رواية في قبضة العاصم الفصل التاسع عشر 19 بقلم سليا البحيري


رواية في قبضة العاصم الفصل التاسع عشر 19 بقلم سليا البحيري


في  غرفة زياد في المشفى

ساد صمت ثقيل… صمت يجعل حتى أجهزة المونيتور تخجل من صوتها.

عاصم واقف مكانه، متجمد… رأسه منخفض، ويداه ترتجفان بخفة.
حور تفتح فمها بذهول، وزياد يرمش بعينيه وكأنه سمع شيئاً مستحيلاً.
مازن يرفع حاجبه، وملك تضع يدها على فمها، وسليم وريمـا ينظران لبعضهما بعدم تصديق.
والجد عبد الرحمن يضرب عصاه بالأرض بدهشة:
"هاااه؟ ليل… بنت حور… اتجوزت؟"

وقبل أن يحاول عاصم قول أي كلمة…
يتقدم أدهم بسرعة، يرفع يده كمن يحاول السيطرة على الموقف:

أدهم (متوتر لكنه يحاول التماسك):
"ثااااانية بس… قبل ما حد يفهم غلط… قبل ما حد يزعل من الولد دا…
أنا… أنا اللي كنت وكيل ليل في كتب الكتاب.
وأنا اللي وافقت… 

يلتفت الجميع لأدهم بدهشة أكبر—خصوصاً حور التي تكوّر عينيها عليه:

حور:
"إنتَ عملت إيه يا أدهم؟؟"

أدهم (يحاول التبرير وهو يشير بعصبية):
"إيه يا بنتي؟ اسمعوني بس!
إحنا كنا في أزمة… مراد كان بيدوّر على أي حد يوجعه…
ولو كان عرف 
مكان ليل … كان زمانه خطفها أو أذاها.
عاصم كان الوحيد اللي واقف في وشّه… وكان لازم نأمّن البنت."

زياد يحدّق بعاصم… نظرة طويلة، مشاعرها مختلطة.
عاصم يبتلع ريقه ويمسك طرف السرير وكأنه فقد توازنه.

عاصم (بصوت مبحوح):
"أنا… ماكنتش عايز أخبي… بس… مكنش قدامي حل غير كده."

مازن (مصدوم لكن منبهر):
"يعني… يعني أنت… جوز ليل بنت اختي؟!"

ملك:
"أيوة يا مازن… واضح إنه الموضوع رسمي جداً."
وتضحك بخفة رغم الصدمة.

حور تتقدم خطوة… تنظر لعاصم مباشرة…
لحظة توتر حقيقية.

ثم فجأة… ترتسم ابتسامة لطيفة على شفتيها.
تتنهد براحة وكأن حملاً ثقيلاً زال.

حور (بهدوء وفرح):
"عاصم… أنت كنت دايماً ابننا… قبل ما تبقى جوز بنتنا.
ولو في حد كنت أتمنى يتجوز ليل… فهو أنت."

عاصم يرفع رأسه لأول مرة… عينيه تلمعان.

زياد يبتسم… ابتسامة رجل وجد الطمأنينة:

زياد:
"وأنا… والله يا ابني ما كنت لألاقي حد يصون بنتي زيك.
أنت ابن خالد… … وكبرت في بيتنا.
ربنا يتمم لكم على خير."

وفجأة… زين يقفز بين الجميع، يصفّر بصوت عالٍ:

زين:
"ياااااه! يعني اللي حصل دا رسمي؟
الخاطف اتجوز المخطوفة؟؟… والهيصة دي كلها فاتت عليّا؟
ليه محدش بيقولّي حاجة؟! أنا شاكك إنكم بتعملوا اجتماعات سرّية من ورا ظهري!"

سليم الشرقاوي ينظر له بضيق مبالغ فيه:

سليم:
"زين… من فضلك… اقعد. إحنا في مشفى."

زين:
"طب ماشي، بس لازم أفهم حاجة… يعني دلوقتي أقول لعاصم:
يا جوز بنت عمّي؟ ولا يا ابن خالي؟ ولا يا صهري؟
حد يفهّمني النسَب قبل ما أدوّخ!"

ريمـا تنفجر من الضحك رغم توتر الموقف.

الجد عبد الرحمن يمسح دموعه بتأثر:

الجد:
"ربنا يسعدكم يا ولاد…
ليل تستاهل واحد زيك يا عاصم… وانت تستاهلها.
اللهم ألف بين قلوبكم وبارك فيكم."

مازن يضع يده على كتف عاصم:

مازن:
"مبروك يا عاصم… بجد مبروك.
وبلاش تخاف من زياد… هو بيزعق كتير، بس قلبه أبيض."

زياد يهز رأسه بضيق مصطنع:

زياد:
"أيوة طبعا… قولوا كل حاجة وأنا نايم."

ملك تمسك يد حور وتهمس:

ملك:
"هو دا الفرح اللي كنتِ محتاجاه من أيام… الحمد لله رجعتِ تبتسمي."

حور ترد بابتسامة واسعة:

حور:
"أيوة… رجعت."

زين ينظر للجميع ويقول وهو يصفّر من جديد:

زين:
"طب بما إن في فرح فجأة…
عاوز أعمل لايف أونلاين: أهلاً بكم في حفلة قلبت من مشفى لقاعة أفراح!"

سليم يضربه بكوعه:

سليم:
"اقلع البطارية يا زين… الحفل لسه قدام."

ريمـا تضحك أكثر:

ريمـا:
"زين لو عنده زر إغلاق… حياتنا كانت أهدى."

الجميع يضحك…
والمشهد ينتهي بابتسامات واضحة، وراحة كبيرة في قلب زياد وحور…
والجميع يلتف حول عاصم يبارك له—
بينما هو لا يزال مذهولاً من أنهم تقبّلوا الأمر بسهولة أكبر مما تخيّل.
*********************

الجميع ما زال يضحك ويتبادل التهاني…
لكن فجأة…
يصمت عاصم، وتظهر على وجهه نظرة “كارثة” واضحة.

مازن (ينتبه):
"إيه يا عم؟ وشّك قلب ليه؟"

عاصم (يرمش بسرعة):
"بس… لحظة… لحظة واحدة."
ينظر حوله في الغرفة، يعدّ الوجوه واحدًا واحدًا.
"أدهم… حور… زياد… ملك… مازن… ريمـا… الجد… زين… سليم…"

ثم يرفع حاجبيه فجأة:

عاصم:
"إحنا… نسينا حد مهم جداً."

ريما:
"مين؟"

عاصم:
"العروسة."

الغرفة كلها تتجمد.

زياد:
"ن… نساينا بنتي؟!"

حور تضع يدها على رأسها:
"يا نهار أبيض… دا احنا بنبارك لجواز بنتي وهي مش موجودة أصلًا؟!"

ملك تنهار من الضحك:
"يا ربّي! ليل مش هنا أصلاً! دي في ألمانيا!"

مازن يصفق بيده على جبينه:
"إحنا حرفياً عملنا ‘حفلة من غير العروسة’!"

زين يقفز كعادته، يرفع إصبعه كمن يعلن اكتشافًا عالميًا:

زين:
"أنا عارف! عارف!
نعمل فيديو كول ونقول لها:
مبسوطين إنك اتجوزتي… تعالي بكرة ناخد صور الفرح!"

سليم الشرقاوي ببرود:
"زين… اسكت. بلاش أفكارك دي في يوم الناس فيه فرحانة."

زياد يلتفت لعاصم وهو يحاول أن يستوعب:

زياد:
"طيب… فين ليل دلوقتي؟ مع مين؟"

عاصم (يحك مؤخرة رأسه بخجل):
"هي… اه… في فيلا رامي."

حور اتصدمت:
"رامي؟ رامي المخابراتي؟!"

عاصم:
"أيوة. ومعاها ربى أختي… ونيروز أخت رامي.
كانوا واقفين معاها من ساعة ما بدأت المشاكل…
وسايبينها ارتاح شوية في ألمانيا."

أدهم يرفع حاجبه:
"طيب… وإحنا واقفين هنا بنعمل مسرحية…
مين هيرجع البنت مصر؟"

عاصم (ينفخ ضحكاً وتوتراً):
"أنا… هبعت رسالة دلوقتي."

يخرج هاتفه ويفتح مجموعة الواتساب الأسطورية:
“الفرسان الاربعة + البنات 😎🔥”

صورة المجموعة: لقطة قديمة لهم وهم طلاب، نصفهم نائم والنصف الثاني يضحك.

يكتب عاصم بصوت مسموع:

عاصم (وهو يكتب):
"يا بيجاد… يا سليم … يا رامي… يا بنات…
استعدّوا…
العيلة عرفت بكل حاجة…
وزياد وافق… وحور وافقت… والمصيبة الأكبر… كلهم عايزين ليل هنا فوراً."

زياد يصرخ عليه بلطف:

زياد:
"قولهم: فوراً يعني ‘فوراً’. مش بعد أسبوع!"

حور:
"وقل لرامي يخلي باله منها… دي بنتي."

عاصم يكتب بسرعة:
"عاوزكم تجيبوا ليل دلوقت وترجعوا مصر… و… آه…
العم زياد بيقول بسرعة."

يظهر إشعار على الفور:

بيجاد:
"يعني إيه بسرعة؟ الجو مطري عندنا!"

سليم القيصري:
"يا رب يكون هزار… أنا لسه نايم أصلاً."

رامي:
"إحنا جاهزين نمشي من نص ساعة…
بس… ليل مشغلة موسيقى وبتطبخ.
حد يفهّمها إن في حاجة مهمة؟"

حور تضع يدها على قلبها:

حور:
"بس… ليل هتتجنن لما تعرف.
أكيد دلوقتي قاعدة فاكرة إن الكل غضبان منها… أو إن الوضع لسه خطر."

زياد (بثقة):
"أهم حاجة… إنها ترجع وتشوفنا بخير.
وتعرف إن محدش هيقرب منها ولا من عاصم تاني."

مازن يقف بجانب عاصم ويضرب كتفه:

مازن:
"روح حضّر نفسك… شكلها جاية… وشكلها هتزعل بعد ما تلاقيك متعور."

عاصم ينفخ:
"أهي فرصة حلوة أراضيها."

زين يهمس لمازن بصوت عالي:

زين:
"إراضيها؟
دا هتضربه الأول… وبعدين تسامحه."

مازن يهز رأسه ضاحكًا:

مازن:
"أيوة… دي ليل."

الجميع يضحك…
والجو يتحول مرة أخرى لسعادة ودفء،
وكلهم ينتظرون اللحظة التي ستدخل فيها ليل الغرفة…
والتي يبدو أنها ستكون أقوى لحظة من كل ما فات.
*******************

في فيلا عيلة بيجاد

الفيلا هادية… ريحة القهوة مالية المكان.
منذر قاعد بيقلب في الجرنال، نظرته هادية وذكية… بس فيها تعب من كتر التمثيل قدّام الحيّة لمى.

نوال بتلف في المطبخ، تحضّر عصير وطبق كحك كرمًا لضيفتها.

وفجأة…
تطلع لمى بكل كبرياءها المصنوع: هدوم فاقعة، شعر منفوخ، برفان يخنّق…
وتدخل وراها تالين بخطوات مصطنعة وثقة أعلى من اللازم.

لمى تدخل كإن الفيلا ملك أبوها.

لمى (بابتسامة لزجة):
"وعليكم السلام… البيت منوّر بينا يا نونووو، مش كدا؟"

نوال (بابتسامة طيبة):
"إزيّك يا لمى؟ منوّرينا… إنتي وتالين."

تالين ترفع شعرها وترد ببرود:
"أهلا يا خالتي. إزيّك يا عمي منذر؟"

منذر يرفع عينه من الجرنال بنص ابتسامة:

منذر:
"تمام يا تالين… تمام. شكلِك طالعة لأمّك نسخة… ربنا يستر."

لمى تبتسم ابتسامة فيها سم:

لمى:
"يعني إيه يا منذر؟"

منذر (ببرود احترافي):
"قصدي ربنا يحفظكم… الواحد لازم يدعي للناس."

تالين تقعد زي الطاووس… وتبص حوالين الفيلا من فوق لتحت.

تالين:
"بس… فين بيجاااد؟
ليه مختفي بقاله فترة؟
وأنا… يعني… حابة أطمن."

نوال (برقة):
"والله ما نعرف يا حبيبتي… ما قالّناش حاجة. بس أكيد راجع قريب."

لمى تخبط رجلها في بعض وتعمل حركة كتف:

لمى:
"يعني ابنِك يسافر وما يقولّكيش؟
ولا يمكن… مسافر مع حد؟
ولا يمكن… في حدّ؟"

نظرة خبيثة واضحة…
بتلعب على الشك… وعاوزة تغيظ نوال.

لكن قبل ما نوال ترد…

منذر يقفل الجرنال بهدوء… ويرفع حاجب واحد بس.

منذر:
"هو مسافر شغل مهم.
وما حبّش يقلّق أمّه…
وبعدين لو قالّكم… كان زمانكم واقفين في المطار ماسكين الشنطة."

لمى تتلبّك:

لمى:
"يعني… إحنا إيه بنزعجه؟! إحنا أهله."

منذر (ببرود):
"أهله؟
ولا… طموحين تبقوا أهل البيت كله؟"

تالين تكتم نفسها!
لمى تتفاجئ وتحاول تدارى:

لمى:
"إنت… إنت قصدك إيه؟"

منذر:
"قصدي واضح.
بتسألي عن بيجاد كتير…
وبتحاولي تعرفي رايح فين وجاي منين…
وكإنه خطيب بنتك مثلًا؟"

تالين ترفع راسها:

تالين:
"ولو حصل… ما فيهاش حاجة.
أنا بنت خالته… ونَسَب محترم."

منذر يميل لقدّام… ويبتسم ابتسامة صغيرة مرعبة:

منذر:
"بيجاااد؟
عاوزة تتجوزي بيجاد؟
ده اللي مش راضي يرجع البيت أصلاً… من كتر ما بيهرب من النظرات اللي بترميها عليه!"

تالين تتوتر:

تالين:
"أنا؟! همشي وراه؟!"

منذر:
"أيوه… بتتزنبقي وراه.
والحقيقة؟
هو ما بيدّكيش ربع اهتمام."

نوال تتصدم:

نوال:
"منذر! ليه تقول كدا؟! تالين لسه صغيرة!"

لمى تمثل دور الضحية فورًا:

لمى:
"شايفاه يا نونو؟
شايفاه إزاي بيجرح بنتي؟
وانتي ساكتة؟!
مش هتدافعي عن بنت أختك؟!"

قبل ما نوال ترد…

منذر بنبرة ناعمة قويّة:

منذر:
"لو إنتي جاية زيارة… تشربي قهوتِك وترجعي.
بس لو جاية تدوري على مشاكل…
ولو جاية تطمعي في بيتي… وفي ابني…
فأنا موجود.
ومش هاسكت."

تالين تعض شفايفها من القهر.

لمى تقرّب منه خطوة… وبصوت فيه غِواية خبيثة:

لمى:
"إنت دايمًا قوي… وفاهم.
وأختي للأسف… ما تعرفش تدير بيتها زيّك…"

نوال تضحك بسذاجة:

نوال:
"أهااا لمى… تقصدي إنك معجبة بطريقة منذر؟"

منذر يبصلها بنظرة تحذير:

منذر:
"لمى… رجّعي مكانك.
عيب."

لمى تعصب، تسحب تالين من إيدها:

لمى:
"تمام… تمام.
يا نوال… لو جوزِك محترم معاكي… كنتي فهمتيني.
يلا… نمشي يا تالين."

وهي خارجة…
تبصّ على منذر بنظرة: استنى… هرجع لك.

منذر يرد بنظرة: جربي… وهتبقي ندمانة.

تخرج لمى وتالين معصّبين.

نوال تقعد جنب جوزها:

نوال:
"منذر… ليه تتعامل معاهم كدا؟ دول أهلنا!"

منذر بهدوء شديد:

منذر:
"أهلنا؟
ولا… سوسة في البيت؟
اسمعي يا نوال…
أختِك وتالين لو فتحّتلهم باب… هاياكلوا البيت كله."

نوال تتنهد، مش مقتنعة:

نوال:
"مستحيل… تالين طيبة… ولمى أختي…"

منذر يبتسم لها بحنان:

منذر:
"وإنتي أنضف من إنك تشوفي خبث حد.
علشان كدا… سيبّي الموضوع عليّ.
أنا هتعامل معاهم."
********************
في  ألمانيا،  عند ليل 

كان المساء ثقيلاً كالعادة…
ثلج خفيف يلامس زجاج الشرفة، وضوء أصفر دافئ ينعكس على وجه ليل وهي جالسة على طرف السرير، تحدّق في فنجان الشاي الذي برد منذ نصف ساعة.
لم تكن تفكّر في شيء محدد… أو ربما كانت تفكر فيه فقط.

عاصم.
لم تعد تستطيع خداع نفسها… هي وقعت تمامًا، رسميًا، وبلا عودة.

كانت تتنفس ببطء، وكأن مشاعرها صارت ثقيلة لا تعرف أين تضعها:
كيف تحب رجلًا خطفها؟ كيف تعلّقت به بهذه السرعة؟ كيف تحوّل خوفها منه لطمأنينة؟ وكيف صار حضوره الدواء الوحيد الذي يسكّن روحها؟

قاطع شرودها صوت ارتطام خفيف ثم:

نيروز (بحماس عالي وهي تقفز داخلة الغرفة):
«ليييل!! يا بنت قومي! عندي خبر هيطير مخّك!!»

رفعت ليل رأسها بكسل، لكنها ما إن رأت ابتسامة نيروز الواسعة حتى شعرت بأن شيئًا كبيرًا يحدث.

ليل:
«في إيه؟ مالك؟ ليه مبسوطة كده؟»

نيروز (تجلس أمامها تمسك يديها بقوة):
«أنا راجعة مصر!»

اتّسعت عينا ليل:
«إيه؟! بجد؟ إزاي؟ إمتى؟»

نيروز (بحماس طفلة):
«لسه حالًا! عاصم اتصل برامي وبيجاد وسليم… وقالهم يجهزوا. هنرجع كلنا مصر… قريب جدًا!»

كانت الكلمات تهبط على قلب ليل كأمطار دافئة بعد شتاء طويل. شعرت بالروح تعود لصدرها لأول مرة منذ سبعة أشهر.

ليل (بصوت منخفض يكاد يرتجف):
«هــ… هرجع؟ أنا كمان؟»

نيروز:
«طبعًا! هو قال أنك هترجعي لأهلك… لأمك وأبوك وعيلتك. خلاص يا ليل… الكابوس ده انتهى.»

لم تستطع ليل منع دموعها—دموع فرح صافي.
عادت للوراء قليلًا وكتمت وجهها بين كفيها وهي تضحك وتبكي في نفس الوقت.

ليل:
«أنا… مش مصدّقة… هرجع لماما و بابا و ادهم و مازن..... كلهم وحشوني 
نيروز (تداعب كتفها):
«يا مجنونة طبعًا!»

سكتت ليل لحظة…
وهناك، خلف الفرحة العارمة، انغرزَت شوكة صغيرة في قلبها.
لم يكن أحد يلاحظها… إلا هي.

لو رجعت… معناها الطلاق.
معناها خلاص… انتهت علاقتها بعاصم.
معناها مش هتشوفه كل يوم.
مش هتسمع صوته وهو يناديها "ليل".
مش هتشوف نظراته اللي تحفظها أكتر من اسمها.

رفعت وجهها بسرعة تمسح دموعها حتى لا تلاحظ نيروز.

نيروز (ببراءة):
«هو قال رامي يرتّب الطيارة الخاصة… وممكن نسافر خلال 48 ساعة. ياااه يا ليل… وحشتوني كلّكم. نفسي أشوف طنط حور وعمو  زياد…»

ابتسمت ليل من القلب، لكن تعبًا خفيفًا مرّ على ملامحها.

ليل:
«أنا فرحانة علشانك يا نيروز… بجد. وهفرح أكتر لما أشوفهم…»

نيروز (تحدق بها):
«بس؟! مش باين عليك الفرحة اللي كنت متخيلاها.»

ضحكت ليل بخفوت:
«لا… فرحانة… جدًا. بس… استوعب الموضوع بس.»

نيروز اقتربت منها وعانقتها بقوة، كما لو كانت تعرف أن ليل تخبئ شيئًا ثقيلًا.

نيروز:
«كله هيتصلّح… كله هيتعدل. ربنا كبير.»

ليل أغلقت عينيها فوق كتف نيروز…
لكنها لم تتخيل أن اللحظة التي حلمت بها لسبعة أشهر… ستكون هذه المرة مؤلمة بهذا الشكل.

كيف يعود القلب لوطنه… وهو عالق في رجل؟
**********************
في مصر في زنزانة مراد الشرقاوي

كان الليل ثقيلاً داخل أروقة المبنى الأمني…
هدوء خانق لا يقطعه سوى صوت خطوات الحراس من بعيد.

في أعمق الزنازين، جلس مراد الشرقاوي على طرف السرير الحديدي، يداه مكبلتان، ووجهه مظلم أكثر من جدران الزنزانة نفسها.
عيناه تقدحان شررًا…
ليس ندمًا، بل حقدًا.
الحقد ذاته الذي أوقعه هنا.

كان يحدّق في الأرض بعنف، وكأنه يطحن الأسماء داخله:
زياد… حور… عائلة يونس… عاصم…
الكل سيدفع… الكل…

همس لنفسه بصوت مبحوح:
«لسّه اللعب ما خلصش… ولسّه عندي ورق كتير…»

وفجأة، تلاشت الظلال حين انفتح باب الممر.
خطوات ثابتة، بطيئة… لكنها تحمل ثقل سلطة يعرفها جيدًا.

رفع مراد رأسه، فوجد آدم يقف أمام باب الزنزانة، يده خلف ظهره، وابتسامة باردة من النوع الذي يغيظ أكثر من ألف إهانة.

آدم (بنبرة هادئة، كأنها صفعة):
«إزيّك يا مراد؟ مستريح؟ ولا السرير ناشف عليك؟»

لم يرد مراد…
لكنه شدّ فكه بعنف، والنار تشتعل في عينيه.

آدم (يميل قليلًا للأمام):
«كنت فاكر نفسك أذكى مننا كلنا، صح؟
بس شوف… في الآخر، وقعت بإيدك إنت.»

مراد بصوت خافت لكنه يقطر سمًا:
«لسّه… ولسّه هتشوفوا مني اللي عمركم ما شفتوه.»

ضحك آدم بخفوت، ضحكة انتصار واحتقار:
«إنت؟
إنت خلاص ورقتك اتحرقت.
دلوقتي… مش أكتر من مجرم مستني الحكم.»

اقترب آدم خطوة من القضبان، نظرته قاطعة، صارمة، لكن تحمل برودة رجل يعرف أنه انتصر.

آدم:
«استمتع بوقتك هنا…
لأن اللي جاي… مش هيعجبك أبدًا.»

ثم استدار وغادر بخطوات ثابتة، تاركًا الباب يُغلق بصوت معدني ثقيل…
بينما بقي مراد، وحده، يشتعل غضبًا أكثر، يحدّق في مكان آدم الذي اختفى، وكأن النار التي بداخله تكاد تحرق الجدران نفسها.
*********************
بعد عدة ساعات– مطار القاهرة – الليل

كانت الساعة تقترب من منتصف الليل حين هبطت الطائرة القادمة من ألمانيا.
ضوء الطائرة قطع عتمة المدرج، والبرد الخفيف كان يلف المكان بينما صفّ من الوجوه المتعبة والقلقة يقف خلف الحاجز ينتظر.

زياد الزهراوي كان يتكئ على كتف  مازن، وجهه شاحب من أثر الحادث، لكن عينيه… مشتعلة بالشوق.
حور واقفة بجانبه، يداها ترتجفان، تحاول أن تبدو صامدة… لكنها كانت على وشك الانهيار.
رؤى تكاد تقفز كل ثانية من مكانها، وزين يلوّح بيده بلا معنى حتى يفرغ توتره.
ريما وسليم الشرقاوي كانا يقفان في الخلف بصمت مشتعل… كل واحد يحبس دموعه.
الجد عبد الرحمن يضغط مسبحته بين أصابعه، ينتظر حفيدته الروحية التي كان يراها كابنته.

وفجأة… انفتح باب الطائرة.

وظهرت ليل.

كانت عيناها تتسعان باندهاش وانكسار وحنين دفعة واحدة… وشفتاها ترتجفان، قبل أن ترتسم ابتسامة صغيرة تحولت في لحظة إلى شهقة مكتومة.

ليل:
«ماما… بابا…!»

واندفعت راكضة على السلم قبل أن يكمل الطاقم إجراءات النزول. حقيبتها الصغيرة ارتطمت بدرج الطائرة وهي تهبط بسرعة، ضحكة صغيرة خرجت منها وسط دموع متلاحقة.

حور لم تحتمل… صرخت:
«يا روحيي!!»

وانطلقت نحوها، لكن زياد أمسك يدها، يبتسم رغم ألمه:
«سيبيها… سيبيها تجيلي.»

ليل هبطت آخر درجة… ورأت والدها.
رأت جبينه الملفوف بضمادة خفيفة، والآثار الزرقاء على ذراعه.
تفاجأت. توقفت لحظة.

ليل بصوت مبحوح:
«بابا… إيه اللي حصلك؟!»

فتح زياد ذراعيه رغم أن كتفه كان يؤلمه بشدة.

زياد بابتسامة مرتجفة:
«ولا حاجة… أهم حاجة إنك رجعتي. تعالي هنا يا بنتي.»

ركضت نحوه، وارتمت في حضنه بقوة.
زياد أغلق عينيه، كأن روحًا كانت ضائعة ورجعت إلى مكانها.

زياد بصوت خافت عند أذنها:
«وحشتيني… يا ليل.»

ليل تبكي:
«أنت أكثر… يا بابا، سامحني، أنا آسفة… خفت عليك قوي… قوي.»

زياد يهز رأسه:
«ولا كلمة. إنتي بخير… وخلاص.»

حور لحقت بها، وأمسكتها من كتفيها، تنظر لملامحها وكأنها لا تصدق أنها أمامها.

حور بصوت منكسر:
«كبرتي… وشك ضعف… بس انتي ليل… انتي ليل بتاعتي!»

ليل تضحك وتبكي:
«مامااا… وحشتيني!»

وحضنتهما الثلاثة تداخلت، زياد يضمها وهو متكئ بصعوبة، وحور تمسح على شعرها، وليل تبكي بلا توقف.

رؤى لم تعد تتحمل، صرخت:
«بطلوا تبكوا وخلوها تيجيلي بقى!»

ليل ضحكت وسط دموعها، ومدّت يدها لرؤى التي قفزت عليها قفزة واحدة كأنهما طفلتان.

رؤى:
«يا مجنونة!!! سبع شهور وقلبي بيتقطع!»

ليل:
«وأنا أكتر… وحشتيني يا روح قلبي.»

زين اقترب، فاتحًا ذراعيه بطريقة كوميدية:
«أنا فين؟ محدّش هياخد حضن للراجل ده؟!»

ليل ضحكت بصوت حقيقي لأول مرة منذ شهور.
رمت رأسها على كتفه بخفة:
«وحشتني نكتك السخيفة.»

زين:
«ده شرف ليا والله.»

ريما تقدمت ودموعها تنزل رغم محاولتها التماسك.

ريما:
«يا ليل… كنت خايفة نموت من غير ما نشوفك.»

ليل ضمّتها وهي تبتسم بحنان:
«ولا عمري هبعد عنكم تاني.»

ثم التفتت لسليم الشرقاوي. كان واقفًا ساكنًا، لكن عينيه بتحرق.

ليل ابتسمت له:
«ازيك يا سليم…؟»

سليم بخفوت لكنه صادق:
«الحمدلله دلوقتي.»

قبّل رأسها بخفة كأخ أكبر ثم تراجع.

الجد عبد الرحمن تقدم بخطوات بطيئة.
وضع يده على رأسها:
«رجعتي… نورتي البلد يا بنتي.»

ليل أمسكت يده وقبّلتها:
«وحشتني قوي يا جدو.»

وفي الخلف، كان يقف عاصم.

لم يقترب.
لم يتكلم.
يداه في جيبيه، وملامحه صلبة… لكن عينيه تقول كل شيء.

ليل شعرت به. التفتت.
للحظة… كل الأصوات اختفت.

عاصم نظر لها بنظرة اعتذار… حب… ندم… وشيء آخر لم يعترف به حتى لنفسه.

هو الذي سرقها من حضن هؤلاء البشر…
والآن يرى كيف كانوا ينتظرونها.
كل شيء داخله انكسر.

ليل لم تتقدم نحوه.
لكنها نظرت في عينيه نظرة طويلة…
فيها عتب… شوق… وامتنان غريب لأنه أعادها.

كانت ترى عالَمَين تصادما: عالمها القديم…
وعالم الشهور السبعة التي غيّرتها.

ثم همست:

«وحشتوني… كلكم… كل حاجة هنا وحشتني…»

زياد وضع يده على كتفها:
«ومن النهارده…
مفيش حاجة ولا حد هيبعدك عننا تاني.»

وبعيدًا قليلاً، وقف عاصم…
ينظر إليها بصمت،
وفي قلبه جملة واحدة ظل يكررها:
ليتني ما صدقت أحدًا… ليتني ما آذيتك.
***********************

بينما كانت ليل ما تزال في حضن والديها، التفتَت حور فجأة نحو الأصوات القادمة من باب الطائرة، وكأن قلبها اجتذب شيئًا مألوفًا. كانت ربى تجلس على الكرسي المتحرك، ويد بيجاد فوق مقبضه يدفعها ببطء كي لا تتعب. نيروز بجانبها تبتسم بخجل، بينما رامي يجر حقيبة صغيرة، وسليم القيصري يراقب الجميع بعين هادئة.

تجمّدت حور، وكأن الزمن عاد بها سبعة عشر عامًا للوراء…
مريم.
نفس الملامح. نفس الهدوء. نفس البراءة.
حتى نظرة العينين… كأنها نسخة روحية منها.

حور بصوت مخنوق:
"مريم…؟"

تقدّم زياد خطوة صغيرة، وضع يده على كتف زوجته يثبّتها، فقد شعر بالارتجاف في جسدها.

ربى بخجل وصعوبة في الكلام:
"خالة حور…؟ أنا… ربى."

لم تحتمل حور المسافة بينهما، تقدّمت بسرعة وانحنت لتحتضن ربى بقوة رغم الكرسي، وكأنها تعانق جزءًا لم يندثر من صديقتها الراحلة.

حور وهي تبكي:
"كبرتي… يا ربى… يا الله… أنتِ نفس ملامحها… نفس الطيبة…"

ارتبكت ربى، رفعت يدها ببطء حتى لا ترتعش.
ربى بخفوت:
"ماما كانت دائمًا تقول إنّكِ كنتِ أقرب الناس لها…"

انزلق دم من عين زياد، مسحه بسرعة كي لا تراه ابنته.
بينما ليل وقفت بجوارهم تمسح دموعها وتبتسم، فقد شاهدت كيف أنّ هذا اللقاء أعاد لأمها شيئًا ثمينًا.

نيروز بفرح:
"خالتي حور… أنا نيروز، تتذكريني؟ كنت صغيرة لما شفتكم آخر مرة."

حور تمسح دموعها وتبتسم:
"أكيد أتذكرك يا روحي… كبرتي وصرتي أحلى بنوتة… الحمد لله على سلامتكن كلكم."

مازن (خال ليل) ضاحكًا:
"والله رجعتوا لينا البيت كله نور يا بنات القيصري."

ملك (زوجة مازن) بابتسامة دافئة:
"الحمد لله إنكم رجعتوا سالمين. البيت اشتاقكن."

اقترب سليم القيصري وانحنى قليلًا تقديرًا.
سليم:
"شكراً لكم على استقبالكم. نحن ضيوف عندكم لحد ما تطمئن ليل وتاخذ راحتها."

زياد ابتسم رغم الألم.
زياد:
"أنتو مو ضيوف يا ابني… أنتو أهل."

عندها تقدّم بيجاد ووضع يده على كتف ربى بحنان.
بيجاد:
"خالتي حور… ربى بخير الحمد لله. العلاج ماشي، والأطباء متفائلين. وأنا معها خطوة بخطوة."

ابتسمت حور له بامتنان.
حور:
"الله يخليك إلها يا ابني… واضح إنها مستريحة معك…"

احمرّت خدود ربى فورًا، وتدفقت ضحكات خفيفة من الجميع.

---

التفتت ليل فجأة تبحث بعينيها عن أحد.

ليل:
"ماما… وين أدهم الصغير ومازن؟ ليش ما جابوهم؟ اشتقت لهم كثير..."

أجاب زياد بابتسامة هادئة رغم التعب:
زياد:
"نايمين بفيلا العيلة مع المربية… ما حبيت نصحيهم بهالوقت. بس لما يشوفوكي الصبح راح يطيروا من الفرح."

ليل بخيبة لطيفة:
"كنت بدي أحضنهم أول ما أوصل… بس ما مشكلة، بكرة."

رؤى قفزت نحو ليل وتعلقت برقبتها.
رؤى:
"بس أنا هون! توأمِك الروحية ما راح تفارقك هالمرة."

ضحكت ليل بقلبها.
ليل:
"اشتقتلك يا مجنونة."

زين بصوت مرح وهو يلوّح بيديه:
"وأنا؟ ما حد اشتاقلي؟ ألو! أفضل صديق رجع!"

ليل تضحك:
"زين! والله اشتقتلك أكثر من الجميع يمكن."

زين بتمثيل الدموع:
"هااا! سجلوها… ليل اعترفت أخيرًا!"

ضحك الجميع، وكان الجو دافئًا بشكل لم يشعروا به منذ أشهر طويلة.

---

من بعيد، كان عاصم واقفًا بجانب الطائرة، يراقب المشهد بصمت.
عينيه لا تفارق ليل.
انفراج ضحكتها… ارتعاش صوتها… دموع والدتها…
كلها أشياء كان قد سرقها منها دون أن يدرك.

اقترب منه أدهم (خال ليل) يربت على كتفه.
أدهم:
"تعال… أنت اللي رجّعتها إلنا. لازم تكون معنا."

عاصم بصوت منخفض:
"وجودي ممكن يسبب توتر… خلّي لحظتهم نظيفة."

أدهم بجدية هادئة:
"أنت غلطت… صح. بس رجعتها. هذا الشي لحاله… يكفي تخليك واقف بيننا."

رفع عاصم عينيه نحو ليل مرة أخرى.
كانت تضحك وهي ممسكة بيد والدها وأمها، وكل من حولها يحتفل بها وكأنها نجمة تعود من غياب طويل.

ابتسم… ابتسامة صغيرة، صادقة… وامتلأت عيناه بندم خفي.

عاصم (همسًا):
"الحمد لله رجعتي لبيتك… يا ليل."
*********************

بعد الضحك والأحضان والدموع…
بدأت ليل تبص حواليها، تدوّر على وشّين كانت دايمًا تشوفهم في عيلتها الكبيرة.

ليل:
"ماما… بابا… فين عمّي مراد؟ وفين نرمين؟ ليه  مش شايفاهم؟"

الجملة كانت بسيطة…
بس وقعها كان زي الصفعة.

كل حاجة وقفت.
حتى الهوا حسّيته توقّف من التوتر اللي نزل فجأة.

ابتسامة زياد اختفت فورًا…
فكّه شدّ، كإنه بيكتم غضب مالوش آخر.
حور بصّت للأرض، وإيدها مسكت ذراع ليل من غير ما تحس.
حتى ريما وسليم—ولاد مراد—وشوشهم اتشدّت للحظة.

ليل (مستغربة):
"في إيه؟ أنا قلت حاجة غلط؟ ليه كدا سكّتوا؟"

ريما تخطّت الكل ومسكت إيد ليل بحنية.

ريما (بصوت واطي):
"مش وقته نحكي في الحاجات التقيلة… انتي لسه واصلة يا ليل. المهم إنك بخير."

ليل تهز راسها، متلخبطة.

ليل:
"بس عمّي مراد كان أقرب الناس ليا… إزاي مش موجود؟"

زياد أخد نفس عميق…
زي نفس حد بيحاول يمسك أعصابه بالعافية.

زياد (ببرود مر):
"مش كل الناس اللي بنحبّهم… بيطلعوا يستاهلوا الحب ده."

ليل رفعت حواجبها بصدمة.
دي أول مرة في حياتها تسمع النبرة دي من أبوها… خصوصًا عن مراد.

ليل:
"بابا؟ قصدك إيه؟ حصل حاجة؟"

وقبل ما زياد ينفجر ويقول اللي ما ينفعش يتقال…
اتقدم عاصم خطوة، كإنه بيحط جسمه بين ليل والحقيقة.

عاصم (بصوت هادي وواضح):
"ليل… مراد ونرمين مش موجودين عشان… الظروف ما تسمحش. ومش وقت الكلام عليهم دلوقتي."

ليل بصّت لعاصم كويس…
كان في حاجة في عينيه…
ندم؟
ذنب؟
وجع؟
مش عارفة، بس قلبها وجعها.

ليل (بإصرار):
"عاصم… أنت ساكت من أول ما نزلت. قولّي… فين عمّي؟"

عاصم اتردد ثانية… وبعدها بص لتحت.

عاصم:
"خلّينا نأجل السؤال ده. الليلة طويلة… وليكي حق تعرفي كل حاجة. بس مش دلوقتي."

زياد اتحرّك بحدّة، والغضب باين في صوته:

زياد:
"عاصم… دي بنتي. ولازم تعرف إن—"

أدهم قاطعه فورًا، وحط إيده على كتفه يهدّيه.

أدهم:
"زياد… مش هنا. مش قدّام البنت وهي مرهقة كدا."

ليل كانت بتبص عليهم كلهم…
كإنها شايفة خيوط سرية ماشية بين وشوشهم…
بتقول لها إن في كارثة حصلت وهي آخر واحدة تعرف.

ليل (بصوت مهزوز):
"في حاجة حصلت… وأنا آخر واحدة تعرف… صح؟"

حور بسرعة حضنتها من كتافها.

حور:
"حبيبتي… اللي حصل مش ذنبك. وانتي ما خسرّتيش حاجة الليلة… كلنا حواليكي.
تعالي ندخل… ناكل لقمة… ترتاحي شوية… وبعدين نتكلم."

سليم الشرقاوي اتقدم بخطوات مترددة… كإنه خايف من رد فعلها.

سليم:
"ليل… لو عايزة الحقيقة، نِقدر نقولهالك.
بس قلوبنا مش جاهزة الليلة… الموضوع كبير."

ريما كمان اتقربت.

ريما:
"وإحنا… أنا وسليم… وعمّي… متأذيين جدًا من اللي حصل.
فبتمنى تسمحيلنا الليلة بس."

ليل بصّت للجميع…
بعدها لباباها…
وبعدين لعاصم اللي شكله كان بيبلع صراعه الداخلي.

وفي الآخر…
هزّت راسها ببطء.

ليل:
"ماشي… خلاص.
بس بكرة… عايزة أعرف كل حاجة.
مش هعيش بنص حقيقة."

زياد قرب منها وضمّها تاني…
بس المرة دي الضمّة كان فيها وجع.

زياد:
"بوعدِك… بكرة مش هنخبي عنك حاجة."

وجواها…
حسّت إن مراد ما بقاش نفس الشخص اللي عرفته.

لكنها ما كانتش تتخيّل…
إن الحقيقة أكبر بكتير من اللي تتوقعه.
********************

الصبح اللي بعده – فيلا زياد

الشمس كانت لسه خجولة بتتزحلق من ورا ستاير أوضة الولاد لما مازن الصغير صحى الأول، بيجر رجليه من السرير بتقل.

اتثاوب قوي ومسح وشه، وبص ناحية سرير أخوه الكبير.

مازن بملل:
"يا أدهم… قوم. ماما قالت نفطر بدري النهارده."

أدهم كان صاحي من شوية، بس قاعد على ضهره، عينه في السقف… زي حد بيصارع فكرة مش عايز يصدقها.

أدهم بهدوء:
"مافيش نَفَس…"

مازن مكشر:
"أكيد عشان ليل مش هنا…؟"

أدهم ما ردش.
هو أصلاً ما اقتنعش بالقصة دي.
أخته الكبيرة مسافرة؟ قلبه كان بيصوّت إن في حاجة غلط.

مازن:
"طيب قوم… لو اتأخرنا هيسحبوا الفطار."

أدهم تنهد وقام.
الولاد لبسوا الشباشب ونزلوا السلم ببطء، متوقعين صباح هادي… من غير دوشة ليل اللي واخدين عليها.

لكن…

تحت، على الكنبة الرمادي الكبيرة…
كانت ليل قاعدة، شعرها سايب، ماسكة كباية شاي، وبطانية صغيرة جنبها.

رفعت رأسها لما سمعت خطواتهم…
وابتسمت.

ابتسامة أم… مش مجرد أخت.

ليل بدفا:
"صباح الخير… يا أحلى شابين في الدنيا."

الولاد اتثبتوا في مكانهم.

مازن كان أول واحد استوعب…
فتح بقه على الآخر… وفجأة صرخ بصوت طفولي عالي:

مازن:
"ليييييييييييل!!!"

وجري عليها بأقصى سرعته، لدرجة إنه اتلخبط في آخر درجتين، بس ما وقفش… زي قطة صغيرة فقدت عقلها من الفرح.
نط على الكنبة ورمى نفسه في حضنها، وشه مدفون في كتفها.

مازن وهو بيعيط:
"رجعتي! رجعتي! رجعتي!!!"

ضحكت ليل ومسحت على شعره وضهره.
ليل:
"آه يا روحي… رجعت. وحشّنِي موت."

ساعتها… أدهم لسه واقف.
ما اتحركش.
كان بيبصلها بنظرة حزينة قوية… خليط من صدمة وفرح وزعلة صغيرة.

ليل لاحظت…
فتحت دراعها له.

ليل:
"تعالى… يا أدهمي."

ما استحملش.
جرى عليها، بس ما نطّش زي مازن—
ارتمى في حضنها بقوة راجل صغير ضاع منه جزء ورجع له.

أدهم بصوت مخنوق:
"كنت عارف… كنت حاسس… إنك ما سافرتيش… ليه كذبتوا علينا؟"

ليل حسّت الوجع.
حضنته أكتر.

ليل بهدوء:
"أنا آسفة… آسفة قدّ الدنيا يا أدهم. والله ما كان بإيدي… وما حبيتش أفزّعكم."

أدهم رفع عينه لها…
عيونه بتلمع.

أدهم:
"أنا زعلت… قوي. بس… بس كنت بدعي ترجعي. كل يوم."

قبّلت جبينه.
ليل:
"ودعوتك وصلت… ورجّعتني."

مازن لسه ماسك في رقبتها:
مازن:
"طب ليه ما كلّمتيناش؟ ليه ما قلتيش رُحتي فين؟ ليه اختفيتي؟"

أدهم زق كتف أخوه شوية كأنه بيقول له يهدى… بس هو كمان مستني نفس الإجابة.

ليل ابتسمت ابتسامة فيها وجع بسيط.

ليل:
"أوقات… الظروف بتكون أكبر مني يا مازن. لو كنت أقدر أكلمكم… كنت كلمت الدنيا كلها. بس كنت بوعد نفسي… إن أول حضن آخده لما أرجع… هيبقى منكم."

مازن شهق وبكى تاني.
مازن:
"أنا اشتقتلك… قوي قوي…"

ليل:
"وأنا اشتقتلك قدّ البحر والسماء."

وبعدين ضحكت:
ليل:
"بصّوا عليا… بقيت أحن عليكم أكتر من ماما."

الولاد ضحكوا وهما بيعيطوا.
أدهم قعد جنبها وسأل:

أدهم:
"طب… إنتي رجعتي خلاص؟ مش هتمشي؟"

ليل بصت لهم بصدق:
ليل:
"آه… رجعت. ومش هامشي منكم تاني."

مازن مسح دموعه وابتسم:
مازن:
"طب تعالي شوفي أوضتنا! شلت كل لعبك عشان ما تتغبّرش."

أدهم بجدية طفل كبير:
أدهم:
"وأنا رتبت مكتبتك. قلت يمكن ترجعي فجأة."

ليل ما قدرتش تمنع دموع الفخر.
ليل:
"يااااه… أنا بحبكم قدّ إيه… تعالوا بقى… حضن جماعي."

واتكوروا كلهم في حضن طويل… دافي… ريحته بترجع الروح.

ولما كانوا ضاغطين عليها من الجنبين…
همست ليل جوا قلبها:

"هو ده… البيت."
*☆يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع☆☆*


                 الفصل العشرون من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة