
في قصر مراد السري – تحت، في مكتب ضلمة وإضاءة خفيفة
مراد قاعد على الكنبة الجلد، بيلعب بخاتمه الدهب وعينه كلها نار.
نديم واقف جنب الشباك، بصص في السواد برا وكأنه شايف نهايته بتيجي.
مراد (بهدوء فيه سم):
عارف يا نديم… ساعات الخطة الكبيرة ما يبوظهاش العدو…
اللي يبوظها الغبـي اللي حواليك.
نديم (يلفله ببرود مصطنع):
تقصد حد بعينه يا باشا؟
مراد (يضحك خفيف):
أقصد؟ لا يا نديم… أنا بعلن.
أدهم الزهراوي… بقى يلف ويدور كتير.
أسئلته عن العقود القديمة… طريقته فبصتي… شكه واضح.
الولد بقى يشم ريحة حاجة.
نديم (يبلع ريقه):
بس ده مش معناه إنه عرف الحقيقة… يمكن مجرد شكوك…
مراد (يقطعه بعصبية باردة):
والشك ده هو أول شرارة!
وأنا ما بسيبش شرارة تولع فيا بعدين!
(يقوم ويقرب منه ويهمس ببرود قاتل)
وبعدين… مش هو بس.
سليم كمان.
نديم (مستغرب):
ابنك؟
مراد (بضحكة سودا):
ابني؟ متقولش الكلمة دي قدامي.
أنا لا ربيته ولا عمري شوفته ابني.
بس كمان بيلعب في اللي مش ليه.
و… نرمين برضه.
نديم (قلق):
مراتك؟ عرفت حاجة؟
مراد (بضحكة مت冰ة):
أيوه… الست فكرت تفتح موضوع قديم.
بس علمتها الدرس.
السكوت أجمل… خصوصًا وهو محطوط تحته تهديد.
يطفي السيجارة في فنجان قهوة فاضي كأنه بيطفي روح حد
نديم (يحاول يخبي اللي جواه):
طب… هتعمل إيه؟ لو أدهم عرف… ممكن يوصل لزياد… أو الأسوأ… للمخابرات.
مراد (يرجع يقعد ويشرب):
متقلقش يا نديم.
أنا ماسك الدنيا من رقبتها.
واللي يقرب من مراد الشرقاوي…
يتدفن حيّ.
(يشرب تاني)
ودورك لسه مخلصش.
تراقب أدهم من قريب…
يتحرك شعره؟ أنا عايز أعرف قبل الهوا ما يعدي عليه.
نديم (يوطي راسه):
أوامرك يا باشا.
في سره:
إنت فاكرني هفضل كلبك؟
ده أنت الغبي… وقريب قوي هتقع…
وأنا أول واحد أدوس على رقبتك.
مراد (يحس بنبرة في صوته، يبصله طويل):
مالك؟ وشك اتغيّر… خايف؟
نديم (ضحكة متوترة):
لا خالص… تعبان بس.
مراد (بنظرة احتقار):
التعب للضعاف.
وأنا ما بحبش الضعاف حواليّ… افتكر ده.
يمشي ناحية الباب، يقف لحظة قبل ما يفتح:
مراد (بغرور قاتل):
خليك جنبي يا نديم…
لإن اللي يقف ضدي… عمره ما يكمل لآخر الأسبوع.
مراد يخرج.
نديم يفضل واقف لوحده، النفس طالع ناري، يقول بصوت واطي وهو عينه سودا من الغل:
نديم (بحقد):
ماشي يا مراد…
خَلّيها تموت…
بس أول جثة في اللعبة دي…
هتكون إنت.
******************
في
فيلا عائلة كامل بن رامي – الجزائر العاصمة، ضاحية “الدار البيضاء”.
الفيلا فخمة لكنها تحمل طابعًا مغاربيًا أصيلًا: جدران بيضاء، نوافذ زرقاء مزخرفة، فناء واسع تتوسطه نافورة صغيرة وصوت العصافير يملأ الأجواء.
ريما تجلس في الشرفة مع والدة زوجها الحاجة زليخة، وعمّته سميرة، بينما كامل يطلّ من الداخل ببدلته الرمادية وهو يراقبهما بحبّ.
الحاجة زليخة (تسكب القهوة وتبتسم):
"ذُوقي يا بنتي، راهي قهوتنا ما كيف قهوة مصر، ثقيلة شوية." ☕
ريما (تضحك بخفة وهي تأخذ الفنجان):
"بل بالعكس يا حاجة، ريحتها تشهي! أنا صرت مدمنة على القهوة الجزائرية من أول ما جيت."
سميرة (مازحة):
"إييه، باين عليكِ تأقلمتِ بسرعة، حتى لهجتك بدات تتغيّر!" 😂
ريما (تضحك):
"يمكن لأنّي ارتحت معاكم... حسّيت كأني بين أهلي."
كامل (يدخل وهو يضع يده على كتفها):
"وأنا قلتلك من قبل، دار بن رامي ما تكونش دار غريبة، راهي دارك يا ريما."
الحاجة زليخة (تهز رأسها برضا):
"ربي يهنيكم يا وليدي، والله يا ريما من نهار دخلتي علينا والنور دخل الدار. دايمًا متواضعة، مؤدبة، وما ترفعيش راسك على حد."
ريما (بخجل):
"الحمد لله... تربيت أكون بسيطة مهما كان أصلي أو اسم والدي."
(تسكت للحظة، يمر طيف حزن خفيف في عينيها)
"الشهرة أو المال ما تصنعش إنسان، اللي يصنعه قلبه."
كامل (ينظر إليها بعاطفة صادقة):
"وهذا أكثر حاجة خلتني نحبك، طيبتك، صفاء نيتك."
سميرة (تغمز له ممازحة):
"واش بيك يا كامل؟ ما شاء الله عليك، راك شاعر اليوم!" 😂
كامل (ضاحكًا):
"خليوني نفرّح مرتي شوي، تستاهل."
ريما (تبتسم بخجل وتخفض نظرها):
"ربي يخليك ليا يا كامل."
(في تلك اللحظة، يقترب عبد القادر، والد كامل، رجل وقور في أوائل الستينيات)
عبد القادر:
"وش بيكم دايرين جلسة عائلية بلا ما تعيطولي؟"
الحاجة زليخة (بمرح):
"جيت في الوقت المناسب، راهي ريما كانت تمدح في بلادنا."
عبد القادر (يبتسم لريما):
"وأنا متأكد أنها راح تزيد تزينها بحضورها. مرحبا بيك ديما بنتي."
ريما (تنهض باحترام):
"الشكر ليكم، أنتم عائلتي الثانية، ويمكن... الوحيدة اللي حَسّيت معاها بالدفء."
(يسود صمت خفيف، يتبادلون النظرات، الكل يدرك أنها تقصد والدها البعيد الذي لا علاقة لها به الآن.)
كامل (يغيّر الجو بسرعة):
"يلا، واش رايكم نخرجوا شوية للبحر بعد الغداء؟ الجو اليوم شمس، يبرد القلب!"
سميرة:
"فكرة هايلة! ونخلي ريما تذوق “كعك النقاش” اللي وعدتها بيه."
ريما (تضحك بسعادة):
"أنا موافقة على طول! بس بشرط، أنا اللي أجهز الشاي هذه المرة!"
الحاجة زليخة (بابتسامة حنونة):
"اتفقنا يا بنتي، اليوم الدار فيها فرحة."
******************
الجو مغربي هادئ، أذان العشاء يُسمع من بعيد، والسماء بلونٍ أرجواني دافئ.
تجلس ريما الشرقاوي في شرفة الغرفة المطلة على البحر، ترتدي قفطانًا جزائريًّا أنيقًا من اللون الأزرق الغامق، شعرها مربوط بخفة، ووجهها يحمل ملامح راحة وسكينة بعد يومٍ طويل من الزيارات العائلية.
كامل خرج في مكالمة عمل، والعائلة منشغلة في الطابق السفلي.
(تتناول فنجان قهوة وتبتسم بخفة وهي تنظر إلى البحر.)
ريما (بهمس):
"يا ريت الزمن يوقف هنا... أول مرة أحس بالأمان كده."
(يرن هاتفها فجأة على الطاولة. رقم مجهول. تتردد لحظة قبل أن ترد.)
ريما:
"ألو؟"
الصوت (غامض، رجولي، هادئ):
"أنتِ ريما الشرقاوي؟"
ريما (بصوت متحفظ):
"نعم، من معي؟"
الصوت:
"مش مهم تعرفي أنا مين... المهم تسمعي كويس اللي هقوله."
ريما (بقلق):
"اتفضل؟"
الصوت (ببرود خطير):
"أبوكِ مش البريء اللي انتي مصدقاه... أبوك هو اللي قتل المقدم رائد القاسمي... وهو اللي حرّض على خطف بنت زياد الزهراوي."
(تجمدت ملامحها، يتجمد الدم في عروقها، تتسع عيناها بذهول.)
ريما:
"إيه؟! إنت بتقول إيه؟! دي تهمة خطيرة! من أنت؟"
الصوت (هادئ، كأنه يبتسم):
"اسأليه بنفسك... لو عندك الجرأة."
(وتُغلق المكالمة.)
(ريما تبقى ممسكة بالهاتف، أنفاسها تتسارع، ويدها ترتجف. تضع الهاتف ببطء على الطاولة، وتجلس على الكرسي، تحدق في الأفق دون تركيز.)
ريما (بهمسٍ مخنوق):
"بابا؟... مستحيل... مستحيل تعمل كده..."
(تنهض فجأة، تمشي بخطوات مضطربة نحو الشرفة، الهواء يضرب شعرها، تتشبث بسورها المعدني بقوة.)
ريما (بصوتٍ منخفض متقطع):
"لو كان ده حقيقي... يبقى أنا كنت عايشة في كدبة... طول عمري بدافع عنه... بدافع عن قاتل؟!"
(تجلس على الأرض، ظهرها للحائط، تضع يديها على وجهها، والدموع تتساقط بصمت. تصدر أنفاسًا متقطعة وهي تحاول السيطرة على نفسها.)
ريما (بين دموعها):
"ليه دلوقتي؟ ليه وأنا بدأت أعيش حياة جديدة؟"
(تلتقط هاتفها من جديد، تفتح سجل المكالمات، تحدق في الرقم المجهول، ثم تغلقه. تتردد في الاتصال بوالدها… إصبعها يتوقف عند زر الاتصال ثم تتراجع.)
ريما (بهمس):
"لا... مش دلوقتي... لازم أعرف الحقيقة الأول... لازم أتأكد."
(تنهض ببطء، تمسح دموعها بمنديل، تنظر لنفسها في مرآة الزجاج.)
ريما (بحزم):
"أنا مش بنت ضعيفة... مش زي ما
هو فاكر... لو كان بابا فعلاً عامل كده، هكون أول واحدة تواجهه."
تأخذ نفسًا عميقًا، تغلق الهاتف، وتضعه في الدرج، ثم تفتح الستائر لتدع نسيم البحر يدخل الغرفة، كأنها تحاول تهدئة روحها المشتعلة
*******************
فيلا عاصم – ألمانيا
الساعة حوالي أربعة العصر
الدنيا برّه مغيمة، والتلج بينزل خفيف، والدفا مالي المكان رغم التوتر اللي مالي القعدة.
ليل قاعدة على الأريكة، حاطة رجل على رجل، ماسكة فنجان قهوة من غير ما تذوقه، وعنيها ثابتة على نار المدفأة كإنها بتفكر تولّع في الدنيا.
جنبها نيروز بترتب الورد على الترابيزة الإزاز، بتحاول تفك شوية التقل اللي في الجو،
وربـى قاعدة على الكرسي المتحرك عند الشباك، وِشّها هادي، بس عنيها بتأكل كل تفصيلة حوالينها بذكاء مخيف.
رامي واقف عند الباب، ماسك تليفونه، بيكتب بسرعة وبعدين يرفع راسه لهم بابتسامة هادية حذرة.
رامي (مبتسم بخفّه):
شكله عاصم وصل المطار خلاص… سليم وبيجاد على بعد نص ساعة وهيوصلوا.
ليل (ترفع حواجبها وتبص له ببرود):
سليم وبيجاد؟! أسماء جامدة، بس قولّي… دول أصحاب؟ ولا شركا في جرايمه؟
نيروز (تحاول تهزر بهدوء):
يا ليل بالله عليكي كفاية شك بقى 😅
دول صحابه من مصر… ناس محترمين جدًا على كلامه.
ليل (تضحك بسخرية):
محترمين؟ كلمة كبيرة لأصدقاء راجل زيه.
وبعدين جايين ليه؟ يشهدوا على جوازي بالغصب مثلًا؟
رامي (ياخد نفس ويحاول يهدّيها):
ليل… مش كل حاجة حرب. هو معاهم علشان الشغل اللي ناوي يعمله هنا… وكمان يمكن—
ليل (بتقطعه بسرعة وبحدة):
يمكن يصفقولّه وهو بيجبرني على حاجة أنا رافضاها؟!
نيروز (تلطف الجو وتقعد جنبها وتحط إيدها على كتفها):
اسمعي يا ليل… محدش هيقدر يغيّر جواك حاجة غصب. بس إهدي شوية، العصبية بتاكل فيكي.
ليل (تنظر لها بعينين مولّعين):
أنا مش عصبية…
أنا بس فهمت إن العجز مش في ربى… العجز فينا إحنا، سايبينه يعمل اللي هو عايزه من غير ما حد يفتح بقه.
نيروز (بصوت واطي):
يمكن السكوت ساعات بيحمي الناس اللي بنحبّهم.
ليل (ضحكة مكسورة وسخرية):
بيحميهم؟ ولا بيحولّهم عبيد عنده؟
رامي (يحاول يهدّي الجو):
ليل، بلاش كده… سليم وبيجاد مش أعدائك.
وبيجاد… ده محترم قوي على فكرة.
(ربـى أول ما تسمع الاسم عنيها تنور وتبتسم ابتسامة صغيرة مريبة)
رامي (يلتفت لها وهو بيبتسم بخفّه):
شايفة؟ حتى ربى فرحانة لما سمعت اسمه.
ليل (ترفع حاجبها وتسخر):
الله! حتى الصامتة ليها رأي.
وقولي… هو وسيم زي الباقي؟ ولا نسخة تانية من عاصم؟
نيروز (بتضحك):
بيقولوا عليه قلبه طيب قوي… مش زي عاصم خالص.
ليل (بهمس ساخر):
مافيش طيبين هنا… كله بيفوق ويطلع وشّه الحقيقي.
رامي (بهدوء وجدية):
بس ممكن الزيارة دي تبقى أول خطوة لنهاية اللعبة دي كلها.
(صمت… صوت الهوا برّه… صوت عربية توقف قدّام الفيلا)
نيروز (ابتسامة متوترة):
شكلهم وصلوا…
ليل (ببرود):
يلا… يبدأ العرض.
تحط الفنجان وتعدل قعدتها، شكلها متماسك بس جواها عاصفة غضب.
وربـى لسه مبتسمة بهدوء… كإنها عارفة اللي هيحصل ومبسوطة تشوفه.
******************
يدخل عاصم الأول بخطوات واثقة، وراه سليم القيصري ببدلته السودة ونظراته اللي تحسها تخترق الجدران، وبيجاد بوشّه الطيب وابتسامته الهادية.
رامي جري عليهم فرحان بجد:
رامي (بحماس):
يا سلام بقى! أخيرًا نورتوا يا ولاد الكلب 😂
(يحضر سليم بالأحضان وبعدين بيجاد)
بقالنا كتير ما جمعناش تحت سقف واحد يا رجالة!
سليم (بضحكة ودفئ):
وأخيرًا شفناك يا رامي… لسه نفس الوش اللي يضحك وقت البلاوي 😄
بيجاد (بيهزر بهدوء وهو يربت على كتفه):
وإنت دايمًا طيب القلب يا رامي… وحشتنا والله.
رامي (يبص لعاصم ويضحك):
أنا؟ ده هو رئيس الشياطين دلوقتي 😅
عاصم (يضحك بخفوت):
ماشي يا رامي… بس متبعدش عني عشان لما النار تولع متقولش ما لحقتش أجري.
(ضحك خفيف… وبعدين كل الأنظار تروح ناحية البنات:
ليل واقفة، مكمّشة دراعها في بعض وتبص ببرود ناري.
نيروز واقفة مكسوفة ومتوترة،
وربى بتلمع عينيها أول ما شافت بيجاد.)
عاصم (بهدوء رسمي):
خلّيني أعرّفكم…
دي ليل الزهراوي… والست اللي هتبقى مراتي.
(الجو يتجمّد. ليل وشّها يتعصب فجأة، وسليم وبيجاد يبصوا لبعض مستغربين.)
ليل (بحدة):
مراتك؟! إوعى تقولها تاني. مش هكون، ولا عمري هكون!
عاصم (هادئ ومتكبّر وهو يقرب منها):
قولي اللي إنتي عايزاه يا ليل… في الآخر القرار مش بإيدك.
ليل (بعينين مولّعين):
القرار بإيدي أنا! رجّعني أهلي مصر… وأنا هختفي من حياتك للأبد.
عاصم (بسخرية ناعمة):
بتحمي نفسك؟ من إيه بس؟
(يقرب منها ويهدي صوته)
أنا مش ناوي أخسرك.
(ليل تبص بعيد، نار بتغلي جواها. نيروز تتوتر أكتر.)
عاصم (يلتفت للجميع):
ودي… نيروز.
سليم، هي هتبقى مراتك.
نيروز (مصعوقة):
إيه؟! أنا… لا… أنا مش—
(تسكت، وشها يشحب. رامي يفهم فورًا إنها موجوعة… لأنها بتحب عاصم أصلاً.)
سليم (يحاول يهدي الجو):
بصراحة القرار مفاجئ… بس يا رب يكون خير.
عاصم (يرجع يبتسم بثقة):
وآخر قرار…
ربى. أختي الصغيرة…
بيجاد، هي أمانتك.
(يروح لعند ربى، يحنّي راسه عليها ويحط إيده على كتفها بحنية غريبة.)
عاصم (بنبرة شبه أبوية):
إنتِ تستاهلي راحة مش لاقيها في الدنيا… وبيجاد هيعرف يحافظ عليكي.
(ربى عنيها تتملي دموع، وتهز راسها بخجل وفرحة.
بيجاد يحس بقشعريرة وتأثر.)
ليل (بغضب مكبوت):
قرارات! كإننا كروت في إيدك!
(تنفجر)
إحنا بني آدمين يا عاصم مش لعبتك!
عاصم (ببرود):
كل ده علشان أحميكم.
بس واضح إن في ناس لسه مش فاهمة.
(ليل تكتم انفجار، نيروز تاخد خطوة ورا وهي على وشّها كسرة قلب.)
فجأة رامي يقطع الجو:
رامي (يعمل نفسه بيعيط):
آاه يا قلبي! يعني توزّع بنات على الناس وأنا آخر الصف؟! 😭
فين حقي يا عاصم؟ 😂
(الجو يفك، ضحكة خفيفة، حتى سليم وبيجاد يبتسموا.)
عاصم (بنظرة فيها لعب):
دورك جاي يا رامي…
بس شدّ نفسك، الليلة لسه طويلة.
ليل تبص فيهم كلهم كإنها محاصَرة،
ربى لسه مبتسمة بخجل،
نيروز تغرق في صمت
*******************
أوضة ليل – الدور اللي فوق في فيلا رامي، ألمانيا
الليل نازل تقيل، والهوا بيخبط في ستاير البلكونة البيضا.
الأوضة مليانة توتر ساكن… كإن الحيطان نفسها مكتّفة غيظ.
ليل واقفة قدّام المراية، إيديها بترتعش وهي بتمسح دموعها بعصبية.
على الترابيزة العطور والكتب مرميين… وفجأة تمسك إزازة عطر وترميها في الحيطة.
الإزاز اتكسر، والريحة المالية المكان فخمة بس فيها لسعة وجع وحرقة.
ليل (بتصرخ بغضب جامد):
يتجوزني غصب؟! هو فاكر نفسه مين؟! أنا مش ملكه… ولا لعبة في إيده!
(بتتنفس بسرعة، نفسها متقطع، تضرب المخدة بقبضتها الصغيرة، وبعدين تقع على الأرض وهي بتتكلم من بين دماوعها)
ليل (بصوت مكسور بس فيه نار):
والله… والله ما هسيبه… هيدفع التمن غالي!
(الباب بيفتح بهدوء، نيروز تدخل بخطا صغيرة مترددة، وشها شاحب وعنيها حمرا من العياط)
نيروز (بهمس):
ليل… كفاية بالله عليكي. كده هتتعبي نفسك.
ليل (بترفع راسها بسرعة):
إنتي شايفة اللي عمله فينا ده طبيعي يا نيروز؟! بيقرر مصيرنا كإننا عيال… ولا كإنه بيشتري شقة!
(بتقوم واقفة)
إنتي عايزة تسكتي؟ أنا مش هسكت… مش بعد اللي حصل!
(نيروز تقعد على طرف السرير، صوتها واطي وتعبان)
نيروز:
أنا… أنا ما استوعبتش الكلام لما قال إني هتجوز سليم.
(تغمض عنيها ودمعة تنزل)
كنت أتمنى لو قال اسمي… بس معاه هو، مش حد تاني…
(ليل تتجمد ثانية، وبعدين تقرب تقعد جنبها وتاخد كتفها بإيدها)
ليل (بنعومة غريبة):
إنتي بتحبيه، صح؟
(نيروز تهز راسها بخفوت والدمعة تنزل في صمت)
ليل (بحماس خافت):
طب اسمعي… نهرب! ناخد ربى ونمشي من هنا قبل الفجر… نروح أي حتة ونبدأ من جديد!
ألمانيا واسعة… محدش هيعرف يوصلنا!
(نيروز تبص لها بصدمة وتهز راسها بقوة)
نيروز (بحزم نادر):
لأ يا ليل!
الهروب مش حل… ده هيخليهم يجروا ورانا، وربى تتأذي.
أنا مش هخلي ربى تدفع تمن غضبنا!
(ليل تسكت شوية، ملامحها بين القهر والتفكير، وبعدين تقوم تبص من الشباك ع المطر)
ليل (بصوت هادي لكنه مجروح):
يعني هنفضل عايشين أسرى قراراتهم؟
كإننا ولا حاجة؟
(نيروز تقوم وتمد إيدها تمسح دموعها)
نيروز:
لأ… بس ساعات الصبر هو السلاح الوحيد.
(بتبتسم بحزن)
يمكن ربنا يغير المكتوب.
(ليل تبصلها، عنيها فيها ذكاء وشررة مكر، وتبتسم خفيف)
ليل (بهمس متزغلل مكر):
يمكن… بس أنا مش هستنى القدر.
أنا اللي هغيره.
(ترجع تبص للمراية، تبتسم ابتسامة صغيرة كلها تحدي)
ليل:
استعد يا عاصم… اللعب ابتدى.
(صمت… صوت المطر بيخبط ع الزجاج، ونيروز واقفة وراها، قلبها متلخبط بين الخوف والذهول)
**********************
أوضة رامي – الدور التاني في فيلته الهادية بألمانيا.
الدنيا برّه برد، والمطر شغال من المغرب، بس جو الأوضة دافي من المدفأة… دافي كده بطريقة فيها راحة وحزن في نفس الوقت.
رامي قاعد على الكنبة، ماسك فنجان قهوة نصّه فاضي.
نيروز تخبط على الباب بخفّة.
رامي (بهدوء):
ادخلي يا نيروز.
(تدخل ببطء، تبص حواليها وبعدين تقعد جنبه. ملامحها مرهقة، وعنّيها حمرا من العياط اللي بتحاول تخبّيه)
نيروز (بكسوف):
اخدتني من قدّام ليل كإنك زعلان مني يا رامي… في إيه؟
(يبتسم بهدوء ويحط الفنجان، يوجّه نظره ليها باهتمام كامل)
رامي:
مش زعلان يا نيروز… بس كان لازم أكلمك بعيد عن أي حد.
(تنزل بعنيها، كإنها فاهمة هو هيقول إيه. صوته ييجي ناعم بس ثابت)
رامي:
أنا عارف يا نيروز… عارف إنك بتحبي عاصم.
(هي تتجمّد، عنيها توسع بخجل وتوتر، تعض شفايفها)
نيروز (بهمس):
أنا… أنا ما قلتش كده…
رامي (بابتسامة حنون):
مش لازم تقولي. أنا أخوكي. بعرف نظرتك، بعرفك من وانتي صغيرة.
بس لازم تفهمي يا نيروز…
عاصم مش شايفك أكتر من أخته الصغيرة… زي ربى بالظبط.
(دمعة تنزل من غير ما تحس، صوتها متكسر)
نيروز:
عارفة… بس كنت بحلم… يمكن يتغير… يمكن—
رامي (بلطف يقطعها):
مفيش يمكن يا حبيبتي.
هو راجل تاني… دماغه مليانة حرب وانتقام وجروح لسه ما التأمتش.
ما تضيعّيش عمرك مستنيا كلمة منه.
(هي تتنفس بصعوبة، تمسح دموعها بسرعة، بس رامي يمسك إيدها برفق زي الأب)
رامي (بدفا):
أنا مش هسمح لحد يكسرك… لا هو ولا غيره.
وعشان كده… لما قلت إن سليم القيصري هيتقدملك، ما اعترضتش.
عشان عارفه… وعارف قلبه.
شاب كويس، محترم، شجاع… وهيخاف عليكي أكتر من نفسه.
(تبصله بدهشة حزينة)
نيروز:
سليم؟ بس أنا ماعرفوش كويس…
وكمان… أكيد بيحب حد تانية ولا—
رامي (مقاطع بابتسامة تطمّن):
لأ، ما بيحبش حد.
ويمكن مع الوقت يحبك… وإنتِ كمان تلاقي فيه اللي عمرك ما لقيتيه عند حد تاني.
بس لازم تديه فرصة… ما تحكميش قبل ما تشوفي.
(هي تسكت لحظة… وبعدين دموعها تنزل تاني وهي بتدفن وشها في إيديها)
نيروز (بصوت متهدّج):
أنا تعبت يا رامي… بعد بابا وماما، مافضلش غيرك.
كنت بخاف من كل حاجة… وانت كان وجودك بيطمنّي.
ما تتخيلش خوفي لو حصلك حاجة…
(رامي يسحبها بهدوء لحضنه، يمسح على شعرها بحنان)
رامي (بصوت عميق مليان حب):
يا بنتي الصغيرة…
أنا ممكن أروح في أي وقت. ده شغلي وده قدري.
بس عايز أبقى مطمن إنك مش لوحدك… إن حد هيخاف عليكي لما أنا مش أكون.
وسليم هيبقى سند… زيي بالظبط.
(ترفع راسها تحاول تبتسم وسط الدموع)
نيروز (بهمس ضعيف):
طيب… لو ده يريحك… أنا موافقة.
بس مش عشاني… عشانك.
بس لو زعلني… هتقوم من قبرك وتزعقله، صح؟
(يضحك بخفة)
رامي:
طبعًا!
ده لو فكّر يزعلك بس، هتلاقيني نازل له من السما بالعصاية!
(تضحك غصب عنها، تمسح دموعها، وتسنُد راسها على كتفه في هدوء)
رامي (بصوت واطي):
كل اللي بطلبه منك… عيشي يا نيروز.
ما تديش الحزن فرصة يسرق شبابك.
والحب؟ عمره ما بييجي من مكان واحد…
ساعات القدر بيبعته من باب ما نتوقعهوش.
*****************
في مصر العطّار – المساء – نسمة خفيفة تعبق برائحة اللافندر القادمة من الحديقة
صوت دراجة نارية يشقّ سكون الحيّ الراقي، تتوقف أمام بوابة الفيلا الأنيقة. يخلع زين العطّار خوذته، ينفخ خصلة من شعره البني التي التصقت بجبينه بسبب العرق، ثم يدخل بخفة شابٍ لا تفارقه خفة الدم رغم التعب.
زين (ينادي بصوت مرتفع وهو يضع سترته الجلدية على الأريكة):
يااااااااااه… البيت ريحته أكل! مستحيل تكون المدام نادين بنفسها في المطبخ، ولا أنا بحلم؟ 😏
صوت خفيف يخرج من المطبخ، مزيج بين ضحكة أنثوية ووقع أدوات الطهي.
تخرج نادين، في الأربعينات من عمرها، ملامحها قوية وناعمة في الوقت نفسه، ترتدي بنطال جينز وقميص أبيض بسيط، وشعرها مرفوع للأعلى. في يدها ملعقة خشب، وعلى وجهها ابتسامة لم يرها زين منذ أسابيع.
نادين (بابتسامة دافئة):
مش حلم يا بطل، أنا فعلاً رجعت بدري النهارده. حبيت أعمل لكم أكلة على مزاجي قبل ما يبرد البيت من غيري.
زين (يفتح ذراعيه كطفل):
مش مصدق! أمي نادين بنفسها في المطبخ؟ لازم أصور اللحظة دي وأعلقها في التاريخ! 😍
نادين (تضحك وتضع الملعقة على الطاولة):
تعال هنا بدل ما تصورني، تعالى خُد حضن من أمك اللي اشتاقت لك.
يركض نحوها بسرعة، يحتضنها بقوة، يدفن وجهه في عنقها كطفل صغير.
زين (بصوت مبحوح خفيف):
وحشتيني يا ماما… والله وحشتيني جدًا.
نادين (تربّت على شعره):
وأنت أكتر يا قلبي… ما تتصورش قد إيه الشغل قاتل، بس لما شفتك دلوقتي كل التعب راح.
زين (يبتعد عنها قليلًا وينظر إليها بعيون لامعة):
يعني النهارده هنأكل أكل بيتي مش طلب دليفري؟ يا سلام! أنا هعيّط من الفرحة. 😭😂
نادين (بضحكة):
مش للدرجة دي يا ممثل، بس فعلاً النهارده عاملالكوا كوسة محشي وشوربة عدس على الطريقة اللي بتحبها.
زين:
الله! ده أنا لازم أعمل حفلة استقبال ليك. بس فين بابا؟ كالعادة في الشغل؟
نادين (تنهد خفيف):
أيوه، آدم لسه في الميدان، عنده خيوط جديدة في قضية الزهراوي دي. شكله مش هيرجع قبل نص الليل.
يتنهد زين، ثم يجلس على الكرسي أمامها.
زين (بشيء من الجدية):
يا ماما… بابا بيضغط نفسه جامد أوي الأيام دي. وبصراحة… أنا مش مرتاح للقضية دي، كلها غموض.
نادين (تنظر له بحنان):
عارفة يا زين، بس دي شغلتنا… وإنت عارف إن آدم لما يمسك قضية ما بيسيبهاش إلا لما يطهرها من كل خطر.
زين (يحاول المزاح لتغيير الجو):
طيب وأنا بقى؟ مش المفروض تبطلي تتجسسي على المجرمين وتبدئي تتجسسي على ابني المسكين؟ 😜
نادين (تضحك):
أنت آخر واحد أقدر أتجسس عليه، واضح إنك مش بتخبي حاجة أصلًا.
زين (يرفع حاجبه):
أكيد! أنا كتاب مفتوح، مكتوب عليه بخط عريض "زين الجميل، ضحية النظام الغذائي الرديء وأم ضابط مخابرات خطيرة."
نادين (تهز رأسها مبتسمة):
لسانك ده هيودينا في داهية في يوم من الأيام.
زين (بحنان):
بس بجد… لما بدخل وألاقيكِ هنا، الدنيا بتبقى أمان أكتر. بحس إن البيت بيتنفس.
نادين (بصوت ناعم، تمسح على خده):
وأنا لما أشوفك، بحس إن كل اللي عملته في حياتي ليه معنى. أنت وسام على صدري يا زين.
زين (يمسك يدها):
أحبك يا أمي.
نادين:
وأنا أكتر يا حبيبي. يلا قوم غيّر هدومك قبل الأكل، وإياك تدخل المطبخ قبل ما أنده لك.
زين (وهو يمشي نحو الدرج بابتسامة):
أوامرك، سيدة العمليات الخاصة 😎… بس أوعي تنسي تزودي الشطة في العدس زي كل مرة!
نادين (تضحك من المطبخ):
الشطة اتضافت يا سي السيد، روح بقى قبل ما أرجعك للتدريب الميداني!
ينطلق زين إلى غرفته وهو يضحك، بينما نادين تنظر نحوه بنظرة أمٍ مفعمة بالفخر والخوف في الوقت نفسه — فهي تعلم أن الغد قد يحمل لهما مهمة جديدة… أو فراقًا جديدًا.
****************
في فيلا مازن الزهراوي – ضاحية راقية في أطراف القاهرة – الليل يلف المكان بهدوء ناعم
الهواء يمرّ برقة بين أغصان الياسمين التي تتدلّى على شرفة غرفة المعيشة الواسعة.
الأنوار خافتة، والجو مفعم بدفء منزلي ناعم، وصوت فيروز ينساب من مكبر الصوت بصوتٍ منخفض.
يجلس مازن الزهراوي على الأريكة الجلدية، مرتديًا قميصًا رماديًّا مفتوح الأزرار عند العنق، ينظر بشرود إلى صورة موضوعة على الطاولة — صورة تجمعه بشقيقته حور وزوجها زياد وفتاتهما الصغيرة ليل، في إحدى النزهات القديمة.
تدخل ملك، زوجته الجميلة، في الثلاثينات من عمرها، بشعرها الكستنائي المنسدل على كتفيها وابتسامة حزينة، تحمل كوبين من الشاي بالنعناع.
ملك (بصوت رقيق):
مازن… لسه بتبص على الصورة دي كل ليلة؟
مازن (يتنهد بعمق، دون أن يرفع عينيه):
مش قادر يا ملك… كل مرة أشوف ضحكتها الصغيرة كأنها بتندهلي… "خال مازن، شوفني شطور ازاي!"
كانت دايمًا تناديني كده، فاكرة؟
ملك (تجلس بجانبه وتضع الكوب أمامه):
فاكرة، طبعًا فاكرة… ليل كانت روح البيت، مفيش طفل في العيلة ما بيحبهاش.
مازن (بحزن):
عدّى تلات شهور يا ملك… ولا خبر. لا أثر، لا صوت، ولا حتى أمل.
زياد بيحاول يخبي يأسه، بس أنا حاسس بيه… بيعيش ميت كل يوم.
ملك (تمسك يده وتضغط عليها بحنان):
بس أنت عارف إن زياد مش من النوع اللي يستسلم. أكيد هيلاقيها، أكيد.
اللي اتخطف،
لازم يرجع يوم… مفيش ظلمة بتفضل للأبد.
مازن (ينظر إليها بعينين زجاجيتين):
بس لو تعرفي يا ملك… قد إيه بحس بالذنب.
أنا أخو حور التوأم، كنت دايمًا حاسس بيها، حتى لما تبعد.
ليه المرة دي ما حسّيتش؟ ليه ما قدرتش أحميهم؟
ملك (تمسح دمعة عن خده):
مازن… ما تظلمش نفسك.
اللي حصل خارج عن إرادتك وعن إرادة الكل.
الذنب مش ذنبك ولا ذنب زياد ولا ذنب حور.
الذنب ذنب اللي خطفها.
يصمت مازن قليلًا، ينظر إلى يديه ثم يقول بصوت مبحوح:
مازن:
حور كانت تقول دايمًا إن ليل "هتنور الدنيا"… يمكن فعلاً النور بيغيب شوية قبل ما يرجع أقوى.
في هذه اللحظة، يدخل أيان — طفلهم الصغير، بعمر الثلاث سنوات — حافي القدمين، يحمل دبدوبًا صغيرًا بين ذراعيه، ووجهه الصغير مبلل بالدموع.
ملك (بحنان وهي تفتح ذراعيها):
أيان! ليه لسه صاحي يا حبيبي؟ مش قولنا خلاص وقت النوم؟
أيان (بصوت مبحوح طفولي):
كنت بحلم بـ ليل يا ماما… كانت بتضحكلي… ليه ما بتيجي تلعب معايا؟ أنا وحشتني 😢
ينظر مازن وزوجته إلى بعضهما بصمت مؤلم، ثم يجلس الأب على ركبتيه ويفتح ذراعيه لطفله.
مازن (بصوت مكسور):
تعال يا بطل… ليل كمان وحشتنا كلنا. بس هي دلوقتي في مكان بعيد شوية، ويمكن تكون بتفكر فيك زي ما إنت بتفكر فيها.
أيان (يمسح دموعه بأنامله الصغيرة):
بس أنا عايزها تيجي دلوقتي… أقولها إني حفظت الأغنية اللي كانت بتغنيهالي.
ملك (تضمّه):
وهتقولها أول ما ترجع يا حبيبي، وعد مني.
بس دلوقتي لازم تنام، عشان لما تيجي تشوفك تبقى كبير وقوي زي بابا.
أيان (ينظر إلى مازن بعينين بريئتين):
بابا… لما نلاقي ليل، هتاخدني ألعب معاها تاني؟
مازن (يحاول التماسك، ويبتسم رغم الدموع):
أكيد يا أيان، أول حاجة هنعملها. أنا وإنت وليل هنروح البحر ونرسم على الرمل، زي زمان.
يبتسم الطفل بخفة، ثم يضع رأسه على صدر أبيه، يهمس بصوت نعسان:
أيان:
بحبك يا بابا… وبحب ليل كمان…
مازن (بهمس، وهو يمرر يده على شعره):
وأنا بحبك يا روح قلبي… وبوعدك إنها هترجع… هترجع لنا.
تحمل ملك الطفل بعد أن غفا، وتضعه في حجرها.
تلتفت نحو مازن الذي ما زال يحدق في صورة حور وليل، تقول له بصوت خافت مليء بالحب:
ملك:
تعال نعيش يا مازن… مش لازم نغرق في الوجع. ليل محتاجة نفضل أقوياء عشانها.
وصدقني… لما ترجّعها الأيام، هتلاقيها محتاجة ضحكتنا مش دموعنا.
**********************
في الشرقاوي – القاهرة – منتصف الليل
البيت غارق في صمتٍ ثقيل، يقطعه بين الحين والآخر صوت الريح وهي تضرب النوافذ.
ضوء خافت ينساب من غرفة المكتب في الطابق العلوي.
يجلس سليم الشرقاوي، الشاب ذو الملامح الهادئة والعينين الحزينتين، أمام المكتب الخشبي الكبير الذي كان دائمًا يجلس عليه والده مراد الشرقاوي.
على الطاولة صور عائلية قديمة — له مع والده وأخته ريما، ووالدته نرمين التي كانت دومًا تحاول أن تبدو قوية.
سليم يضع رأسه بين يديه، يتنفس بعمق كمن يخشى أن ينهار في أي لحظة.
يتردد قليلاً قبل أن يمد يده نحو هاتفه، يتفقد الساعة — الثانية عشرة والنصف بعد منتصف الليل.
ثم يهمس لنفسه:
سليم (بهمس متعب):
الجزائر فرق التوقيت فيها ساعتين… يمكن لسه صاحيّة.
يضغط على رقم "ريما ❤️" في قائمة الاتصال.
يضع الهاتف على أذنه، ينتظر قليلاً…
ثم يأتي صوتها الدافئ من بعيد، رغم المسافة:
ريما (بابتسامة يسمعها في نبرتها):
سليم! يا حبيبي، إنت بتكلّمني في نص الليل؟! في إيه؟
وحشتني يا أخي الصغير.
يتنفس سليم ببطء، يحاول أن يبتلع غصّته:
سليم (بصوت مبحوح):
وحشتيني أكتر يا ريما… والله.
معلش صحّيتك، بس… كنت محتاج أسمع صوتك شوية.
ريما (بحنان):
يا حبيبي، تقول إيه بس؟ إنت في أي وقت تتصل، حتى لو الفجر.
مالك يا سليم؟ في صوتك حاجة مكسورة كده…
يصمت لبرهة، يمرّر أصابعه في شعره بعصبية.
سليم:
مافيش حاجة محددة… بس حاسس إن الدنيا كلها متلخبطة.
عارفة الإحساس لما تكتشفي إن كل اللي كنتِ مصدقاه كان كذبة؟
ريما (بتعاطف قلق):
كلامك يخوّف يا سليم… حصل إيه؟ في حد ضايقك؟
سليم (بصوت منخفض):
لو كان الموضوع مجرد حد ضايقني، كان بسيط.
بس لما الشخص اللي ضايقك… يكون أكتر إنسان كنت بتحبه وبتحترمه في حياتك؟
ساعتها بتفقد نفسك، مش بس ثقتك في الناس.
ريما (بهدوء وقلق):
أنت بتتكلم عن بابا؟
حصل بينكم حاجة تاني؟
يتجمد للحظة…
ينظر إلى صورة والده على الجدار، تلك النظرة التي كانت دائمًا تمزج بين الإعجاب والخوف،
لكنها الآن تمتلئ بالمرارة.
سليم (يحاول التهرب):
هو مش شجار يا ريما… يمكن بس اختلاف.
يمكن بدأت أشوف حاجات كنت غافل عنها… حاجات وجعتني.
ريما (بلطف):
كلنا بنختلف مع أهلنا يا سليم.
بس بابا مهما كان، بيحبنا. يمكن عصبي أو متسلّط شوية، بس عمره ما كرهنا.
سليم (يضحك بمرارة خافتة):
الكره مش دايمًا في التصرفات يا ريما…
أحيانًا بيبقى في القرارات اللي بيخدها الإنسان… واللي بيدوس بيها على الكل.
ريما (بصوت متردد):
سليم… إنت بتخوفني.
لو في حاجة كبيرة، احكيلي، يمكن أقدر أساعد.
سليم (ينظر إلى النافذة، يحاول كتم دموعه):
لا… مش لازم تعرفي، يا ريما.
أنا مش عايز أشيلك الوجع اللي أنا شايله دلوقتي.
أنا بس… محتاج أفتكر إن لسه في حد طيب في العيلة دي،
حد ما تغيّرش.
يصمتان طويلاً.
من بعيد يُسمع صوت البحر من هاتف ريما في الجزائر،
وصوتها يأتي أكثر دفئًا هذه المرة:
ريما:
سليم، إنت دايمًا كنت القلب الأبيض بينا.
ما تسمحش لأي حاجة تغيّرك أو تلوثك.
حتى لو بابا أخطأ فيك، حتى لو الدنيا كلها خانتك،
افضل سليم اللي أنا أعرفه… الطيب، اللي دايمًا بيلمّ الناس حوالينه.
سليم (بصوت مكسور):
بحاول… والله بحاول.
بس في حاجات يا ريما… لما تعرفيها، بتكسر حاجة جواك ما بتتصلّحش.
ريما (بلطف):
طيب، اسمعني… مش عايزة منك وعد، بس عايزة منك صبر.
كل حاجة بتتغير، حتى الوجع.
بس لو فضلت لوحدك، الوجع هيكلك.
اتكلم مع ماما، أو تعالى هنا شوية، أنا وكامل نستضيفك، تغيّر جوك.
سليم (يبتسم رغم الحزن):
كامل طيب جدًا، وأنا فعلاً محتاج أهرب من كل ده شوية…
بس مش دلوقتي.
عندي حاجة لازم أخلصها الأول.
ريما (قلقة):
حاجة إيه؟
سليم (بهدوء غامض):
حاجة تتعلق بالعدل… وبالحقيقة.
يسود صمت طويل بينهما، فقط أنفاسهما تسمع من الطرفين.
ثم يهمس سليم بصوت حنون:
سليم:
بحبك يا ريما… خلي بالك من نفسك، ومن كامل.
وما تخافيش… أنا تمام. بس محتاج وقت.
ريما (بحنان):
وأنا بحبك يا سليم.
مهما حصل، تفضل أخويا الصغير اللي أنا فخورة بيه.
يغلق سليم الهاتف ببطء،
ينظر إلى صور والده مرة أخرى، ثم يهمس بصوت خافتٍ مليء بالألم:
سليم:
كنت دايمًا أقول إني عايز أكون زيّك يا بابا…
بس النهارده، نفسي أكون أي حد غيرك.
يسند رأسه إلى الحائط، يغلق عينيه،
وتسقط دمعة ثقيلة على خده…
*********************
في فيلا عائلة "كامل بن رامي" – الجزائر – منتصف الليل
هدوء ثقيل يخيّم على المكان.
ضوء خافت من المصباح الجانبي ينعكس على الجدران ذات اللون الدافئ، فيما تُسمع من بعيد أصوات أمواج البحر تضرب الصخور القريبة من الفيلا.
ريما الشرقاوي تجلس على طرف السرير، شعرها الطويل منسدل بإهمال فوق كتفيها، عيناها متورمتان من البكاء.
الهاتف ما زال على الطاولة أمامها، والمكالمتان — الصباحية من المجهول والليلية من سليم — تدوران في رأسها كدوامة لا تنتهي.
تضع يدها على صدرها كأنها تحاول تهدئة نبضات قلبها التي تتسارع كلما تذكّرت الكلمات التي سمعتها صباحًا:
> "والدك هو من قتل رائد القاسمي، وهو سبب اختطاف ليل الزهراوي."
تتنفس بعمق، ثم تنهض وتبدأ بالسير في الغرفة ذهابًا وإيابًا، كأنها سجينة بين جدران أفكارها.
ريما (بصوت متهدّج تخاطب نفسها):
لا… مستحيل، مستحيل يكون بابا قاتل…
بس سليم، سليم كان بيحاول يقولّي حاجة… وكنت حاسة إنه بيتعذب.
يا رب، هو المجهول كان صادق؟ ولا دي لعبة قذرة جديدة؟
تجلس مجددًا، تسند رأسها بين كفيها.
دموعها تسيل بصمت ثقيل، كأنها تحاول ألا يسمعها أحد.
ريما (بهمس مخنوق):
أنا اتربّيت على إن بابا هو المثل الأعلى، الشجاع، اللي الكل بيحترمه…
إزاي؟ إزاي أقدر أصدق إن ورا كل دا جريمة؟
ولو دا طلع حقيقي…
إزاي هبصّ في وش كامل بعد كده؟
تلتفت نحو مرآة الغرفة، تنظر إلى انعكاس وجهها الشاحب:
ريما:
كامل…
لو عرف إن أبويا قاتل…
هيبصّ لي إزاي؟
هيشوفني بنت خائن؟
ولا هيفتكر إن الدم ده هيمشي في عروقي زي ما مشى في دم والدي؟
تمسك بالمنديل تمسح دموعها سريعًا، لكن الدموع لا تتوقف.
تسير نحو الشرفة، تفتح الباب ببطء.
الهواء البارد يدخل، يلفّها كأن الطبيعة نفسها تحاول تهدئتها.
تنظر إلى السماء المليئة بالنجوم وتهمس بصوتٍ مرتجف:
ريما:
يا رب، أنا تايهة…
أنا بين نارين، بين حبّي لوالدي اللي ربيّاني،
وبين الحق اللي بيصرخ جوايا.
أنا لو سكت، هبقى شريكة في ذنبه.
ولو اتكلمت، هدمّر عيلتي كلها…
تغلق عينيها، وصوت كامل يأتي من بعيد من الطابق السفلي:
> “ريما؟ حبيبتي، نايمة؟”
تتجمد للحظة، تمسح دموعها بسرعة وتتنفس بعمق لتُخفي اضطرابها، ثم تردّ بصوت مرتجف لكنها تحاول جعله طبيعيًا:
ريما:
آه… آه، حبيبي، كنت بتأمل المنظر بس… جايه أنام حالًا.
كامل (من بعيد):
طيب، ما تتأخريش، شكلك تعبان النهارده.
تغلق الشرفة وتعود إلى السرير ببطء،
تجلس وتهمس وهي تنظر إلى صورة زفافهما الموضوعة بجانب السرير:
ريما:
كامل…
لو عرفت الحقيقة، هل هتفضل تحبني زي ما بتحبني دلوقتي؟
ولا هتشوف فيا مجرد ظل لاسم الشرقاوي اللي دنسه والدي؟
تأخذ الصورة بين يديها وتضمها إلى صدرها بقوة،
ثم تغمض عينيها لتكتم شهقة بكاء، وهمسها يخرج مكسورًا:
ريما:
أنا مش قادرة أكره بابا…
بس كمان مش قادرة أسامحه.
إزاي يظلم ناس بريئة؟ إزاي يقتل ويمشي بينا كأنه ملاك؟
تتساقط دموعها على الصورة.
ثم تهمس وهي تنظر نحو الباب المغلق:
ريما:
أنا مش هتكلم دلوقتي…
بس لو اتأكدت أكتر،
هواجهه… حتى لو خسرته،
حتى لو خُسرت كل حاجة.
تغلق الأنوار، تتمدد على السرير،
لكن النوم يأبى أن يقترب منها.
وفي الظلام، يلمع الهاتف على الطاولة برسالة جديدة من رقم مجهول:
> “العد التنازلي بدأ يا ريما… جهزي نفسك للحقيقة كلها.”
*********************
فيلا الزهراوي – القاهرة
الليل بينزل بهدوء على الفيلا الكبيرة، نور دافي طالع من الشباك، وريحت الأكل البيتي ماليه المكان.
صوت المعالق على الطبق وكلام خفيف، جو أسرة صغيرة: أدهم، جميلة، رؤى بنتهم الجامعية، وكارم الصغير اللي مش قادر يقعد ثابت دقيقة.
الدنيا هادية… لحد ما رؤى قطعت الصمت بنبرة فيها قلق.
رؤى (بحذر):
بابا… ماما… سليم كان غريب أوي النهارده في الجامعة… ما ضحكش ولا اتكلم تقريبًا.
سألته مالك، قال "كل حاجة تمام" وغيّر الموضوع بسرعة…
بس شكله… لأ، مش طبيعي. كإنه موجوع.
أدهم وجميلة يبصّوا لبعض نظرة تعرف كل حاجة من غير كلام.
جميلة (بتتنهد):
يمكن تعبان يا حبيبتي… يمكن ضغط دراسة ولا حاجة بسيطة.
رؤى (تهز راسها):
لأ، مش دراسة. أنا عارفة سليم… مهما ضغطوه مش بيكسر كده.
في حاجة كبيرة… ومش راضي يقول.
جميلة تبص لبنتها كويس… تلمح اللمعة في عنيها، وتبتسم بنعومة.
جميلة:
واضح إنك بقيتي مهتمة بيه زيادة شوية يا رؤى.
وش رؤى يحمر فورًا وتبص في الطبق.
رؤى:
مامااا… لأ، بس هو صاحبي. ووجعني أشوفه كده.
أدهم (بهدوء ووقار):
سليم ولد محترم، ومهما اللي مزعّله، أكيد هيعدّي.
يمكن عرف حاجة وجعته… الدنيا مليانة صدمات يا بنتي.
المهم الواحد يفضل واقف.
(يقطع عيش بعصبية خفيفة)
أدهم:
وفي صدمات لازم تفتح عينينا على ناس كنا فاكرينهم ملايكة…
جميلة تبصله بنظرة فاهمة وحزينة.
كارم (بطفولة وهو يلعب في المعالق):
بابااا، ليل هترجع إمتى؟ ليه ما بتيجيش زي زمان؟
أنا وحشتني! كانت تخلّيني أركب على كتافهااا!
الكل يسكت لحظة.
جميلة تبتسم بصعوبة.
جميلة (بدلع):
ليل مسافرة يا حبيبي، بس هترجع قريب إن شاء الله.
كارم (بعناد):
بس أنا عايزها دلوقتي! تيجي تتعشى معانا!
أدهم يضحك ويمسح على شعره.
أدهم:
لو كانت سامعاك، كانت رجعت طيران.
دي بتحبك جدًا… فاكر؟
كارم:
أيوة! كانت بتقولّي: "كارم الشجاع!"
جميلة تبص لأدهم وتهمس بصوت واطي:
جميلة:
حتى العيال وحشتهم يا أدهم… غيابها ملي البيت كله فاضي.
أدهم (صوته مكسور شوية):
عارف… والله عارف.
بس كل حاجة بتمنها يا جميلة…
لازم نستحمل.
هترجع لما نكشف الخاين اللي دمّر ناس كتير.
جميلة إيدها ترجف، تمسك إيده بهدوء.
جميلة:
أنا واثقة فيك… وهترجعها لينا زي ما وعدت.
رؤى تبتسم وهي شايفاهم، حتى لو مش فاهمة كل حاجة.
تبص للشباك… للسماء… وتهمس:
رؤى:
يا رب تكون ليل بخير… وتحس قد إيه كلنا بنحبها ومشتاقين لها.
يسود صمت دافي…
صمت حب… وخوف… وأمل.
أب عارف الحقيقة وبيحاربها…
أم قلبها بيرتعش من اللي جاي…
بنت قلبها لسه بيكتشف مشاعره…
وطفل مش فاهم غير إنه وحش ليل.
*☆يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع☆☆*
الفصل الثالث عشر من هنا