
الزنزانة كانت ضلمة… ريحتها وحشة… والرطوبة ماسكة في الحيطان المشقّقة.
اللمبة الصفرا الخافتة واقعة على وش مراد وهو بيتحرك بجنون… عامل زي حيوان أول مرة يتحبس.
كان بيخبط على الباب الحديد بإيديه… يصرّخ… يضحك… يصفر… ويرجع يزمجر.
الباب اتفتح.
خطوات تقيلة… ساقعة… مولّعة غضب.
دخل عاصم.
وقف عند الباب… ماقربش.
إيديه في جيوبه… كتافه مرخيين… وبصّة شماتة ساقعة على وشه.
مراد (وقف مكانه ثواني، بعدها ضحك ضحكة مكسورة):
– آه… الأسد قرر يزور القفص؟
اتفضل يا عاصم… تعالى اتفرّج على اللي عملته فيّا.
عاصم ما اتحركش.
عنيه ثابتة… ناشفة… مافيهاش نقطة رحمة.
رفع دقنه سنة لفوق.
عاصم (بهدوء يخوّف):
– شكلك لسه ما فهمتش…
إنت مش أسد.
إنت جثة واقفة… بس محدش بلغها.
ملامح مراد تصلّبت…
قرب من القضبان ببطء… عروق رقبته نافرة… عنيه حمرا.
مراد:
– اتكلّم عدل… أنا اللي عملتك… وأنا اللي وقفت جنب أبوك… أنا—
عاصم قطعه، بابتسامة صغيرة… قاتلة:
– أبويا؟
أبويا يا مراد؟
ولا تقصد رائد… اللي قتلته؟
سكت مراد.
حاول يخبي الرجفة اللي في عنيه… بس فشل.
مراد (يحاول يتماسك):
– دا… دا كان لازم. رائد كان أهبل… وكان هيبوّظ كل حاجة—
عاصم (ضحكة قصيرة… سودا):
– آه… كان غبي… وكان طيب… وكان أشرف منك بمليون مرة.
وأهم من ده كله…
كان أخويا.
وإنت قتلته.
قرب خطوة… بس الخطوة دي كانت كفاية تخنق مراد.
عاصم:
– وأنا…
والله… ما هنسى.
مراد صرخ وهو بيخبط القضبان:
– وانت خطفت بنت زياد! انت خربت حياته!
انت السبب في اللي حصل له!
عاصم انحنى شوية… صوته بقى سخرية تقيلة:
– وهنا مربط الفرس.
عارف ليه عملت كده؟
عشان نديم… كلبك الوفي…
كان واقف جنبي سبع شهور…
يوسوس…
يغسل دماغي…
يقولي: "زياد قتل رائد".
رفع راسه… والنظرة اللي في عينيه قتلت آخر ذرة كبرياء عند مراد.
عاصم:
– والحقيقة؟
إن اللي قتل رائد…
هو إنت.
إنت اللي خططت… وإنت اللي نفذت…
وإنت اللي ضحّيت بأقرب الناس ليك…
عشان طمعك وقرفك.
مراد صرخ:
– إنت كذاب!
– إنت جا—
عاصم قطع كلامه ببرود مميت:
– زياد… لسه عايش.
والحادث اللي دبّرته؟ فشل.
ودلوقتي…
بيقوم على رجليه… واحدة واحدة…
وعارف حقيقتك.
مراد اتجمّد.
العرق على صدغه ارتعش.
مراد:
– لا… لا… مستحيل…
زياد مات… لازم يكون مات…
عاصم ابتسم… ابتسامة سفّاح هادي:
– لا… وده اللي محرق دمك مش كده؟
إنه لسه عايش… ولسه هيشوف بنته…
وبنته؟
اللي أنا كنت فاكر إني بخطفها عشان آخد حقي…
ما كنتش فاهم إني بأذي أطهر راجل قابلته في حياتي.
قرب خطوة تانية.
عاصم:
– وعلى فكرة…
ولادك؟
ريما؟
سليم؟
سابوك.
كرهُوك.
و مراتك؟ نرمين؟
هربت.
خافت تقعد جنبك ثانية.
مراد انفجر جنان:
– لأ!
– ريما ما تعملش كده!
– سليم ده ابني!
– نرمين ما—
عاصم رفع إيده وقطعه:
– حتى نديم… الوفي بتاعك…
سافر.
سبّك.
زيّك زي كل الناس.
سكت…
وسكوته كان أقتل من الكلام.
مراد صوته اتكسر لأول مرة:
– عاصم…
إنت مش فاهم…
أنا… أنا كنت بحميكم…
كنت—
عاصم:
– كنت بتحمي مين؟
نفسك؟
ولا سلطتك؟
ولا جنانك اللي خلاك تقتل صاحب عمرك… وخالد… أحسن الناس؟
مراد غمض عينه… كأنه اعترف جوا نفسه.
عاصم كمل… بنبرة هادية… بس تخوّف:
– خلاص يا مراد…
اللعبة خلصت.
وإنت…
هتقعد هنا… تستنى الحكم.
والحكم؟
مش مستبعد يبقى إعدام.
مراد اتخض:
– لأ…
– لأ… مستحيل…
– أنا مراد الشرقاوي!
– محدش يقدر—
عاصم ابتسم ببطء:
– كان.
كنت مراد الشرقاوي.
دلوقتي؟
إنت رقم… في سجن…
ومحدش هيقراه.
استدار…
فتح الباب…
وقف لحظة من غير ما يبص وراه.
عاصم:
– ورائد؟
أنا هريح قلبه.
ووعد…
حقه جاي.
على مهَل… بس جاي.
خرج.
وساب مراد يصرّخ…
يخبط…يعيط…يضحك…ينهار…ومحدش بيرد.
********************
في المركز الطبي – ألمانيا، الساعة 10 صباحاً
ضوء النهار يدخل عبر النوافذ الكبيرة، رائحة معقّمات خفيفة، وأصوات خطوات المرضى والأطباء تمتزج في الممرات.
بيجاد كان يدفع كرسي ربى المتحرك ببطء… بطمأنينة.
عيناه مسمرتان عليها أكثر مما هما على الطريق.
وربى… كانت يداها على حِجرها، أصابعها ترتعش بخجل، وعيونها تتجنب النظر إليه كلما لمحته ينظر إليها بمحبة واضحة.
دخل الاثنان غرفة العلاج الطبيعي.
طبيب شاب ألماني، اسمه الدكتور مارتن، نهض مرحّباً.
مارتن (بالإنجليزية، بنبرة لطيفة):
– صباح الخير ربى… صباح الخير سيد بيجاد.
اليوم نبدأ أول جلسة.
هي مش هتكون سهلة… لكن مع الوقت… رح نقدر نشوف تقدم.
بيجاد ابتسم بثقة:
– إحنا جاهزين…
وهي أقوى من اللي تفكر فيه يا دكتور.
ربى رفعت نظرها لبيجاد للحظة…
ثم خفضته بسرعة، ودفء صغير مرّ في عينيها.
مارتن:
– ممتاز… اليوم نركّز على تحريك العضلات وإعادة استجابة الأعصاب.
لكن أهم عنصر… هو الدعم العاطفي والنفسي.
وهنا… أنت يا سيد بيجاد… لازم تكون كتفها.
بيجاد يضع يده على مقبض الكرسي، صوته منخفض… صادق:
– أنا كتفها… وضهرها… وكل شي تحتاجه.
ربى أغمضت عينيها للحظة… كأن الكلمات لمست شيئاً مكسوراً فيها.
مارتن بدأ تجهيز الحزام والمعدات.
ثم اقترب من ربى:
مارتن:
– ربى… اليوم رح نحاول نوقف لدقيقتين فقط.
لو حسّيتي بألم… إشّري بإيدك.
ربى حرّكت إصبعاً قليلاً كعلامة موافقة.
بيجاد انحنى أمامها، مستواه قريب من مستوى وجهها، نظر مباشرة في عينيها.
بيجاد (بنعومة):
– لو خايفة… قولي.
لو متوترة… قولي.
ولو موجوعة… همس بإصبعي وأنا هوقف الجلسة فوراً.
عينا ربى تمتلئان بالدموع… دموع لا يسمعها أحد… لأنها لا تستطيع الكلام.
لكن بيجاد… لاحظ كل شيء.
لمس خدّها بإصبعه، بخفة:
– إياكِ تفكري إنك لوحدك…
من النهار اللي كتبنا فيه الكتاب… صرتِ مراتي…
ومن قبلها بكتير كنتِ روحي.
ربى ارتجفت.
دمعة انزلقت على خدها بلا صوت.
مارتن:
– حسنًا… نبدأ.
ربط الطبيب حزام الدعم حول خصر ربى، وبمساعدة بيجاد رفعوها ببطء.
كانت ترتجف… ركبتاها لا تثبتان… وبيجاد كان ممسكاً بذراعيها بقوة وثبات.
ربى (تهتز، تتنفس بسرعة)
بيجاد يقرب جبينه من جبينها، يهمس:
– أنفاسي أنفاسك…
خدي وقتك…
أنا هنا… هنا يا ربى… مش رايح مكان.
تدريجياً…
استقرت.
وقفت.
لأول مرة منذ ثلاث سنوات… وقفت.
عيناها اتسعتا…
صوت أنفاسها تسارع…
والدموع تنزل بغزارة.
مارتن بابتسامة فخر:
– ممتاز!
هذا إنجاز كبير!
ربى… أنتِ قوية جداً.
لكن ربى لم ترَ الطبيب… كانت تنظر فقط إلى… بيجاد.
بيجاد ابتسم لها… ابتسامة رجل رأى معجزة أمام عينيه.
بيجاد (بصوت مبحوح من التأثر):
– فخور فيكِ…
والله العظيم فخور فيكِ.
ربى رفعت يدها المرتجفة…
وبصعوبة… وضعتها على خدّه.
لم تستطع الكلام…
لكن أصابعها قالت كل شيء.
بيجاد أخذ يدها بين يديه…
وقبّلها برهافة، كأنها شيء مقدّس.
بيجاد:
– وعد…
كل يوم… هنمشي خطوة زيادة.
وكل دقيقة… هكون جنبك.
لحد…
ما ترجعي تمشي…
وتتكلمي…
وتضحكي…
وتعيشي حياتك كلها من جديد.
ربى أغمضت عينيها…
وبكت بصمت…
لكن هذه المرة… كانت دموع رجوع الروح.
مارتن (تأثر صوته):
– أعتقد… يكفي اليوم.
لا نريد إنهاكها.
أعادوها للكرسي بلطف.
وما إن جلست…
حتى أمسكت ربى طرف معطف بيجاد بأصابعها…
تشده قليلًا… كأنها تقول:
"لا تروح… ابقى."
ابتسم بيجاد، جلس على ركبته بجانبها:
– مش هاروح.
ولا ثانية.
ربى ابتسمت… ابتسامة صغيرة، باهتة، لكنها أول ابتسامة حقيقية منذ ثلاث سنوات.
جلستا كفّها فوق كفه، وبيجاد لوهلة شعر أنه…
أخيراً…
رجع بيته.
*******************
في ألمانيا – في كافيه صغير بيبصّ عالنهر – بعد الضهر
البرد الخفيف داخل من ورا الإزاز، وبخار القهوة طالع قدّامهم.
الكافيه هادي، موسيقى بيانو واطية، والناس قلّيلة.
سليم القيصري قاعد ضهره مفروض، وإيديه الكبيرتين ماسكين الكوباية كإنه بيدفيها.
نيروز قصاده… متوترة شوية، صوابعها بتلعب في حافة الفنجان، وعنيها مش قادرة تبصّ في عينه… زي كل مرة.
سليم (يبصلها من الجنب، صوته هادي):
– مش لازم تفضلي ساكتة كده… إنتي بتتوّتري مني؟
عينيها توسع سنة، ونظرتها تقع لتحت عالقهوة.
نيروز (بخجل باين):
– لا… مش توتر… بس… مش عارفة أقول إيه.
سليم يرفع حواجبه سنة، ويبتسم ابتسامة صغيرة نادرة.
سليم:
– قولي اللي يخطر على بالك… إحنا اتنين متجوزين، مش أغراب.
نيروز تتجمد لحظة عند كلمة متجوزين… كإنها لسه مش مستوعباها.
تتنحنح.
نيروز:
– سليم… أنا… مش عايزة أظلمك.
يهزّ راسه بهدوء، كإنه كان مستني الكلام ده.
سليم:
– إنتي لحد دلوقتي شايفاني ضحية؟
تهز راسها بسرعة، متوترة.
نيروز:
– لا! بالعكس… إنت طيب… ولطيف… وبتعاملني أحسن من أي حد.
بس… الجوازة اللي حصلت فجأة… أنا ماكنتش جاهزة أبقى… زوجة… لأي حد.
يبصلها مدة… النظرة فيها حنان غريب، عميق… مش محتاج كلام.
سليم:
– ولا أنا كنت جاهز… بس اللي حصل، حصل.
واللي أعرفه… إني مش هضغط عليكي ولا أستعجل.
نيروز… إنتي بنيّة… تستاهلي حد يفهمك… مش حد يكسرِك.
عيونها تترمش بسرعة… كلمة بسيطة هزّت جواها حتّة ما حدش لمسها قبل كده.
نيروز (بهمس):
– شكراً…
سليم ياخد رشفة قهوة ويحط الكوباية تاني بهدوء.
سليم:
– طب خلينا نبدأ خطوة خطوة… نتعرف على بعض.
احكيلي عن الألماني اللي كان بيزعّق في الأوتوبيس النهارده؟
(يبتسم بخفة)
نيروز تضحك غصب عنها، وتغطي بقها بإيدها بخجل.
نيروز:
– والله ما فهمت منه كلمة… بس كنت متأكدة إنه بيشتم!
سليم:
– أكيد كان بيشتم… وشكلك كنتي مبسوطة إنه مش فاهم إنك مش فاهمة.
تضحك أكتر… ولأول مرة ترفع عنيها تبصّ له مباشرة.
هو لاحظ… وبصته اتغيّرت… كإن حاجة اتحركت جواه.
سليم (بصوت أوطى):
– ضحكتِك حلوة.
خدودها تحمّر في ثانية، وتنزل راسها.
نيروز (مرتبكة):
– سليم…
يميل شوية لقدّام.
سليم:
– إنتي خايفة مني؟ ولا خايفة من إحساس جديد؟
تتجمد.
الكلام دخل للحتّة اللي كانت بتهرب منها أصلاً.
نيروز (بصوت واطي):
– أنا… خايفة أظلمك… وخايفة أظلم نفسي.
سليم يرجع على الكرسي… يقفل إيديه على صدره براحة.
سليم:
– طيب… نعمل اتفاق.
لا ظلم… ولا توقعات كبيرة… ولا استعجال.
يوم بيومه.
وإنتي… كل اللي عليكي… ما تجريش مني.
سيبيني أقرب… وحدة وحدة.
تبصله… تتأمل ملامحه الهادية… القوية… الطيبة.
عارفة إنه راجل ما يقولش كلمة في الهوا.
وإن الحنان اللي في صوته… مش فخ… ولا محاولة إنه يوقعها…
ده صدق.
تهز راسها ببطء.
نيروز:
– حاضر… بس خطوة خطوة.
يبتسم… ابتسامة صغيرة، بس أحلى من اللي بيبينها عادة.
سليم:
– خطوة خطوة.
يمد إيده ناحيتها… مايمسكهاش… بس يقرب صوابعه من صوابعه، كدعوة هادية.
هي تتردد…
وبعدين ببطء شديد… تحط صوابعها فوق صوابعه.
ارتجفتها ما هربتش منه…
وهو ما سحبش إيده.
بس ربّت على صوابعها بإبهامه… برقة… رقة أول مرة تعرفها.
لحظة ساكتة…
بس كانت بداية حقيقية.
*********************
تسحب نيروز يدها بخجل فور دخول زبائن جدد… لكن سليم لاحظ الارتباك الجميل في عينيها.
قبل أن يتحدث، سمع صوتًا حادًا، مبالغًا في النعومة:
"سلييييم؟! يا نهار أبيض… هو إنت؟"
يلتفت سليم ببطء.
تتجمد نيروز.
وتقترب فتاة بشعر طويل مصبوغ بلون فاقع، وملابس لا تناسب برودة ألمانيا على الإطلاق… خطواتها كلها ثقة متصنعة.
ترسم ابتسامة واسعة وتفتح ذراعيها:
رانيا:
"يا جدع! إيه دا؟ إنت هنا؟ في ألمانيا؟!"
سليم (ببرود واضح):
"رانيا… إزيّك؟"
تلتصق به تقريبًا، دون أن تلمسه رسميًا… لكن قربها يكفي لجعل دم نيروز يغلي لأول مرة دون فهم.
تحدّق بها الفتاة من رأسها حتى قدميها… ثم تعود لسليم.
رانيا:
"مش معقول! آخر مرة شفتك من… أربع سنين؟ خمس؟"
سليم:
"تقريبًا…"
تضم شفتيها، تقترب أكثر، وكأنها لم تلاحظ وجود نيروز أصلًا.
رانيا:
"وحشتني يا سليم… على فكرة… كنت دايمًا بقول لنفسي إنك هتفضل سنجل… عشان محدش يليق عليك."
هنا… رفعت نيروز حاجبًا بلا قصد.
كانت صامتة… لكن سليم شعر بغيرتها تتصاعد مثل بخار القهوة.
سليم (يشير بهدوء لنيروز):
"دي نيروز."
تلتفت رانيا بكسل شديد… ونظرة احتقار واضحة.
رانيا:
"صاحبتك ولا الموديل اللي معاك النهار دا؟"
قبل أن ترد نيروز، وقبل حتى أن تلتقط نفسها…
قطع سليم الجملة كالسكين:
سليم (بثبات شديد):
"مراتي."
تتسع عينا رانيا… تصمت لثانيتين، ثم تضحك ضحكة غبية:
رانيا:
"مراتك؟!
إنت بتهزر… دي؟"
تنظر إلى نيروز نظرة من الأعلى للأسفل…
كأنها تقول: هذه؟ هي التي أخذتك مني؟
لكن نيروز — رغم خجلها — رفعت ذقنها قليلًا.
ولأول مرة… شعرت برغبة صغيرة في الدفاع عن مكانها.
نيروز (بصوت هادئ، لكن ثابت):
"اه...مراته."
تضغط رانيا شفتيها غيظًا، وتلتفت لسليم:
رانيا:
"إنت إتجننت؟ الجوازة دي حصلت إزاي؟!
دي بنت… يعني… عادية جدًا!"
قبل أن تتكلم نيروز، جاء صوت سليم منخفضًا… لكنه حاد كالحديدة:
سليم:
"رانيا… احترمي كلامِك."
تقهقه رانيا بسخرية، تتقرب منه أكثر:
رانيا:
"طب بلاش.
وحشتني بجد يا سليم.
واحنا لازم نتكلم… لوحدنا. عندي كلام مهم قوي ليك."
سليم:
"مافيش حاجة محتاجة نتكلم فيها."
ترفع حاجبها… عينها تلمع بخبث.
رانيا:
"دا اللي هنشوفه."
ثم تلتفت لنيروز بابتسامة سمّية:
"اتمتعي باللحظة يا قمر… لأن الجوازات اللي زي دي مش بتكمل."
تشعر نيروز بقلبها ينقبض… لكن قبل أن تتفوه بكلمة — وضع سليم يده على يدها تحت الطاولة بلا تردد هذه المرة.
سليم (بصوت منخفض موجّه لرانيا):
"امشي يا رانيا… قبل ما أغلط فيكي."
تتخشّب… ثم تهز شعرها بتكبّر:
رانيا:
"ماشي…
بس خد بالك يا سليم…
أنا راجعة."
وتغادر بخطوات مستفزة، وهي تلتفت مرتين نحو نيروز بنظرة من الواضح أنها إعلان حرب.
ينتشر الصمت حول الطاولة.
نيروز تنظر لكوبها… تدق بأظافرها على حافته.
تحاول أن تبدو عادية… لكنها ليست كذلك.
سليم (يميل نحوها):
"نيروز؟"
تهز رأسها.
نيروز:
"لا… كويسة… عادي."
يرفع سليم حاجبًا.
سليم:
"عادي؟
إنتي وشِك أحمر… وبتعضّي شفايفك من الغيظ."
تتسع عيناها وتخفي فمها بكفها بخجل.
نيروز:
"سليم… أنا… ما غرت. أبدًا. بس هي… طريقة كلامها…"
يبتسم… ابتسامة صافية، راكزة.
سليم:
"كنتِ غيرانة."
تهز رأسها سريعًا، مرتبكة:
نيروز:
"لا! مش… مش كتير… يعني شوي… يمكن…"
يميل أكثر… صوته ينخفض:
سليم:
"عجبني."
ترتجف أصابعها.
تنظر إليه… وتراه يبتسم لها بطريقة لم يرها أحد منه.
نيروز (بهمس):
"سليم… رانيا شكلها… مش ناوية الخير."
سليم:
"وأنا؟
شايف إني ممكن أسيب حد يضايق مراتي؟"
ترمش… قلبها يطرق صدرها.
نيروز:
"مراتك…؟"
سليم:
"أيوه… مراتي."
يمسك يدها بوضوح هذه المرة…
لا يتركها.
كانت تلك اللحظة بداية شيء مختلف تمامًا…
شيء يشبه الحماية، الغيرة… والحب الذي بدأ يستيقظ بهدوء.
**********************
في – ممر هادئ أمام العناية المركزة – مستشفى في القاهرة
الوقت قرب المغرب…
رائحة المعقمات، همسات المرضى والممرضين، والأجواء المتوترة تذوب تدريجياً بعد خبر أنّ زياد تجاوز الخطر.
الجميع مجتمع، وكأنهم عائلة واحدة محاصرة بالقلق والانتظار.
حور كانت واقفة قرب الجدار، يداها متشابكتان، آثار الدموع ما تزال على وجنتيها…
مازن بجانبها،
ملك تجلس على كرسي،
ريما وسليم يقفان بهدوء،
الجد عبد الرحمن على كرسي متحرك يتنفس بعمق،
وزين يتكئ على الحائط يراقب بصمت.
وفجأة…
يظهر عاصم من نهاية الممر، تعابيره متصلبة، آثار الزيارة لمراد ما تزال ثقيلة على ملامحه.
وبجانبه أدهم وجميلة.
لحظة دخولهم… كل الأنظار اتجهت نحوهم.
لكن هذه المرة… النظرات أقل غضباً، أكثر تعباً، أكثر رغبة بالفهم.
حور تنظر إليه أولاً…
نظرة تحمل 7 أشهر من الألم، وخوف الأم، وانكسارها…
لكنها أيضاً نظرة امرأة فقدت الكثير ....وتحاول أن تتمسك بما تبقى.
عاصم يتوقف أمامها… يتنفس بعمق كأنه يجمع شجاعته… ثم يقترب خطوة.
بصوت هادئ، منخفض، صادق:
«خالتــي حــور…
أنا… آسف.
عارف إن مفيش كلمة هتعوّض اللي فات… ولا وجع ليل… ولا اللي حصل لعمّي زياد.
بس…
سامحيني.
انتِ أكتر حدّ كنتِ بالنسبالي أم… من يوم ما ماما ماتت، وإنتِ كنتِ الحضن الوحيد اللي ما خفتش منه.»
صوت حور يرتجف… لكنها تخفيه بسعال خفيف.
مازن ينظر إليها، ينتظر هل ستنفجر… أم ستلين
بهدوء متعب، بنبرة فيها عتب الدنيا:
«ليه يا عاصم؟
ليه صدّقت أي حد غير زياد؟
ليه ما جيتش لينا؟
ليه سبّت ليل… سبّت بنتي… في خوف سبع شهور؟
ليه خليتني أصحى كل يوم وأنا مرعوبة إنها مش بخير؟»
عين عاصم تلمع…
يتقدم خطوة أخرى…
ينحني قليلاً وكأنه طفل يعترف بخطأه.
«عشان كنت أهبل… وغبي… ومكسور.
رائد كان كل حاجة ليا… ومراد لعب على الجرح ده.
غسل دماغي… خدعني… وصدقته.
بس…
بس أنا صلّحت اللي أقدر عليه.
وهصلّح الباقي…
والوحيدة اللي… نفسي ترضى عني…
هي إنتِ.»
الجميع يلاحظ صدقه… حتى زين الذي كان يكرهه قبل دقائق، يلين وجهه قليلاً.
الجد عبد الرحمن يبتسم ابتسامة خفيفة ويهمس: «الولد طيب…»
حور تنظر لعاصم طويلاً.
نظرة أم تعاتب ابنها… لكنها لم تكرهه يوماً.
ثم فجأة…
تمشي نحوه بخطوات بطيئة…
وترفع يدها…
وكأنها ستصفعه…
لكنها بدل ذلك…
تضع يدها على رأسه… ثم تسحبه نحوها في حضنٍ كاملٍ ومفاجئ.
وهي تضمه بقوة، صوتها ينكسر:
«كنت هافقد اتنين… زياد… وإنت.
وربنا رحم قلبي.»
عاصم يغلق عينيه…
ويحضنها كما لو عاد لطفولته التي فقدها.
أدهم ينظر للمشهد وتختفي عنه توتر الأمس،
مازن يتنهد براحة،
ملك تمسح دموعها،
ريما وسليم يبتسمان بحزن جميل،
زين يغمز للحظة وكأنه يقول: "يستاهل."
الجد عبد الرحمن يرفع يده ويربت على كتف عاصم:
«خلاص… العيلة بتكبر… والغلط بيتصلّح… وإحنا كلنا هنا.»
حور تبعد عن عاصم قليلاً… تمسك وجهه بيديها:
«بس تبقى فاهم…
لو ليل جرالها أي حاجة…
أنا اللي هقف قصادك.»
عاصم
بابتسامة صغيرة، منكسرة:
«حقّك.»
ينحني ويقبّل يدها احتراماً…
ولأول مرة منذ سبعة شهور…
الجميع يشعر أن شيئاً ثقيلاً اتكسر…
وأن العائلة بدأت تُشفى.
*******************
الجميع ما زال واقفاً في الممر… لحظة دافئة بعد أيام من الرعب.
لكن فجأة…
يُسمع صوت حركة غير معتادة من داخل غرفة العناية المركزة.
أجهزة تصدر نغمات مختلفة…
تمتمات سريعة…
ثم صوت طبيبة تنادي:
"دكتور… دكتور! المريض فاق!"
الجميع يتجمد.
حور تفتح عينيها بصدمة، يداها ترتعشان:
«زيـــــاد؟!»
تركض نحو الباب، لكن أدهم ومازن يمسكانها برفق كي لا تقتحم الغرفة.
مازن
«اهدي يا حور… لازم يدخلوا الأول.»
حور
بصوت مخنوق:
«عايزة أشوفه… عايزة أشوفه بس…»
تدخل الطاقم الطبي مسرعاً…
أصوات الأجهزة تعلو للحظات…
ثم باب الغرفة يُغلق، تاركاً العائلة كلها في انتظار يشبه خفقات القلب.
الجد عبد الرحمن يضم يديه ويرفع رأسه للسماء،
ريما تسند ظهرها للحائط،
سليم يشد على يدها ليطمئنها،
زين يتنفس بسرعة،
عاصم يقف مشدوداً، كأنه يستعد لمعركة أخرى.
لحظات ثقيلة…
ثم يفتح الباب.
يخرج الطبيب المسؤول بنظارة طبية وابتسامة طمأنينة واضحة.
«الحمد لله…
الأستاذ زياد… صحته الآن مستقرة تماماً.»
حور تبكي فوراً.
مازن يضع يده على كتفها....في حين اردف الطبيب قائلا
«استيقاظه كان لحظة مهمة… تجاوب، وتكلم بكلمات بسيطة، وهذا مؤشر ممتاز.
بس… محتاج راحة تامة كام يوم.
لكن… خطورة الحالة؟ انتهت.»
الجملة الأخيرة تنزل كالماء البارد على قلوب الجميع.
سليم الشرقاوي يبتسم بقوة،
ريما تدمع: «أخيراً…»
أدهم يمرر يده على وجهه، مرتاحاً رغم كل ما يشعر به من ذنب.
حور لا تتحمّل أكثر… تنهار بسعادة على صدر مازن:
«زياد رجع يا مازن ...رجع!»
مازن يمسكها بقوة:
«الحمد لله يا حور… الحمد لله.»
ثم تنتقل بعفوية لعناق أدهم—تردد لحظة قبل أن تلمسه، ما تزال غاضبة قليلاً…
لكنها تعانقه في النهاية.
«حتى لو زعلانة منك… إنت أخويا الكبير… وكنت محتاجة وجودك.»
أدهم
ينحني قليلاً ويحضنها:
«وأنا موجود… دايماً.
سامحيني… بس كنت بعمل الصح.»
ينظر لعينيها ويضيف بنبرة صادقة:
«وكل ده… كان عشان زياد… وعشان ليل… وعشانك.»
حور تمسح دموعها وتبتسم ابتسامة صغيرة:
«خلاص… كفاية دموع النهاردة.»
عاصم يقف بعيداً، لكنه يشعر بالدفء لأول مرة منذ أشهر.
حور تلتفت إليه وتبتسم له ابتسامة أم حقيقية.
«تعال يا عاصم… ما تبقاش واقف كده.»
عاصم يقترب بهدوء، فيقف بجانب العائلة، قريباً من مازن وزين.
مازن يربت على كتفه: «كويس إنك هنا.»
وزين يبتسم له ابتسامة خفيفة: «البيت هيرجع يتلم… قريب.»
الجميع يجلس في الممر، ضحكات خفيفة تظهر للمرة الأولى منذ زمن.
ريما تضحك مع ملك،
سليم يمزح مع زين،
الجد عبد الرحمن لا يكف عن الدعاء.
*********************
في – ألمانيا – فيلا رامي الهادئة –
كانت الرياح تضرب النوافذ بخفّة، والسماء ملبّدة بالغيوم.
داخل الفيلا كان الدفء يُشعل المكان رغم برودة الخارج.
ليل تقف قرب النافذة الكبيرة، ترتدي سترة خفيفة ورأسها ينحني قليلًا وكأنها تحاول أن تسمع شيئًا يأتي من بعيد.
شعورها الغريب بالارتياح لا تفهم سببه… وكأن قلبها وصلته رسالة من مكان بعيد دون أن يخبرها أحد.
رامي يدخل بهدوء وهو يحمل لها كوبًا من الشاي.
رامي (بصوت منخفض):
"ليه واقفة في البرد؟ تعالي… خدي، عملته مضبوط زي ما بتحبيه."
ليل (تبتسم بخجل):
"بدأت تحفظ ذوقي؟"
رامي (بنصف ابتسامة):
"لما الواحد يعيش مع حد في نفس المكان… بيلاحظ كل التفاصيل غصب عنه."
يقدّم لها الكوب ثم يبتعد خطوة حتى لا يربكها… أو يربك نفسه.
ليل تأخذ الشاي وتجلس على الأريكة، بينما رامي يقف مترددًا… ثم يجلس على الكرسي المقابل لها حتى لا يبدو قريبًا أكثر من اللازم.
ليل (تنظر إليه بامتنان):
"رامي… لو ما كنتش هنا… ما كنتش هعرف أتحمل كل دا لوحدي.
شكراً… على كل حاجة."
ينخفض بصره فورًا…
كلماتها سقطت على قلبه بقوة أكبر مما يستطيع احتمالها.
رامي (بهدوء متحكم):
"أنا هنا… عشان عاصم.
هو وصّاني عليك، وقال… مهما حصل، ما تبعديش عن ليل لحظة."
ثم يضحك بخفة مصطنعة:
"وبيني وبينك… لو رجع ولقاني سايبك دقيقة، هيعمل فيّ محضر شخصي."
ليل (تضحك لأول مرة منذ أيام):
"أعرف… عاصم يخاف عليّ بطريقة غريبة."
ضحكتها… كسرت شيئًا داخله.
ينظر إليها سريعًا ثم يشيح بعينيه قبل أن تنكشف مشاعره.
لحظة صمت… لكنها مشبعة بمعاني كثيرة
ليل تمسك الكوب بدفء، ثم تقول بنبرة هادئة:
ليل:
"مش عارفة ليه… قلبي مرتاح النهارده.
كأني سمعت خبر كويس… من غير ما حد يقوله."
رامي يتجمد في مكانه…
يعرف أن في مصر الآن حدث شيء كبير، لكن لم يخبرها أحد.
رامي:
"يمكن إحساس… ويمكن دعواتك بتتقبل."
ليل (تحدّق في الفراغ):
"بابا… ماما… خالو ادهم… حتى عاصم…
حاسّة إنهم بخير. غريب صح؟"
رامي يبتلع غصة صغيرة…
كانت كلماتها أشبه بخنجر رقيق—لأنها ذكرت عاصم بطمأنينة امرأة تثق به… كزوجها.
بينما هو يبذل كل ما يملك ليظل مجرد ظلّ يحميها.
رامي (بابتسامة حزينة خفيفة):
"الإحساس عمره ما كان غلط.
وإنتِ… قلبك دايمًا صادق."
تنظر إليه لحظة… وكأنها تلاحظ شيئًا للمرة الأولى.
شيئًا في عينيه… في صوته… في طريقة جلوسه.
لكنها لا تفهمه.
ليل:
"رامي… إنت متضايق من حاجة؟ شكلك مش طبيعي."
يفزع قليلًا من سؤالها… ثم يعدّل وضع جلوسه سريعًا.
رامي:
"أنا؟ لا… أبداً.
بس… الشغل. تِعرفي… شغل المخابرات بيستهلك الواحد."
تبتسم له بلطف، دون أن تعلم أن معركته الحقيقية ليست مع العمل… بل مع نفسه.
ليل (بصوت دافئ صدق):
"أنا… مبسوطة إنك هنا."
الكلمة كسرت دفاعاته للحظة…
لكنّه يعيد بناء جدرانه فورًا.
رامي (بهمس ثابت):
"وأنا… هفضل هنا.
لحد ما عاصم يرجع… ولحد ما تطمني."
ثم يقف، يتجه إلى الباب قبل أن ينهار داخليًا.
وبصوت خافت لا يسمعه أحد:
"حتى لو عمري كله هيفضل في ضهرك…
ومن بعيد."
ثم يخرج، ويغلق الباب بهدوء.
ليل تبقى وحدها… تبتسم بلا سبب واضح، وقلبها يشعر بالراحة دون أن تعرف أن والدها في تلك اللحظة…
فتح عينيه في مصر
************************
في – مصر – المستشفى – غرفة زياد
الغرفة مضاءة بإضاءة صفراء دافئة، وصوت أجهزة المراقبة ينبض بانتظام…
زياد مستلقٍ على السرير، شاحب قليلًا لكنه واعٍ، عيناه تحملان دهشة ولطفًا في آن واحد.
عند الباب كان الجميع مصطفين، يكادون لا يصدقون أن الرجل الذي أحبوه قد عاد أخيرًا.
حور تقف أولًا… ووجهها مخضب بالدموع.
وراءها مازن وادهم… ثم ملك، الصغيرة التي كبرت لكنها لم تفقد دلالها عنده.
وبجانبهم ريما وسليم، خجلان، رؤوسهما منحنيّة.
والجد عبد الرحمن، يمسح دموعًا فرت رغماً عنه.
وزين… واقف شامخًا لكنه بدا كطفل خجل من والده.
وعاصم… يقف خلف الجميع قليلًا، رأسه منخفض، لا يعرف كيف يرفع عينيه في وجه الرجل الذي ظن أنه كرهه للأبد.
حور (بحشرجة):
"زياد… حبيبي… أخيرًا صحّيت."
زياد (بصوت متعب لكنه حنون):
"تعالي… تعالي يا حور…"
تركض إليه وتحتضنه برفق، وهو يرفع يده المرتجفة ليمسح على رأسها.
زياد مبتسم رغم الألم:
"لسه زي ما إنتِ… دموعِك أسرع من الرصاص."
فتبتسم وسط بكائها، ويضحك الجميع بخفة.
مازن (بصوت مبحوح):
"خوّفتنا يا ابو نسب…"
زياد يمد يده له:
"تعال يا توأم الروح."
يقترب مازن ويحتضنه، ثم يقبّل رأسه.
ادهم يقترب بخجل واضح
ادهم:
"أنا… أنا آسف يا زياد.
كنت لازم أحكيلك من زمان. ما كانش لازم تتأذي علشان—"
زياد يقاطعه وهو يشد على يده:
"أنت اللي حميتني… وحميت بيتي.
وأنا فخور بيك يا ادهم."
عين ادهم تمتلئ دموعًا… ويهبط على ركبته قرب السرير محتضنًا يد زياد.
ملك تركض نحوه كطفلة
ملك:
"وحشتنييييي!"
زياد يضحك بقلبه:
"إنتِ طول عمرك بتوحشيني يا ملك."
يقبل رأسها فتبتسم بارتباك.
**اللحظة التي ينتظرها الجميع…
زياد يرفع نظره ويقع مباشرة على عاصم**
عاصم متجمّد…
كأنه عاد طفلًا صغيرًا خائفًا من عقاب والد غائب.
زياد بهدوء قوي:
"تعال يا عاصم."
يرتجف كتفا عاصم، يلتفت حوله، غير مصدّق أنه المقصود.
عاصم بصوت مكسور:
"… أنا؟"
زياد:
"تعال يا ابني."
الجميع يتنفس بصدمة…
حور تغطي فمها بدهشة.
مازن يرفع حاجبيه.
ادهم يبتسم لأول مرة منذ أيام.
عاصم يقترب ببطء… خطوة بخطوة…
عيناه تلمعان بخوف وشعور بالذنب.
عاصم (بصوت خافت):
"أنا… آذيتك… خدّت بنتك… كنت عدوك… كنت—"
زياد يمد يده بقوة مفاجئة:
"تعال هنا."
يجذبه قربه ويحتضنه بقوة…
عاصم يتجمد، لا يعرف كيف يتنفس، ثم فجأة ينهار بين ذراعي الرجل الذي ظن أنه سيكرهه للأبد.
زياد (وهو يمسح على ظهره):
"أنا شوفتك تكبر قدامي…
إزاي أكره ابن خالد؟
إزاي أكره طفل كنت بعلّمه يلعب الكرة في الجنينة؟
إزاي أكرهك… وأنت كنت رايح تموت علشان ليل؟"
عاصم يضغط وجهه في كتف زياد، وصوته يختنق:
عاصم:
"سامحني… سامحني يا عمّي زياد…"
زياد:
"أنا سامحتك من قبل ما تيجي… من قبل ما أصحى."
الجميع يبتسم…
والدموع تنزل بلا توقف.
ثم يلتفت زياد إلى ريما وسليم
كانا واقفين في الخلف…
خجل… خوف…
زياد بصوت دافئ:
"تعالوا… ما تبقوش بعيد."
يتبادلان نظرة صامتة… ثم يقتربان.
ريما (بهمس):
"إحنا… آسفين… على كل حاجة بابانا—"
زياد يقاطعها:
"ذنب أبوك مش ذنبكم."
يمد يديه لهما ويحتضنهما معًا، رغم ألمه.
سليم بصوت مختنق:
"إحنا ما نستاهلش طيبتك…"
زياد:
"لا… إنتو تستاهلوا كل خير.
وآخر واحد تتحملوا ذنبه… هو الرجل اللي عقلكم منه بريء."
ريما تبكي لأول مرة منذ سنوات…
وسليم يخفض رأسه في صدر زياد.
أخيرًا… يتجه زياد نحو الجد عبد الرحمن
الرجل العجوز يقترب وهو يبكي بصمت…
منهار تمامًا.
الجد (بصوت مرتجف):
"سامحني يا زياد… أنا… ربيت وحش… وكنت هفقدك زي ما فقدت كتير."
زياد يمسك يديه ويقبّلهما:
"إنت أبويا…
والأب ما يتحاسبش على اختيار ابنه.
وأنا عمري ما شفتك إلا راجل خير."
الجد يجهش بالبكاء ويحتضن زياد مثل طفل صغير.
زياد ينظر للجميع بابتسامته الهادئة
زياد:
"أي بيت بيقع… بيتبني من جديد.
وإحنا… هنرجّعه أقوى من الأول."
الجميع يشعر بقوة كلماته…
الدفء… الطمأنينة…
عودة الروح التي كانت مفقودة.
وحور تقف بجانبه، تمسك يده… وتشعر لأول مرة منذ أيام أنها استعادت عالمها كله.
*********************
الجو امتلأ بالدموع والضحكات والراحة…
زياد لا يزال محتضنًا يد حور، والجميع حوله يشعر كأن غرفة المشفى أصبحت أكثر دفئًا.
فجأة…
يُسمع صوت تنحنح مسرحي جدًا عند الباب.
زين (وهو يعقد ذراعيه باهتمام مصطنع):
"يعني… أنا بس كنت واقف بأحضّر خطابي…
وحاسس إني اتنسيت."
الجميع يلتفت إليه، وملك تكتم ضحكتها.
زين يضع يده على صدره ويكمل بتمثيل مبالغ:
"العم زياد احتضن الكل…
الزوجة… الأولاد… الأحفاد… الجيران… الغريب… ابن الخال… حتى العدو المتوب!
وأنا؟
أنا اللي بعتبره والدي الروحي؟
ولا كأني هوا؟"
الجميع ينفجر ضاحكًا، حتى زياد يبتسم رغم الألم.
حور (تمسح دموعها وتضحك):
"تعال يا زين… بطل تمثيل."
زين يتقدّم بمشية درامية:
"لا لا… مش بسهولة كده.
عايز حضن محترم… حضن كامل المواصفات…
حضن VIP بما إنكم كلكم خدتوا الخدمة الكاملة!"
مازن:
"تعالى يا كائن الكوميديا."
ريما تضحك:
"والله بقالنا يومين ما ضحكنا كده."
زين يصل قرب زياد ويقف أمامه كطفل:
"يا عم زياد…
لو ما حضنتنيش دلوقتي…
أقسم بالله هقعد أعيط وأقلب الدنيا دراما تركية،
وأعملك موسم كامل بعنوان: الابن المنسي!"
زياد يضحك بصوت واضح هذه المرة، يمد ذراعه بصعوبة:
"تعالى يا ابن آدم…
تعالى يا ابن الغالي."
زين ينقض عليه بسرعة مثل طفل صغير ويحتضنه بعفوية، ثم يصرخ:
"آاااه شوفوا!
العناق ده مسجل رسمياً، هخوّفه بيه طول العمر!"
الجميع يضحك مجددًا، وملك تصفق بمرح.
سليم الشرقاوي يرفع حاجبيه متصنعًا الضجر
كان واقفًا على الجدار، يراقب فوضى زين بابتسامة.
سليم (ساخرًا):
"خلصت عرضك المسرحي؟
ولا لسه في موسم جديد؟"
زين يلتفت له بسرعة:
"لا يا عم… ده أنا لسه في الحلقة الأولى!
بكرة أعمل حلقة خاصة باسمك: سليم والملل الأبدي."
سليم بتصنع الملل:
"مفروض أخاف؟"
زين:
"على حسب…
عايزك في دور الشرير ولا اللطيف؟"
ملك تتدخل ضاحكة:
"اختار اللطيف… الشرير مش لايق عليك يا سليم."
زين:
"آه والله، ده عنده وش ملاك، بس قلب… قلب كبير برضو."
سليم يحاول يخفي ضحكته، لكن ريما تلاحظه وتبتسم:
ريما:
"زين فضحك يا سليم…"
سليم:
"ياريت حد يربّيه قبل ما نرجع ألمانيا."
الجد عبد الرحمن يعلّق بابتسامة كبيرة
"خليكم كده دايمًا…
ضحككم بيرجع الروح."
الجميع يسكت للحظة…
ثم ينظرون لزياد ويبتسمون.
زياد ينهي اللحظة بكلمات هادئة
"وجودكم حواليا… أحسن من أي دواء.
وأنا…
مش هسمح لأي حزن يرجع لبيتنا تاني.
ولا كره…
ولا خطايا حد."
ينظر لزين ويشير له:
"والضحك… خلي زين مسؤول عنه."
زين يضرب صدره بفخر:
"مهمة في أمان!"
الجميع يضحك مرة أخيرة…
والجو يتحول من غرفة مستشفى إلى جلسة عائلية مليئة بالحب، والراحة، والدفء.
**********************
بعد لحظات من الضحك التي فجّرها زين… يعود الجو تدريجيًا للهدوء.**
زياد يستريح في وسادته، ويده ما تزال في يد حور.
عاصم يقف قرب الجدار… وجهه متوتر قليلًا، وكأنه يحمل كلامًا ثقيلاً في صدره.
حور تلاحظ شروده:
"عاصم… إنت كويس؟"
لا يجيب فورًا.
ينظر للأرض… ثم لزياد… ثم يعود ينظر للأرض.
ادهم—الذي يعرفه أكثر من الجميع—يضيق عينيه قليلًا.
لاحظ نظرة غير مريحة في عيني عاصم…
شيء يريد قوله ولكنه عاجز.
ادهم (بصوت منخفض يتجه به نحو عاصم):
"هتفضل ساكت؟"
عاصم يشهق بخفة… شعر أنه انكشف.
عاصم همسًا لادهم:
"مش قادر… مش في الوقت ده."
ادهم (بنظرة حادة):
"الوقت ده بالذات هو الوقت الصح."
الجميع يلتفت حين يسمعون نبرة ادهم الجادة.
مازن:
"خير؟"
زياد ينظر إليهما:
"في إيه؟"
عاصم يبتلع ريقه…
القلق واضح… والخجل أكبر.
أدهم يربت على كتف عاصم دفعة صغيرة، تشبه أمرًا عسكريًا: اتكلم.
لكن عاصم يظل في مكانه، عاجز عن فتح فمه.
يتنهد ادهم…
ثم يتقدّم خطوة للأمام، ويقف وسط الغرفة.
الجميع ينظر له.
ادهم (نبرة هادئة… لكنها ثابتة):
"أنا…
عندي حاجة لازم تتقال."
الجميع يسكت.
زياد يعتدل قليلًا رغم الألم.
حور تنظر بخوف خفيف.
حور:
"أدهم… إيه اللي حصل؟"
ادهم يلتفت إلى زياد مباشرة…
"زياد.....أنا كنت في ألمانيا الأسبوع اللي فات…
مش بس علشان أطمن على ليل…
لكن علشان…"
يتوقف لحظة.
عيناه على زياد… ثم على حور… ثم يعودتا لعاصم الذي يهرب بنظره للأسفل.
زياد (بقلق):
"علشان إيه، يا أدهم؟"
صمت ثقيل…
وزين يهمس لملك:
زين:
"حاسس إنه هيقول قنبلة…"
ملك تخرسه بإشارة.
عاصم يغلق عينيه.
ادهم يتنفس بعمق ثم يعلن الجملة:
ادهم:
"كنت هناك…
علشان أكون وكيل ليل…
في كتب كتابها."
الجميع يُصعق.
تتجمد الوجوه.
حور تكاد تسقط من المفاجأة.
حور (بصوت مرتفع متصدع):
"كتب… كتابها؟؟
إنت بتقول إيه يا أدهم؟!"
ريما تضع يدها على فمها:
"ليل… اتجوزت؟!"
سليم الشرقاوي يغمض عينيه بدهشة:
"مستحيل…!"
الجد عبد الرحمن يحدق مذهولًا:
"اتجوّزت من غير ما نعرف؟!"
زياد…
زياد بالذات…
يتسع صدره في تنهيدة من الصدمة.
ينظر لعاصم مباشرة.
زياد (بصوت منخفض لكنه قوي):
"اتجوزت… مين؟"
الغرفة تصمت بالكامل.
حتى الأجهزة الطبية أصبح صوتها واضحًا.
عاصم يرفع رأسه ببطء…
عيناه ممتلئتان توترًا، حياءً، ذنبًا… وكل شيء.
يتقدّم خطوة تجاه سرير زياد، وكل الأنظار عليه.
يأخذ نفسًا عميقًا…
يفتح فمه ليقول…
لكن ادهم يسبقه ويضع يده على كتف عاصم:
ادهم:
"اتجوزت…
عاصم."
الصمت أصبح صراخًا مكتومًا.
حور شهقت بقوة:
"عــاصــم؟؟"
زياد لم يتحرك…
لكنه حدّق في عاصم بنظرة لا يمكن تفسيرها…
خليط من المفاجأة… الألم… الذكرى… والمسؤولية.
زين يضع يده على رأسه:
"يا نهار أبيض… ده فعلاً كان صاروخ!"
ملك لا تتنفس تقريبًا.
ريما تنظر بين الجميع بصدمة.
سليم يفتح فمه قليلاً دون أن يجد أي كلمة.
عاصم يقف ساكنًا…
ينتظر الحكم.
ينتظر الرد.
ينتظر أن يتلعثم أحد… أو يصرخ… أو يصفعه أحد…
لكن لا شيء.
*☆يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع☆☆*
الفصل التاسع عشر من هنا