رواية عشقت محتالة الفصل الخامس 5 بقلم سلمى جاد


رواية عشقت محتالة الفصل الخامس 5 بقلم 
سلمى جاد


بعد الحفلة، كانت جميلة قاعدة في غرفتها قدام التسريحة، بتفك التوكة الفراشة وبتسرح شعرها ببطء، وعقلها لسه محبوس في القاعة تحت.. كانت بتفتكر اللحظات اللي عاشتها مع أدهم، ونظراته ليها اللي كانت بتخترق روحها. حست إنها كانت منفصلة عن العالم وهي في حضنه، وافتكرت همساته المليانة سيطرة وعشق..

سألت نفسها بحيرة: "إزاي تكون دي نظرات أخ لأخته؟ دي نظرات راجل دايب!"

اتنهدت بضيق وهي بتدعي في سرها إن أدهم يفتح معاها موضوع الورث في أسرع وقت عشان تخلص المهمة دي وتهرب، لأنها بدأت تعترف بتأثيره المرعب عليها، وبنبضات قلبها اللي بتتمرد وتزيد في قربه.

قطع حبل أفكارها رنة موبايلها. بصت على الشاشة ونفسها ضاق أول ما عرفت هوية المتصل، وردت بضيق مكتوم:
— "أيوة يا إبراهيم بيه؟"

جاء لها الرد من الناحية التانية بصوت فيه مكر:
— "إيه يا سنيورة؟ إيه آخر الأخبار عندك في القصر؟ السمكة بلعت الطُعم؟"

ضمت شفايفها بتأفف وهي مجبرة ترد:
— "عادي.. كان فيه حفلة أدهم عملها بمناسبة إن أخته اللي هي أنا رجعت."

إبراهيم سكت ثواني، وبعدين ضيق حواجبه باستغراب وريب:
— "حفلة؟ حفلة إيه؟ أنا مش فاهم حاجة!"

جميلة كملت :
— "بعد ما نتيجة الـ DNA اللي إنت طبعاً ضربتها طلعت، قالي إنه هيعمل حفلة وهيعرّف الناس إني رجعت، وده اللي حصل بليل."

إبراهيم صوته اتغير وبقى فيه توتر واضح:
— "أنا معرفش حاجة عن الحفلة دي، وأدهم مقاليش أي حاجة بخصوصها.. ده غير إن لو فعلاً كان فيه حفلة وأعلن فيها إن أخته رجعت، كان زمان مصر كلها اتكلمت والصحافة مقلوبة! أدهم السويسي مش شخص عادي يا جميلة عشان يعمل خبر زي ده في السر."

جميلة بدأت بالحيره :
— "مش عارفة.. بس ده اللي حصل، وكان فيه ناس كتير ورجال أعمال."

إبراهيم رد بسرعة وهو بيقفل:
— "طيب اقفلي.. اقفلي دلوقتي وأنا هشوف إيه اللي بيحصل بالظبط.. الموضوع فيه إن!"

جميلة قفلت الموبايل وبصت قدامها بشرود وهي بتسترجع ذكريات الحفلة بعقل واعي المرة دي.. هي فعلاً حست إن محدش من المعازيم كان عارف إنها أخته! افتكرت نظرات الستات ليهم وهم بيرقصوا، وإزاي كانوا بيتهامسوا بفضول "مين دي اللي مع أدهم السويسي؟". وافتكرت رد أدهم على هشام لما قاله إنها حبيبته، الطريقة كانت غريبة.. كأنه بيقولها عشان يبعده عنها .
________________________________

في صباح يوم جديد، الشمس كانت بدأت تتسلل من الشبابيك العالية بتاعة القصر، وترسم خيوط دهبية على الأرضية الرخام. جميلة نزلت من على السلم وهي لابسة فستان قطن رقيق لونه بينك، هادي وفيه ورود بسيطة، ورافعة شعرها كحكة فوضوية نزلت منها كام خصلة على خدها، خلت ملامحها أرق وأجمل.
أدهم كان قاعد على راس السفرة، بهيبته المعتادة اللي تملا المكان، وبمجرد ما سمع صوت خطواتها الرقيقة على السلم

رفع نظره ببطء.. وفجأة، الزمن وقف عنده لثواني. اتأسر من هيئتها ورقتها، وقلبه دق دقة غريبة وهو بيفتكر إنه هو اللي منقى الفستان ده بنفسه، وكان متأكد إنه هيكون قطعة من السما عليها.
جميلة أول ما شافته، ابتسمت بصفاء وقالت بصوت هادي وناعم:
"صباح الخير."

أدهم حمحم بخشنونة، وحاول يداري ارتباكه وهو بيلف وشه الناحية التانية.. مش عايز يضعف قدام نظراتها، خصوصاً بعد اللي حصل إمبارح في الرقصة، والمشاعر اللي فضحته وخلته مش عارف يسيطر على نفسه. رد بصوت واطي ومتحفظ:
"صباح النور."

جميلة لاحظت إنه لابس بدلة كاملة وجاهز للخروج، فسألت باستغراب وقلق مداري:
"إنت.. إنت رايح الشركة؟"

أدهم رد بإيجاز وهو بيبص في ساعته:
"أيوة."

جميلة هزت راسها بحزن مفاجئ سكن قلبها.. استغربت نفسها، هي ليه مضايقة؟ وليه عايزاه يفضل جنبها طول الوقت؟ بس سكتت وحاولت تسيطر على أفكارها اللي بدأت تروح لسكة خطر.

قطع الصمت ده "يزن" اللي دخل وهو لابس يونيفورم المدرسة، جرى باس جميلة من خدها بحب وبعدها أدهم، وقعد في كرسيه وهو كله حماس. أدهم سأله بهدوء:
"جهزت يا بطل؟ عشان هاخدك المدرسة في طريقي."

جميلة اتفاجئت وبصت ليزن:
"إيه ده، هو إنت وراك مدرسة النهاردة؟"

يزن رد بحماس:
"آه، الدراسة بدأت والنهاردة أول يوم مدرسة."

وفجأة ملامحه اتغيرت وبص لجميلة بزعل:
"بس كده جميلة هتقعد لوحدها طول اليوم!"

جميلة ابتسمت له بوجع خفي، هي فعلاً حست إن القصر هيضيق عليها من غيرهم:
"لا يا يزن مش هكون لوحدي، فيه خدم في القصر وأنا اتصاحبت عليهم.. متقلقش عليا."

أدهم كان متابع الحوار بتركيز، وفجأة سألها بجدية قطعت تفكيرها:
"احم.. أنا عرفت من ورقك إنك خرجتي من المدرسة وإنتي في تالتة ثانوي، صح؟"

جميلة اتصدمت من السؤال، ووطت راسها في الأرض بإحراج وحزن حقيقي:
"صح.."

أدهم كمل بصوت فيه نبرة آمرة بس حنينة:
"طيب، أنا قررت أقدملك ورقك في الجامعة عشان تكملي تعليمك.. مينفعش ياسمين السويسي تبقى معاها ثانوية."

جميلة رفعت عينيها وبصت له بصمت.. كلامه لمس حتة جواها كانت ميتة. هي عارفة إن كل ده كدب، وإنها فترة وهتمشي، وإن "ياسمين" اللي بيكلمها دي مش موجودة أصلاً.. بس غصب عنها عينيها دمعت بامتنان. حست إن فيه حد لأول مرة بيفكر في مصلحتها، وبيخاف على تعليمها، حتى لو كان فاكرها أخته.. الحنية اللي في صوته خلت قلبها يوجعها أكتر على اللعبة اللي هي فيها.

هزت راسها من غير ولا كلمة، وهي بتدعي في سرها إن اللحظة دي متبوظش، وإنها تقدر تفضل في الجنة دي لأطول وقت ممكن قبل ما الحقيقة المُره تصحيها.

__________________________________

في مكتبه الفخم بشركة السويسي، كان أدهم ساند ضهره لورا، وماسك قلم بيلفه باحترافية وسرعة حوالين صباعه؛ الحركة دي مبيعملهاش إلا لما يكون عقله شغال في مية اتجاه. عينيه كانت مركزة على نقطة وهمية في الفراغ، وملامحه جامدة مابتبيّنش أي انفعال، لكن هدوءه ده دايماً بيكون الهدوء اللي قبل العاصفة.
قطع حبل أفكاره دخول "علي" اللي قفل الباب وراه، ووقف قدام المكتب بملامح مشدودة وجادة جداً.

أدهم من غير ما يرفع عينه، وبنبرة صوت هادية بزيادة تخوف:
"ها يا علي.. وصلت لإيه؟"

علي حمحم بجدية:
"كله تمام يا أدهم باشا.. الطرف التاني بيتحرك زي ما حضرتك توقعت بالظبط، فاكر إن الخيوط كلها في إيده ومطمن عالأخر. حتى بعد المكالمةاللي تمت بينهم إمبارح ،هو قلق شوية لكن مازال مطمن ، ومستحيل يتخيل إننا ممكن نكون عارفين حاجه."

أدهم بطل يلف القلم فجأة، ورزعه على المكتب بقوة، وسند إيده وظهرت على شفايفه ابتسامة باردة مبيظهرش منها غير طرفها:
"تمام.. خليه مطمن. أنا بحب أوي اللي بيلعب وهو فاكر إنه غالب، بتبقى وقعته دويها عالي. سيبه يعيش الوهم شوية، ويفرش أحلامه على رمله ناعمة.. وأنا هتفرج عليه من بعيد وأنا مستمتع بالسيناريو اللي أنا كاتبهوله بنفسي، بس النهاية هتكون من تأليفي أنا."

علي بص له بتردد، وحاول يفهم اللي بيدور في دماغ أدهم، وسأله:
"حضرتك ناوي على إيه يا باشا؟ القصر بقا فيه غريب، وإحنا مش ضامنين رد فعلها لو حست إننا كاشفينها."

قاطعه أدهم بصوت حاد وواثق وهو بيلف بالكرسي ناحية الشباك الزجاجي اللي كاشف القاهرة كلها تحت رجليه:
"أنا عارف كل حاجة يا علي.. عارف إنها داخلة بيتي عشان تنصب عليا، وسايبها بمزاجي. وعارف إن القصر داخل عليه أيام مش هتهدى بالساهل. اللعب المرادي مش على فلوس وبس، اللعب بقى على المكشوف.. هي جاية تتاجر باسم أختي، وده ذنب عقابه عندي غالي أوي."

سكت أدهم لحظة، وعينيه لمعت بنظرة غامضة وكمل:
"المهم دلوقتي، العين تفضل مفتوحة على كل حركة بيعملوها، وكل نفس بياخدوه. عايز تقرير عن كل نفس بيطلع منهم .. فاهم؟"

علي هز راسه بجدية:
"تمام يا فندم، كل شيء تحت السيطرة."

أدهم رجع قعد تاني ببرود، وسحب ملف من قدامه:
"ابعتلي رزان.. عايز أخلص صفقات النهاردة بسرعة، عشان ورايا حاجات تانية أهم محتاجة تركيز في القصر.

علي خرج وقفل الباب، وأدهم فضل باصص للسراب بجمود، ورجع مسك القلم ولفه لفة أخيرة وهو بيهميس لنفسه :
"يا ترى اللي باعتك ليا ورماكي في النار دي كنتي عارفة نهايتها.. ولا إنتي مجرد طُعم في صنارة ،مسيرنا نعرف يا.. جميلتي. 

__________________________________

كانت جميلة قاعدة في جنينة القصر، سرحانة في الخضرة والهدوء اللي حواليها، ومزاجها كان رايق لأول مرة من ساعة ما دخلت السكة دي.. بس فجأة، شافت خيال شخص داخل عليها، وبمجرد ما ميزت ملامحه، قلبها اتنفض وضيق عينيها بقرف.

همست لنفسها بضيق: "يا فتاح يا عليم.. إيه اللي جابه ده دلوقتي؟ ما أنا كان مزاجي حلو ورايق!"
إبراهيم دخل بخطواته الثقيلة وقعد قدامها ببرود، وبص لها بنظرة فاحصة وقال:
"إزيك يا حلوة؟ واكلة الجو هنا وشكلك نسيتبنا خالص."

ردت عليه باقتضاب وهي بتبص حواليها بتوتر:
"إيه اللي جابك هنا يا إبراهيم بيه؟ كده أدهم ممكن يشك فينا.. مش إحنا اتفقنا إن التحركات تكون بحساب؟"

إبراهيم رد عليها باستخفاف:
"يشك في إيه يا هبلة؟ أنا عمك.. ومن حقي آجي أزور بنت أخويا اللي كانت غايبة بقالها عشرين سنة وأشبع منها.. المهم سيبك من الكلام ده، أنا نبشت ورا الواد أدهم ولقيت إنه موصلش لحاجة، بس اللي جنني وعايز أعرفه.. ليه معرفنيش بحفلة إمبارح؟ وليه مقاليش إن فيه مناسبة كبيرة زي دي؟"

جميلة ردت ببساطة وبرود وهي بتهز رجلها:
"طيب وما تسأله هو.. أنا مالي؟"

إبراهيم ملامحه اتقلبت بغضب ووطى صوته:
"أسأله إزاي يا غبية؟ كده هيشك أكتر.. هو عارف إن العلاقة ما بيني وبينك لسه جديدة ومش قوية لدرجة إنك تعزميني أو تعرفيني بتفاصيل الحفلة.. كنت مستني هو اللي يكلمني."

جميلة لوت بوزها وقالت بتفكير:
"طيب ما يمكن يكون يزن هو اللي قاله إنه عرفني.. أو أي حد من الخدم."

هز راسه بنفي وقرف:
"لا.. الواد يزن ده مبيطقنيش، وعمره ما هيفتح بقه معايا بكلمة."
جميلة همست بينها وبين نفسها بسخرية: "عنده حق بصراحة، ده إنت تسد النفس."

وفجأة، اتصنمت مكانها، والدم هرب من عروقها لما سمعت الصوت اللي دب الرعب في قلبها، صوت رجولي حاد ومن وراهم:
"إيه يا عمي.. جيت من إمتى؟"

إبراهيم اتنفض من مكانه وبدأ يفرك في إيده بتوتر واضح، ورد بصوت مهزوز وهو بيحاول يرسم ابتسامة:
"إزيك يا حبيبي؟ حمد لله على سلامتك.. أنا جيت من شوية صغيرة، قلت أقعد مع بنت أخويا وأملي عيني منها، وأعوض نفسي عن السنين اللي مكنتش في حضني فيها."

أدهم هز راسه ببطء وهو مربع إيده، وعينيه كانت مركزة على جميلة وملاحظ توترها اللي مش عارفة تداريه، سألها بهدوء غريب:
"مالك يا جميلة؟ وشك جاب ألوان ليه؟ هو عمي ضايقك ولا حاجة؟"

إبراهيم اتدخل بسرعة عشان يلحق الموقف:
"وأنا هضايقها في إيه بس يا أدهم؟ ده إحنا كنا بنتعرف على بعض أكتر، وكانت بتحكي لي عن حياتها طول العشرين سنة اللي كانت بعيدة عني وعن حضن العيلة فيهم."

أدهم رفع حاجبه وبص لعمه بنظرة غامضة، نظرة كأنه بيخترق بيها عقله، وسأله بصوت هادي ومرعب في نفس الوقت:
"آه.. تمام.. وقالتلك إيه بقى يا عمي؟ شوقتني أعرف إيه اللي ممكن تحكيهولك ومحكتهوش ليا."

إبراهيم زاد توتره وبلع ريقه بصعوبة:
"ها.. لا.. كلام عادي يعني.. ذكريات قديمة وكده."

أدهم قام وقف بهيبته اللي غطت على المكان، وبص لعمه ببرود وقال:
"طيب يا عمي.. أنا هقوم أغير هدومي، خليك قاعد عشان تتغدى معانا، الأكل زمانه جهز."

إبراهيم حس إنه محتاج يهرب من تحت نظرات أدهم في أسرع وقت، فقام بسرعة وهو بيعدل جاكته:
"لا يا حبيبي.. تسلم، أنا هقوم أمشي بقى ورايا مشاوير تانية، المهم إني اطمنت على ياسمين.. 

أدهم فضل واقف مكانه لثواني، عينيه كانت مثبتة على جميلة بنظرة باردة وصعبة تتفهم، كأنه بيقرا اللي بيدور في عقلها من غير ما ينطق ولا كلمة. السكوت كان تقيل لدرجة إن جميلة حست إنها عايزة تقوم تجري من قدامه.
وفجأة، كسر الصمت ده ووجه كلامه ليها بنبرة هادية بس فيها حزم، وهو بيتحرك ناحية باب القصر:
"أنا طالع أغير هدومي.. ياريت تطلبي من الشغالة تجهز السفرة، عشان عندي كلام كتير عايز أحكيه معاكي وإحنا بنتغدى."

جميلة بصت لضهره وهو ماشي بخطواته الواثقة، وحست بقلبها بيدق بعنف. "كلام كتير؟ يا ترى قصده إيه؟ وهل سمع حاجة من اللي اتقالت؟"

أول ما أدهم اختفى من قدام عينيها، جميلة اتنفست بعمق وسندت ضهرها على الكرسي وهي بتمسح عرق خفيف ظهر على جبينها.
"يخرب بيتك يا إبراهيم يا سويسي.. كنت هتوديني في داهية! أدهم ده مش سهل، ده عينه بتخرم الوش.. يا رب تسترها وميكونش حس بحاجة

جميلة كانت واقفة في المطبخ مع الخدم اللي فعلًا بدأت تكسر معاهم حاجز الغربة وتصاحبهم، وبمجرد ما الغدا جهز، قررت تقوم بدور الأخت وتطلع تنادي أدهم بنفسها. طلعت السلم الرخامي وهي بتبص للطرقة الطويلة اللي فيها غرف كتير بحيرة.. "يا ربي، هي أوضته كانت أنهي واحدة فيهم؟".

افتكرت مرة لمحته وهو خارج من باب في آخر الطرقة، فخمنت إنها دي. راحت خبطت مرة، واتنين، وتلاتة.. مفيش رد. السكون اللي ورا الباب خلاها تشك إنها أوضة فاضية أو إنها غلطت في العنوان، ففضولها حركها وقررت تفتح الباب وتتأكد.

بمجرد ما فتحت الباب ودخلت، رجلها اتسمرت مكانها.. "إيه ده؟ ده مش مجرد جناح، ده عالم تاني!". مشيت بدون وعي وهي بتتأمل تفاصيل جناح أدهم السويسي اللي كان بيعكس شخصيته بالملي.

الديكور كان بيطغى عليه اللون الرمادي الفحمي مع الأسود الملكي، والحيطة الرئيسية كانت من الحجر الطبيعي الخشن اللي بيدي إحساس بالقوة والجمود. الأثاث كان مودرن بحدود حادة وواضحة، مفيش فيه أي تفاصيل زايدة، والسرير الضخم كان متغطي بمفروشات حرير سوداء بتلمع تحت إضاءة خافتة .

في ركن بعيد، كان فيه مكتب فخم من الخشب الأبنوس عليه أوراق منظمة بالمسطرة، وجنبه مكتبة ضخمة واخدة الحيطة كلها، مليانة كتب في الاقتصاد والسياسة، وفي النص شاشة عرض عملاقة. ريحة الجناح كانت خليط بين بخور العود وريحة برفانه اللي بيخطف الأنفاس.. المكان كان بينطق بالفخامة والجديّة 

جميلة كانت ماشية بتلمس طرف المكتب بإيدها وهي منبهرة بالذوق الرفيع ده، وفجأة استوعبت إنها كدة بتقتحم خصوصيته ولازم تخرج بسرعة قبل ما حد يشوفها.

لسه بتلف عشان تخرج وتلحق نفسها، سمعت صوت تكة باب الحمام الداخلي وهو بيتفتح.. لفت بسرعة وهي مخضوضة، وهنا فتحت عينيها بصدمة وخجل ووشها جاب ألوان.

أدهم كان خارج، شعره مبلول وبينقط مية على جبهته، ولابس بنطلون قطني مريح بس، وعضلات صدره وجسمه الرياضي كانت باينة بوضوح مرعب.. وقف مكانه وبص لها بحواجب مرفوعة ونظرة حادة اخترقت خجلها، وقال بصوت رخيم فيه نبرة استغراب:

"جميلة؟ بتعملي إيه في أوضتي؟"
_____________________________

سايق عربيته في شوارع القاهرة الزحمة، عينه على الطريق بس عقله كان في مكان تاني خالص. داخل على التلاتين، وحياته عبارة عن دايرة روتينية مبيخرجش منها؛ شغل، جيم، ونوم. أهله ماتوا من سنين، ولقى نفسه وحيد في الدنيا ملوش أخوات، ملوش في الدنيا غير خالته الوحيدة ،وصداقته لأدهم السويسي وشغله معاه هما كل حياته.

وهو سرحان، فجأة ظهرت قدامه بنت زي الطيف.. داس فرامل بكل قوته، والكاوتش صرخ على الأسفلت، بس للأسف العربية خبطتها خبطة بسيطة وقعتها الأرض.

علي نزل من العربية بسرعة، لقى البنت واقعة على الأرض وماسكة رجلها وبتتألم بوجع يقطع القلب:
"آآآه.. رجلي.. مش قادرة!"

علي نزل لمستواها بقلق حقيقي:
"أنا أسف.. إنتي كويسة يا آنسة؟ حصلك حاجة؟"
البنت كانت بتبكي ووشها أحمر من الألم:
"رجلي.. رجلي بتوجعني أوي.. مش عارفة أحركها."

علي بص يمين وشمال لقى الناس بدأت تتجمع، فقال بلهفة:
"طيب تعالي، مفيش وقت، هوديكي المستشفى فوراً نطمن عليكي."

جت تحاول تقوم، صرخت ورجعت قعدت تاني:
"مش قادرة.. مش قادرة أقف على رجلي خالص."

علي ملقاش قدامه حل غير إنه يتصرف بسرعة.. وبدون تردد، مد إيده وشالها من على الأرض. وبسبب بنيته الضخمة وعضلاته، جسم البنت الضعيف كان بين إيديه كأنه ريشة.

البنت اتخضت ووشها بقى زي الدم من الخجل، وبدأت تتحرك وتحاول تفلت منه:
"إنت بتعمل إيه يا جدع إنت؟! نزلني.. عيب كدة!"

علي بصلها بجدية وصرامة :
"يا آنسة حضرتك رجلك متصابة، ومينفعش تتحركي.. لو دوستي عليها ممكن تتأذي أكتر، اهدي لو سمحتي."

البنت مكنتش بتسمع وبدأت تعترض بصوت عالي:
"بقولك نزلني! إنت مفكر نفسك مين؟"

علي وقف فجأة، وعيونه اسودت وبقت نبرة صوته أغلط، واتكلم بغضب مكتوم:
"قولتلك متتحركيش!"

البنت سكنت فجأة من هيبة صوته، وفي اللحظة دي.. عين علي جت في عينيها لأول مرة. خد باله من ملامحها اللي تخطف؛ بشرتها بيضا زي الحليب، وشعرها بني ناعم واصل لحد كتفها، وخصلات منه نازلة بتمرد على عينيها العسلي الفاتح.

وبسبب وقوفها تحت الشمس، لون عينيها كان بيلمع بطريقة تأسر القلب. ملامحها كانت بريئة جداً، وخوفها منه ومن ضخامة جسمه خلاها تبان زي الطفلة بين إيديه.

البنت ضمت نفسها بخوف وسكتت خالص، كأنها استسلمت لقدرها بين إيدين العملاق ده.

علي ركبها في الكرسي الأمامي بهدوء، ولف ركب مكانه وشغل العربية. الصمت كان سيد الموقف لدقايق، لحد ما علي قطعه بصوت هادي وهو باصص للطريق:
"أنا أسف يا آنسة.. أنا فعلاً مكنش قصدي أخبطك، كنت سرحان شوية."

البنت هزت راسها بصمت وهي لسه بتبص من الشباك بخوف وتوتر، كأنها بتدعي الموقف ده يخلص بسرعة.
علي بصلها بطرف عينه وسألها بنبرة بيحاول يلطفها:
"إنتي اسمك إيه؟"

ردت بصوت واطي ومبحوح من أثر العياط:
"ياسمين.. اسمي ياسمين."


                   الفصل السادس من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة