رواية في قبضة العاصم الفصل السادس عشر 16 بقلم سليا البحيري


رواية في قبضة العاصم الفصل السادس عشر 16 بقلم سليا البحيري



أحد المارة (بفزع):
يا ساتر يا رب! الحادث لسه حصل قدّامي!

واحد تاني:
يا جماعة بسرعة… حد يتصل بالإسعاف! في واحد جوّه العربية!

الناس بتتجمع حوالين العربية، واحد منهم بيحاول يفتح الباب المتدمّر، والدم نازل من جبين زياد، راسه ميلة على الكرسي، وإيده لسه ماسكة الدركسيون كإنه مش راضي يستسلم

راجل كبير (يحاول يجرّ الباب):
الباب مقفول ومش راضي يفتح! حد يجيب عتلة ولا أي حاجة!

شاب:
استنّى! في شرخ في الإزاز الأمامي… نقدر نسحبه من هنا!

الشاب يطلع فوق مقدمة العربية ويمد إيده جوّا، يلمس كتف زياد برفق

الشاب:
يا عم… سامعني؟ افتح عينك كده… حاول ترد عليا!

زياد يفتح عينه نص فتحة، صوته واطي ومكسور

زياد (بصوت ضعيف):
مـ… مراد… ال… الخاين… ليــل… بنتي…

الشاب (مرعوب):
يا جماعة! بيتكلم! الراجل لسه عايش! الإسعاف فين بقى؟!

واحد:
قالوا جاية… خمس دقايق وتوصل!

يحاولوا يطلعوه بهدوء، الدخان بيزيد، والإزاز بيتفتت تحت رجليهم. واحد يحط جاكيته تحت راس زياد بعدما خرجوه أخيرًا

الشاب (بهمس):
اهدّى يا عم… خلاص… خلاص… ما تتكلمش دلوقتي.

زياد (يحاول يرفع راسه بصعوبة):
قول… لحور… قولّها… ما تخافش…
(دم بينزل من بقه، وكلامه بيقطع)
مـ… مراد… هو… الشيطان…

الراجل الكبير (مزهول):
مراد؟ مراد مين يا ابني؟! يقصد مين؟!

الشاب:
ما نعرفش… يمكن حد كان وراه… المهم يلحقوه قبل ما يروح منّا!

صوت الإسعاف بيعلى، النور الأزرق مالي الشارع. زياد يفقد وعيه تمامًا. المسعف يقرب ويرفع راسه يبص عليه

المسعف:
ضغطه نازل قوي… ونزيف جامد! لازم يتحرّك على المستشفى حالًا!

يحطّوه على النقالة، يقفلوا باب الإسعاف، والسرينة تشق الليل… الناس واقفة مرعوبة

ست واقفة بينهم (بصوت حزين):
يا عيني عليه… شكله كان رايح في مصيبة كبيرة… ربنا يستر عليه.
**********************

فيلا الشرقاوي – مكتب مراد الشرقاوي – القاهرة، نص الليل
الأوضة فخمة، نورها هادي وخافت. ريحة السيجار مالية المكان.
مراد قاعد ورا مكتبه، لابس بدلة سودا، وعينيه فيها لمعان خطر.
قدّامه كاس نصه متعبي، والموبايل بيهتز.

مراد (بيرفع التليفون ببطء، صوته هادي وواثق كإنه عارف المكالمة هتقول إيه):
أيوه؟

صوت غامض من التليفون:
…تمّ كل حاجة يا باشا.

(ابتسامة باردة ترسم على وشّ مراد. يحط التليفون على المكتب وبيرجع على الكرسي، يضحك ضحكة صغيرة خبيثة.)

مراد (بصوت واطي مبحوح):
وأخيرًا يا زياد… اللعبة خلصت.

(يقوم من مكانه، يمشي ناحية الإزاز اللي بيطلّ على القاهرة. يبصّ للأنوار البعيدة كأنها بقايا حياة قديمة.)

مراد:
كام مرة كنت إنت الـ"مثالي"، المحبوب…
اللي أبويا كان بيتمنّى تكون  ابنه… مش أنا.
(يضحك ضحكة قصيرة مرّة)
كان دايمًا يقول: اتعلّم من زياد يا مراد… شوف أخلاقه…

(يخبط على الإزاز بقبضته جامد. الكاس على المكتب يتهزّ.)

مراد (يقولها وهو بيعضّ على سنانه):
نشوف بقى… مين هيفتكر اسمك بعد النهارده يا زياد.
ومين اللي هيقف قدّام مراد الشرقاوي بعد ما أسحق اسمك تحت رجليّ.

(يمسك الكاس ويرفعه كأنه بيعمل نخب انتصار مسموم.)

مراد:
قصتك خلصت… ودلوقتي جه دور أدهم.
الوصي اللي فاكر نفسه فاهم وبيعرف كل حاجة…
(يضحك بخفة فيها جنون)
هتلحق بابن عمّك قريب… يا أدهم.

(نور الأوضة يخفّ حتة بحته… وصوته يفضل بيطنّ في الضلمة.)

مراد (بهمس تقيل مظلم):
الشرق ما يتسعّش لملكَين…
والملك هنا… أنا.
******************
في  فيلا مازن الزهراوي – القاهرة، بعد منتصف الليل بقليل
الجو مشحون بالقلق، المطر يهطل بغزارة، والرعد يهزّ النوافذ.
تُفتح الباب فجأة، تدخل حور مسرعة وهي ترتجف، شعرها مبعثر ووجهها شاحب كأنها رأت شبحًا.
تسقط حقيبتها أرضًا وتصرخ باسم شقيقها.

حور (بصوت متقطع، لاهث):
مازن! مازن بسرعة… لازم تروح! لازم تروح ورا زياد!

مازن (ينهض من الأريكة بذهول، يرتدي بيجامته):
إيه اللي حصل يا حور؟! مالك؟ شكلك مرعوب!

حور (تتقدم نحوه، تمسك بذراعه بعنف):
زياد! راح لمراد… ومعاه سلاح! أنا حاولت أوقّفه، حاولت والله! بس كان غاضب… غاضب بطريقة تخوف يا مازن!

ملك (تخرج من المطبخ بخوف، تقترب ببطء):
سلاح؟! زياد؟ مستحيل، دا عمره ما يتهور كده! في إيه يا حور، اتكلمي بالعقل؟

حور (تنتفض وتصرخ):
العقل؟! مفيش عقل دلوقتي! مراد… مراد مش الإنسان اللي كنتوا فاكرينه!

مازن (يحاول تهدئتها، يمسك بكتفيها):
استني… انتِ بتقولي إن مراد عامل حاجة؟ إيه اللي خلا زياد ياخد سلاح؟

حور (تبدأ دموعها تنهمر، صوتها مبحوح):
ماعرفش كل حاجة، بس عرفت إنه السبب… السبب في كل اللي حصل…
(تشهق)
ليل… اختُطفت بسببه… و زياد فهم ده متأخر… و دلوقتي رايح ينتقم.

ملك (تضع يدها على فمها، مذهولة):
يا ربّ السّتر…!

مازن (بغضب):
هو اتجنن؟! رايح له لوحده؟ و بالسلاح كمان؟!  دا انتحار يا حور!

حور (تهز رأسها بيأس):
قلت له كده، قلت له… بس كان في عيونه حاجة غريبة، كأنه مش شايفني!
كان بيقول إنه لازم "ينهي المهزلة"، كان بيكسر حاجات في المكتب، وأنا… أنا خفت منه!

ملك (تقترب من حور، تمسك يدها بلطف):
اهدّي يا حور، يمكن لسه ملحقينه، يمكن لسه في الطريق.

مازن (يتجه مسرعًا نحو الباب، يلتقط مفاتيح سيارته):
أنا رايح له فورًا. لو لسه ما وصلش، يمكن أقدر أمنعه قبل ما تحصل مصيبة.

حور (تتبعه، تصرخ برجاء):
مازن! أوعَ تسيبه لوحده! مراد مش طبيعي، مش طبيعي يا مازن!

مازن (يلتفت نحوها قبل أن يخرج، بنبرة حازمة):
ولا زياد برضو، لما غضبه يسيطر عليه…
(يتنفس بعمق)
بس أوعدك، مش هسيب أخويا يضيع بسبب شيطان زي مراد.

ملك (تلحقه بخطوات قلقة):
خد بالك من نفسك يا مازن، الجو ممطر والطريق زلق.

مازن (وهو يفتح الباب):
ادعي بس نلحقه في الوقت المناسب.

(يغادر مسرعًا، وصوت المحرك يتلاشى في العاصفة.)

 داخل الفيلا – بعد دقائق
تجلس حور على الأريكة، ترتجف وهي تضم وشاحها إلى صدرها، وملك تجلس بجانبها، تمسح دموعها.
تتبادلان نظرات الخوف، والصمت يخيّم على المكان إلا من صوت المطر وضجيج الرعد.

ملك (بهمس):
تحسي إن في حاجة وحشة جاية، صح؟

حور (تنظر للأرض، بصوت مرتجف):
مش إحساس يا ملك… قلبي بيقولي إن المصيبة بدأت فعلاً.

(تسقط دمعة من عينيها، وتغلق المشهد على وجهها الحزين، ينعكس فيه ضوء البرق البعيد.)
**********************
في ألمانيا – فيلا رامي، منتصف الليل
السماء ملبّدة بالغيوم، والمطر يقرع النوافذ بإصرار كأنه يهمس بحزنٍ غامض.
في الغرفة، الأضواء خافتة، وهدوء ثقيل يخيّم على المكان.
ليل تنام على السرير، وجهها متعب وعيناها متورمتان من كثرة البكاء.
على الأريكة المقابلة، عاصم يغطّ في نومٍ خفيف، رأسه مائل، والملفّات متناثرة بجانبه.

وفجأة،

ليل (تصرخ فجأة وهي ترفع جسدها من السرير، بصوت مبحوح):
باباااا!! لاااااااا!!

(تجلس تتنفس بسرعة، أنفاسها تتلاحق، ودموعها تنهمر دون توقف، كأنها عادت من حلمٍ غارقٍ في الرعب.)

عاصم (يفيق مذعورًا، يقف بسرعة):
ليل! إيه اللي حصل؟! كابوس؟

(يتقدم منها بخطوات مترددة، يمد يده لكنه يتراجع قليلًا حين يراها تنتفض وتضع يديها على رأسها.)

ليل (تبكي، بصوت مرتجف):
كان… كان بيتألم!
بابا… شُفته… الدم في كل مكان!
كان بيناديني، وأنا مش قادرة أوصله!

(تشهق وتغطي وجهها بيديها، جسدها يرتجف بشدّة.)

عاصم (يجلس بجانب السرير، بصوت هادئ لكنه حازم):
ليل، دي مجرد أحلام… الكوابيس دي طبيعية بعد اللي مريتي بيه، ما تخافيش.

ليل (تهز رأسها نافية):
لا! مش كابوس… أنا حسيته… حسّيته فعلاً، كأنه بينزف في قلبي مش في الحلم…
(تضع يدها على صدرها، تبكي بحرقة)
أنا متأكدة يا عاصم، في حاجة حصلت له…

(عاصم يصمت للحظة، يتنفس بعمق، يحدّق فيها وكأنه يحاول قراءة ما خلف عينيها.)

عاصم (بلطف):
اسمعيني يا ليل… أحيانًا العقل بيعمل فينا ألعاب غريبة لما نتعب،
يمكن خوفك عليه خلاك تشوفيه كده.

ليل (تنظر له بحدة، عيناها تلمعان):
إنت مش فاهم!
أنا عارفة بابا، بحس بيه من وانا صغيرة!
كل مرة يوجعه حاجة، بحسها…
(تشهق وتهمس)
المرة دي… المرة دي غير…

(تبدأ بالبكاء بصمت، رأسها ينخفض، وكتفاها يهتزان من الألم المكبوت.)

عاصم (يتنفس بعمق، ثم يقترب منها ببطء):
خلاص… كفاية دموع، هدي نفسك شوية.

(يجلس على حافة السرير، ثم يمد يده بهدوء، يضعها على كتفها المرتجف.)

عاصم (بصوت منخفض دافئ):
ماحدش هيقدر يؤذي زياد الزهراوي بسهولة… ده راجل قوي، وأنا متأكد إنه بخير.

(تلتفت نحوه ببطء، عيناها دامعتان، وصوتها يخرج كالهمس.)

ليل:
هو الوحيد اللي ما ظلمنيش، والوحيد اللي كنت بحس بالأمان جنبه…
كل حاجة راحت يا عاصم، كل حاجة!

عاصم (ينظر لها للحظة، ثم دون تفكير، يمد ذراعيه برفق ويحتضنها):
شِش… خلاص، أنا هنا…
(بصوت منخفض يشبه الهمس الأبوي)
أنا هنا يا ليل… متخافيش.

(تتجمد لوهلة بين ذراعيه، ثم تنهار تمامًا، تبكي في صدره كطفلة فقدت طريقها.
يتنفس عاصم ببطء، يربت على شعرها بحنان غريب عليه، بعاطفة لا يعرف من أين جاءت.)

عاصم (بصوتٍ خافت):
أنتِ قوية… متنسيش ده. حتى لو الدنيا كلها وجعتك، لسه فيكِ النور اللي جوّاك.

ليل (بهمسٍ مخنوق):
ليه بتقول كده دلوقتي؟ بعد كل اللي عملته فيا؟

(يسكت للحظة، يغمض عينيه كأنه تلقى طعنة، ثم يقول بصوتٍ واهن):**
يمكن لأني أنا كمان محتاج أفتكر إن جوايا لسه في نور…

(تتسع عينا ليل بدهشة، تنظر إليه ببطء، وكأنها تراه لأول مرة، ليس كخاطفها… بل كإنسان مكسور مثلها.)

عاصم (يحاول التماسك):
نامي دلوقتي… حاولت تنامي، وأنا هافضل هنا… مش هتحرك من مكانى.

ليل (بهمس متعب):
وعد؟

عاصم (بابتسامة صغيرة حزينة):
وعد…

(تغلق عينيها ببطء وهي لا تزال قريبة منه، رأسها على كتفه، يظل يربت على شعرها حتى تهدأ أنفاسها.
ينظر إليها طويلًا، ثم يهمس لنفسه بصوتٍ بالكاد يُسمع):**
سامحيني يا ليل… لو كنت سبب في كل ده… سامحيني.
********************

الهدوء يخيّم على المكان.
في غرفة ليل، كانت الفتاة غافية بعد أن هدأت أخيرًا بين ذراعي عاصم، بعد كابوسها المفزع الذي لم تفهمه هي نفسها.
الأنفاس الهادئة تملأ الجو، والمطر بالخارج يطرق النوافذ بإيقاع ثقيل.

في الردهة السفلية، يظهر أدهم يخرج من غرفته بملامح مرهقة وعيون متوترة، وهو يتحدث بالهاتف بصوت خافت.
وراءه تقف جميلة، زوجته، تضع على كتفيه معطفه وتحاول أن تبقي نفسها متماسكة.

جميلة (بصوت مرتجف):
قالولك إيه يا أدهم؟ طمني بالله عليك… وضعه عامل إزاي؟

أدهم (بوجه شاحب):
نزيف حاد… دخل في غيبوبة من ساعة.
الطبيب قال الوضع خطير جدًا يا جميلة.

(تغطي جميلة فمها بيدها، عيناها تدمعان، ثم تهمس بصوت مبحوح)
جميلة:
يا رب… يا رب ألطف بيه، مش وقته ينهار كده.

(يضع أدهم يده على رأسه، يغلق عينيه لحظة كأنه يحاول استيعاب ما سمعه، ثم يتنفس بعمق.)
أدهم:
مش قادر أصدق… من ساعات كنت بكلمه، كان صوته طبيعي، 
إزاي في لحظة يحصل كده؟

(جميلة تمسك بذراعه بقوة، ودموعها تنهمر بهدوء.)
جميلة:
لازم نرجع مصر فورًا، ما ينفعش نستنى الصبح، نحجز أول طيارة.

أدهم (يهز رأسه بتعب):
عارفة… بس لازم نبلّغ عاصم الأول، هو كمان لازم يعرف… وليل؟ الله يستر، قلبها مش هيستحمل 

(يتجه بخطوات ثقيلة نحو الممر المؤدي لغرفة ليل وعاصم. يطرق الباب بخفة أولًا، ثم بصوت أوضح.)

أدهم:
عاصم؟ افتح يا ابني، ضروري.

(يظهر عاصم بعد لحظات، ملامحه شاحبة، شعره مبعثر من النوم، لكنه سرعان ما يدرك من نظرات أدهم أن هناك شيئًا خطيرًا.)

عاصم (بقلق):
خير يا عم ادهم؟ حصل حاجة؟

(أدهم يدخل الغرفة قليلاً، ينظر إلى ليل النائمة أولاً، ثم يشيح بنظره عنها ويخفض صوته.)
أدهم (بصوت متماسك بالكاد):
زياد…
اتعرض لحادث يا عاصم.

(يتجمد عاصم في مكانه، يفتح فمه دون أن ينطق لثوانٍ، ثم يهمس بصوت متكسر:)
عاصم:
إيه؟ لا… لا متأكد؟

أدهم:
انقلبت عربيته في طريق مصر الجديدة، الناس طلعوه وهو بينزف، دلوقتي في المستشفى، الحالة حرجة جدًا.

(صوت المطر بالخارج يعلو أكثر، كأنه ينوح معهم.
عاصم يمرر يده على وجهه، عيونه تمتلئ بالدموع.)

عاصم (بصوت واهن):
عشان كده… ليل كانت بتصرخ من شوية.
قالتلي إنها شافته بينزف… كانت متأكدة إنه بيصرخ باسمها.

جميلة (بدهشة، تغطي فمها):
يا إلهي… سبحان اللي بيجمع القلوب.

أدهم (يتنهد، ويجلس على حافة الكرسي):
البنت دي مربوطة بيه بروحها…
(يتنفس بعمق)
أنا مش قادر أستنى لحد بكرة، هرجع مصر الليلة، لازم أكون هناك.

عاصم (بحزم):
وأنا راجع معاكم.

جميلة (بتوتر):
بس ليل؟ مش ممكن نسيبها لوحدها كده، هتنهار لو عرفت.

عاصم (ينظر نحوها):
مش هنقولها حاجة. هنسيبها هنا مع رامي ونيروز، وهي هتفتكر إننا رايحين مشوار عمل.
لحد ما نطمن عليه على الأقل.

أدهم (بصوتٍ ثابت رغم الألم):
تمام. أنا هكلم رامي دلوقتي، وأبلغه بكل حاجة. بس ما يقولهاش ولا كلمة.

(يتبادل الرجال نظرات ثقيلة؛ نظرة خوف، عجز، وحب عميق لرجل واحد كان يجمعهم جميعًا كالأب.)

عاصم (بهمس):
زياد كان ليّ كل حاجة يا أدهم…
علّمني يعني إيه الرجولة، يعني إيه تصبر وتسامح.
ما أقدرش أتخيل الدنيا من غيره.

أدهم (بحزن صادق):
ولا أنا… بس لازم نصمد، هو محتاج دعانا، مش دموعنا دلوقتي.

(يتجه نحو الباب ليستعد للسفر، ثم يلتفت لعاصم.)
أدهم:
خلي بالك من ليل، لو صحيت قبل ما نمشي ما تخليهاش تشك في حاجة.

عاصم (بهدوء):
أوعدك.

(يعود إلى الغرفة، يقف قرب السرير، ينظر إلى ليل وهي نائمة بسلام، يلمس شعرها برفق، ثم يهمس بصوت خافت:)
عاصم:
ادعي له يا ليل… يمكن إحساسك يوصل قبلنا.
*********************

فيلا مراد الشرقاوي – القاهرة – بعد نص الليل

الصمت مالي المكان.
أوضة المكتب الفخمة منوّرة بنور أصفر هادي، وعلى المكتب عقود وملفات ملخبطة.
مراد قاعد ورا مكتبه، لابس بدلة غامقة، ماسك سيجار، وعينيه فيها بريق نصر باين.

مراد (يضحك بخفة وهو بينفخ دخان):
وأهو… أخيرًا… اللعبة خلصت يا زياد.
سنين… سنين وأنا مستني اللحظة دي. وجِت.
ودلوقتي… مافيش حد يقف في وشي.
لا أدهم… لا عاصم… ولا أي حد شبههم.

(يتكئ للورا، مغمّض عينه ومبسوط بفكرته)

مراد (بخيال منحرف):
وحور؟ آه يا حور…
هترجعلي زي زمان… بس المرة دي مش كصاحبة.
كزوجة… أرملة… محتاجة أمان.
وأنا… هبقى أمانها.
هاهاهاها!

(ضحكة قصيرة مظلمة… بعدها سكون.)
فجأة، صوت خبطة خفيفة نقّ من ناحية الباب الخلفي.
مراد يبص ناحية الباب بشك.

مراد:
مين؟ نرمين؟

(مفيش رد.
يقوم يمشي ببطء ويفتح الباب…
يلاقي ريما واقفة… وشها شاحب، وعينيها مولّعة غضب وكسرة.)

ريما (صوتها بيرتعش لكن ثابت):
مبروك يا بابا…
على نصرك العظيم.

(مراد يتجمد لحظة… وبعدها يضحك ابتسامة باردة وهو يتقدم لها.)

مراد (بهدوء مصطنع):
ريما؟ يا بنتي؟ إنتِ هنا؟
إزاي؟ ما قولتيش إنك راجعة من الجزائر؟

ريما (مقاطعة، بغضب ودموع في عينيها):
أقولك؟!
أقول للقاتل والخاين إن بنته راجعة؟!
أقول للي كنت بشوفه قدوتي… وطلع وحش ماشي على رجلين؟!

(تبصّله بكره وتتراجع خطوة.)

مراد (عامل نفسه مصدوم):
إنتِ بتقولي إيه؟!
مين لعب في دماغك؟ دي إشاعات! حد عايز يوقع بينا!

ريما (بحزم قاتل):
اسكــت!
أنا سمعتك… بإذني!
سمعتك بتقول إنك خلصت من زياد…
وإنك ناوي تتجوز حور!!
إزاي يا بابا؟
زياد… اللي كنت بتقوله أخوك؟
أمي… اللي عاشت معاك عمرها… عايز ترميها زي حاجة قديمة؟!

(تقرّب له والدموع نازلة على خدّها.)
ريما:
كنت بقول إنك أعظم راجل في حياتي…
لكن الحقيقة… إنك أوحش راجل في الدنيا كلها.

(ملامح مراد تتغير فجأة… القناع يقع… وتظهر ابتسامة رخمة شيطانية.)

مراد (بصوت واطي مظلم):
يبقى عرفتي أكتر من اللازم يا ريما…
بس خليني أقولك حاجة—
أنا… ما بخافش.
ولا بنـدم.
وزياد؟
كان لازم يختفي.
لأنه طول عمره بياخد مني كل حاجة…
حتى احترام الناس… كان بيخطفه مني.

(يقرب منها ببطء… وهي تتراجع بخوف باين عليها.)

ريما:
ده كلامك عن راجل ربّى ابنك سليم لما إنت كنت مشغول بقذارتك؟!
ده كلامك عن أخوك؟!

مراد (صارخ):
كــــفاية!!!
ما تنطقيش اسمه تاني!
أنا فوق الكل…
واللي يقف ضدي… هيموت زيه.

(ريما تبكي… لكن تمسح دموعها بسرعة… وتتكلم بعقل وهدوء.)

ريما (بهدوء قوي):
تمام يا بابا… فهمت قصدك.
ما تخافش… مش هقول لحد.
أنا بنتك… مش كده؟

(تتراجع خطوة… بابتسامة مكسورة لكن قوية.)

ريما:
بس أوعدك…
اليوم اللي هتبص فيه في المراية…
هتشوف وشّك الحقيقي بس.
وشّ… الشيطان.

(تلف وتخرج بسرعة… ومراد يصرخ بجنون وراها.)

مراد (بيصرخ):
ريمااا!!!
لو فتحتي بُقّك… هتندمي…
هتندمي جــــامد!

(تقفل الباب وراها بقوة.
تسند على الحيطة، قلبها بيدق، دموعها نازلة…
لكن في عينيها نار.)

ريما (تهمس لنفسها):
خلاص يا بابا…
اللعبة انتهت.
والدور الجاي… دوري أنا.
*******************

فجأة، صوت ارتطام عنيف يهز أرجاء الفيلا، يتبعه صوت الباب يُفتح بعنف.

مازن (غاضبًا):
مرااااد!!

مراد (يرفع رأسه ببطء، يميل في كرسيه دون انفعال):
ياااه… ضيوف في نص الليل؟
(ينهض بهدوء)
إيه المفاجأة دي يا مازن؟ وإنتِ كمان يا حور؟

حور (تدخل بخطوات سريعة، وجهها شاحب وعيناها دامعتان):
فين زياد يا مراد؟! فينه؟!

مراد (بابتسامة باردة):
زياد؟
(يضحك بخفة)
هو كل شوية لازم نتكلم عنه؟
ما كفاية إن حياته كلها كانت دايمًا حديث الناس!

مازن (يصرخ):
بلّغناك تبعد عنه، وقلنا بوضوح إنك ما تقتربش منه بعد اللي حصل في الشغل!
بس واضح إنك ما بتفهمش إلا بالطريقة الصعبة.
فين زياد؟ كان جاي ليك النهارده… ومن بعدها اختفى!

مراد (يتصنّع الدهشة):
اختفى؟!
يا خبر… طب وأنا مالي؟
يمكن زهق منكم وقرر يختفي شوية.
هو دايمًا بيعمل كده لما يزهق من العالم اللي حواليه.

حور (تمسك ياقته بعنف):
بكفاية كذبك يا مراد!
أنا حسّاه… قلبي بيقولي إنه في خطر!
كنت ناوي تعمل فيه إيه؟! تخلّصت منه زي غيره؟!

مراد (يقترب بخطوات بطيئة، صوته زاحف ومليء بالسم):
خطر؟
اللي بيدخل لعبة معايا لازم يعرف نهايتها.
وزياد… كان فاكر نفسه أذكى من الكل.
لكن المرة دي، يمكن الحظ ما كانش في صفّه.

مازن (يمسكه من ياقة قميصه بعنف):
احلف إنه بخير يا كاذب!!

مراد (ينظر له بثبات، دون أن يرمش):
أنا ما بحلفش لحد.
لكن لو عايز الحقيقة…
(يميل للأمام، بابتسامة باردة)
زياد… اتعرّض لحادث.
حادث صعب جدًا.
والاحتمال الكبير… إنه مات.

حور (تتراجع ببطء، عيناها تتسعان):
مات…؟
(تغطي فمها بيديها، تنهار على الأرض بصوت مكتوم)
لاااااا!!! لا مستحيل!!!

مازن (يصرخ):
كذاب!
انتَ بتفبرك كل حاجة علشان تكسرها وتنتقم!
انتَ حاقد على زياد من الجامعة!
كنت دايمًا غيران منه… من نجاحه… من حب الناس ليه!
لكن هو كان بيعتبرك أخ!

مراد (يضحك بخفة ساخرة):
أخ؟
هو اللي كان شايفني كده، مش أنا.
من أول يوم شُفت فيه غروره… وأنا عارف إنه عدوّي.
بس هو ما فهمش غير متأخر.

نرمين (تهبط من الدرج، وجهها باهت):
مراد… إنت قلت إيه؟
زياد… مات؟
انتَ عملت فيه حاجة؟!

مراد (يلتفت نحوها ببرود):
نرمين، بلاش دراما.
الراجل جاله حادث، وأنا مالي؟
ولا عايزة تصدقي كلام الناس اللي بيقولوا إن جوزك شرير؟

نرمين (بصوت مرتعش):
مش محتاجة أصدق كلام الناس… أنا عشت الشر بعيني.
كنت شايفة اللي بتعمله وساكتة علشان ولادي…
بس خلاص، انتهى وقت السكوت.

مراد (بابتسامة ازدراء):
ولادك؟
(يلتفت إلى الدرج حين يسمع صوت خطوات سريعة)

ريما (تظهر عند باب المكتب، ملامحها غاضبة، وصوتها قوي):
مش ماما لوحدها اللي عرفت.
أنا وسليم عرفنا كل حاجة.
سمعنا مكالماتك، وشُفنا الأوراق اللي أخفيتها…
عارفين إنك وراك اللي حصل لزياد!

سليم (من خلفها، صوته مرتعش لكنه غاضب):
كنت فاكر إنك أب عادي…
بس انتَ قاتل متخفي في بدلة رجل أعمال!

مراد (ينفجر صارخًا):
كفاية!!!
أنا ما قتلتوش! هو اللي جاب نهايته بإيده!
هو دايمًا كان بيحاول يثبت إنه الأفضل… وأنا كنت بس بردّ الدين!

نرمين (تصرخ بغضب):
دين؟!
ده كان صديقك من الجامعة!
أول واحد وقف جنبك لما كنت بتخسر كل حاجة!
وانت رديت الجميل بالغدر!

مراد (بعينين جليديتين):
الغدر؟
ده اسم اللعبة يا نرمين…
بس محدش كان فاهمها قدّي.

عبد الرحمن (الجد، ينزل ببطء من الطابق العلوي، متكئًا على عصاه):
مراد… إيه اللي بسمعه ده؟
انتَ فعلاً عملت كده؟!
ده زياد صاحب عمرك يا ولد!!

مراد (يحاول التماسك):
بابا، أنا—

عبد الرحمن (يصيح بعنف):
اسكت!!
جاي تقولي صاحبي القديم اللي كان بيجي بيتنا، تموّته علشان حقدك؟!
(يمسك صدره فجأة وهو يصرخ)
آآآآآه… قلبي… قلبي!!

ريما (تصرخ):
جدووو!!

سليم (يهُرع نحوه):
جدو استحمل، بالله عليك!

نرمين (تجري نحو الهاتف):
الإسعاف! حد يتصل بالإسعاف بسرعة!!

حور (تسقط على الأرض باكية بجنون):
زياااااااااد!!!
(تصرخ بأعلى صوتها)
يا رب رجّعه لي! مش ممكن يكون مات!!

مازن (يجثو بجانبها، يحتضنها بقوة):
هششش، اهدى يا حور، ما تصدقيهوش!
زياد هيعيش، سامعة؟! هيرجع!

مراد (ينظر إلى الجميع ببرود، ثم يمرر يده على وجهه، ويبتسم ببطء):
خلاص… اللعبة خلصت.
وكل واحد نال اللي يستحقه.

الجد ملقى على الأرض، حور منهارة تصرخ اسم زياد، مازن يحاول تهدئتها،
نرمين تبكي بجانب زوجها الذي تحوّل إلى غريب،
بينما مراد يقف في منتصف القاعة، يبتسم بانتصارٍ مظلم،
وصوت الرعد يغطي كل شيء.

*☆يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع☆☆*


                الفصل السابع عشر من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة