رواية في قبضة العاصم الفصل العاشر 10 بقلم سليا البحيري


رواية في قبضة العاصم الفصل العاشر 10 بقلم سليا البحيري


في فيلا رامي – ألمانيا – بعد الغروب

السماء كانت غامقة وبتنزّل مطر خفيف على شبابيك الفيلا، والهوا بيزق الستاير البيضا بهدوء.
ليل قاعدة قدّام الشباك، لابسة جاكيت رمادي وماسكة نوتة صغيرة.
وشّها فيه شحوب بسيط… بس في عنيّها نفس الشرارة اللي كانت في زياد أبوها لما كان بياخد قرار.

ليل (بتهمس وهي تكتب):
"قالوا إن بابا قاتل… بس ولا واحد شاف الحقيقة. ولا حد حاول يدور… كلهم صدّقوا اللي عايزين يصدقوه… حتى هو، عاصم…"

(بتاخد نفس عميق، تقفل النوتة، وتقوم تبص في المراية)

ليل (بحسم):
"خلص… زمن العياط انتهى. أنا اللي هاعرف الحقيقة بنفسي… خطوة بخطوة."

(خبط خفيف على الباب)

نيروز (من برا، صوتها هادي):
"ليل؟ ينفع أدخل؟"

ليل:
"اتفضّلي."

(نيروز تدخل ومعاها كبايتين شاي سخن)

نيروز (بتبتسم):
"جبتلك شاي بالنعناع، شكلك دماغك شغالة قوي."

ليل (بترد بابتسامة صغيرة):
"قاعد أفكّر أبدأ منين يا نيروز… كل حاجة ضلمة. لا دليل… ولا حتى طرف خيط."

نيروز (بتقعد جنبها):
"ممكن البداية تكون من أقرب واحد لعاصم… اللي يثق فيه."

ليل (بتفكر):
"رامي؟"

نيروز:
"هو الوحيد اللي لا بيكرهه ولا بيشجعّه ينتقم. بس مش هيقدر يقول كل حاجة… في أسرار أكبر منه ومنّك."

ليل (بعزيمة):
"هخليه يثق فيّ. لازم أعرف كل تفصيلة… حتى لو اضطرّيت أواجه عاصم نفسه."

نيروز (بقلق):
"عاصم؟ لا يا ليل، بالله عليكي بلاش، ده… مش طبيعي الأيام دي، عينيه كلها نار."

ليل (بهدوء مخيف):
"يمكن النار هي الطريقة الوحيدة تسيّح التلج اللي بينا… واللي بينه وبين أبويا."

(صمت، نيروز تبصلها بخوف وإعجاب)

نيروز (بصوت واطي):
"إنتي قوية يا ليل… بس خايفة قوّتك تبقى سبب وجعك."

ليل (تبص برا الشباك والمطر يزيد):
"كل وجع يهون… لما الهدف يكون براءة أبويا."

(تروح للمكتب، تفتح اللابتوب وتبدأ تدور في أرشيف جرائد ألماني ومصري. صور رائد القاسمي ومقالات عن موته الغامض تظهر.)

ليل (بهمس):
"هبدأ من رائد… هو المفتاح. لو عرفت مات إزاي… هعرف مين المستفيد… ومين الكدّاب الحقيقي."
********************

في مبنى شركة تقنية متطورة في برلين – الدور الخمستاشر

النور أبيض باهت، الجو بارد، وبرّه المطر مغرق المدينة اللي باينة من ورا الزجاج اللي لحد السقف.

عاصم القاسمي قاعد لابس قميص اسود، قدّامه لابتوب وشاشات مليانة جداول ومخططات وبيانات.
صوت الأجهزة واصل واطي… لكن التقيل مش في الصوت. التقيل في سكوته.

وشّه هادي بطريقة تخوّف… هدوء قبل عاصفة مالهاش أمان.

(خطوات حد بيقرب، موظف يدخل)

الموظف:
"أستاذ عاصم، آخر تحليل خلّص… تحب أطبعلك التقرير؟"

عاصم (من غير ما يرفع عينه):
"مش لازم… ابعته على الإيميل."

الموظف:
"زي ما تحب يا فندم."

(يخرج بخطوات خايفة شوية)

عاصم (بصوت واطي وباصص للشاشة):
"كل حاجة ليها بداية… وليها نهاية. واللي يغلط… إنه يفتكر إنّي لسه أعمى."

(ابتسامة خفيفة مرعبة، يقفل اللابتوب ويقوم نحية الشباك. يطلع سيجارة ويولعها بهدوء.)

عاصم (يهمس وهو بينفخ دخان):
"قربت يا رائد… كل اللي مستخبي هيبان."

(موبايله يرن — اسم “بيجاد الراوي” ظاهر. يبص للاسم فترة وبعدين يرد)

📞 المكالمة

عاصم (بهدوء جامد):
"أهلاً يا بيجاد."

بيجاد (عصبي):
"أهلاً؟! بعد ستة وتلاتين يوم من خطفك لبنت بريئة تقولّي أهلاً؟! اتجننت يا عاصم؟! مصر كلها قامت وما قعدتش!"

عاصم (هادئ جدًا):
"كنت عارف إنك هتكلم في يوم."

بيجاد:
"جاوبني الأول! ليه عملت كده؟! زياد بريء يا عاصم، والله بريء! قلتلك مليون مرة! نديم بيلعب في دماغك!"

(صمت تام من ناحية عاصم… أنفاس ثابتة كأنه مش سامع)

بيجاد (مفزوغ):
"سامعني؟! هتضيّع اسم عيلتك علشان كدبة زرعها واحد حقود؟!"

عاصم (بصوت منخفض):
"كدبة… أيوه… شكل الكدبة كانت أكبر مما توقعت."

بيجاد (مندهش):
"إيه؟!"

عاصم (يتنفس بعمق):
"يا بيجاد… أوقات لازم تبص جوا العاصفة علشان تفهم. كنت أعمى… دلوقتي…"

(يقرب من الشباك وصوته يبقى أخطر)

عاصم:
"دلوقتي شايف كل حاجة."

بيجاد (صوته بقى حذر):
"تقصد إيه؟"

عاصم (بهدوء تقيل):
"أقصد إن زياد الزهراوي… ما يئذيش نملة. ده ابن صاحبه خالد القاسمي… ابن البيت."

بيجاد (مصدوم):
"يعني… صدقت؟ عرفت الحقيقة؟!"

عاصم (يبتسم وهو محدش شايف):
"الحقيقة يا صاحبي… ما بتتقالش. الحقيقة بتتعيش."

بيجاد:
"طب قول! مين قالك؟ فهمني!"

عاصم (بارد وخطير):
"متقلقش… أنا بس اللي عارف."

بيجاد:
"إيه؟! عاصم! ما تقفلش!"

عاصم (يهمس قبل ما يقفل):
"لما ييجي وقتها… هتعرفوا كلكم."

(يقفل المكالمة بهدوء، يحط الموبايل ويقعد)

عاصم (بصوت واطي):
"اللعبة بدأت من جديد… بس المرادي القواعد بتاعتي أنا."

(أضواء المدينة بتنعكس على الزجاج، سيجارته بتطفي، والمطر بيعلى. ابتسامة غامضة على وشّه… ومشهد يتقفل على غموض تقيل.)

**********************

مصر – مكتب بيجاد الراوي – بالليل

الإضاءة خافتة… نور الشارع داخل من ورا الستاير التقيلة.
بيجاد قاعد على مكتبه، الموبايل لسه في إيده، باصص فيه كأنه مش مصدّق.
سليم القيصري واقف جمبه، عينيه واسعة من الصدمة.

(صمت… عقارب الساعة بس اللي بتتحرك)

سليم (بصوت واطي):
"هو… هو فعلاً قال اللي أنا سمعته؟"

بيجاد (صوته مبحوح):
"قال إنه عرف الحقيقة… وإن زياد بريء."

سليم (يقوم واقف بسرعة):
"مستحيل! من أسبوع كنت بتتوسّل له يسمعك كلمة، وكان بيقفل الخط فوشّك… فجأة كده يتحوّل ويقول إنه فاهم كل حاجة؟!"

بيجاد (يحط الموبايل على المكتب ببطء):
"فيه حاجة مش طبيعية يا سليم… طريقته، هدوءه… كأنه شخص تاني.
لا غضب… لا كره… بس غموض يخوّف."

سليم (يفكّر):
"أكيد حصل له حاجة هناك. لازم نعرف إيه اللي قلبه فجأة بالشكل ده."

(بيجاد يمشي في المكتب بقلق، إيديه في جيوبه، ويبص للشباك)

بيجاد:
"حاسس إن حد دخل في الموضوع… أو إن عاصم اكتشف حاجة محدش غيره يعرفها.
بس السؤال… إيه هي؟"

سليم (نبرته جد):
"عاصم مش من النوع اللي يرمي كلام فاضي.
لو قال عرف الحقيقة… يبقى شاف أو سمع حاجة قلبت الدنيا عنده."

بيجاد (بعصبية):
"بس ليه ما قالناش؟ ليه يسيبنا نتلخبط وهو هناك بيخطّط لوحده؟!"

سليم:
"لأنه بيلعب بطريقته. يمكن مش عايز يورّط حد… أو يمكن…"

(يسكت فجأة ويبص لبيجاد بحدة)

سليم:
"أو يمكن هو دخل لعبة أكبر من الكل… لعبة محدش غيره فاهمها."

(بيجاد يخبط على المكتب بقبضته)

بيجاد:
"لو دي لعبة… فهي لعبة خطيرة. وأنا مش هقف أتفرّج!"

سليم (هادئ):
"ولا أنا… بس نمشي بعقل.
أول خطوة… نراقب نديم.
كل الخيوط بترجع له."

بيجاد (بيهز راسه):
"أيوه… نديم هو المفتاح.
ولو عاصم فعلاً عرف الحقيقة… يبقى أيام نديم خلصت."

(صمت تقيل… الجو مشحون)

سليم (بصوت غامض):
"أو يمكن… اللعبة لسه ما بدأتش أصلًا."
****************

مصر – فيلا الزهراوي – بالليل

الجو تقيل… النور واطي.
صور قديمة للعيلة على الحيطان، عليها تراب بسيط… كإنها شايلة نفس الوجع اللي مالي البيت.

في الصالون الكبير، زياد الزهراوي قاعد على الكنبة، راسه في إيده، وشه مرهق وتعبان… شعره بقى فيه شيب واضح.
صوته وهو بيتكلم كأن الدنيا كلها واقعة على كتافه.

زياد (بصوت مبحوح):
"ستة وتلاتين يوم يا حور… ستة وتلاتين يوم ومش قادر أوصل لبنتي…
ولا لاقي خيط واحد يوصلني ليها…"

حور (إيدها على إيده، صوتها بيرتعش):
"هي بخير يا زياد… لازم تكون بخير…
ربنا مش هيضيع تعبنا ولا قلبنا."

زياد (يغمض عينه ويضغط على إيدها):
"أنا السبب يا حور… من أول لحظة دخلت فيها عاصم بيتنا…
ده كان بييجي يلعب في الجنينة وأنا أشيله على كتافي… كنت شايفه زي ابني…"

(ينزل نظره وكل التعب في ملامحه، وحور دموعها تنزل أكتر)

على الناحية التانية، أدهم قاعد هادي كعادته، جنبه جميلة مراتُه، ملامحها هادية أوي بشكل غريب.
مازن قاعد قدّامهم ماسك إيد ملك اللي بتحاول تبان قوية رغم قلقها.

مازن (بتنهيدة):
"مش مستوعب… إزاي اختفوا هما الاتنين كده؟!"

ملك (بهدوء):
"اللي خطّط للخطف مش أي حد…
بس ليل بنتنا قوية، هتعرف تقف على رجلها."

رؤى (عينيها حمراء بتحاول تبتسم):
"أنا بحلم بيها كل يوم… بحسها بتناديني…
كإنها بتقولي إنها كويسة."

(حور تسحب رؤى في حضنها ودموعها بتنزل)

حور:
"يا رب يكون إحساسك صح يا رؤى… يا رب."

(صمت تقيل، صوت عقارب الساعة بس)

أدهم (يكسر الصمت، صوته واثق جدًا):
"اسمعوني كويس… ليل بخير."

الكل يبصّله فجأة.

زياد (يرفع رأسه ببطء):
"إنت متأكد يا أدهم؟! عندك خبر؟"

أدهم (ابتسامة صغيرة غامضة):
"مش لازم دليل…
ليل مش بنت عادية.
وده اللي عاصم مش فاهمه… عمره ما هيعرف يكسرها."

جميلة (بهدوء غريب):
"أنا كمان حاسة كده… لسه واقفة، ولسه بتقاوم."

(نظرة بينهم فيها سر مش مفهوم)

مازن (بعصبية):
"بس الكلام مش كفاية!
لازم نتحرك ونلاقي طريقة نوصلها!"

(زياد يقوم بصعوبة، يحط إيده على الترابيزة يحافظ على توازنه)

زياد (صوته بيرجع له شوية قوة):
"أنا مش هقعد مستني…
لو في ذرة أمل إنها عايشة… هروح وراها لآخر الدنيا!"

حور (تلحقه وتمسك إيده):
"بس يا زياد! لازم نعقلها… مش كل حاجة بالعاطفة."

زياد (يبصلها نظرة موجوعة):
"العقل؟
لما بنتي اتخطفت…
هي خدت معاها عقلي وقلبي مع بعض."

(دموع في عيون الكل، رؤى تبص للأرض… جميلة تبص لأدهم بقلق)

أدهم (يهمس لنفسه من غير ما حد يسمع):
"كل حاجة ماشية زي ما خططنا…
بس لسه وقتنا ما جش."

******************

(البيت ساكن، نور خافت، وصوت المطر برا بيدق في الهدوء.)

جميلة قاعدة في أوضة المكتب جنب جوزها أدهم. الموبايل على مكبّر الصوت، صوت عاصم جاي من ألمانيا.)

عاصم (بهدوء بس نبرة جادّة):
ليل كويسة يا أدهم… وده أهم من أي حاجة دلوقتي. ما تقلقوش عليها.

(جميلة تتنفس براحة خفيفة، أدهم لسه ملامحه متوترة.)

أدهم (بصوت منخفض لكن متماسك):
أنا مش قلقان عليها يا عاصم، أنا موجوع…
موجوع على أختي حور اللي ما بقتش تعرف تنام،
وزياد اللي بقى شبه شخص مكسور…
إنت مش شايف بيحصل فيهم إيه.

(لحظة صمت، صوت عاصم بيتغير شوي زي بيكتم حاجة.)

عاصم:
عارف… وكل ليلة بشوفهم في كوابيسي.
بس لو رجّعت ليل دلوقتي… كل اللي بنعمله هيروح في الهوا.

جميلة (بقلق):
بس يا عاصم دي طفلة… مش لازم تكون وسط المصيبة دي.
كل ده خطر عليها!

عاصم (بحزم هادي):
جميلة صدّقيني… وجودها هنا مش خطر.
ده جزء من الخطة.
اللي قتل رائد مش هيتحرك غير لما يفتكر إن ليل في إيدي.

(أدهم يبص لجميلة نظرة فيها كلام كتير من غير ما ينطق.)

أدهم (غامض):
واضح إنك ابتديت تشوف الحقيقة يا عاصم.

عاصم (بصوت ناضج غامض):
أيوه… الصورة وضحت.
زياد الزهراوي بريء… وأنا كنت أعمى.

(جميلة تبصله بذهول.)

جميلة:
عرفت إزاي؟!

عاصم:
مش مهم إزاي… المهم إني شُفت اللي ما كنتش شايفه.
في حد تاني لعب بينا كلنا…
والنهارده ده قرب نهايته.

أدهم (بنبرة باردة):
إنت بتتكلم كإنك عارف مين القاتل.

عاصم (غامض):
نقدر نقول عندي ظن قوي…
بس مش هتحرك غير وأنا متأكد.

(أدهم يسند راسه وبيبص للسقف بحدة.)

أدهم:
أوقات اليقين أخطر من الشك…
خطوة واحدة غلط تضيّع كل حاجة.

جميلة (بهمس قلق):
بس ما تنساش… ليل طفلة بريئة. مش كارت في لعبة.

عاصم (بثبات):
عارف… وعشان كده مش هاسمح لحد يقرب منها.

أدهم:
يعني مش ناوي ترجّعها؟

عاصم (بحسم):
مش دلوقتي.
لو رجعت دلوقتي القاتل هيختفي تاني.
ليل بأمان… دي كلمتي ليكم.

(أدهم يبص للموبايل ويبتسم ابتسامة صغيرة فيها مكر واحترام غريب.)

أدهم:
الولد اللي كنا نعرفه زمان… اختفى.
واللي بكلمه دلوقتي حد تاني خالص.

عاصم (ببرود):
يمكن…
أو يمكن دي النسخة الحقيقية…
اللي اتولدت بعد ما رائد مات.

(جميلة تبص لأدهم بخوف إنها مش فاهمة كل اللعبة.)

جميلة:
بس قولّي… ليل عارفة إنك اكتشفت الحقيقة؟

(عاصم يسكت لحظة، صوته يرجع بنبرة ندم خفيفة.)

عاصم:
لسه… ومش هتعرف دلوقتي.
هي شايفاني العدو… وده اللي يحميها دلوقتي.

(جميلة تنزل راسها، أدهم يهمس بنبرة مرعبة هادية.)

أدهم:
تمام يا عاصم… كمل.
بس خد بالك… الطريق الصح ساعات يوصّل لجهنّم.

(صمت… ثم صوت عاصم.)

عاصم:
وجهنّم أهون من الحقيقة ساعات…
تصبّحوا على خير.

(المكالمة تقفل.)

(جميلة تسند راسها بتعب. أدهم ساكت، نظرته سودا كإنه شايف اللي جاي ومش طيّق يشوفه.)

جميلة (بهمس):
هو عرف… صح؟

أدهم (بهدوء مرعب):
أكتر ما المفروض يعرف…
بس لسه ما عرفش مين بيحرّك الخيوط بجد.
ولما يعرف…
الدنيا هتتقلب.
*****************

ألمانيا – صباح اليوم اللي بعده

حديقة فيلا رامي – ورا البيت

(شمس الصبح بتنسلّ من بين الشجر، بتلمس الورق الندي.
ليل قاعدة على مقعد حجري صغير، شعرها مبعتر من الهوا البارد.
عينيها على الميّة قدّامها، ساكتة.
العصافير بتصوصو بهدوء، كإن المكان بينسى كل اللي حصل.)

(عاصم يظهر من وراها ماشي بهدوء، لابس معطف رمادي، ماسك كوباية قهوة.
يقف وراها شوية، بعدين يقرب لحد ما بقى وراها بخطوتين.)

عاصم (بصوت هادي):
ماكنتش أعرف إنك بتصحّي بدري.

(ليل تبصله، عينها تعبانة بس فيها فضول خفيف.)

ليل (بصوت واطي):
ما عرفتش أنام.

(عاصم يقعد قصادها، ماسك الكوباية بإيده وبيبص للبحيرة.)

عاصم:
الليل هنا دايمًا طويل…
خصوصًا لما الواحد عقله يفضل يصارع نفسه.

ليل (جافة):
أنا مش بصارع… أنا بحاول أفهم.

عاصم (يبص عليها ببطء):
تفهمي إيه؟

ليل (بثبات):
إزاي حد ياخد بريء رهينة علشان ينتقم من حد تاني.
إزاي تقدر تبص في وشي دلوقتي كإنك ما عملتشش حاجة.

(عاصم يسكت ثواني… عينه للأرض.)

عاصم (هادئ):
الغضب ساعات يعمي… يخلي الواحد يشوف الكل بنفس عين الخيانة.

ليل (بغصة):
بس أنا ما خنتكش… ولا حتى كنت أعرفك!

(يتنفس بعمق.)

عاصم (بحزن خفيف):
عارف.

(ليل تتجمد شوية.)

ليل:
…عارف؟

(يرفع عينه ليها لأول مرة بصدق.)

عاصم:
أيوه… عارف إنك مالكيش ذنب.
بس تصديق ده بياخد وقت.

(ليل تبعد نظرها، تلمس وردة جنبها.)

ليل:
الوقت مش دايمًا بيصلّح اللي بيتكسر.

(عاصم يبتسم خفيف ويمد لها الكوباية.)

عاصم:
جربي دي… يمكن تفوّقك شوية.

(تبص للكوباية وبعدين تاخدها، تشرب رشفة صغيرة.)

عاصم (هدوء):
مش هبرّر نفسي…
بس في حاجة أقدر أوعدك بيها.

ليل:
وهي؟

عاصم:
إنك هنا بأمان…
ومش هسيب حد يقربلك، حتى لو آخر حاجة أعملها.

(ليل تبصله… صوتُه مختلف. فيه دفء مش متعودة عليه.)

ليل (بهمس):
بس أنا مش حاسة بالأمان.

(عاصم يسكت لحظة.)

عاصم (بحزن هادي):
يمكن علشان لسه شايفاني الماضي اللي وجعِك…
وأنا كمان بحاول أهرب منه.

(ليل تبصله فترة، كأنها بتحاول تقراله.
بعدها تحط الكوباية، وتقوم بهدوء.)

ليل (بصوت ثابت رخيم):
أنا مش محتاجة وعود…
أنا محتاجة أرجع نفسي.

(تمشي بهدوء ناحية البيت.
عاصم يبصلها ساكت، مايروحش وراها.
يبضل قاعد يبص للميّة.)

عاصم (يهمس لنفسه):
وهترجعيها… حتى لو ده آخر حاجة أعملها.
***********************

القاهرة – مقر شركة الزهراوي للاستيراد والتجارة

الساعة 11 الصبح

(شمس القاهرة ضاربة في الإزاز الكبير.
زياد الزهراوي قاعد ورا مكتبه، باصص في الورق بس عقله مش هنا.
مراد الشرقاوي ماسك فنجان القهوة بشياكة مصطنعة.
وأدهم واقف عند الإزاز، عينه على الشارع تحت، ساكت وبيفكّر.)

مراد (بهدوء مصطنع):
يا زياد… بقِالنا أكتر من شهرين وإنت بتجري ورا الهوا.
السفارات اتحركت، ناس فوق وناس تحت… ومفيش. ولا خيط.

(زياد يرفع راسه، ملامحه بايظة من السهر.)

زياد (تعبان):
إزاي أستسلم؟ دي بنتي… لحمي ودمي.
أنام إزاي وأنا مش عارف هي فين؟

(مراد يحط الفنجان ويتنهد كإنه متعاطف.)

مراد:
فكّر بعقل برضه.
عاصم ده مش سهل… وممكن يكون خلّص عليها من بدري، خصوصًا لما شاف إنك مش هتسكت.

(الكلمة توقع على زياد زي رصاصة. يقوم بغضب، وشه يتشدّ.)

زياد (قهر):
إنت بتقول إيه يا مراد؟!
ولو لمسها… لو بس لمسها!
هخليه يندم إنه اتولد!

(أدهم لسه ساكت، بيبص لمراد بنظرة مش مريحة.
مراد يطاطي عينه يخبي ابتسامة خفيفة غصب عنه.)

مراد (نبرة باردة بس عاملة نفسها متعاطفة):
أنا بس بجهّزك… ساعات الحقيقة بتكسر.

(أدهم يلف فجأة، صوته حاد.)

أدهم:
والحقيقة ساعات كمان بتفضح اللي مسبّب الوجع ده.

(مراد يومّي بعينه، متوتر ثواني، يحاول يرجع البرود.)

مراد (بضحكة مزيفة):
مش فاهم قصدك.

أدهم (ثابت وبارد):
هتفهم… قريب جدًا.

(لحظة توتر طويلة.
زياد يمرّر إيده على وشه، صوته بيتهز.)

زياد:
مش قادر أصدق إن عاصم يأذيها…

مراد (ببرود محسوب):
الحب لما يقلب… بيبقى أخطر من الكره.

(زياد يخبط على المكتب، صوته بيتكسر.)

زياد:
كفاية يا مراد!
أنا بس عايز أصدق إنها عايشة… حتى لو ده حلم!

(مراد يرجع لورا، عامل نفسه هادي.
أدهم يبصله باشمئزاز واضح.)

أدهم (بصوت واطي قوي):
الوهم الحقيقي… إن في حد لسه فاكر إنك بريء.

(مراد ينتفض، عينه تلمع بقلق.
أدهم يسيبه ويخرج ببطء من المكتب، سايب وراه كهربا في الجو.)

(مراد واقف، بيبص للباب، وشه فيه توتر وابتسامة ملسوعة في نفس الوقت.)

مراد (لنفسه):
واضح إن اللعبة قلبت…
بس أنا دايمًا اللي بطلع كسبان في الآخر.
*******************

بعد ما مراد خرج من الشركة

(الأوضة ساكتة بعد ما الباب اتقفل.
زياد لسه قاعد مكانه، عينه تاهية في الهوا، وصوت الباب لسه بيرن في ودنه كإنه ساب وراه حمل تقيل.
ياخد نفس عميق ويحط إيده على جبينه، وأدهم يقرب له واحدة واحدة، باين عليه القلق والتعاطف.)

أدهم (بهداوة):
"يا زياد… ما تزعلش من كلام مراد، الراجل بيتكلم من خوفه عليك… مش أكتر."

(زياد يبصله، عنيه تعبانة ومليانة وجع وشك.)

زياد:
"بس كلامه حشر جوا دماغي يا أدهم…
يعني معقول عاصم يعمل كده؟
ده أنا كنت بشوفه بيجري في الجنينة هنا وهو عيل… كنت باخده في حضني زي ابني."

(أدهم يقرب أكتر ويقعد جمبه على طرف المكتب.)

أدهم:
"عارف يا زياد… يمكن مراد ليه نقطة، بس لازم تبقى جاهز لكل الاحتمالات.
اللي بيحب… ساعات الظلم يخنقه، والغضب يعميه."

(زياد يبصله نظرة طويلة، الصراع مالي وشه.)

زياد (بصوت واطي):
"يعني انت شايف إن ممكن فعلًا… يكون أذاها؟"

(أدهم يسكت لحظة، وبعدين يتنهد بهدوء.)

أدهم:
"كل حاجة واردة… بس خلينا ماسكين في الأمل.
إنت طول عمرك أقوى واحد فينا يا زياد… ما ينفعش تقع دلوقتي."

(زياد يبص لتصوير ليل على المكتب، صوته مهموس.)

زياد:
"وحور؟
دي بقالها ليالي ما بتنامش… كل شوية تقوم تصرخ باسمها.
يا ريتني أنا اللي كنت مكانها."

(أدهم يحط إيده على كتفه بحنية.)

أدهم:
"بلاش تعذّب نفسك يا زياد…
ليل بنتنا إحنا الاتنين.
زي ما كنت بفرح بيها وأشوف ضحكتها، كنت حاسس إنها بنتي زي ما هي بنتك.
ووالله لو فيها ذرة خطر… كنت هحسّ قبل أي حد."

(زياد يهز راسه، عينه مليانة دموع.)

زياد:
"أنا تعبت يا أدهم…
كل يوم بحس قلبي بيتكسر أكتر."

أدهم:
"بس ما تسيبش الشك ياكل فيك… فاكر وإحنا صغيرين؟
كنت دايمًا تقولي الشك بيقتل صاحبه قبل ما يقتل الحقيقة."

(زياد يبتسم ابتسامة حزينة خفيفة.)

زياد:
"فاكر… وكنا بنضحك على أي حاجة."

أدهم (بصوت هادي):
"وكنا نقول مش إخوات في الدم… بس إخوات في الروح.
وأنا لسه كده… إيماني بيك وبليل زي ما هو."

(زياد يوطي راسه ويحط إيده فوق إيد أدهم.)

زياد:
"ربنا يخليك ليا يا أدهم… وجودك هو اللي مسندني."
******************

فيلا مراد الشرقاوي – بالليل (الساعة 11:45 تقريبًا)

(الدنيا مكهربة جوا الفيلا.
المطر نازل زي السهام، والبرق ينور الشبابيك لحظة ويرجع الضلمة تخنق المكان.
مراد قاعد لوحده في المكتب الكبير، قدامه كاس ويسكي لسه ما لمسوش.
وشه مكشّر، عروقه نافرة، وعينه تايهة في الحيطة كأنه شايف مصيبته وهي بتتقلب عليه.)

(صوت كعب جزمته بيدبّ على الرخام وهو رايح جاي بعصبية، يعدّل شعره بإيده، ويكلم نفسه بنبرة كلها سم وغِل.)

مراد (مخنوق وهادي بشكل مرعب):
"أدهم… نظراته النهارده ما كانتش عاديه.
كان بيبصلي كإنه شايف كل اللي جوايا!"

(يضرب المكتب بقبضة إيده، الرماد يتنطر من السيجارة في الطفاية.)

مراد (بغِل):
"أكيد شاف ريحة اللي مخبيّه…
الواد ده دايمًا دماغه أكبر من اللي ينفع!"

(يقف قدام المراية الكبيرة، يبص لنفسه بعينين كلها احتقار وغضب.)

مراد (بضحكة سودا على نفسه):
"بس لأ… مش هو اللي يوقعني.
ولا هو اللي هيمشي قبلي بخطوة.
ده أنا اللي علمته يقف…
والوقت جه أعلّمه يعني إيه يقف قدام خصم غلطان!"

(يمسك سماعة التليفون الأرضي بسرعة، يكلم رقم محدش يعرفه، صوته واطي بس مسموم.)

مراد:
"عاملين إيه؟
آه… الخطة الأولى وقعت.
وفي احتمال كبير أدهم يكون شَكّ."

(يسكت لحظة، ثم يبتسم ابتسامة خبيثة بتوجع.)

مراد:
"يبقى نبدأ بالخطة التانية فورًا.
مش هديهم فرصة ياخدوا نفس.
الزهراوي لازم يقع قبل ما يلم خيط واحد."

(يقرب من الشباك يبص على المطر، صوته يطلع مخنوق بالحقد.)

مراد:
"أنا مستني اللحظة دي من سنين…
زياد… أدهم… خالد… كلكم هتدفعوا التمن.
خصوصًا زياد… اللي عامل فيها ملاك قد الدنيا."

(يضرب بإيده على الإزاز، عينه تبقى شر محض.)

مراد (همس مسموم):
"قريب… قريب قوي.
هخليه يتمنى الموت… والموت مش هيجي."

(يقفل المكالمة، يفتح درج سري، يطلع ظرف بني مليان ورق وصور قديمة.
يفردهم على المكتب، يبصلهم بنظرة مرعبة ويهمس بغلّ.)

مراد:
"اللعبة ما خلصتش يا أدهم…
الدور جاي عليكم كلكم… واحد واحد."
*****************

(صوت المطر برا بيخبط على الإزاز بقوة.
مراد قاعد في الضلمة، نور خفيف بس من أباجورة جانبه.
بينفخ دخان سجارته بعصبية، عينه تايهة لكن كلها غِل وكبت.
الباب يتفتح بالراحة، ونرمين تدخل بفستان بيت شيك، وشها باين عليه البكا والتعب)

نرمين (بصوت هادي وخايف):
"لسه صاحي لحد دلوقتي يا مراد؟ الساعة عدّت اتنين… المفروض ترتاح شوية."

(مراد ما يبصّش عليها على طول، وبعد لحظة يبتسم ابتسامة بايخة وينفخ دخان)

مراد (بخبث رايق):
"لما تبقى واقف على خطوة من الفوز… النوم يبقى خيانة."

نرمين (بتقرب منه):
"فوز؟!
هو اللي بتعمله ده اسمه فوز؟
ولا انت نسيت نفسك؟!"

(يتنفس بعمق، يبصلها بثبات بارد، صوته هادي بس في جنان مستخبي)

مراد:
"اللي ما يعرفش القصة… ما يحكمش.
أنا باخد حقي… اللي اتسلب مني زمان.
زياد افتكر إنه أخده مني وخلاص."

(نرمين تضحك ضحكة قصيرة فيها وجع)

نرمين:
"زياد؟
اللي طول عمرك بتقول عليه أخوك؟
اللي كنتوا بتاكلوا لقمة واحدة؟
نسيت إن عيالنا اتربّوا مع بعض؟"

(مراد عينه تتجمد لحظة ويرجع يشيح وشه)

مراد (بغِل ومرارة):
"نسيتي إن العالم كله كان شايفه هو الأحسن؟
وهو ولا حاجة غير قشرة… شكل بس.
اللعبة خلاص قربت تتقفل… وأنا اللي هكسب في الآخر."

(نرمين تقرب منه، عيونها فيها قرف وخيبة)

نرمين:
"كفاية… مش قادرة أسمعك.
كل مرة تقول مظلوم وبتاخد حقك…
بس الحقيقة؟
إنت بتحارب ضميرك اللي مات."

(مراد يطفي السجارة بعنف على الترابيزة)

مراد (ينفجر):
"اسكتي يا نرمين!
إنتي مراتي… ومافيش حد هيقف ضدي في بيتي!"

(نرمين ترفع راسها، صوتها هادي بس بيوجع)

نرمين:
"أنا ما وقفتش ضدك عشاني…
بس كل مرة ببص في عين سليم…
بخاف من اليوم اللي يعرف مين أبوه.
وعشان كده ساكتة."

(صمت تقيل يسود، مراد عينه تلتمع بنظرة خطيرة)

نرمين (تهمس):
"ولما يعرف إن أبوه ورا كل الدم ده…
مش هيغفرلك… زي ما أنا ما غفرتش."

(مراد يضحك ضحكة سخرية، ويقوم يقف ويقرب منها)

مراد:
"سليم؟
الواد شايف اللي أنا عايزه يشوفه بس.
وهيفضل فخور بيا.
أما ريما… فآه، في أمان هناك في الجزائر مع جوزها…
ما لهاش دعوة هنا."

نرمين (بغضب ودموع):
"في أمان؟!
دلوقتي بس…
لكن بكرة لما جوزها يعرف مين أبوها الحقيقي؟
هتعرف إنك لو بعيد… بتبوّظ حياة اللي حواليك!"

(مراد يقف قدامها بهدوء مخيف، صوته واطي وتحت الصفر)

مراد:
"خلاص يا نرمين… كفاية.
أنا مش ناقص كلام.
ادعيلي أوصل للي عايزه…
وبعدها… هترتاحي مني للأبد."

(نرمين تتراجع، صوتها مكسور بس قوي)

نرمين:
"أنا فعلًا بدعيلك يا مراد…
بدعيلك ربنا يخلّصك من نفسك."

(تلف وتخرج. الباب يتقفل بالراحة.
مراد يبص لصور ولاده على المكتب:
ريما بفستان الفرح… وسليم بضحكته الطفولية)

مراد (يهمس بصوت مظلم):
"كل حاجة ليها تمن…
وأنا دفعت كتير.
والباقي… هيكون بدمهم."

(البرق ينور، وشه يبان مشوّه بين الخوف والجنون…
زي واحد فاكر إنه ماسك الدنيا… وهي أصلا بتهد عليه وهو مش واخد باله.)
*********************

بعد ما نرمين تخرج من المكتب، الإضاءة الخفيفة لسه ظلالها باينة على وش مراد اللي باين عليه الهِلك. خطوات خفيفة في الطرقة — سليم واقف 
ورا الباب، بقاله وقت سامع كل كلمة. وشّه متحجّر، عيونه مليانة صدمة وكسرة… بس ساكت. يمسح دمعة قبل ما تنزل وياخد نفس طويل… ويدخل بهدوء مقصود.

(سليم بيفتح الباب بشويش وداخل بابتسامة مزيّفة، صوته ساقع):

سليم: لسه فايقين يا بابا؟ ده النهار بيطلع أهو.

(مراد يتشنّج ويلف بسرعة، يحاول يتماسك)

مراد (بابتسامة باينة إنها مزيّفة): آه يا ابني، كنت براجع شوية ورق… النوم ماجاش.

(نرمين دخلت بعد ما سمعت صوته… ملامحها قلقانة)

نرمين: سليم يا حبيبي، إنت لسه صحيان؟ ما وراك جامعة بكرة؟

(سليم يبصلهم بنظرة باردة كإنه شايفهم لأول مرة… يبتسم ضحكة شبه ميّتة)

سليم (بصوت تقيل وهادي): أهو، قلت أطمن عليكم الأول… البيت عندنا واضح إنه ما بينامش اليومين دول.

(نظرات متبادلة بينهم — توتر مالي المكان)

مراد (بيحاول يهرّج): يا عم إنت واخد قلق أمك… روح نام عشان يومك طويل بكرة.

سليم (بمُرّ وسخرية خفيفة): مش كل الناس بتعرف تنام يا بابا… خصوصًا لما يشوفوا حاجات ماكانوش متوقعينها.

(نرمين ترتعش فجأة، ومراد يبحلق فيه مش فاهم بس قلق)

مراد (بحِدّة خفيفة): يعني إيه يا سليم؟

(سليم يقرب من المكتب، ياخد صورة العيلة، يبصلها كأنه بيقرأ وشوشهم من أول وجديد)

سليم (بهمس ساخر): ولا حاجة… بس ساعات الصور بتكذّب. تخلّي الناس تبان طيبة… بس في الحقيقة؟ يطلعوا أوسخ من الشيطان نفسه.

(وش نرمين يتشدّ من الخوف، ومراد عينه تضيّق)

مراد (بتوتر وغلّان): بتقصد إيه يا ابني؟ بتلمّح لمين؟

(سليم يرفع عينه ليه — نظرته ميتة، مفيهاش ولا نقطة دفء)

Sليم (ببرود شديد): ولا لحد يا والدي…

(يسكت لحظة… يبتسم ابتسامة تقطع الدم)

سليم: تصبحوا على خير.

(يستدير ويمشي… خطوات ثابتة بس النفس مكتوم. مراد واقف متجمد، عينُه على الباب اللي اتقفل. نرمين تقرب بخوف حقيقي)

نرمين (بهمس مرعوب): مراد… هو سمعنا.

(مراد يبصلها بحدة… الخوف ظاهر لأول مرة في عينه)

مراد (بصوت واطي وراسي): لو سمع… يبقى يتعلم يسكت. زي أمّه.

(نرمين تتراجع بخوف… والريح تضرب في الزجاج من برة — كإنها بتبشّر بعاصفة جاية هتقلع كل حاجة بناها مراد.)
******************

– أوضة سليم الشرقاوي – فيلا الشرقاوي – بعد نص الليل

الأوضة غرقانة في الضلمة، غير شوية نور خفيف جاي من الشباك اللي بيطلّ على الجنينة. سليم قاعد على الأرض جنب السرير، ضهره مسنود على الحيطة، راسه بين إيده. نَفَسه متقطع… صدره بيروح وييجي كإن جواه نار بيحاول يكممها.

بيحاول يتنفس براحة… بس صوته بيرتعش، ودموعه نازلة من غير صوت. يرفع عينه ويبص في المراية قدّامه، ويهمس بنبرة مكسورة:

سليم (بصوت مخنوق):
ليه؟ ليه يا رب أبقى ابن واحد بالشكل ده؟
كنت طول عمري شايفه راجل محترم…
وطلع هو السبب في كل الوجع… لكل الناس اللي بحبّهم.

(يضرب الأرض بإيده بقوة… تنهيدة تقيلة تخرج من صدره.
يمسك الموبايل بإيد بترتعش، يتردد… وبعدين يدوس على اسم: “رؤى الزهراوي”)

التليفون بيرن مرتين… صوتها الناعم يطلع، فيها قلق النوم.

رؤى (بصوت نعسان وقلقان):
سليم؟ الوقت متأخر قوي… في إيه حصل حاجة؟

(يسكت شوية، يحاول يخبي صوته عشان مايبانش كاسر)

سليم (بنبرة واطية وتعبانة):
مفيش… بس كنت محتاج أسمع صوتك شوية.

(رؤى بتقعد على السرير، حسّة فيه حاجة غلط)

رؤى (بحنية):
سليم… صوتك مش طبيعي.
مالك؟ في حاجة مضايقاك؟

(ياخد نفس طويل ويحاول يبتسم من وسط كسرة قلبه)

سليم:
مش مضايق… بس تعبان.
الدنيا ساعات بتبقى خانقة…
تحسي إنك مش فاهمة الناس اللي حواليكي؟
مش عارفة مين الصح ومين الغلط؟

(تسكت لحظة تفكر في كلامه)

رؤى (بصوت هادي يحضن القلب):
كتير بحس كده…
بس لما الدنيا تتشقلب حوالينا، ربنا بيبعت لنا ناس نرتاحلهم.
زي ما إنت دايمًا بتريحني لما بتكلمني…
يمكن المرة دي دوري أطمنّك أنا.

(الكلام يدخل قلبه ويهديه، يبتسم غصب عنه ويمسح دموعه)

سليم (بصوت متكسر):
إنت دايمًا بتقولي الكلام الصح يا رؤى…
عشان كده صوتك المكان الوحيد اللي بحس فيه بالأمان.

(هي تبتسم بخجل، صوتها يلين أكتر)

رؤى:
مش عارفة أقولك إيه…
بس لو محتاج تتكلم، أنا هنا… على طول.

(يتنفس كأنه بيحاول يحفظ اللحظة جواه)

سليم:
شكرًا يا رؤى…
إنت من القليل اللي بيخلّوا الدنيا تستاهل شوية.

(سكتة دافية بينهم… النفس مسموع بس)

رؤى (بنعومة):
حاول تنام يا سليم…
بكرة يوم جديد، وكل حاجة هتعدّي إن شاء الله.

(يغمض عينه ويتمتم)

سليم:
يا رب…

(يقفل التليفون بهدوء، يرميه جنبه، وينام على الأرض بدل السرير…
يهمس وهو مغمض عينه، صوته مجروح)

سليم (بهمس):
لو كنتي تعرفي يا رؤى…
بس ماينفعش… مش دلوقتي.
******************

في فيلا آدم العطار — القاهرة — الصبح

الفيلا هادية قوي… الهوا داخل من الشباك الواسع اللي بيطلّ على الجنينة،
بس جوا البيت كإن الزمن وقف.
آدم العطار قاعد قدام فنجان قهوة ساقع من زمان… يبصّله كإن مستني منه يرد عليه.

يدخل زين بخطوات مقلقة… بيحاول يبتسم بس عينه فاضحة قلقه.

زين (بصوت منخفض):
صباح الخير يا بابا.

آدم (يرفع عينه عليه بتعب):
صباح النور يا زين… نمت؟

زين (يقعد قدامه):
حاولت… بس مفيش فايدة.
كل ما أغمّض عيني… أشوف ليل.
ضحكتها، كلامها… حتى سكتها.

آدم (يتنهد):
عارف يا ابني… الكل مش قادر ينساها.
ليل كانت بنت طيبة قوي.

زين (بعصبية حزينة):
كانت؟ ليه بتتكلم عليها كإنها خلاص راحت؟
أنا متأكد إنها لسه عايشة!

آدم (بهدوء شديد):
أنا ماقولتش إنها ماتت يا زين…
بس الموضوع بقى مُعقَّد قوي.

زين (يضرب الترابيزة بخفة):
معقّد؟!
بابا… إنت ضابط مخابرات!
لو حد في البلد دي يقدر يلاقيها يبقى إنت!

آدم (بصوت هادي لكن تقيل):
فاكر إني ما بحاولش؟
من يوم ما اختفت وأنا قلبي مش مرتاح…
بس كل خيط نمسكه… يختفي فجأة.

زين (يبص بعيد):
يعني في حد بيغطي… حد كبير.

آدم (نبرة عميقة غامضة):
بالظبط…
في لعبة كبيرة شغالة… ولازم نكون حذرين.

زين (غاضب وواجع):
وأنا مش قادر أستنى!
رؤى وسليم عاملين نفسهم بخير…
بس إحنا مش بخير يا بابا!

آدم (يقوم بهدوء ويحط إيده على كتفه):
عارف…
وعشان كده لازم نفكر صح.
اللي عمل كده مش واحد عادي.

زين (بعينين بتلمع بالدموع):
يعني هنستنى لما نلاقيها صدفة؟

آدم (يبص جواه بخطورة):
لأ يا ابني…
بس لازم نتحرك في وقتها.
النهارده بالليل عندي اجتماع مهم قوي…
يمكن نفتح خيط جديد.

زين (بهمس موجوع):
يا رب يا بابا…
ليل ماتستاهلش اللي حصل فيها.

آدم (يبتسم بحنان بسيط):
ولا أي بنت زيها تستاهل.
خليك قوي… عايزك تبقى عقل مش نار… فاهم؟

زين (يهز راسه):
فاهم…
بس النار اللي جوايا مش هتهدى غير لما نرجعها.

(آدم يبص لزين وهو بيبعد ناحية البلكونة…
جواه خليط من فخر وخوف عليه.
وزين يرفع عينه للسما… قلبه بيدعي بصمت)

زين (بصوت داخلي):
يا رب… رجّعها قبل ما الأمل يموت فينا.
********************

فيلا رامي السيوفي — ألمانيا — الصبح
المكان شيك ومترف، بس الجو مشحون حيل. نور الصبح البارد بيعدّي من الستاير الرمادية وبيبص على المكتب الخشبي اللي مليان ملفات وتقارير رجعت مكتوب عليها "إلغاء" بأوامر من رامي نفسه.
رامي قاعد، الضابط اللي مرّه التعب بين واجبه وضميره، قدام عاصم اللي هادي أكتر من أي وقت، وشه جامد وورا الوش عاصفة.

رامي (بصوت مبحوح):
عاصم… لحد امتى؟ لحد امتى هتخلّيني أدفن الأدلة اللي توصل للعقيد آدم؟
كل مرة العقيد يقرب من الحقيقة، أنا أرجع وأمحيها!
أنا خلاص تعبت، والله تعبت.

عاصم (بهدوء ثابت):
عارف يا رامي… وأنا كمان تعبت.
بس لازم تصبر شوية كمان، الموضوع قرب يخلص.

رامي (ينفجر غضبًا):
يخلص؟ يخلص على إيه؟
أنت ناسي إنك كنت بتقسم إنك هتقتل زياد؟
ناسي إنك كنت مستعد تضحي بأي حد علشان تنتقم؟
وإنت دلوقتي بتقولي استحمل؟!

عاصم (بنظرة حادة):
أنا فعلاً كنت أعمى، رامي.
كنت شايف الدنيا كلها بعين الكره لزياد، بعين الدم اللي شفته على وش أخويا.
بس دلوقتي… عرفت الحقيقة.

رامي (بدهشة):
عرفت؟!
يعني إيه عرفت؟ مين اللي خلّاك تغيّر رأيك؟
إنت كنت شاهد بنفسك إن زياد هو السبب!

عاصم (بصوت واطي لكنه قوي):
زياد بريء يا رامي.
اللي قتل رائد كان واحد تاني… حد أقرب مما تخيّلت.
وأنا خلاص، قررت أنهي اللعبة دي وأكشفه بنفسي.

رامي (بقلق):
وعشان كده بتخلّيني أغطي على العقيد آدم؟
إنت بتخبّي إيه بالظبط يا عاصم؟

عاصم (بيستقيم، كلامه هادي وحاسم):
أنا مش بخبي… أنا بحمي.
بحمي ليل.

رامي (مندهش):
تحميها؟ إزاي؟
إنت نفسَك كنت سبب خرابها، ودموعها لسه مش ناشفة!
هتحميها من مين؟ من العالم؟ من نفسها؟

عاصم (بثبات):
هحميها باسمي…
هتتجوز مني.

رامي (ينهض مصدوم):
إيه؟!!
بتقول إيه يا راجل؟ تتجوزها؟ بعد كل اللي عملته فيها وفي أهلها؟

عاصم (بهدوء قاتل):
أيوه، هتتجوز.
مش علشان أنقذ نفسي… علشان أنقذها هي.
اللي جاي أخطر من اللي فات، وأنا الشخص الوحيد اللي يقدر يواجهه.

(رامي يسكت شوية، يبص لعاصم بدهشة وخوف، كأنه مش فاهم اللي قدامه الرجل ده دلوقتي.)
رامي (بصوت مرتعش بين الغضب والخوف):
انت بتلعب بالنار يا عاصم… النار دي ممكن تحرقكم كلّكم.

(عاصم يلتفت ليه بابتسامة غامضة، عينيه مولعة ببرود الراجل اللي قرّر مصيره.)

عاصم:
يمكن…
بس المرة دي، أنا اللي هولّعها بإيدي.

(رامي واقف مدهوش، وعاصم يقف ومشي من المكتب بخطوات باردة واثقة، وجملة "هتجوزها" بتترد في ودان رامي كطعنة.)

*☆يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع☆☆*


                 الفصل الحادي عشر من هنا 
تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة