
في ألمانيا – فيلا رامي / الساعة 2 بعد نص الليل
الفيلا ساكنة جدًا، مفيش صوت غير هبة الهوا وهي بتخبط في الإزاز الكبير.
الأنوار مطفية تقريبًا، إلا لمبة خفيفة قوي طالعة من تحت باب مكتب رامي.
ليل ماشية في الممر بصوت خفيف، قلبها بيدق بسرعة وعنيها بتلف حوالينها.
تمد إيدها على مقبض الباب وتفتحه بالراحة، كأنها خايفة النفس يطلع بصوت.
ليل (تهمس لنفسها):
"لو لقيت أي حاجة تثبت براءة بابا… حتى لو خيط صغير… لازم ألاقي. حتى لو الموضوع دا هيولع الدنيا."
تدخل المكتب، تبص حواليها. المكتب كبير والرفوف مليانة أوراق وملفات وصور.
تروح ناحية درج وتفتحه بهدوء، تلاقي ملفات مكتوب عليها:
"قسم العمليات الخاصة – المخابرات المصرية"
ليل (مندهشة وبتهمس):
"رامي… ضابط مخابرات؟!"
تفتح ملف تاني، صور تقع من جوه على الأرض.
تنزل تجمعهم وتبص عليهم.
أول صورة: رامي وهو صغير في العشرينات لابس بدلة جيش، واقف جنب واحد سنه أكبر شوية…
رائد خالد القاسمي.
ليل (بتهمس بدهشة):
"ده… رائد؟ أخو عاصم!"
تقلب الصورة اللي بعدها:
رامي، رائد، أبوهم خالد القاسمي ومعاهم ناس كتير…
منهم وش تعرفه فورًا: زياد الزهراوي، أبوها، وهو شاب، مبتسم ومهيب.
وجنبه أدهم الزهراوي، مراد الشرقاوي، وآدم العطار.
ليل (بتتنفس بسرعة):
"يعني كلهم كانوا يعرفوا بعض؟!
بابا، وعمي، ومراد، وحتى أبو زين؟!
كل دول في دايرة واحدة؟!"
تقعد على كرسي المكتب، تقلب الصور تاني، تلاقي صورة لرامي وهو طفل شايل أخته الصغيرة نيروز، جنبهم أبوهم وأمهم.
ليل (بابتسامة حزينة):
"يااه… كانوا عيلة حلوة بجد."
بس عينها تقف عند صورة تانية.
راجل شعره اسود وملامحه قريبة قوي من عاصم، واقف جنب زياد الزهراوي.
على الصورة مكتوب:
"خالد القاسمي و زياد الزهراوي – القاهرة 1996"
جسمها يقشعر.
ليل (بصوت مهزوز):
"يعني… بابا كان صاحب أبو عاصم القريب؟!"
تلاقي ملف مكتوب عليه:
"حادثة المقدم رائد خالد القاسمي – سري جدًا"
تفتحه وإيدها بتترعش.
تقرأ:
> "المشتبه به: زياد الزهراوي – بسبب خلافات مهنية وشخصية مع المجني عليه..."
ليل (بغضب ودموع):
"خلافات إيه؟! ده كان بيحبه زي ابنه!
بابا عمره ما أذى حد… عمره ما يعمل كده."
تقفل الملف بعصبية وتمسح دموعها.
ليل:
"مش هصدق الكلام ده… مش قبل ما أعرف الحقيقة بنفسي."
تبص للابتوب، تفتحه، يطلب باسورد.
ليل (بتهمس):
"أكيد له باسورد… نجرب نيروز؟ لأ… يمكن خالد؟ أو رائد؟"
(تضحك بخفة)
"مش معقول يكتب اسم أخوه اللي مات!"
فجأة تسمع صوت خطوات في الممر.
تتجمد في مكانها، تقفل الشاشة بسرعة وتستخبى ورا الستارة التقيلة.
رامي يدخل، شكله تعبان ومعاه كباية قهوة.
يبص حواليه بشك.
رامي (بصوت واطي):
"كنت سامع صوت هنا… ولا أنا بتخيل؟"
يقرب من المكتب ويلفت يشوف الملفات مفتوحة شوية.
ياخد نفس طويل ويرجع يقفلهم.
رامي (بهمس):
"البيت ده بقى بيتهيألي كل يوم."
يشرب شوية قهوة ويمشي.
ليل تطلع تتنفس بصعوبة، تمسك صدرها.
ليل (بهمس):
"يا رب ما يكون شاف حاجة… أنا كنت هبوّظ الدنيا."
ترجع كل حاجة مكانها.
تبص تاني على صورة بابا وخالد القاسمي.
دمعة تنزل منها.
ليل (بحزم ووجع):
"بابا… والله لهعرف كل حاجة.
وهرجع حقك… حتى لو وقفت قدام الدنيا كلها."
تمشي بسرعة وتخرج، سايبة وراها السر اللي ابتدى يتفتح ببطء.
*******************
خرجت ليل من مكتب رامي على أطراف صوابعها، وقفّلت الباب بهدوء شديد.
حطّت إيدها على صدرها وهي بتتنفس بصعوبة:
ليل (بهمس مخضوض):
الحمدلله... ما حسّش بيا… يا رب بس ما يكونش شافني 😩.
لفّت علشان تمشي…
وفجــأة…
صوت هادي، ورايب، وفيه سخرية باردة طالع من الضلمة وراها:
عاصم (بابتسامة باااردة):
بتصطادي أشباح يا ليل؟ ولا اتفرجتي على فيلم جرايم وقلتي تجربي بنفسك؟ 😏
ليل اتشمرت في مكانها… عينها وسعت، تلف ببطء، تلاقيه واقف ماسك الحيطة، إيديه متشابكة، عينه بتلمع ومليانة تهكم.
ليل (متلخبطة):
إ… إنت؟! إيه اللي جابك هنا؟!
عاصم (يميل راسه):
سؤال حلو… بس المفروض أنا اللي أسأله.
إيه اللي خلاكي تتسلي في نص الليل جوه مكتب رامي؟
ولا كنتي فاكرة نفسك نِينجا؟ 😏
ليل (بتتلخبط تحاول تبرر):
لا طبعًا… أنا بس… كنت بدوّر على حاجة—
عاصم (يضحك بشماته):
آه، واضح… بتدوّري على الحقيقة؟ ولا على مصيبة جديدة؟ 🤨
ليل تبلع ريقها، وهو يقرب منها بخطوات ثابتة، عينه مش سايبة وشها لحظة.
عاصم (بصوت واطي):
الفضول ساعات بيقتل صاحبه يا ليل…
خصوصًا لو لعب في ملعب مش بتاعه.
ليل (بعناد يطلع رغم رعشتها):
أنا مش خايفة منك… وبعدين من حقي أعرف.
كفاية بقى أسرار… اتخنقت.
عاصم (ضحكة صغيرة باردة):
الجهل أرحم يا ليل…
على الأقل الجاهل بينام بالليل.
إنما اللي يعرف الحقيقة… ما بينامش أبدًا.
ليل (تتنرفز):
هو إنت لازم تتكلم ألغاز؟ ولا دي طريقة تستعرض بيها الفلسفة؟!
عاصم (يقرب منها أكتر):
لا… ده اسمه ألهيكي عن الرجفة اللي ماسكاكي 😏
بس بصراحة… شكل الشجاعة عليكي لطيف.
عاملة جامدة… بس عينيكي بتعيّط.
ليل (بإصرار):
مش خايفة!
عاصم (بهدوء مرعب):
تمام…
خافي مني بعدين.
لأن بعد يومين… هتبقي مراتي.
الوقت وقف… صوت دقة الساعة بس.
ليل (بتصرخ):
إيه؟!
إنت بتقول إيه؟! 😳
عاصم (بارد جدًا):
قلتلك: بعد يومين هتتجوزيني.
ليل (تصرخ):
أتجوزك إنت؟! على جثتي!
عاصم (بسخرية رقيقة):
طب ماشي… بس نأجل موضوع الجثث شوية.
احنا في ألمانيا مش مسلسل تركي 😌
ليل:
إنت مجنون!
عاصم (ينزل بصوته ويقرب):
احتمال كبير…
بس أحسن من الغباء اللي بتعمليه دلوقتي.
ليل (تحاول تبعد):
ابعد عني! أنا مش لعبة في خططك ولا دمية في انتقامك!
عاصم (يبص جوا عينيها بنظرة خطيرة):
ده الغلط…
إنتي مش جزء من الخطة…
إنتي الخطة كلها.
وفرّق كبير لما أقرر أكسب.
ليل (بتصوت):
ليه؟! ليه أنا؟ عايز تتجوزني ليه؟!
عاصم (يغمض عينه نص غمضة، نبرة هادية وشريرة):
علشان أحميكي.
ليل (بسخرية مصدومة):
تحميني؟ منك؟!
عاصم (ضحكة قصيرة):
ممكن…
بس من ناس أسوأ مني كتير.
يبص لها شوية… كأن كلامها ولا هزّه.
وبعدين يلفّ ويمشي بهدوء ناحية السلالم.
عاصم (قبل ما يختفي):
جهّزي نفسك يا ليل…
مش بس هتجوزك…
ده أنا كمان هخليكي تندمي إنك فكرتي تلعبّي في عالمي.
ليل (بصوت مكسور):
مستحيل…
عاصم (يختفي ورا الضلمة، صوته ساخر):
كل حاجة مستحيلة… لحد ما تحصل 😉
ليل تفضل واقفة، نفسها يتقطع، إيدها على قلبها:
ليل (بهمس مرعوب):
مستحيل… يبقى جاد 😰
********************
في فيلا عائلة الشرقاوي – القاهرة – الساعة التاسعة صباحًا
ضوء الشمس يتسلّل بخفة عبر الستائر الحريرية، ينعكس على أثاث القصر الفخم بلمعة ذهبية هادئة.
على طاولة الإفطار الطويلة، جلس الجد عبد الرحمن الشرقاوي في صدر المائدة، إلى يمينه ابنه مراد، وإلى يساره نرمين، بينما جلس سليم مقابلهما، صامتًا، وجهه جامد، يخفي وراء هدوئه عاصفة من الاشمئزاز.
صوت الملاعق الخفيف يملأ المكان، يتخلله سعال الجد من حينٍ لآخر.
الجد (بصوت هادئ، وهو يضع فنجانه):
مراد يا ابني… في أي جديد عن ليل؟
بقالها أسابيع، والدها بيعيش على أمل نسمع عنها حاجة…
مراد (يتنهد نَفَسًا طويلاً، بنبرة تمثّل الحزن):
للأسف يا بابا… مافيش حاجة جديدة لحد دلوقتي.
المخابرات بتتابع، بس الدنيا معقدة… كأنها اختفت من على وش الأرض.
الجد (بحزن):
يا حبيبتي ليل… البنت دي زي حفيدتي.
فاكر يوم كانت بتيجي البيت تلعب مع سليم وريما وهي صغيرة؟ كانت بتضحكني بنظرتها البريئة.
(ينظر لمراد)
زياد أكتر واحد وقف جنبك يا مراد في حياتك، ما تنساش دا أبدًا.
مراد (بصوت خافت ووجه مصطنع الحزن):
عارف يا بابا… وعلشان كده مش هرتاح لحد ما نرجّع بنته.
(في تلك اللحظة، تلتقي نظرات سليم بنظرات أمه نرمين — نظرة مليئة بالاحتقار المكتوم. نرمين تُخفض رأسها سريعًا، بينما مراد يواصل حديثه وهو يتظاهر بالاتزان).
نرمين (بصوت هادئ):
إن شاء الله ترجع بخير…
(تبتسم بخفة مُجبرة، ثم تغيّر الموضوع بلباقة)
بالمناسبة يا حاج، كلمتنا ريما مبارح، كانت في الجزائر مع كامل، شكلهم مبسوطين أوي.
الجد (بابتسامة حقيقية):
الحمد لله! ربنا يتمملهم على خير.
كامل ولد محترم، واضح إنه بيحبها.
مراد (مبتسم بفخر مصطنع):
أيوه، كامل شاب ناجح وراقي، وبيخليها تعيش حياة تستاهلها.
كان قرار صائب إنها توافق عليه.
سليم (ببرود ساخر خفيف):
أكيد… قراراتك دايمًا "صائبة" يا بابا.
(يسود الصمت للحظة، الجو يثقل فجأة. مراد يرفع عينيه نحو ابنه متفحصًا، في حين الجد ينظر بتعجب).
الجد (بفضول):
مالك يا سليم؟ شكلك مش طبيعي النهارده.
سليم (يرتشف قهوته ببطء):
أنا طبيعي جدًا يا جدي… بس يمكن زهقت من القرارات الصائبة اللي بتتّخذ دايمًا باسم العيلة.
نرمين (بتوتر):
سليم! مش وقته الكلام دا.
سليم (يرد بنبرة لاذعة):
أوه، آسف يا ماما… فعلاً مش وقته، ولا مكانه…
(ينظر مباشرة نحو والده)
ولا يمكن يكون في وقت مناسب للكلام عن حاجات معينة، صح؟
مراد (نظرة صارمة متوترة، يحاول ضبط أعصابه):
واضح إنك صاحي النهارده على نغمة التمرد.
إيه الحكاية؟ حد مضايقك في الكلية؟
سليم (باردًا، بابتسامة خفيفة):
لا يا بابا، محدش مضايقني.
بس ساعات الحقيقة لما الواحد يسمعها… بتكون أوقح من الكذب نفسه.
(نرمين تضع يدها على كوبها لتخفي ارتجافها. مراد يلاحظ نظراتها، يضغط على فكه غيظًا، لكنه يتظاهر بالهدوء أمام والده).
مراد (بصوت حازم):
سليم، خلينا نحافظ على جو العيلة اللطيف الصبح…
مش عايز أسمع تلميحات تانية من غير معنى.
سليم (ينهض من مكانه ببطء):
ماشي يا بابا…
بس صدقني، المعنى واضح جدًا، حتى لو إنت مش عايز تسمعه.
(يتجه نحو الباب بخطوات هادئة لكنه محمّلة بالغضب المكتوم. الجد يتابعه بنظرة قلق).
الجد (بصوت مبحوح):
سليم، في إيه يا ابني؟ كل حاجة تمام؟
سليم (يلتفت بابتسامة مجبرة):
تمام يا جدي… بس محتاج أتنفس شوية. الجو خانق هنا شوية.
(يغادر بخطوات ثابتة، الباب يُغلق خلفه بصوت خافت. الصمت يخيم على المكان.)
نرمين (بصوت خافت، دون أن تنظر لمراد):
إنت السبب في اللي وصل له…
الولد كرهك يا مراد.
مراد (بابتسامة باردة مائلة):
خليه يكرهني يا نرمين…
الكره أهون بكتير من إنه يعرف الحقيقة.
(الجد ينظر إليهما باستغراب دون أن يفهم شيئًا، ثم يهمهم بالدعاء وهو ينهض ببطء من المائدة، تاركًا الزوجين في صمت مشحون.)
*******************
في الساحل الشمالي
سيارة سليم تقف على طرف الطريق الجبلي، وبابها مفتوح.
يجلس سليم على حافة الجرف، رأسه بين كفّيه، وجهه متورم من البكاء.
صوت البحر يمتزج بأنفاسه المرتجفة.
سليم (بصوت متهدج، يحدث نفسه):
بابا… إزاي؟
إزاي قدرت تعمل كده؟
كل العمر كنت شايفك قدوتي، رمز الرجولة والكرامة…
طلعت ماشي فوق جثث الناس… بتقتل وبتضحك؟!
(يرفع رأسه نحو البحر، العيون دامعة)
سليم:
كنت دايمًا بتقول إن الحق لازم يبان، وإن اللي يظلم غيره نهايته سودة…
طب فين الكلام ده؟ فين العدل اللي كنت بتتكلم عنه؟
إزاي قتلت…؟
إزاي حطيت دم على إيدك وسبت غيرك يدفع التمن؟
(يضرب الأرض بحجر صغير، يصرخ من القهر)
سليم:
وليل… يا ليل!
اللي كانت بتضحك دايمًا وبتقوللي: "أنت أخويا اللي ما خلفتوش أمي."
إزاي هبصلها بعد كده؟
إزاي هبص في عيون رؤى؟
(يضرب صدره بكفه)
رؤى… حبيبتي اللي حتى ما قلتلهاش إني بحبها…
أكيد هتكرهني لما تعرف إن أبويا هو السبب في اختطاف بنت خالها…
أكيد الكل هيكرهني…
(ينهض ببطء، يتقدم نحو الحافة، والرياح تعبث بشعره، صوته يرتجف مع الموج)
سليم (يصرخ بأعلى صوته):
ليه ياااااااااا بابااااااااااااااااااا؟!!!!
ليه؟!!
كل اللي عملته… عشان إيه؟ سلطة؟ حقد؟ غيرة؟
دم ناس أبرياء على إيدك!!!
(يضع يده على رأسه، يختنق بالبكاء، ثم يسقط جاثيًا على ركبتيه. صوته خافت الآن، حزين، منكسر.)
سليم (بهمس مبحوح):
يا رب…
أنا مش زيه، صح؟
قولّي إنّي مش زيه…
أنا مش قاتل زيه…
أنا… أنا ضحية زيه وزيهم كلهم.
(الدموع تنهمر من عينيه، يرفع رأسه نحو الأفق البعيد حيث البحر يلتقي بالسماء.)
سليم (بصوت حزين):
يوم الحقيقة… هييجي.
وكلهم هيعرفوا مين هو مراد الشرقاوي الحقيقي…
بس وقتها…
مين هيصدقني؟
مين هيبص في وشي من غير ما يشوف وش أبوي؟
(يقف، يسحب أنفاسًا عميقة، ثم يعود إلى السيارة. قبل أن يدخل، يلتفت إلى البحر مرة أخيرة.)
سليم (بصوت خافت، كأنه وعد):
ليل… رؤى…
أقسم بالله…
لو روحي تمن، هخلي الحقيقة تطلع للنور…
بس مش دلوقتي… مش وأنا ضعيف كده.
لازم أستنى…
وأول ما اللحظة تيجي… هيكون الحساب كبير.
(يدخل السيارة، يغلق الباب بقوة، ويضغط على دواسة البنزين.
السيارة تبتعد بسرعة بين المنحدرات، تاركة خلفها صدى الموج وصوت الريح وكأن البحر نفسه ينوح معه.)
*******************
في – حرم الجامعة – في الساحة أمام مبنى كلية الإعلام
الجو دافئ والطلبة منتشرين هنا وهناك، بعضهم يضحك وبعضهم متجه للمحاضرات.
سليم يترجّل من سيارته بخطوات متثاقلة، نظراته شاردة، ملامحه منهكة وكأنه لم ينم الليل كله.
وبالقرب من إحدى الأشجار، كانت رؤى تنتظره، وإلى جانبها زين العطار الذي كالعادة يمضغ علكة ويعبث بمفاتيح دراجته النارية بملل.
زين (بصوت مرتفع وهو يلوّح):
أهو العريس وصل يا ستّي رؤى! 😏
كنتِ هتمشي وتسيبيه من غير ما تسأليه ليه لابس السواد ده النهارده ولا إيه؟ 😂
رؤى (تضربه على ذراعه بخفة):
زين! بطل هزارك شوية.
هو شكله تعبان بجد.
(سليم يقترب، يحاول رسم ابتسامة باهتة، صوته منخفض)
سليم:
صباح الخير.
رؤى (بقلق حقيقي):
صباح النور يا سليم… مالك؟ وشّك باين عليه التعب… كنت مريض؟
(يحاول التهرب بابتسامة مصطنعة)
سليم:
لا خالص… بس ما نمتش كويس، يمكن عشان ضغط الدراسة شويّة.
زين (يرفع حاجبه بمكر):
ضغط الدراسة؟ 😂
هو الضغط بيخلي عيون الواحد حمرا كده وكأنه كان بيعيط طول الليل؟
قولّي يا رؤى، مش شكله كان بيبكي؟ 😏
(رؤى تلتفت له بسرعة، متوترة)
رؤى:
زين! اتأدب شوية، ده أكيد مرهق بس.
زين (ضاحك):
أهو أنا بسأل! يعني راجل وبيبكي؟ الدنيا اتشقلبت ولا إيه؟ 😂
(فجأة، سليم يخطو نحوه بهدوء غريب… ثم يفاجئه ويحتضنه بقوة.)
سليم (بصوت مبحوح):
تعرف يا زين…
مش عيب الراجل يبكي…
العيب إنه يكتم وجعه لحد ما يموت من جواه.
(زين يتجمّد في مكانه، مندهش تمامًا، بينما رؤى تضع يدها على فمها بدهشة.)
زين (يحاول التخفيف من الموقف وهو لا يزال مصدوم):
هوهّ… هوهّ يا عمّنا، اهدى بس 😂
أنا كنت بهزر! مش قصدي تخشّ في دراما تركية دلوقتي 😅
(سليم يبتسم ابتسامة باهتة ويتركه، ثم يجلس على مقعد قريب، يمرّر يده على وجهه بتعب.)
رؤى (تقترب منه بلطف، نبرة صوتها حنونة):
سليم… أنت مش بخير.
أنا حاسّة… في حاجة مضايقاك، صح؟
(ينظر إليها للحظة، يودّ أن يخبرها بكل شيء… ثم يبتسم بخفوت، كأنّه يخفي حربًا بداخله.)
سليم:
أنا بخير يا رؤى… بجد.
بس يمكن… محتاج أتنفّس شوية.
زين (يضحك، يحاول كسر التوتر):
طب تعالى نتنفس في الكافيتيريا 😂
هواها حلو ومليان قهوة، يمكن تفوق وتضحك شوية بدل الكآبة اللي ماشي بيها دي!
رؤى (بنصف ابتسامة):
فكرة حلوة، يلا بينا.
سليم ينهض ببطء، ينظر إليهما بحب حقيقي، وكأنه يرى فيهما الأمل الوحيد الباقي في حياته.
ثم يمشي بينهما بصمت، بينما زين لا يتوقف عن إطلاق النكات، ورؤى تراقب سليم بخوف وحنان في آنٍ واحد
********************
في
مقرّ المخابرات المصرية – الطابق الرابع – الصباح.
غرفة اجتماعات صغيرة مضاءة بإضاءة بيضاء باهتة. على الطاولة تنتشر ملفات مفتوحة وصور لفتاة صغيرة بعينين رماديتين وابتسامة خجولة… ليل زياد الشرقاوي.
يجلس اللواء آدم العطار، رجل في منتصف الخمسينات، بملامح حادة تعكس تعب السنين، وإلى جانبه الضابط الشاب جواد المصري، يراجع أوراقًا بتركيزٍ جاد.
آدم (يتنهد وهو يقلب في الملفات):
شهرين يا جواد… شهرين والبنت دي كأن الأرض انشقت وبلعتها.
مشهد زي دا ما حصلش حتى في القضايا الدولية.
جواد (يحاول أن يبدو متفائلًا):
بس يا فندم، عندنا مؤشرات إنها اتنقلت من القاهرة بعد يومين من الاختطاف.
الكاميرات في الطريق الصحراوي الشمالي رصدت عربية سوداء من نفس المواصفات اللي كانت قُدام بيت زياد بيه ليلة الحادث.
آدم (ينظر له بحدة):
وبعدها؟ العربية اختفت من الرادار كالعادة، صح؟
جواد (يهز رأسه):
أيوه يا فندم، الإشارة اتقطعت بعد ما دخلت الطريق الساحلي عند مرسى مطروح.
من وقتها… مافيش أثر.
آدم (يضرب بيده على الطاولة):
مش طبيعي يا جواد، كل مرة نفس السيناريو!
نقرب من الخيط، يتقطع فجأة!
دي مش مصادفة، دي عملية متقنة.
جواد (بتردد):
أنا بدأت أفكر فعلاً يا فندم إن في حد من جوّه بيبلغ أو بيمسح الأدلة.
يعني تسريب داخلي.
آدم (ينظر له ببطء، بصوت منخفض):
بتقول خيانة؟
جواد:
احتمال، للأسف… مش حابب أقول كده، بس مفيش تفسير تاني.
اللي بيحصل منظم أكتر من مجرد صدفة.
آدم (ينظر نحو الحائط حيث صورة جماعية قديمة لضباط المخابرات):
(بحزن)
زمان لما فقدنا رائد القاسمي… كنت فاكر إننا خسرنا واحد من أنضف ولاد الجهاز.
شاب زي الدهب… ماكنش يعرف الغش.
(يتنهد)
كان صديقي قبل ما يكون ضابط تحتي.
جواد (بابتسامة خفيفة):
أنا اشتغلت مع رائد في مهمة قبل ما يموت… كان مثل أعلى لينا كلنا.
الله يرحمه.
آدم (بصوت ثقيل):
من يومها وأنا بوعد نفسي ما أسمحش إن جهازنا يتلوث بخيانة.
بس الظاهر في حد بيحاول يخليّنا نعيش الكابوس من تاني.
جواد (يفتح ملفًا جديدًا):
يا فندم… في حاجة غريبة.
كل مرة بنوصل فيها لمعلومة عن ليل، يكون رامي هو المسؤول عن المتابعة أو التنسيق مع الجهات الخارجية.
بس لما طلبت التقارير الأصلية… ما لقيتش أي توقيع منه على النسخ الأخيرة.
آدم (يرفع حاجبه):
رامي؟
(يصمت لحظة)
رامي ضابط شاطر… اشتغل مع رائد كمان قبل ما يموت.
مش ممكن يكون له علاقة بحاجة زي دي.
جواد (بحذر):
أنا مش باتهم حد، بس… لازم نراجع كل التحركات.
الموضوع بقى أكبر من مجرد خطف بنت.
حد بيلعب بينا، وبذكاء.
آدم (يجلس ببطء ويمسك كوب القهوة أمامه):
(بصوت هادئ لكنه مفعم بالعزم)
تمام، يا جواد.
من دلوقتي الملف دا يبقى بيني وبينك.
ولا رامي، ولا أي حد يعرف إننا بنراجع من جديد.
عايزك تبدأ من الصفر… كل مكالمة، كل بلاغ، كل خطوة.
جواد (بجدية):
اعتبرها بدأت يا فندم.
بس اسمح لي أقول حاجة…
آدم (يرفع نظره نحوه):
قول.
جواد:
أنا مؤمن إن ليل لسه عايشة.
مش بس إحساس… الأدلة اللي اتسربت متعمدة تبين إنها ماتت، وده دليل إنها مش كده.
حد عايزنا نصدق العكس.
آدم (بنظرة فيها أمل مكبوت):
(يبتسم ابتسامة حزينة)
ربنا يسمع منك يا ابني.
زياد بيه حالته بتتدهور كل يوم… الراجل ده شايف ليل زي روحه.
ولو عرف إنها راحت بسبّة إهمال مننا… مش هيغفرلنا.
جواد:
هنلاقيها يا فندم، أنا واثق.
بس لازم نعرف الأول مين اللي بيخفيها… ومين بيخفي الحقيقة.
آدم (ينهض، ينظر إلى الخريطة):
ومين بيستفيد من غيابها…
(يصمت لحظة، ثم يهمس)
يا رب… احمِ البنت دي، وورّينا طريقها قبل ما يفوت الأوان.
*******************
صوت طرق خفيف على الباب.
آدم (دون أن يلتفت):
ادخل.
(تدخل امرأة أنيقة في بدلة رسمية رمادية، شعرها البني مربوط للخلف، نظرتها حادة لكن فيها دفء، خطواتها واثقة، تعلق بطاقة تعريف على كتفها: العميدة نادين شرف – إدارة العمليات الخارجية.)
نادين (بابتسامة خفيفة):
صباح الخير يا آدم.
لسه بتعاقب الخريطة؟ ولا الخريطة هي اللي بتعاقبك المرة دي؟
آدم (يبتسم رغم توتره):
صباح النور يا نادين.
جيتِ في الوقت المناسب… كنت محتاج جرعة سخرية قبل ما أضرب نفسي.
نادين (تجلس بثقة):
واضح إنك ما نمتش من كام ليلة.
عينك فيها نفس الهالات اللي كنت بشوفها زمان قبل أي عملية كبيرة.
إيه الأخبار؟
جواد (واقف احترامًا):
صباح الخير يا فندم. العميدة نادين، تشرفنا.
نادين (تبتسم له بلطف):
أهلاً يا جواد، سمعت عنك كتير من اللواء آدم… بيقول إنك أذكى واحد عنده، وده نادر يحصل.
آدم (يتنحنح بجدية):
أهو ده اللي بيخليني أشك إن في مصيبة جاية، أول ما تمدح حد!
نادين (تضحك):
لسه نفس اللسان الساخر.
قول بقى، وصلتوا لإيه في قضية البنت؟
آدم (يجلس ويشير إلى الكرسي المقابل):
ولا حاجة جديدة.
كل خيط نمسكه بيتقطع فجأة.
البنت اختفت من على وش الأرض، وكأن في قوة بتسحبنا لورا كل مرة.
نادين (بهدوء وهي تفتح الملف):
ليل زياد الشرقاوي… سمعت عن القضية وأنا راجعة من مهمة برلين الأسبوع اللي فات.
بس ماكنتش متوقعة إنك أنت اللي ماسكها شخصيًا.
آدم (بصوت عميق):
زياد صاحبي، ونص روحي.
بنته زي بنتي… ماقدرش أسيب الملف لحد غيري.
نادين (تنظر له بنظرة مليئة بالتعاطف):
لسه زي زمان… بتربط الشغل بالقلب.
ده اللي كنت بخاف منه دايمًا فيك.
آدم (بابتسامة خفيفة):
وأنتِ لسه زي زمان… بتخلطي القسوة بالحكمة.
بس المرة دي مش هينفع أسيب العاطفة، يا نادين.
البنت دي بريئة، وأنا حاسس إنها عايشة.
نادين (تغلق الملف):
إحساسي زيك.
بس في حاجة غريبة في الموضوع… وأنا جاية لقيت في الإدارة إشارة متسربة من برلين بتاريخ الأسبوع اللي فات، ومصدرها جهة تابعة لنا هناك.
الإشارة كانت مشفّرة، بس الكود الداخلي المستخدم قديم… من اللي كان بيستخدمه رامي السيوفي.
آدم (ينتفض قليلًا):
رامي؟
(ينظر إلى جواد بسرعة)
هو مش المفروض في مهمة في ألمانيا من شهور؟
جواد (بدهشة):
هو فعلاً هناك يا فندم… بس المفروض شغله إداري بحت، ما يدخلش في ملفاتنا.
نادين (بعينين ضيقتين):
واضح إن شغله بقى أكتر من إداري.
بس الغريب… إن الإشارة اتقفلت بعد ثلاث دقائق من الإرسال، كأن حد لغى وجودها.
وحرفيًا، مافيش أي سجل رسمي إنها حصلت.
آدم (بصوت ثقيل):
يعني في احتمال كبير إن حد مننا… بيتلاعب في الملف.
نادين (بهدوء):
مش احتمال… ده شبه مؤكد.
بس لسه بدري نوجه اتهامات.
خلينا نلعبها بهدوء… نرصد التحركات، ونشوف هيوصلنا لمين.
آدم (ينظر لها بنظرة امتنان):
شكراً يا نادين.
كنت عارف إنك مش هتقصّري.
نادين (تبتسم بخفة وهي تنهض):
مش علشانك، علشان زين.
الولد بيحب البنت دي وبيحكيلي عنها كتير.
قال إنها طيبة، وشجاعة… شبهه في الاندفاع.
آدم (يضحك بخفة):
أهو طلع كل حاجة حلوة فيه منك.
نادين (تضحك):
ومن العصبية منك.
بس بجد يا آدم… خلي بالك، اللعبة دي أكبر من اللي باين.
لو فعلاً في ضابط من جوّا بيلعب، فده معناه إننا داخلين حرب صامتة من غير ما نعرف مين العدو الحقيقي.
آدم (بهدوء حازم):
وساعتها، نادين، العدو مش هيبقى بس جوّه الجهاز…
هيبقى جوّه حياتنا كمان.
********************
في فيلا الزهراوي– صباح مشمس دافئ رغم الحزن الذي يملأ المكان.
صوت العصافير في الحديقة يتداخل مع ضجيج خفيف من الشارع الخارجي.
في المطبخ، حور تقف أمام المائدة، تجهّز علب الطعام الصغيرة وتغلقها بعناية بينما تحاول أن تُخفي دموعها.
تدخل الخادمة بهدوء لتضع الحليب على الطاولة، ثم تخرج بصمت.
بعد لحظات، يظهر أدهم الصغير (12 عامًا) بزي المدرسة، حقيبته مرتبة بعناية، ملامحه تشبه والدته لكنه أكثر هدوءًا ونضجًا.
وخلفه بخطوات بطيئة يأتي مازن (10 سنوات)، يحمل حقيبته على كتفه بطريقة فوضوية، شعره غير مرتب، وعيناه حمراوان من البكاء.
مازن (بصوت مبحوح وهو يجلس على الكرسي):
ماما… مش رايح المدرسة النهارده.
حور (تنظر له بابتسامة حزينة):
ليه يا حبيبي؟
مازن (يخفض رأسه):
مش رايح قبل ما ليل ترجع.
أنا عايز ليل… عايزها تيجي دلوقتي.
(تتوقف حور عن ترتيب الطعام، وتغلق عينيها لحظة، ثم تقترب منه وتجثو على ركبة بجانبه)
حور:
يا قلبي، أنا كمان عايزاها… كلنا عايزينها.
بس ليل هتزعل لو سمعت إنك ما رحتش المدرسة علشانها، هي بتحب تشوفك شاطر وقوي.
مازن (يرفع رأسه بعناد):
بس هي وعدتني تودّيني الملاهي بعد الامتحانات!
وما رجعتش من ساعتها!
أكيد زعلت مني علشان أنا نسيت أقولها بحبها قبل ما تسافر 😭
حور (تغالب دموعها وتضمّه إلى صدرها):
يا حبيبي، ليل عمرها ما تزعل منك…
وهي ما سافرتش بعيد، هي بس راحت مكان مؤقت…
وهترجع قريب جدًا.
(يدخل أدهم الصغير بهدوء، يحمل كوب الحليب ويجلس بجانب أخيه)
أدهم:
مازن، ماما عندها حق.
لو ليل عرفت إنك بتعيط كل يوم ومش بتذاكر، هتزعل جدًا.
هي أكيد دلوقتي محتاجة دعواتنا مش دموعنا.
مازن (ينظر له بعينين دامعتين):
بس إنت دايمًا بتتكلم كأنك كبير…
ما بتحسش بيها زيي؟
أدهم (ينظر للأرض ثم يهمس):
بحس… كل يوم بالليل قبل ما أنام بدعي ربنا يرجعها…
بس ما بعيطش علشان ما أخوفش ماما.
(تتجمد حور
للحظة وهي تسمع كلماته، ثم تجلس بينهما وتضم الاثنين معًا بقوة، ودموعها تسيل بصمت على شعرهما)
حور (بصوت مبحوح):
ربنا يخليكوا ليا يا ولادي…
إنتو الباقيين ليا بعد ما راحت ليل.
وإن شاء الله… إن شاء الله هترجع ونكون كلنا سوا تاني.
مازن (يبكي بصوت خافت):
وهنروح الملاهي سوا؟
حور (تضحك وسط دموعها):
وهنبات هناك كمان لو حبيت.
(يضحك مازن رغم بكائه، فيمسح أدهم دموع أخيه بإصبعه الصغيرة، فتقبله حور على رأسه)
أدهم (ينهض ويحمل حقيبته):
يلا يا مازن، نروح المدرسة ونسمع كلام ماما.
لما ليل ترجع، لازم تلاقي درجاتنا حلوة علشان تفرح بينا.
مازن (يتنهد):
ماشي… بس لو ليل رجعت وإحنا في المدرسة، ما تسيبوش حد يحضنها قبلي!
(تضحك حور لأول مرة منذ أسابيع، وتقول وهي تمسح خده)
حور:
ولا أنا هحضنها قبلك، وعد مني يا قلبي.
(تسير معهما حتى الباب، تتابعهما بنظراتها وهما يصعدان إلى السيارة المدرسية.
تغلق الباب، تسند رأسها عليه، تنهار في بكاء صامت.)
حور (تهمس لنفسها):
ارجعي يا ليل… ما بقيش فيهم نفس يضحك من غيرك.
*********************
تغلق حور باب الفيلا ببطء بعد أن غادرت السيارة التي تقلّ زياد وطفليه، تبقى واقفة للحظة، تحدّق في الطريق الطويل المؤدي للبوابة الحديدية، ثم تضع يدها على صدرها وكأنها تحاول كبح ألمٍ يعتصرها. صوت العصافير الخافت لا ينجح في كسر ثقل الصمت الذي يخيّم على المكان.
بعد دقائق، تعود إلى الداخل. المطبخ مرتب بعناية لكن يخلو من روح الحياة، على الطاولة فنجان قهوة نصف ممتلئ تركه زياد قبل خروجه. تتنهد، تمرّر أصابعها على حافة الفنجان، فتتذكر نظراته الصامتة حين أوصل الأولاد.
حور (بصوتٍ متهدّج وهي تهمس لنفسها):
كل يوم بيبعدني أكثر عنّي... عنّا...
(تجلس على الكرسي، تحدّق في البخار الصاعد من القهوة)
زياد ما عاد نفس الرجل... وانا... ما عدت نفس الأم.
تتجه نحو النافذة، ترى السيارة تعود ببطء وتدخل البوابة من جديد. تتسع عيناها قليلاً ثم تفتح الباب على عجل.
حور:
زياد؟ نسيت حاجة؟
يترجّل زياد من السيارة، يبدو متعباً، عيناه محمرتان من السهر، وشعره أشعث قليلاً رغم أناقته المعهودة. يقترب منها بخطوات بطيئة، وصوته مبحوح:
زياد:
ما قدرت... ما قدرت أروح الشغل. أولادنا دخلوا المدرسة وأنا... مش قادر أكمّل كأنو ما صار شي.
حور (تتنهد وتدنو منه):
كلنا مش قادرين، بس الحياة مش بتتوقف يا زياد... لو ليل كانت موجودة، كانت قالتلك نفس الكلام.
زياد (يبتسم بمرارة):
ليل...
(يخفض نظره للأرض)
كل زاوية في البيت بتناديني باسمها، صوتها لسه في وداني... حتى ريحتها على باب غرفتها ما راحت.
حور (تدمع عيناها وهي تضع يدها على ذراعه):
أنا بحاول، والله بحاول أكون قوية... عشان أدهم ومازن، عشانك، عشانها... بس لما بيجيني الليل، لما بيغيب صوتهم من البيت، بحس كأني بنهار من جوّا.
زياد (يتنفس بعمق ويجلس على الأريكة):
بتعرفي؟ أدهم حاول يخفّي وجعه، بس أنا شايفه... الولد بيتصرف برجولة أكبر من عمره. قالّي الصبح "بابا ما تبكيش، ليل أكيد بخير"... حسّيته بيحاول يقنع نفسه قبل ما يقنعني.
(ينظر إلى السقف بعيون دامعة)
ومازن... مازن لسه بينام كل ليلة وهو ماسك صورها.
حور (بصوت مبحوح):
كنت طول الليل بحاول أشرحله إنها مش في رحلة، إنه في ناس أشرار خطفوها... بس كيف أشرح لطفل إنو العالم مو آمن؟
زياد:
ولا تحاولي، يا حور. الأطفال ما لازم يعرفوا بشاعة الدنيا بدري... خليه يصدق إنها رايحة ترجع قريب. يمكن يكون الأمل البسيط ده هو اللي مخلّينا عايشين.
(يصمتان للحظة، ثم ينظر إليها بخفوت)
تعرفي؟ كل مرة بروح للمخابرات، بشوف في عيونهم نفس الجواب اللي بيقتلني... "لسه ما وصلنا لشي".
حور (تجلس مقابله):
بس لازم نصدق إنها بخير... ليل قوية، ما كانتش بنت تنهزم بسهولة. يمكن هي اللي محتاجة تصدّق إننا لسه بنحارب عشانها.
زياد (ينظر إليها مطولاً، بنبرة تملؤها الحسرة):
كنت دايمًا أقولها "خلي بالك من نفسك"، وكانت تضحك وتقول "إنت خلي بالك مني"،
(صوته يرتجف)
وأنا ما خليتش بالي منها يا حور... ضيّعت بنتي.
حور (تضع يديها على يديه بحنان):
ما تضيعش نفسك كمان.
(بصوتٍ خافت)
أنا محتاجاك، والأولاد محتاجينك... مازن صار يبتسم لما يشوفك، وأدهم بيقلدك بكل حركة. ما ينفعش تخليهم يحسوا إنك استسلمت.
زياد (ينظر إليها بعينين دامعتين):
وأنتِ... ما تبكيش وأنا مش موجود، اتفقنا؟
حور (تبتسم بضعف):
لو قدرت أوقف دموعي، كانت رجعت ليل من زمان...
يصمتان لوهلة، يمر نسيم خفيف عبر النافذة المفتوحة، يحمل معه صوت ضحكات بعيدة لأطفال الجيران.
يغمض زياد عينيه وكأنه يحاول تخيّل ضحكة ليل بينهم.
زياد (بهمس):
هترجع يا حور... حتى لو دورت الدنيا كلها، هترجع.
حور (تضع يدها على قلبها):
هترجع، بس يا رب تكون بخير...
ينتهي المشهد بزاوية واسعة تُظهرهما جالسين في الصالون الصامت، بينما تظل صورة ليل المعلّقة على الجدار مقابلهما، بعينيها اللامعتين تراقبهما كأنها تسمعهما من بعيد...
******************
في ألمانيا
في الداخل، تجلس نيروز على الأريكة، بين يديها كوب شاي ساخن، تتأمل ليل التي كانت تمشي بعصبية في الغرفة ذهابًا وإيابًا، شعرها مسدل على كتفيها ووجهها يشتعل غضبًا.
ليل (بصوت مرتفع وغاضب):
اتجـوّز منه؟! من عاصم؟!! هو اتجنّن ولا بيستهبل؟!
نيروز (تحاول تهدئتها):
ليل، اقعدي شوي، خلينا نحكي بالعقل—
ليل (تقاطِعها بعصبية):
بالعقل؟! إزاي أتكلم بالعقل وهو فقد كل عقل عنده؟ بيقرر لوحده إنو هيتجوزني!
(ترفع يدها بعصبية)
حتى ما سألنيش! بيعتبرني شيء يملكه، مش إنسانة!
نيروز (بحذر):
بس هو قال إنه عمل كده عشان يحميك...
ليل (تضحك بسخرية حادّة):
يحميّني؟! من إيه؟ من العالم؟ ولا من نفسه؟
(تقترب من نيروز وتجلس أمامها، تحدّق في عينيها)
إنتِ شُفتي كيف بيتعامل معايا؟! بيعتبرني ملكه الخاص! من أول ما جابني هنا وهو بيقرّر كل حاجة عنّي: متى أخرج، مع مين أتكلم، حتى لبسي بيتحكّم فيه!
نيروز (تتنهد وهي تضع الكوب على الطاولة):
أنا مش بدافع عنه يا ليل... بس تعرفي كويس إن رامي أخويا مش هيقدر يعمل حاجة.
عاصم لما يحط حاجة في دماغه، مستحيل يتراجع.
ليل (بغضب وانفعال):
لأ، هيـتراجع، غصبًا عنه!
(تضرب بيدها على الطاولة بقوة، تهتز الفناجين)
أنا مش لعبة في إيده ولا مشروع انتقام بيكمّله!
هو فاكرني ضعيفة؟ فاكرني هقبل أعيش معاه وأسكت؟
نيروز (بصوت خافت):
بس ليل... لو عارضتيه علنًا، ممكن يعاقبك، تعرفي هو بيعمل إيه لما حد يعارضه.
ليل (بعيون تتقد غضبًا):
أنا خلاص ما بقتش أخاف منه.
(تنهض واقفة، تمسك شعرها وتجمعه بعصبية)
هو يمكن خطفني، يمكن حبسني، بس عمري ما هخليه ينتصر عليّ.
(بصوت مبحوح من شدّة الانفعال)
أنا هخلّيه يندم على اليوم اللي فكر فيه يقهرني.
نيروز (تنظر إليها بقلق):
ليل، بالله عليك، ما تعمليش حاجة تتهوري فيها...
الناس هنا ما تعرفكيش، ومكانك مش آمن لو حاولتِ تهربي.
ليل (تضحك بسخرية باردة):
أنا ما قلتش إني ههرب.
(تتجه نحو النافذة وتنظر إلى المطر المنهمر)
بس لو هو قرر يستخدم قوتُه عليّ، أنا كمان عندي قوتي...
مش كل معركة بتتحسم بالسلاح، يا نيروز.
بعض الحروب بتتحسم بالعقل... وبالصبر.
نيروز (بهمس، خائفة):
إنتِ ناوية على إيه؟
ليل (تلتفت نحوها، عيناها تلمعان بحدة):
ناوية أخلّيه يخسر سيطرته... زي ما خلّاني أخسر حريتي.
هيفهم إنو ممكن يتحكم في جسدي، بس مش في إرادتي.
(تتقدم منها ببطء)
هيفهم إنو خطف الجسد... بس ما خطفش الروح.
نيروز (تحاول إقناعها):
بس لو عرف إنك بتخططي لشيء، هيقلب الدنيا. رامي نفسه ما هيقدر يحميك، و...
ليل (تقاطِعها بثقة باردة):
أنا مش محتاجة حماية من حد، نيروز.
أنا محتاجة فرصة واحدة... بس واحدة، وأوعدك إنو مش هينساها طول عمره.
(يصمت المكان للحظة، لا يُسمع سوى صوت المطر بالخارج)
نيروز (تقترب منها وتلمس كتفها):
ليل، أنا خايفة عليك... مش عايزة يصير فيك زي ما صار في رائد.
(تخفض صوتها)
عاصم لما بيغضب، بيخسر السيطرة.
ليل (تنظر إليها بعينين دامعتين لكنها ثابتة):
يمكن... بس المرة دي هو اللي هيخسر نفسه... مش أنا.
(تلتقط وشاحها وتستعد للخروج من الغرفة)
نيروز (بصوت مرتجف):
رايحة فين؟
ليل (تلتفت بنظرة صارمة):
أواجهه...
(تبتسم بسخرية خفيفة)
لو هو قرر يفرض زواجه بالقوة... فأنا قررت أعلّمه معنى الرفض الحقيقي.
تغادر الغرفة بخطوات سريعة، تاركة نيروز واقفة في مكانها، تحدّق في الباب المغلق، والخوف يتسلل إلى عينيها.
نيروز (تهمس لنفسها):
يا رب... احميها من غضبه، واحميه من جنونها...
*****************
في مطار برلين الدولي – صباح بارد وغائم
تتدافع أمواج من المسافرين في الممرات الزجاجية، والضباب يلفّ مدرج الطائرات كستارٍ رمادي.
يقف عاصم القاسمي عند بوابة الوصول، يرتدي معطفًا أسود طويلًا، ملامحه صارمة لكن في عينيه شرارة غريبة من الهدوء بعد العاصفة.
صوته الداخلي مليء بالتناقض: الندم... والاصرار... والقلق.
يظهر من بعيد سليم القيصري بملابسه الكاجوال، وبيجاد بخطواته الهادئة وثقته المعهودة.
حالما يراهما، ترتسم على وجه عاصم ابتسامة نادرة، خفيفة، لكنها حقيقية.
عاصم (وهو يفتح ذراعيه):
أخيرًا وصلتوا يا ولاد! كنت فاكر إن الطيارة خطفتكم 😏
سليم (ضاحكًا وهو يحتضنه):
نِعم الضيافة يا رجل! تخطفنا إنت ولا الطيارة؟
بيجاد (ساخرًا بخفة):
نقول الحمد لله إن اللي بيخطف البنات بس، مش أصحابه كمان.
عاصم (ينظر له بنظرة جانبية حادة لكن مبتسمة):
لسّه دمّك خفيف زي ما هو يا بيجاد.
بيجاد (بجدية مفاجئة):
وأنت دمّك تقيل من كتر الغلط اللي بتعمله، يا عاصم.
(يصمت الثلاثة للحظة، يتبادل فيها عاصم وبيجاد نظرات توتر واضحة، قبل أن يتدخّل سليم لتخفيف الجو)
سليم (بابتسامة هادئة):
خلاص يا جماعة، إحنا لسه واصلين، مش وقته محاكم دلوقتي.
(يلتفت لعاصم)
بس فعلاً يا صديقي... إيه اللي خلاك تطلب مننا نيجي فجأة؟ صوتك في التليفون كان غريب جدًا.
عاصم (ينظر إليهما بعمق، بصوت منخفض):
لأن في حاجة كبيرة اتغيرت.
بيجاد (بشكّ):
هاه؟ تقصد إنك بطّلت عناد أخيرًا؟ ولا لسه مقتنع إنك البطل اللي بينتقم من الظالمين؟
عاصم (بتنهيدة):
زياد الزهراوي... بريء.
(صمت ثقيل يهبط فجأة، وكأن الهواء نفسه تجمّد، وسليم يحدّق فيه مصدومًا، بينما بيجاد يرفع حاجبيه بدهشة شديدة)
سليم (بحماس وانفعال):
إيه؟! إنت بتقولها بجد يا عاصم؟!
بيجاد (يتقدّم منه بخطوات سريعة):
أخيرًا صدّقت؟ إحنا بنقولك من شهور الراجل مظلوم!
(يضربه على كتفه بقوة)
كنت هتدمّر بنته من غير ذنب يا مجنون!
عاصم (بصوت ثقيل لكنه صادق):
عارف...
عارف كويس إن اللي عملته غلط، بس...
(ينظر إليهما بحدة)
ما كنتش أعرف وقتها. كان في أدلة مضروبة، وتقارير مشوّهة. كل حاجة كانت بتقول إنه هو القاتل.
سليم (بتنهيدة حارة):
ودلوقتي؟
إيه اللي خلاك تغيّر رأيك فجأة؟
عاصم (بغموض):
مش وقت التفاصيل دلوقتي...
لكن خليني أقولكوا حاجة واحدة: اللعبة أكبر منّا كلنا.
رائد ما ماتش صدفة... واللي وراه ناس كبار.
بيجاد (بصوت متوتر):
ناس من جوّا الجهاز؟ ولا برّا؟
عاصم (يشيح بنظره بعيدًا، عيونه على الطائرات في المدرج):
مش متأكد لسه...
لكن اللي أنا متأكد منه... إن القاتل الحقيقي لسه عايش... وحرّ.
سليم (بقلق):
يعني لسه بتلاحق خيوط القضية؟
طب وليل الزهراوي؟ البنت اللي خطفتها؟
(يتجمد عاصم لحظة، قبل أن يجيب بنبرة هادئة لكنها غامضة):
ليل... بخير.
بيجاد (ينفجر غاضبًا):
بخير؟!
إنت فعلاً بتسمع نفسك؟!
إنت خطفتها، خوّفتها، خربت حياتها، وبعدين تقول بخير؟!
(يقترب منه بغضب)
مش كفاية إنك ضيّعت ثلاث سنين في أوهام الانتقام؟
عاصم (بهدوء بارد):
قلتلك... بخير.
وأنا اللي هصلّح كل حاجة.
سليم (ينظر له بريبة):
صلّح إزاي؟!
رجّعها لأهلها؟ ولا عندك مخطط جديد مجنون كعادتك؟
عاصم (بابتسامة غامضة):
بعد يومين... هتفهموا كل حاجة.
بيجاد (ساخرًا):
يعني أنت بتطبخ لنا مفاجأة جديدة؟
ما تقولّيش ناوي تتجوزها مثلًا؟
(يصمت عاصم، ونظرة سريعة عابرة تمر على وجهه، لكنها تقول الكثير...)
سليم (يرفع حاجبيه مذهولًا):
عاصم... لا، متقوليش...
إنت فعلاً—
عاصم (يقاطعه بابتسامة جانبية):
مش دلوقتي.
يلا نخرج من المطار، رامي مستنّانا في الفيلا.
بيجاد (بدهشة):
رامي؟!
رامي الصديق الهادئ اللي عمره ما يحب الزحمة؟ هو بقى جزء من كل ده؟
عاصم (ينظر لهما وهما يمشيان بجانبه):
رامي... كان دايمًا جزء من كل حاجة، سواء إحنا عارفين أو لأ.
سليم يضحك ليكسر الجو الثقيل، بينما بيجاد يهمس لعاصم بجدية وهو يفتح باب السيارة:
بيجاد:
بس قولّي يا عاصم...
لما تعرف مين قتل رائد فعلاً...
هل هتقدر تعيش بسلام؟ ولا هتبدأ حرب جديدة؟
عاصم (ينظر للأفق البعيد، ثم يهمس):
ده يعتمد على مين اللي هلاقيه في آخر الطريق...
*********************
داخل السيارة
سليم (ينحني للأمام قليلًا، يحدّق في عاصم):
يعني لسه مش ناوي تقولنا ليه جبتنا؟ ولا لازم نكتشف بالصدفة زي كل مرة؟ 😏
عاصم (بابتسامة غامضة، دون أن ينظر له): ناوي أقولكوا... بس لازم تكونوا جاهزين قبلها.
بيجاد (بتنهيدة ملل):
ها، الجملة دي سمعناها منك ألف مرة، وكل مرة وراها مصيبة جديدة.
عاصم (يضحك بخفة):
مصيبة؟ لا يا صاحبي... دي المرة دي فرحة.
سليم (مشفقًا):
فرحة؟! منين؟
عاصم (بهدوء متعمد):
بكرا الفرح.
بيجاد (مستغربًا):
فرح؟!
فرح مين يا مجنون؟
عاصم (يستدير نصف التفاتة للخلف):
فرحي أنا... وفرحك إنت يا بيجاد.
(تسود لحظة صمت مذهولة داخل السيارة.
سليم يكاد يختنق من الدهشة، وبيجاد يفتح فمه دون أن يخرج صوت للحظة.)
بيجاد (بصوت مرتجف):
إيه اللي بتقوله؟ أنا؟!
إنت تتجوز مين وأنا أتجوز مين بالضبط؟ 😳
عاصم (بابتسامة واثقة):
أنا هتجوز ليل الزهراوي.
وإنت هتتجوز ربى أختي.
(عينا بيجاد تتسعان بشدة، وصوته يعلو بانفعال واضح)
بيجاد:
إيه؟!!
إنت بتتكلم جد؟!
(يتكئ على المقعد للأمام، مصدومًا)
ربى؟ أختك؟! وإنت عارف—
عاصم (مقاطعًا بابتسامة ماكرة):
عارف... إنها مشلولة؟
عارف... إنها بتحب الحياة رغم كل ده؟
وعارف كمان... إنك بتحبها.
(صمت مفاجئ.
سليم يرفع حاجبيه بدهشة، بينما بيجاد يشيح بوجهه في توتر، يحاول التملص لكن وجهه صار أحمرًا كالجمر.)
سليم (ضاحكًا بخفة):
هاااه، يعني في حد فعلاً قدر يوقعك يا بيجاد؟ 😏
ما كنتش متخيل اليوم ده ييجي.
بيجاد (يحاول السيطرة على نفسه):
مش كده يا عاصم...
الموضوع مش كده خالص...
عاصم (بهدوء متسلٍّ):
الموضوع بسيط جدًا.
إنت بتحبها، وهي بتحترمك. وأنا عارفها... عمرها ما كانت هترفض لو إنت اللي طلبت.
بيجاد (بتنهيدة):
بس... بس نديم قاللي—
عاصم (يقاطعه بحدة، صوته ينخفض لكنه يحمل غضبًا حارقًا):
نديم؟
إيه قالك نديم؟
سليم (متدخلًا):
هو قال لبيجاد إنك وافقت على جوازه من ربى... من أسبوعين تقريبًا.
(عاصم يتجمد في مكانه لثوانٍ، يلتفت ببطء نحوهما، نظراته قاتلة، نبرته باردة مثل الجليد)
عاصم:
قال... إني وافقت؟
(يضحك بسخرية مظلمة)
هو بيهزر؟
بيجاد (بتوتر):
هو قال إنك اتكلمت معاه شخصيًا، وإنك كنت راضي عن الموضوع.
أنا صدقته لأنك ما علّقتش وقتها.
عاصم (بغضب مكتوم):
لأنني ما كنتش أعرف إنه تجرأ وقال كده.
(ينظر للأمام بعينين تضطرمان غضبًا)
نديم لعب بالنار... وهيتحرق بيها.
سليم (بصوت خافت):
عاصم، إهدى... نديم صاحبك.
عاصم (بحدة):
كان .....
من النهارده... انتهى.
(يصمت الثلاثة للحظات، أجواء التوتر تخنق السيارة.
ثم يقرر عاصم أن يغير مجرى الحديث بنبرة أكثر هدوءًا.)
عاصم (ببرود وهو ينظر عبر النافذة):
وبالنسبة ليك يا سليم...
جهز نفسك إنت كمان.
سليم (يتنفس بصعوبة):
ليه أنا كمان؟ 😳
عاصم (بابتسامة غامضة):
لأنك هتتجوز نيروز.
سليم (يختنق حرفيًا بالماء الذي يشربه 😂):
نيروز؟! أخت رامي؟!
إنت اتجننت رسميًا يا عاصم؟!
بيجاد (ينفجر ضاحكًا رغم الموقف):
والله يا عاصم أنا بقيت أخاف أتنفس، يمكن تقول إني هتجوز كمان بنت في القمر 😂
عاصم (ضاحكًا بخفة):
لا، دي خلاص محجوزة.
(يلتفت لسليم)
ورامي موافق، ما تقلقش.
سليم (يضع يده على رأسه):
رامي موافق؟!
إنت اتكلمت معاه أصلًا؟
عاصم (بابتسامة هادئة):
اتكلمت، واتفقنا.
قاللي بس ما تعملوش دوشة، نيروز بتحب الهدوء.
بيجاد (ساخرًا):
يا سلام! يعني إحنا جايين ألمانيا نحضر فرحين، مش مهمة سرية؟!
عاصم (بنبرة خبيثة):
الفرحين هما جزء من المهمة يا بيجاد.
كل خطوة محسوبة.
(تسود لحظة صمت متوترة، ثم يضحك سليم وهو يهز رأسه)
سليم:
يعني زي ما عرفتك سنين... إنت دايمًا عندك سبب لكل جنون بتعمله.
بس المرة دي... يا خوفي يكون السبب بنت.
عاصم (نظرة سريعة له، بابتسامة غامضة):
يمكن.
(يغمض عينيه قليلاً)
يمكن تكون البنت دي السبب إني شُفت الحقيقة.
*☆يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع☆☆*
الفصل الثاني عشر من هنا