته رغم التعب، عينيها لسه فيهم لمعه، وجسمها رغم الشغل والانحناء لسه متماسك.
ابتسمت ابتسامه خفيفه لنفسها، إحساس غريب عدى جواها. حد كان باصصلها كامرأه، مش كخادمه، مش كأم مرهقه، مش كست داخله على الأربعين بتحاول تعيش. حد كان شايف إنوثتها. الإحساس ده رغم إنه متعب ومربك، لكنه صحي جواها جزء كانت فاكره إنه مات.
افتكرت للحظه القصر، وافتكرت فارس. هناك كانت الأنظار مختلفه. كانت عارفه إن كل حركه محسوبه، وإن وجودها قدامه كان دايما جزء من لعبته هو. كانت بتجلس فوق ساقيه بأمره، في صمت محسوب، من غير ما يكون ليها رأي أو مساحه تفسر نظره أو تتحكم في معناها. هناك ما كانش في ارتباك، كان في سيطره واضحه، أوامر تتنفذ، وحدود مرسومه حتى لو كانت قاسيه.
هنا الوضع مختلف. الشاب ساكت، ما لمسهاش، ما أمرهاش، لكن نظرته كانت سايبه لها مساحه تفكر، ومساحه تتلخبط. الفرق إن في القصر كانت مجبره، أما هنا فهي اللي اختارت تدخل الشقه برجليها.
خرجت من الحمام وهي لابسه وش ثابت تاني. لما قالت له إنها خلصت، قام بهدوء، طفى السيجاره، وشكرها بكلمه بسيطه ومد لها فلوس أكتر من المتفق عليه. بقشيش محترم زي المره اللي فاتت.
أخدت الفلوس وهي حاسه بمزيج غريب من الارتباك والقوه. نزلت السلم وقلبها مليان أفكار متضاربه. هي زعلانه من النظرات، ولا مبسوطه إنها لسه قادرة تلفت عين راجل؟ هل ده ضعف، ولا مجرد إحساس طبيعي افتقدته سنين؟
في الطريق للبيت كانت ماسكه الفلوس جامد، وكأنها ماسكه دليل إنها لسه موجوده، لسه أنثى، ولسه قادرة تعيش بشروطها… حتى لو الشروط دي لسه مش واضحه قدامها بالكامل.
المكتب كلم مليكه بعد كام يوم وقالوا لها إن نفس العميل طالبها بالاسم تاني، وإنه وضح إنه مش عايز غيرها تيجي تنظف الشقه. سكتت لحظه وهي سامعه صوت الموظفه، حسّت إن الطلب مش مجرد شغل، لكنه اختيار. حد اختارها هي، مش أي اسم تاني من القايمه.
اليوم ده وهي رايحه، كانت مختلفه. مش قلقانه بنفس الدرجه، ومش داخله الشقه وهي بتحاول تختفي. كانت داخله وهي واعيه لكل نظره ممكن تحصل، ولفكره إنها مش مجبوره على حاجه. الفلوس كانت مهمه، آه، بس المرادي في حاجه تانيه كانت بتشتغل جواها.
فتح لها الشاب الباب، ابتسامته المره دي كانت أوضح. ما قالش كلام كتير، بس الطريقه اللي وسعلها تدخل بيها كان فيها ترقب ظاهر. بدأت شغلها عادي، لكنه كان متابعها كعادته، قاعد وبيشرب قهوه، ومن وقت للتاني يولع سيجاره.
مليكه المره دي ما حاولتش تتجنب المرايه في الصاله.
بالعكس، عدلت شعرها قدامها لحظه، وبصت لنفسها وهو وراها في الخلفيه. ما كانتش بتتظاهر إنها مش واخده بالها، كانت عارفه إنه شايفها، وقررت ما تهربش من الإحساس ده.
الأفكار كانت بتتزاحم في دماغها. ليه دايما دورها يبقى خادمه، أو مأموره، أو ست مستنيه حد يحدد لها مكانها؟ هي تقدر تختار. لو هتخطو خطوه، تبقى بإرادتها.
لما خلصت نص الشغل، هو كان لسه ساكت، بس عنيه أهدى، أعمق. وقفت قدامه وقالت إنها محتاجه ترتب الكنب عشان تمسح وراه. قام من غير اعتراض، لكنه فضل واقف قريب. المسافه بينهم بقت أقصر، والنفس أقرب.
في لحظه ما بين تفكير وتنفيذ، عملت حاجه ما كانتش مخططالها بالتفصيل، لكنها كانت بتيجي في بالها من ساعة ما خرجت من القصر. قربت أكتر، ومدت إيدها تستند على طرف الكرسي، وبصت له مباشره. كان التحدي واضح في عينيها، مش طلب، ولا ضعف.
جلست فوق قدميه ببطء، حركه واحده محسوبه، من غير اندفاع، من غير خوف، كأنها بتجرب إحساس السيطره المره دي. كانت سامعه ضربات قلبها، حاسه بحرارة المكان، ومدركه إنها هي اللي أخدت القرار. الفرق بينها وبين زمان إن ما فيش أمر، ما فيش صوت بيحدد الوضع، دي كانت خطوتها هي.
لثانيه واحده بس، حسّت بقوه غريبه، وبانتصار صغير على كل شعور قديم بالعجز. الشاب كان متفاجئ، لكنه ما اعترضش، إيده ارتفعت في الهواء لحظه كأنه مش عارف يحطها فين.
وفي نفس اللحظه، باب الشقه اتفتح فجأه
الصوت كان كأنه صفعه. مليكه لفت وشها، وعيونها اتسعت وهي شايفه فريده واقفه عند الباب، ملامحها مش مصدقه اللي قدامها. الصمت وقع تقيل في المكان، أثقل من أي كلام.
للحظه واحده بس، كل حاجه انهارت. لا قوه، لا تحدي، بس إحساس حارق بالخجل، وهي بتدرك إن اللي كان قرار لحظه، بقى مشهد محفور في عين بنتها للأبد.