رواية في قبضة العاصم الفصل الرابع عشر 14بقلم سليا البحيري


رواية في قبضة العاصم الفصل الرابع عشر 14 بقلم سليا البحيري


مطار ميونخ – ألمانيا – بعد كام ساعة

الطيارة كانت لسه نازلة من شوية. الهوا التلج الألماني ضرب وش أدهم وجميلة أول ما خرجوا من المطار.
جميلة وقفت تلف بالبالطو عليها، بتبص على صف العربيات اللي مستنية المسافرين.

جميلة (بتوتر وهي بتدور بعينيها):
هو قال إن السواق هيبقى هنا… شايف حد ماسك يفطة باسمنا؟

أدهم (بهدوء رغم التعب):
أهو… هناك جنب العربية السودة.

(بيمشوا ناحية شاب طويل ماسك يفطة مكتوب عليها "Mr. Zahrawi")

السواق (بالإنجليزي بلكنته العربية):
Welcome Mr. Adham, Miss Gamila.
السيد عاصم بعتني عشان أوصلكم لفيلا الأستاذ رامي السيوفي.

أدهم (بالعربي بابتسامة خفيفة):
متشكرين… يلا بينا.

(يركبوا العربية. الطريق هادي في ضواحي ميونخ، التلج بينزل خفيف على الإزاز. جميلة قاعدة جنب أدهم ساكتة، عينيها بتبص برا بشرود.)

جميلة (بصوت واطي):
يا ترى… هتبصلنا ازاي لما تشوفنا؟
ليل… هتسامحنا؟
هتفهم إننا عملنا كده عشان نحميها مش نخدعها؟

أدهم (بيبص قدّامه وهو بيفكر):
معرفش يا جميلة. ليل عمرها ما كانت سهلة.
في عناد أبوها زياد… وفي كبرياء أمها حور.
(يسكت شوية)
بس احنا مجبورين… لو رجعت القاهرة دلوقتي، مراد مش هيسيبها… ومحدش هيطلع سليم بعد ما الحقيقة اتكشفت.

جميلة (بتتنفس بقلق):
بس موضوع جوازها من عاصم…
(تهز راسها بيأس)
إزاي تقنعي بنت اتخطفت إنها تتجوز خطّافها؟

أدهم (يبصلها بجدية):
عاصم ما بقاش خطّاف… ده بقى منقذها.
هي بس لسه مش فاهمة.
هنقولها كل حاجة لما ييجي وقتها.
دلوقتي أهم حاجة نهدّيها… ونخلّيها تثق فينا.

(جميلة تسند راسها على الكرسي وتحاول تهدى)

جميلة (بهمس):
تفتكر زياد بدأ يشك؟

أدهم (بتوتر):
ممكن… بس هو دلوقتي غرقان في يأسه. مش شايف حاجة غير ألمه.
يارب يفضل كده لحد ما الخطة تخلص.

(العربية تمشي في طريق طويل وسط غابات متلجة لحد ما توصل لفيلا كبيرة عليها نور دافي)

السواق:
وصلنا… دي فيلا الأستاذ رامي.

(أدهم ينزل الأول ويتأكد من المكان، وبعدين يساعد جميلة تنزل. باب الفيلا يتفتح ويطلع رامي السيوفي مبتسم)

رامي (مبتسم بهدوء):
أهلاً بيكم في ألمانيا… عاصم مستنيكم من الصبح.

أدهم (بجدية):
وفين ليل؟

رامي (بصوت هادي):
فوق… أوضتها بتبص على الجنينة.
ومش عارفة إنكم جيتوا.

(جميلة تبص لأدهم بقلق، وهو يطمنها بإيده)

دخلوا الفيلا، الدفا يضربهم بعد برد الطريق. صوت نار في المدفأة، وريحة قهوة عربي مالية المكان.

جميلة (بهمس):
المكان جميل… بس مخوّفني.

أدهم (بصوت واطي):
عشان في حاجات هنا ماينفعش تتقال… ولا تتعرف قبل وقتها.

رامي:
استريحوا… هنده لعاصم.

(يمشي ويسيبهم. التوتر يعلى. جميلة تبص حواليها)

جميلة:
تخيل يا أدهم… ليل كانت هنا شهور لوحدها.
يا ترى حسّت بإيه؟
كرهت الدنيا؟ ولا نفسها؟

أدهم (يبص ناحية الباب):
ممكن تكون كرهت كل الناس… وده أصعب حاجة هنواجهها.

جميلة (بصوت مكسور):
قلبي هيتقطع لو بصّت لي زي ما كانت وهي صغيرة…
فاكر لما كانت تستخبى ورايا لما زياد يزعق؟
كانت تقول: "خالي أدهم طيب… عمره ما يزعلني."
(دموع في عنيها)
يا رب… إزاي هخليها تتجوز اللي خطفها؟

أدهم (يحط إيده على كتفها):
مش هنجبرها… بس هنخليها تشوف الحقيقة.
عاصم اتغيّر… مكسور وندمان… وصادق.
قلبها هيحس قبل عقلها.

(صوت خطوات في الممر. جميلة تتوتر)

جميلة (بهمس):
هي؟

أدهم:
أو يمكن… عاصم الأول.

(الباب يفتح ببطء. عاصم يدخل، شكله تعبان، عينه فيها سهر وقلق بس بيحاول يبتسم)

عاصم (بصوت مبحوح):
أهلاً بيكم… كنت عارف إنكم هتيجوا عاجلاً ولا آجلاً.

(أدهم يقوم ويسلم عليه بقوة. جميلة تبصله بحذر)

أدهم:
جينا نخلص الكابوس ده… سوا.

عاصم (يبص للسلم لفوق):
استعدّوا.
المرحلة الصعبة لسه هتبتدي دلوقتي…
لما تشوفوها.
******************
فيلا رامي السيوفي – ألمانيا
الجو في الخارج رمادي، والغيوم الثقيلة تحجب ضوء الشمس عن نوافذ الفيلا الفاخرة التي تتوسط الغابة. النسيم البارد يتسلّل من بين الأشجار، بينما خطوات جميلة وادهم تتردّد في الممر الطويل المؤدي لغرفة ليل.
الهدوء يخيّم على المكان، لا يُسمع سوى أصوات خافتة من الغرف المجاورة، وضحكات باهتة من نيروز وربى تحاولان تهدئة الجو قبل وصول الزوّار القادمين من بعيد.

كانت ليل تجلس على السرير، تضع بين يديها كوباً من الشاي بالكاد شربت منه، وجهها شاحب، عيناها متورمتان من البكاء، وشعرها المنسدل بعشوائية يعكس اضطرابها الداخلي.
كانت نيروز تتحدث بنعومة محاولة التخفيف عنها، بينما ربى تراقبها بعينين حزينتين.

نيروز: (تبتسم بخفة) يا بنتي كفاية زعل بقى، الدنيا مش هتتعدل بالحزن.
ليل: (بحدة مكتومة) مش زعلانة… بس مش قادرة أتنفّس وأنا هنا.
ربى: (بصوت خافت) عاصم ما بيأذيكيش يا ليل، هو بس… بيحاول يحميكي بطريقته.
ليل: (تقاطعهما بعصبية) حمايتي؟! بخطفي؟! بحبسه ليّ هنا؟! هو فاكرني هتقبل ده؟

في تلك اللحظة، سُمعت طرقات خفيفة على الباب.
فتحت نيروز الباب، لتتجمّد الكلمات في حلقها حين رأت أدهم وجميلة واقفين.
الدهشة ارتسمت على ملامح الجميع، لكن أكثر من شعر بالزلزال كانت ليل.

وقفت كمن تلقّى صدمة كهربائية، حدّقت فيهما بثوانٍ ثم شهقت بصوت مبحوح:
ليل: خالي أدهم؟! طنط جميلة؟!

لم يمهلاها لحظة، اندفع أدهم نحوها بخطوات حنونة، وفتح ذراعيه.
ركضت نحوه، وارتمت بين ذراعيه كطفلة ضائعة عثرت أخيراً على الأمان.
انهارت تبكي بعنف، وصوتها المبحوح يخترق السكون:
ليل: خالي… خالي، خُدني معاك! بالله عليك، رجّعني لماما! أنا مش عايزة أفضل هنا!

ضمّها أدهم بقوة، ربت على شعرها بعطفٍ عميق، بينما دموعه كادت تفرّ من عينيه وهو يسمع رجاءها.
أدهم: (بصوت مبحوح) هششش، خلاص يا روحي… أنا هنا دلوقتي، مفيش حاجة هتأذيكي وأنا موجود.
ليل: (ترفع وجهها) هو اللي بعثك؟! عاصم؟ ولا إنت جيت من نفسك؟
أدهم: (يتنفس بعمق، يبتسم بحنان) جينا علشانك يا ليل… علشان نطمن إنك بخير.

اقتربت جميلة بخطوات بطيئة، وعيناها ممتلئتان دموعاً.
جميلة: حبيبتي… يا روحي، وحشتينا قد إيه.
ليل: (تسحب نفسها من حضن أدهم وتندفع إلى جميلة) طنط جميلة… كنتِ تعرفي؟ كنتِ تعرفي إنه هيعمل كده؟!
جميلة: (تهزّ رأسها بسرعة) لا يا حبيبتي، والله ما كنت أعرف… إحنا هنا علشانك، مش ضِدّك.

جلست ليل على طرف السرير، تمسح دموعها بارتباك، وصوتها يرتجف:
ليل: كل يوم بيجي يقولي كلام غريب، بيقول إنه بيحميني، وإنه مش هيأذيني… بس أنا مش فاهمة حاجة!
أدهم: (يجلس بجانبها، يضع يده على كتفها برفق) أنا عارف إنك تعبانه يا ليل… بس عايزك تسمعيني كويس، في حاجات لازم نفهمها سوا.
ليل: (بحذر) حاجات زي إيه؟
أدهم: مش دلوقتي… لما تهدي، نتكلم بهدوء. أنا وعدتك مش هسيبك.

نيروز نظرت إلى ربى، ثم قالت بصوت خافت لتكسر الصمت الثقيل:
نيروز: أعتقد إننا نسيبهم شوية لوحدهم.
غادرتا الغرفة بهدوء، تاركتين خلفهما صمتاً تملؤه أنفاس متقطعة.

ليل: (تحدق في خالها بعينين دامعتين) خالي… هو بيكرهني؟ ليه بيعمل فيّ كده؟
أدهم: (ينظر إليها بعطفٍ شديد) لا يا ليل، لا تظلميه… يمكن الطريقة غلط، بس نيّته مش كده.
ليل: (تغمض عينيها، تتنفس بعمق) نفسي أرجع، أشوف ماما… مشتاقلها قوي.
جميلة: (تجلس قربها وتمسك يديها) وهتشوفيها يا ليل، قريب جدًا. بس لازم تكوني شجاعة دلوقتي، تمام؟
ليل: (بهمسٍ مرتجف) شجاعة… وأنا خلاص اتكسرت.

أدهم ينظر إليها طويلاً، بعينين تشعان بالوجع والفخر في آنٍ واحد، ثم يهمس بصوتٍ أبوي:
أدهم: بنت أختي ما بتتكسرش، دي قوية زي أمها… وده وقتها تثبت كده.

يبتسم لها برقة، في حين تبادله نظرة مرتبكة مفعمة بالأمل والخوف معًا…
تسند رأسها على كتفه، وتغرق الغرفة في صمتٍ ثقيل، لا يُسمع فيه سوى أنفاسهم المتقطعة ونبضات القلوب التي تحمل بين طيّاتها وعدًا بغدٍ مختلف
********************

مكتب مراد الشرقاوي — بالليل

(نديم يدخل وهو متوتر، يرمي شنطته على الكرسي ويقعد. مراد واقف عند الشباك، ماسك سيجارة، باين عليه الهدوء من برّه بس وشّه شايل غضب مكبوت.)

نديم (بهمس ومتوتر):
إنت قلتلي أجيلك ضروري… ماكنتش متوقّع الموضوع كبير بالشكل ده.

مراد (بصوت بارد):
الأخبار بتطير يا نديم.
(يمشي ناحية المكتب ويقعد)
أدهم الزهراوي فتح عينه. عرف الحقيقة عن رائد.

نديم (يقوم متصدم وبعدين يقعد تاني بسرعة):
يعني… بجد؟ أدهم عرف إن ليك علاقة باللي حصل؟

مراد (بنبرة جامدة):
ماتندهش. آه — عرف. واللي يعرف لازم نتصرف معاه فورًا… قبل ما الكل يدفع التمن.
(يسحب نفس من السيجارة)
ومش بس أدهم… لو الكلام ده وصل لزياد أو للمخابرات، كل حاجة هتولّع: اسمك، منصبك، حياتك… و حياتي أنا كمان.

** نديم** (بيحاول يتمالك نفسه):
طب… ماتفكّرش نهدّيه؟ نخليه يسكت… ناس كتير اتعاملنا كده معاهم قبل كده.

مراد (يقطعه بنبرة جامدة و غضبة):
بلاش تقول كلمة نهدّيه كإنها حلّ ساذج.
(يميل عليه ويبص في عينه)
أنا عايز نتيجة يا نديم. نتيجة نهائية… حاجة تخلينا ننام من غير قلق.

نديم (بتلعبك):
تقصد… نخلّي الموضوع يختفي؟

مراد (ابتسامة باردة):
عايز الأدلة تختفي… والدافع يختفي… والموضوع كله يبقى كإنه لمحة عابرة… ولا حد افتكرها.
(يخبط على المكتب بخفة)
أدهم مش بس عرف… أدهم مشكلة. لو اتكلم، زياد هيقوم، وزياد يعني تحقيق، وفضايح… وملفات تفتّح رقاب — بما فيها رقبتي أنا.

نديم (يمسح جبينه):
الراجل قوي… لو ضغطنا عليه، ممكن يصرخ، يعمل دوشة… والناس بتحبّه حوالينه.

مراد (بحِدّة):
وده مش مبرر نتحرّك ببطء.
(يقوم يتمشى)
إنت ولد شاطر يا نديم. مش مطلوب منك تبقى وحش… المطلوب بس تتأكد إن الكلام يموت قبل ما يكبر.
(يبص له بثِقل)
ولو فشلت… تتحمّل اللي ييجي. وده مش رأي… ده تحذير.

نديم (بصوت واطي):
عايز وقت… وخطة… ومكان آمن. مش عايز أبقى اللي يحفر قبره بإيده.

مراد (يتنفس ويرجع هادي):
الوقت مش في صالحنا. أدهم بيتقابل مع ناس… وبيحكي مع أجانب. عندنا نافذة صغيرة قوي.
(صوته يحدّ)
عايز ذكاء… ضغط نفسي… عزل… تشتيت.
خليه يظهر كقدر… كحادث… كغلطة. مش كدب ومؤامرة.

نديم (بيكرر الكلام كإنه فهم):
تمام… هنشتغل على تشويش… ونصرف الناس عن الموضوع.

مراد (فجأة بغضب):
مش عايز كلام محفوظ! ولا خطط عبيطة!
عايز حلول تموت الشك قبل ما يتولد.
(يقرب لنديم لدرجة تهديد)
أدهم ده مشكلة طلعت في وقت غلط.
دلوقتي الحل الوحيد… نطلعه بره الصورة. مادياً ومعنوياً.
بس بكررها:
لا ورق…
ولا تليفونات…
ولا أثر.

(ياخد نفس طويل)
اشتغل بذكاء… أخف من الهوى.

نديم (يحاول يخبي الرعب بصوت مهزوز):
تمام… هجيبلك النتيجة.

مراد (يقفل عينه لحظة ويرجع يفتّحها ببرود قاتل):
خليها مش بس وعد يا نديم.
(صوته يبقى أخطر)
دور على طريقة تخلي الصوت يتكمّش… ويتدفن.
أنا محدش يفكّر يفضحني. مهما كان مين.

(الصمت يتقلّ. نديم يطلع سيجارة وما يولعهاش. دماغه بتلف. مراد واقف تاني عند الشباك، يبص للشارع كإن المستقبل واقف هناك.)

نديم (بصوت مكسور):
هابدأ أرتّب… وأبلّغك لما كل حاجة تبقى جاهزة.

مراد (بهدوء مرعب):
اعمل كده.
وماتفشلش.

(المشهد يقفل على وش مراد المشدود، وعلى يد نديم المرتعشة وهو بيخرج، شايل قرار ممكن يغيّر حياته. الساعة بتدق، والمدينة ماشية… فوق أرض مليانة دسائس.)
*****************

في جهاز المخابرات – مكتب العميد آدم العطّار

جواد (يقلب أوراق وملامحه متوترة):
يا فندم… دي آخر التطورات في قضية التحويلات غير المشروعة. تقارير المينا جاهزة.

آدم (من غير ما يبص له):
سيبها على جنب يا جواد. بعدين.

جواد:
بس يا فندم، معاد التسليم بكرة الصبح—

آدم (يرفع راسه ويقطعه بنظرة تعبانة بس حاسمة):
قلت بعدين يا جواد.
(صوته يهدي فجأة)
في موضوع أهم… موضوع ليل الزهراوي.

(جواد يسكت، الاسم لوحده بيكتم الجو.)

جواد (بتردد):
عدّى تلات شهور يا فندم… ومفيش أي أثر. الداتا الألماني مقفولة علينا خالص. حتى الـIP اللي ظهر اتحرق بعد ثواني. كإن حد من جوّه الجهاز بيساعده.

آدم (بابتسامة حزينة بس فيها سخرية):
مش كإن… أكيد.
(يقوم ويمشي ناحية خريطة كبيرة)
من أول لحظة وانا حاسس إن في حاجة مش راكبة… عاصم ابن خالد؟ ده العيل اللي كنت بشيله وأنا قاعد؟ ماصدّقش إنه يخطف بنت زياد.

جواد:
بس كل الأدلة يا فندم… الصور، الكاميرات، الرسائل… كله بيقول إنها خرجت معاه.

آدم (يبص له بثبات وتقيل):
الأدلة ساعات بتتكلم بلسان اللي حابب يضحك عليك.
(ياخد نفس عميق)
لو في خيانة… فهي من جوّه مش من برّه.

(جواد وشّه يشد، الكلمة تقيلة على ودنه.)

جواد:
يعني حضرتك شايف إن حد من الجهاز بيبلغ عاصم بخطواتنا؟

آدم:
بالظبط. وكل ما نقرب… يختفي.
(يضرب المكتب براحة إيده)
أنا مش خايف على ملف، يا جواد… أنا خايف على البنت.
(صوته يبقى أهدى)
البنت كانت بتيجي هنا وهي صغيرة مع أبوها… كانت تمد إيدها الصغيرة تقولي: "بابا آدم".
(يبتسم بحزن)
بقت بنتي التانية بعد زين.

جواد (بحذر):
بس ممكن فعلًا تكون وقعت في فخ عاصم. هو اختفى بعد اللي حصل بكم يوم، ومفيش أي تواصل منه من ساعتها.

آدم:
أيوة اختفى… بس اسأل نفسك: ليه؟
لو عنده شر… كان ظهر، كان فاوض، كان طلب فدية… لكن الصمت ده؟
الصمت ده تصرّف واحد بيحمي حاجة.

(جواد يرفع حاجبه، الصدمة واضحة.)

جواد:
بيحمي مين يا فندم؟
يعني حضرتك شايف إنه ممكن يكون بيحميها مش مؤذيها؟

آدم (يبص له نظرة تقيلة):
احتمال… مش مُستبعد.
بس عشان أثبت ده… لازم أعرف مين اللي لعب في الحقيقة.

جواد:
يعني في طرف تالت في الموضوع؟

آدم:
فيه طرف دايمًا… واقف في الضلمة وبيشد الخيوط من ورا الستار.
(يبص على ملف مكتوب عليه: رائد القاسمي)
كل حاجة بدأت بموت رائد… وخلصت باختفاء ليل.
اللي جمع الاتنين… يعرف أكتر مننا كلنا.

(جواد يفتح الملف بحذر كأنه ماسك نار.)

جواد:
بس قضية رائد اتقفلت من سنين إنها حادث!

آدم (يضحك ضحكة مُرة):
ولا حاجة بتتقفل عندنا بجد.
الحوادث اللي الصحف بتكتبها… نص الحقيقة.
النص التاني؟ بيتكتب بالدم.

(يسكت شوية، يرجع لمكانه ويمسك راسه بتعب.)

جواد:
تحب أراجع أسماء كل اللي اشتغلوا على قضية ليل؟

آدم:
راجعهم واحد واحد. حتى القدامى.
(صوته يبقى جامد)
عايز أعرف مين باع ضميره.
واللي مدّ إيده لعاصم… أقطعها بنفسي.

(جواد يشد جسمه، يسلّم ويخرج بسرعة
آدم يبص لصورة قديمة فيها هو و زياد ومراد وخالد أبو عاصم أيام الجامعة.

آدم (بصوت واطي للصورة):
يا خالد… كنت دايمًا تقول ابنك هيطلع راجل شريف زيك…
(يتنهد)
يارب تكون لسه صح.

(الإضاءة تضعف، صوت آدم يفضل)

آدم (نبرة قَسَم):
قبل ما اللعبة دي تخلص… هاعرف مين صاحبي… ومين كان عدو من الأول.

*******************

آدم العطار خرج من مكتبه بعد ساعات شغل متواصل، ووشّه باين عليه التعب وتقل السنين اللي قضاها في خدمة البلد… وكمان القلق اللي واكل قلبه على ليل اللي بيعتبرها زي بنته.

ماشي بخطوات هادية ناحية الأسانسير، وفجأة بيقف. عنيه بتتسمّر على المشهد قدامه— نادين، طليقته، عميدة الجهاز، واقفة جنب ماكينة القهوة مع واحد جديد… ظابط أنيق في آخر التلاتينات، باين عليه الذكاء والثقة.

آدم يضيّق عنيه وهو شايفها بتضحك بصوت عالي… الضحكة اللي ما سمعهاش منه من سنين. حاجة جواه ولعت… غيره؟ غضب؟ حنين؟ كله مع بعض.

يقرب بخطوات تقيلة لكن ثابتة، وعينه مش بتفارقها.

آدم (بصوت واطي بس حاد): واضح إن المكتب بقى كافيه دلوقتي، صح؟

نادين تلتفت، تتفاجئ ثواني، وبعدها تاخد نفس وتحاول تثبت نفسها.

نادين: آدم؟! مالك؟ إحنا بس كنا بنتكلم في شغل.

آدم (يبص للراجل): أكيد… موضوع شغل يخلي الناس تضحك بالشكل ده؟

الظابط يحاول يصلّح الموقف بابتسامة محرجة.

الظابط: سيادة العميد، أنا العقيد كريم ناصر، منتقل جديد من العمليات الخاصة وكنت—

آدم (مقاطعه بنبرة جليدية): عارف… أهلاً يا عقيد كريم. بس خد بالك… هنا الضحك مش كتير، الشغل هنا مش هزار.

كريم (محرج): تمام يا فندم… عن إذنكم.

يمشي بسرعة، ونادين تبص لآدم بصدمة وغضب.

نادين (بعصبية): إيه المهزلة دي؟! إحرجت الراجل! أنت فاكر نفسك مين؟!

آدم (بهدوء شكله هادي لكن جواه نار): أنا؟ أنا واحد شايف مراته السابقة بتضحك مع واحد غريب في ممر المخابرات كأننا في كافيه مش في جهاز دولة.

نادين (بحِدّة): سابقة، تمام؟ سابقة يعني مالكش حق تحاسبني ولا ترفع صوتك عليّ!

آدم يسكت ثانية، كإن كلامها خبطه في قلبه. يبص لها بنظرة فيها خيبة ووجع.

آدم (بنبرة مكسورة شوية): عارفة يا نادين… يمكن عندِك حق. بس أنا نسيت للحظة إننا بقينا غُراب… نسيت عشان لسه تحت سقف واحد، وبنقعد ناكل سوا، وبنشوف ابنّا كل يوم… وبنضحك ساعات. نسيت إن اللي بينا خلص… على الورق بس.

نادين (مرتبكة): آدم… أنا ماكنتش أقصد أجرحك، بس—

آدم (يقطعها): بس جرحتيني. وبالمناسبة… أنا ماكنتش جاي أزعق ولا أحاسب. بس لما شوفتِك بتضحكي كده… حسّيت إني ما سمعتش الضحكة دي بقالها عمر.

يسكت لحظة، يبتسم ابتسامة صغيرة مليانة وجع، ويمشي ببطء.

نادين تفضل واقفة مكانها، عينها بتلمع وهي بتبص وراه.

نادين (تهمس لنفسها): آدم… سامحني.

تمسح دمعة نزلت من غير ما تحس… وتفهم فجأة إن النار اللي افتكرت إنها انطفت من ١٥ سنة… لسه مولّعة.
*******************

في فيلا عيلة الزهراوي / بالليل

الهدوء مالي المكان بشكل يخوّف،
المطر بيرشق على الإزاز بهدوء… وصوت عيال بتلعب في الجنينة الداخلية بيتداخل مع صوت التلفزيون الواطي.
البيت الكبير اللي كان زمان مليان ضحك… دلوقتي ساكت كإن روحه راحت مع اختفاء ليل.

في الصالون الواسع، قاعدة حور على الكنبة، لابسة فستان بيتي رمادي وشعرها مرفوع بعشوائية،
عيونها مجهدة من السهر، اللمعة فيها شبه اختفت… قدامها صورة ليل على الترابيزة.
تلمس الصورة بطرف صوابعها وتهمس بصوت مكسور:

حور (بصوت واطي مبحوح):
يا رب… طمّني عليها بس… حتى للحظة.
تلات شهور وأنا بدعي أشوفها في المنام… حتى الحلم بقى بيهرب مني.

تقعد جنبها رؤى، بنت عندها 19 سنة، شبه عمتها ليل في هدوء ملامحها.
تحط إيدها على كتف حور بحنية:

رؤى:
يا خالتي، ليل هترجع… والله هترجع.
بابا قال لماما إنه مش هيرجع من ألمانيا غير وهي معاه.
ليل بخير… ربنا عمره ما يسيب حد زيها.

حور (تبتسم بحزن):
عارفة يا رؤى… بس قلبي مش مستريح.
كل صوت باب يخليني أقوم أجري… كل تليفون يرن أقول خلاص… لقوها.
وبعدين؟
ولا خبر… ولا حتى حلم يرد لي روحها دقيقة.

رؤى (تحاول تشجّعها):
ليل قوية يا خالتي… حدش يعرف يغلبها.
فاكرة كانت دايمًا تقولّي: "أنا ما بخافش من الضلمة… بخاف من الناس اللي مستخبية فيها."
أكيد دلوقتي بتحارب الضلمة بطريقتها.

حور تضحك ضحكة صغيرة، دمعة تلمع في عينها:

حور:
إنتي روحها يا رؤى… كانت بتحكيلّي عنكم كتير.
إنتو كنتو كإنكم توأم.

رؤى (صوتها بيرتعش):
ومن يوم ما راحت وأنا مش قادره أضحك من قلبي.
حتى لما بلعب مع كارم… بحس إن نصّي ناقص.
ليل كانت نصّي التاني يا خالتي.

يدخل أدهم، ابن حور عنده 12 سنة، ماسك كورة ووشه زعلان:

أدهم:
ماما… أنا ومازن مش عايزين نلعب.
كل حاجة بقت مملة من غير ليل.
حتى لما نكسب… مش بنفرح.

حور تسحبه يحط راسه في حضنها:

حور:
حبيبي… ليل هترجع وهتلعب معاكم.
وهتعصب لما تغلبوها… زي كل مرة.

يدخل مازن ووشه خايف:

مازن:
ماما…
ليل زعلت مننا عشان كنا بنتريق عليها قبل الفرح؟
يمكن… يمكن مشيت عشان كده؟

حور عينيها تدمع، تضمهم هما الاتنين:

حور:
لأ يا حبيبي… ليل ما تزعلش منكم أبدا.
هي بتحبكم قد الدنيا…
بس هي دلوقتي محتاجة وقت، وربنا هيرجعها لنا بالسلامة.

فجأة يدخل كارم الصغير عنده 5 سنين، يجري عليها ومعاه عربية لعبة:

كارم (ببراءة):
عموووتي حووور! تعالي لعبي معايا!
بابا مش هنا وماما مشغولة وأنا زهقان 😢

حور تفتح دراعها وتضحك رغم وجعها:

حور:
تعالى يا قلب عمتك…
بس ما تقولش لماما جميلة إني لخبطتلك مواعيد نومك 😂

يقعد في حضنها ويحط راسه على كتفها.
رؤى بصوت مكسور تبص للمشهد:

رؤى (بهمس):
يا رب… لمّنا على خير.
كفاية غياب… كفاية خوف.

حور (تبص للسماء):
يا بنتي… البيت فاضي من غيرك.
الضحكة غريبة… والليل بقى أطول.

الكل يسكت… صوت المطر يعلى شوية.
ريحة قهوة في المكان… رؤى ماسكة إيد حور، أدهم حاطط راسه على رجلها، مازن قاعد ساكت،
وكارم يهمس وهو بيغمض عينه:

كارم:
عمّتي حور…
لما ليل ترجع… قولي لها تلعب معايا أنا الأول… ماشي؟

تنزل دمعة من عين حور وهي تبتسم:

حور:
وعد يا حبيبي… وعد.
******************
في  مطار الجزائر العاصمة / مساءً

تسقط أشعة الشمس الأخيرة على زجاج المطار العريض، تعكس لونًا ذهبيًا باهتًا على الوجوه المتعبة للمسافرين.
في زاويةٍ قريبة من بوابة المغادرة، جلست ريما الشرقاوي بهدوء ثقيل.
تضع نظارة سوداء كبيرة تخفي خلفها عيونًا منتفخة من البكاء، وملفًا صغيرًا بين يديها ترتجف أصابعهما.

كانت ترتدي معطفًا بيج طويلًا، وشالًا أسود يخفي جزءًا من وجهها.
الناس تمرّ من حولها بعجلة… أما هي، فالعالم بدا وكأنه تجمّد حولها.

في يدها تذكرة طيران إلى القاهرة، وفي قلبها آلاف الأسئلة التي لا إجابة لها.

ريما (تهمس لنفسها):
إزاي يا بابا؟
إزاي قدرت تعمل كل دا… وتبُصّ في وِشنا بعدين كأنك ملاك؟
رائد…
رائد اللي كنتَ بتقولي إنه خانك، طلع بريء؟
وإنت اللي قتلته؟
يا ريتني ما عرفت الحقيقة دي أبدًا.

تغلق عينيها بشدة، والدموع تهرب من تحت النظارة.
تتذكر صوت الرجل الذي اتصل بها قبل أيام، صوته كان هادئًا لكنه هزّ أعماقها:

> “اللي تربّيته عليه كله كدب يا ريما.
أبوك مراد الشرقاوي قتل الضابط رائد الكيلاني، ولبّس التهمة لناس أبرياء.
عندي الأدلة… بس نصيحتي ليك، لو عندك ضمير، ارجعي بلدك قبل ما الحقيقة تنفجر.”

منذ تلك المكالمة، لم تنم ريما ليلًا.
خوف، خجل، حيرة، وغضب من نفسها قبل أبيها.

تفتح هاتفها، تنظر إلى صورة كامل — زوجها، رجل الأعمال الجزائري الهادئ الطيب.
يبتسم في الصورة وهو يحتضنها أمام البحر.
تضع يدها على الشاشة وتهمس بصوت متهدّج:

ريما:
سامحني يا كامل…
أنا ما استاهلش راجل زيّك.
مش لأنك غلط، لكن لأني بنت الراجل الغلط.
لو بقيت معاك، صورتك هتتشوّه معايا…
ولما الناس تعرف مين أبو مراتي، هيسألوك ليه تزوجتها.
أنا مش عايزة أكون السبب إنك تخسر احترامك.

تتنهد بعمق وتفتح المذكرة الصغيرة بين يديها.
الورقة التي كتبتها بخط يدها ترتجف من الدموع التي سقطت عليها.
تقرأها في صمت قبل أن تطويها مجددًا وتغلقها بحذر.

> “كامل… سامحني على الرحيل الصامت.
مش بهرب منك، بهرب من ظلي.
أنت كنت النور اللي ما استحقّهوش.
لما تعرف الحقيقة، متكرهنيش… بس ادعي لي ألا أنسى إن كنت يوم سبب سعادتي.”

تغلق المذكرة وتضعها في حقيبتها الصغيرة.
تسمع النداء الأخير لرحلتها إلى القاهرة.
تنهض ببطء، تتنفس بعمق كأنها تودّع حياةً كاملة.

تسير نحو البوابة بخطوات ثابتة، رغم أن قلبها ينهار في كل خطوة.
عيناها الزرقاوان تلمعان تحت الضوء الأبيض للمطار، مزيج من القوة والانكسار.

تتوقف لحظة عند النافذة الزجاجية، تنظر للطائرة المتجهة نحو مصر وتهمس:

ريما:
مش عارفة أروح لمين…
ولا حتى وجهي أقدر أبص فيه في المراية بعد اللي عرفته.
بس لازم أواجهه… لازم يعرف إن بنته مش هتسكت على دمه.

صوت امرأة بجانبها يسأل بلطف:
الموظفة: مدام، حضرتك رايحة القاهرة لوحدِك؟

ريما (بهدوء):
أيوه… رايحة أواجه الحقيقة.

تتجه نحو بوابة العبور، تخرج جوازها بيدٍ مرتجفة.
الشرطي يبتسم لها بابتسامة روتينية، يختم الجواز دون أن يعلم أنه يختم بداية معركة جديدة.

بينما تسير داخل الممر المؤدي للطائرة، تشعر وكأنها تترك وراءها آخر خيط أمان.
تتذكر بيتها في الجزائر، صوت كامل وهو يناديها كل صباح: “ريما، فطورك جاهز!”
تغصّ بعبرتها وتهمس دون وعي:

ريما:
وداعًا يا كامل…
ويا رب سامحني لو جرحتك.

تدخل الطائرة، تجلس قرب النافذة، تخلع نظارتها…
تسقط دمعة على التذكرة الموضوعة في يدها.

ريما (بصوت خافت جداً):
مراد الشرقاوي…
المرة دي، مش بنتك اللي هتحميك.
المرة دي، بنتك هي اللي هتكون نهايتك.

وتغلق عينيها، بينما الطائرة تبدأ بالتحرك نحو مدرج الإقلاع…
صوت محركاتها يعلو كأنما يرافق أنينها المكبوت منذ ثلاثين سنة.
*☆يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع☆☆*


                  الفصل الخامس عشر من هنا 
تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة