رواية ظل القسم الفصل الرابع عشر 14 بقلم آية محمود


رواية ظل القسم الفصل الرابع عشر 14 بقلم آية محمود


شارع جانبي بعيد عن الورشة.
الإضاءة ضعيفة… وصوت عربيات قليلة بتعدّي من بعيد.
قسم واقفة جنب سور قديم، نفسها لسه عالي.
إيديها بترتعش رعشة خفيفة… مش خوف… أدرينالين لسه ما نزلش.
هو واقف قدامها، بيراقب الشارع الأول… بعدين بصلها.
— إنتِ كويسة؟
قسم ردت بسرعة:
— أيوة
هو اتنفس ببطء.
سكتوا لحظة.
صوت صفارة عربية إسعاف بعيد… كأن المدينة كلها عرفت إن في حاجة حصلت.
قسم رفعت عينيها له.
— كانوا جايين يموتونا.
— أيوه.
— وده معناه إن الحاج فقد صبره.
هو هز راسه.
— لأ… ده معناه إنه بيختبر رد فعلنا.
قسم ضحكت ضحكة قصيرة متعبة.
— كنت عارف إنهم ورايا.
هو سكت.
قسم قربت خطوة.
— كنت عارف… صح؟
بصلها مباشرة.
— كنت شاكك.
— وسكت.
— لو قلتلك، كنتي هتيجي برضه.
الصمت بينهم اتقل.
قسم بصت له بحدة.
— بطل تقرر عني.
هو رد بهدوء:
— وأنا أبطل أحميكي؟
الكلمة خرجت واضحة.
قسم قلبها اتحرك.
— أنا مش محتاجة حارس.
هو قرب خطوة… المسافة بينهم بقت صغيرة.
— وأنا مش بعمل ده عشان أكون حارس.
سكت لحظة.
— بعمله عشان لو حصلك حاجة… أنا اللي مش هقدر أكمل.
قسم عينيها لمعت… بس حاولت تخفي ده.
— ليه كل ده؟
هو بص بعيد لحظة… كأنه بيجمع شجاعة.
— عشان من أول يوم شوفتك فيه…
كنتِ ماشية في النار لوحدك…
ومفيش حد كان واقف جنبك.
رجع بص لها.
— وأنا قررت ما تفضليش لوحدك.
الهواء بينهم اتغير.
قسم همست:
— ده اختيارك.
— أيوه.
— وممكن يدمرك.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
— يمكن.
سكتوا.
بعدين قسم قالت ببطء:
— الحاج مش هيسكت.
— عارف.
— هيحاول يوقعنا في بعض.
عينه ثبتت فيها.
— وهينجح لو إحنا شكّينا.
الجملة دي وقفتها.
قسم بصت له بثبات.
— إنت خبيت عني حاجات.
— عشان أحميكي.
— وده يخليّني أشك.
صمت لحظة.
هو قال بهدوء:
— طيب خلينا نتفق… من النهارده مفيش أسرار.
قسم فكرت ثواني.
— لو اكتشفت إنك كدبت عليّ؟
هو رد من غير تردد:
— تمشي.
الجو بينهم كان مشحون…
مش بس خوف من الحاج…
خوف من إن الثقة نفسها تبقى سلاح ضدهم.
قسم أخدت نفس عميق.
— خلاص… هنمشي سوا.
هو سأل بهدوء:
— سوا في إيه؟
قسم ردت وعينيها فيها نار:
— نخلص اللعبة قبل ما تخلص علينا.
هو ابتسم ابتسامة خفيفة…
المرة دي فيها احترام.
— دي أخطر جملة قلتيها النهارده.
قسم بدأت تمشي.
هو مشي جنبها.

♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
ليل.
باب الأسانسير يفتح…
قسم طالعة الدور بخطوات تقيلة، دماغها مليانة كلامه وذكريات بتحاول تطردها.
توصل قدام أوضتها.
تطلع الكارت… تحطّه في الباب…
الباب يفتح.
وتتجمد.
تالا واقفة جوه.
واقفـة عند السرير… وإيدها ماسكة شنطة صغيرة… وابنها قاعد جنبها، باصص لقسم بعيون محتارة.
الصمت نزل تقيل.
قسم دخلت خطوة ببطء.
— إنتِ بتعملي إيه هنا؟
تالا بصتلها بنظرة جامدة.
— جاية آخد ابني.
الجملة نزلت زي صفعة.
قسم ضحكت ضحكة مش مصدقة.
— ابنك؟
تالا قربت خطوة.
— أيوه… ابني. وأنا أمه.
قسم اتحركت بسرعة قدام الولد، وقفت قدامه كأنها بتحميه.
— افتكرتي إنك أمه دلوقتي؟
تالا صوتها بدأ يعلى.
— أنا سيبته غصب عني!
— غصب عنك؟!
قسم قربت منها.
— غصب عنك تسيبيه يعيط كل ليلة؟
غصب عنك يكبر وهو فاكر إن أمه ما صدقت تخلص منه؟
الولد بدأ يبص بينهم بخوف.
تالا عينيها لمعت.
— إنتِ ما تعرفيش أنا مريت بإيه.
قسم ردت بقسوة:
— وأنا ما يهمنيش.
اللي يهمني إنك سيبتي كل حاجة و أخترتي نفسك. 
تالا صرخت:
— ده ابني!
قسم صرخت قدامها:
— وهو ابني أنا كمان!
الصمت قطع الجو.
الجملة خرجت منها من غير تفكير…
لكنها كانت حقيقية.
تالا قربت، صوتها بقى أهدى بس أخطر.
— إنتِ بتعوضي حاجة جواكي بيه.
قسم وشها اتشد.
— وأنا مش هسمحلك تاخديه عشان تعوضي ذنبك.
تالا مدت إيدها ناحية الولد.
قسم مسكت إيدها بعنف.
— ما تلمسيهوش.
التوتر انفجر.
تالا زقتها.
قسم رجعتها أقوى.
الشنطة وقعت على الأرض.
الولد بدأ يعيط.
تالا بصوت مكسور:
— من حقي آخده.
قسم عينيها بقت مليانة دموع وغضب.
— الحق مش بس دم.
الحق وجود.
تالا همست:
— هو محتاج أمه.
قسم ردت بسرعة:
— هو محتاج أمان.
وانتي كنتِ الخطر.
الجملة وجعت.
تالا اتجمدت لحظة… بعدين قالت:
— القانون معايا.
قسم ابتسمت ابتسامة خطيرة.
— جربي.
سكتوا.
الولد مسك هدوم قسم بخوف.
الحركة دي خلّت تالا تبص له…
وشافت إنه مستخبي فيها.
مش فيها هي.
اللحظة دي كانت أقسى من أي كلمة.
تالا رفعت شنطتها ببطء.
— المعركة دي ما خلصتش.
قسم ردت ببرود:
— أنا مستعدة.
تالا خرجت…
والباب اتقفل.
أول ما الباب اتقفل…
قسم نزلت على ركبتها، حضنت الولد بقوة.
إيدها كانت بتترعش.
مش من الخناقة…
من الخوف.
الخوف إنه فعلًا ييجي يوم ويتاخد منها.

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

فيلا الحاج
ليل تقيل.
المكتب واسع… إضاءة صفراء خافتة… سيجارته مولعة بين صوابعه.
الباب يفتح بسرعة.
تالا داخلة بعصبية، ملامحها متكسّرة بين غضب وغيرة ووجع.
الحاج ما بيرفعش عينه من الملف اللي قدامه.
— اتفضلي.
تالا صوتها مهزوز:
— أنا عايزة حقي.
الحاج يبتسم ابتسامة خفيفة من غير ما يبص لها.
— حق مين؟
— ابني.
يرفع عينه أخيرًا… نظرة باردة تقيسها.
— وابنك مع مين دلوقتي؟
— مع قسم.
اسمها يتقال… والسيجارة تتوقف لحظة في الهوا.
الحاج يسند ضهره على الكرسي.
— وإنتِ فاكرة إني هسيبك تخسري قدامها؟
تالا تقرب.
— أنا عايزة تاخده منها… بأي طريقة.
الحاج يضحك ضحكة قصيرة.
— أي طريقة دي بتتعمل بوقت مناسب.
تالا بنفاد صبر:
— يعني إيه؟
الحاج يقوم ببطء… يمشي ناحيتها.
— يعني مش دلوقتي.
— ليه؟
صوته بقى أهدى… أخطر.
— عشان في حاجات أهم.
يقف قدامها.
— المشروع لازم يخلص.
والأوراق تتمضي.
والناس تتربط معايا رسمي.
وقتها…
يبقى محدش يعرف يلمسني.
تالا تبصله بعدم فهم كامل.
— ومال ده بابني؟
الحاج يبتسم.
— كل حاجة ليها توقيت.
يقرب أكتر… صوته ينخفض.
— لما المشروع يكمل…
وفهد يدخل السجن…
وقسم تبقى لوحدها…
ساعتها ناخد منها كل حاجة.
الكلمة تقطع الهوا.
تالا تهمس:
— كل حاجة؟
الحاج عينه تلمع.
— الولد…
وكرامتها…
وحتى صورتها قدام نفسها.
صمت.
تالا تتردد لحظة.
— إنت مش بتعمل ده عشاني.
الحاج يضحك ضحكة خفيفة.
— أنا بعمله عشاني.
يرجع يقعد على كرسيه.
— قسم لازم تتعلم إن اللي يقف قدامي… يخسر.
تالا تحاول تمسك أعصابها.
— وأنا أعمل إيه لحد ما ييجي الوقت ده؟
الحاج يرد بهدوء:
— تقربي منها.
— إزاي يعني؟!
— تصالحي.
اتكلمي.
ادخلي حياتها من جديد.
نظرة خبث تعدي في عينه.
— خليها تطمنلك.
تالا تفهم اللعبة.
— وبعدين؟
الحاج ينفخ دخان السيجارة.
— وبعدين… نسحب الأرض من تحتها.
صمت طويل.
تالا تمشي ناحية الباب… قبل ما تخرج تسأله:
— لو فهد ما دخلش السجن؟
الحاج يبتسم ابتسامة واثقة.
— هيدخل.
تخرج.
الباب يتقفل.
الكاميرا تفضل على الحاج لوحده.
يميل لقدام… عينه بتلمع بحقد.
يهمس لنفسه:
— إنتِ فاكرة إنك قوية يا قسم…
بس القوة الحقيقية إن أستنى اللحظة الصح…
وأكسرِك مرة واحدة.
السيجارة تنطفئ في الطفاية بعنف.
الخطة بدأت.

••••••••••••••••••
عند قسم

قسم قاعدة في أوضة الفندق، قدامها لابتوب.
وشها هادي… بس عينيها مش طبيعية.
جنبها فلاشة صغيرة.
تضغط زرار تشغيل.
صوت واضح يطلع من التسجيل:
أحد رؤساء الشركات: — نغيّر المواصفات… المهم نوقع فهد في المصيبة.
واحد تاني يضحك: — وهو هيتسجن باسم المشروع… واحنا نخرج منها زي الشعرة من العجين.
قسم تقفل التسجيل.
تبص قدامها لحظة…
مش انتقام… ده قرار.
تمسك الموبايل.
— ألو… أنا معايا تسجيلات رسمية تثبت توريد مواد فاسدة في مشروع *****…
آه… ومعايا تحويلات مالية وتزوير عقود.
لا… مش هذكر اسمي.
تقفل.
تتنفس ببطء.
— خلصت.

ثم تنظر أمامها بشرود 
تفتكر اللي حصل بعد ما اتفقت هي و الشاب ده على إنهم هيكونوا إيد واحدة 

فلاش باك. 

قسم كانت ماشية قدامه بخطوات سريعة، باين عليها إنها عايزة تنهي الكلام.
هو ناداها:
— قسم… استني.
ما وقفتش.
— إحنا خلصنا اللي كان لازم يتقال.
— لأ… لسه في حاجة.
وقفت فجأة… بس من غير ما تبص له.
— لو هتقولّي إنك بتحميني تاني، وفر كلامك.
هو اتنفس ببطء.
— مش ده.
سكت لحظة… وبعدين قال بنبرة أهدى:
— إنتِ فعلًا مش فاكراني؟
السؤال خلّاها تتجمد ثانية.
لفّت له ببطء… ملامحها ثابتة.
— أفتكرك منين؟
هو قرب خطوة… صوته بقى أعمق.
— من زمان قوي…
من قبل ما الدنيا تبقى كده.
من الشارع اللي كان فيه شجرة التوت الكبيرة…
والبيت اللي كان بابه أخضر.
رمشة سريعة عدّت على عينيها.
بس وشها ما اتغيرش.
— معرفش بتتكلم عن إيه.
هو ابتسم ابتسامة صغيرة فيها وجع.
— كنتِ دايمًا بتجري أسرع مني…
ولما كنتِ تقعي، كنتِ تقولي "أنا كويسة" حتى وإنتِ بتنزفي.
الجملة دي ضربتها.
نفس الجملة اللي قالتها من شوية.
قسم شدّت نفسها.
— تشابه مش أكتر.
هو قرب أكتر… المسافة بينهم بقت نفس مسافة الاعتراف.
— كنتِ بتكرهي الضلمة.
ولما النور كان يقطع… كنتِ تفضلي قاعدة على السلم لحد ما حد ييجي يقعد جنبك.
عينها اتحركت… للحظة بس.
هو همس:
— وأنا كنت بقعد.
الصمت بينهم كان تقيل.
قسم رفعت دقنها.
— لو فاكر إنك هتلعب على الذكريات عشان أثق فيك، يبقى إنت لسه ما فهمتنيش.
الكلمة جرحته… بس هو ما رجعش.
— أنا مش بلعب.
أنا بحاول أفكرك إنك مش لوحدك من زمان.
قسم ضحكت ضحكة قصيرة باردة.
— أنا طول عمري لوحدي.
— لأ.
— أيوه.
الصوتين خبطوا في بعض.
هو قال أخيرًا:
— اسمي زمان كان أول اسم بتناديه لما تخافي.
سكت لحظة.
— قولي إنك مش فاكرة…
بس ما تقوليليش إنك ما حسيتيش.
الجملة دي خلتها تبلع ريقها.
قسم بصت له مباشرة… نظرة مليانة حاجة مش واضحة… خوف؟ وجع؟ ذكريات بتخبط الباب؟
لكنها اختارت القسوة.
— الذكريات دي ماتت.
وعدّت من جنبه.
هو لف وراها:
— قسم!
وقفت لحظة… من غير ما تبص.
هو قال بصوت أخفض:
— حتى لو إنتِ قررتِ تنسيني…
أنا عمري ما نسيتك.
سكتت ثواني.
ثواني طويلة.
كان ممكن تلف…
كان ممكن تسأله اسمه القديم…
كان ممكن تعترف إنها فعلًا افتكرت.
لكنها مشيت.
خطواتها كانت ثابتة…
بس إيديها كانت مضمومة بقوة.
هو واقف مكانه… بيبصلها وهي بتبعد.
نور العمود بيغطي نص وشه…
والنص التاني في ضلمة.
همس لنفسه:
— لسه فاكرة… بس خايفة تعترف.
وهي بعيد… أول ما اختفى عن نظرها…
وقفت.
غمضت عينيها لحظة.
وشجرة التوت عدّت قدامها في ومضة سريعة.
فتحت عينيها بسرعة… وكملت مشي.

عودة للوقت الحالي. 

ابتسامة صغيرة ظهرت على شفايفها و هي بتفتكر ذكريات طفولتهم 
نعم تتذكره 
و كيف لا تتذكره و هو صديق طفولتها 
نعم عرفته من أول مرة شافته عند المقابر. 

همست لنفسها و مازالت الإبتسامة على وجهها 
ـــ فاكراك و عمري ما نسيتك يا صديق طفولتي. 

قامت وقفت 
و راحت على السرير طلعت عليه و حضنت الصغير و غفت في ثبات عميق

(اللي مش عارف او نسي الولد ده يبقا أدهم ابن يامن و تالا تمام 👌) 

♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡

الصبح بدري…
موقع البناء ضخم… لافتة كبيرة مكتوب عليها اسم المشروع.
رافعات شغالة.
عمال بتجري.
شاحنات إسمنت بتدخل وتخرج.
أصحاب الشركات واقفين في بدلات رسمية، بيضحكوا ويتصافحوا قدام الكاميرات.
فهد واقف بعيد شوية، بيراقب الشغل بعين خبيرة.
يحني على كومة إسمنت… يمسك حفنة في إيده…
ملمسها غريب.
يبص للمهندس اللي جنبه:
— الإسمنت ده اتحلل إمتى؟
المهندس يتلخبط: — من المخزن الجديد… الشركة الموردة بعتته امبارح.
فهد عينه تضيق.
— امبارح بس؟!
إزاي الكمية دي كلها توصل في يوم واحد؟
قبل ما يكمل…
صوت عربيات كتير بتدخل فجأة.
فرامل قوية.
عساكر بتنزل بسرعة.
ضابط بصوت عالي: — وقفوا الشغل فورًا!
الكل يتجمد.
أصحاب الشركات يحاولوا يفهموا:
— في إيه يا باشا؟!
الضابط يطلع أوراق:
— أمر ضبط وإحضار لكل من يثبت تورطه في توريد مواد بناء فاسدة تهدد الأمن العام.
صمت.
واحد من أصحاب الشركة يحاول يضحك:
— ده سوء تفاهم أكيد.
في اللحظة دي، لجنة فحص حكومية تمسك عينات قدام الكل.
خبير يقول بوضوح:
— الإسمنت ده غير مطابق للمواصفات…
والحديد نسبة الكربون فيه أقل من المسموح.
همهمة عالية.
الضابط يشاور للعساكر:
— اقبضوا عليهم.
العساكر تمسك أصحاب الشركات واحد واحد.
صراخ.
— دي مؤامرة!
— مش احنا المسؤولين!
— في حد لعب في الأوراق!
فهد واقف ثابت. 
واحد منهم يبص لفهد بصدمة:
— إنت بلغت عننا؟!
فهد يرفع حاجبه بهدوء: — أبلغ عنكم؟ ليه؟
أنا أكتر واحد هيتضرر.
الضابط يبص لفهد: — اسمك مش ضمن أوامر الضبط.
واحد من المدرين ينهار: — ده كان عارف! ده جزء من الخطة!
الضابط يرد: — التسجيلات ما جابتش اسمه.
فهد ينزل عينه للحظة…
هو عارف.
عارف مين اللي بلغت.
بس سايب المشهد يكمل.
العساكر تاخدهم كلهم.
الكاميرات تصور.
الموقع يفضى.
فهد يفضل واقف لوحده.
يبص في الفراغ… ويتمتم:
— حركة حلوة يا قسم…

٪٪٪٪٪٪٪٪٪٪٪٪٪٪٪٪٪٪٪٪٪٪٪٪

عند الحاج. 

فيلا الحاج / بعد إذاعة الخبر
المكتب غارق في إضاءة خافتة.
تلفزيون كبير شغال قدامه.
المذيع بصوت رسمي:
— تم القبض على عدد من رؤساء الشركات المتورطين في توريد مواد فاسدة… بينما لم يثبت تورط مدير المشروع، فهد ****، حتى الآن.
الصمت.
المسبحة واقفة بين صوابع الحاج.
عينه ثابتة على الشاشة.
المذيع يكمل:
— التحقيقات تشير إلى أن البلاغ جاء من مصدر مجهول مدعوم بتسجيلات صوتية وتحويلات مالية موثقة.
الكلمة دي تحديدًا…
تخليه يضغط على المسبحة لحد ما الخيط يشد.
التلفزيون يتقفل فجأة.
صوت الجهاز وهو بيطفي… هو الصوت الوحيد في الأوضة.
واحد من رجاله واقف بعيد:
— شكلها لعبة داخلية يا حاج.
الحاج ما يردش.
يمشي ببطء ناحية الشباك.
إيده ورا ضهره.
صوته يطلع هادي… زيادة عن اللزوم:
— مين اللي يقدر يوصل للتسجيلات دي؟
الراجل يتردد:
— ممكن… قسم.
الاسم يتقال.
الحاج يلف ببطء.
العينين المرة دي مش باردة.
فيهم نار.
— يعني البنت فاكرة إنها أذكى مني؟
الراجل يحاول يهدي:
— يمكن كانت بتضرب فهد مش حضرتك.
الحاج يضحك ضحكة قصيرة… غاضبة.
— الغبي بس هو اللي يفتكر إن فهد يتحط في السجن من غير ما أسمح بده.
يقرب من المكتب… يخبط إيده عليه فجأة.
الصوت يدوي في الأوضة.
— أنا اللي كنت هوديه هناك… مش هي!
نفسه يعلى لأول مرة.
— هي استعجلت.
يسكت لحظة.
يفكر.
وبعدين صوته يرجع هادي… بس أخطر:
— خليها تفرح.
الراجل يستغرب:
— يعني؟
الحاج يقعد ببطء على كرسيه.
— لما الواحد يفتكر إنه كسب… بيكشف ضهره.
عينه تضيق.
— فهد خرج نظيف… وده معناه إنه كان عارف.
يسند دقنه على إيده.
— يبقى دلوقتي الاتنين عارفين إن التاني بيخونه.
الراجل يهمس:
— وده كويس لينا.
الحاج يبتسم ابتسامة باردة جدًا.
— لأ.
— ليه؟
— لأن لما اتنين يبقوا أذكى من اللازم…
ممكن يتفقوا عليّ.
الصمت ينزل تقيل.
الحاج يقوم فجأة.
يمشي ناحية طاولة صغيرة… يفتح درج… يطلع ملف قديم.
يحطه قدامه.
على الغلاف… صورة قديمة لقسم وهي صغيرة.
الحاج يمرر صباعه على الصورة.
— كنتِ لعبة سهلة…
يقفل الملف بعنف.
— دلوقتي بقيتي مشكلة.
يلف لرجاله.
— من النهارده…
عايز مراقبة على كل تحركاتها.
— مفهوم.
— ولو قربت من أي حد… أعرف فورًا.
يسكت لحظة.
وعينه تلمع بخبث.
— وابدأوا في خطة بديلة لفهد.
الراجل يسأل:
— أي خطة؟
الحاج يبتسم.
— اللي تخليه يختار…
يا نفسه…
يا هي.
الكاميرا تثبت على وشه.
الغضب اتحول لخطة.
وأخطر حاجة في الحاج…
مش عصبيته.
ذكاؤه لما يعصب.
🔥🔥🔥🔥🔥🔥🔥

الإضاءة خافتة.
ستارة متسحبة نصها.
المدينة تحتهم منوّرة.
فهد واقف عند الشباك، ضهره لقسم.
قسم داخلة بخطوات ثابتة.
تقفل الباب وراها بالمفتاح.
لحظة صمت.
فهد من غير ما يبص لها:
— الأخبار وصلت للحاج.
قسم تبتسم ابتسامة خفيفة.
— أكيد.
يلف لها.
— ومتأكد إن دلوقتي مقتنع إن بينا خلاف.
قسم تقعد بهدوء على الكرسي.
— وده أهم جزء في الخطة.
فهد يقرب خطوة.
— هو فاكر إنك بلغتي عشان توقعيني.
— ويفتكر إنك خرجت نظيف عشان غدرت بيّ.
عيونهم تتقابل.
مش عداء.
تفاهم.
فهد يهمس:
— لازم يشوفنا بنتصادم قدام الناس.
قسم ترد بسرعة:
— وهيراقبنا أكتر من أي وقت.
فهد:
— وده اللي عايزينه.
صمت لحظة.
قسم تفتح شنطتها… تطلع ملف جديد.
تحطه قدامه.
فهد يقطب حاجبه.
— ده إيه؟
قسم تفتح الملف.
مستندات.
تحويلات مالية خارجية.
شركات وهمية باسم قريب من الحاج.
فهد عينه تضيق.
— وصلتي لده إزاي؟
قسم تبتسم بثقة.
— وأنا فاكرة إنك لوحدك اللي بتعرف تمسح اسمك؟
يسكت.
تفهم سؤاله.
— لا… مش من تسجيلات المشروع.
تقرب الورق ناحيته.
— ده خط غسيل أموال قديم… بيعدي من خلال شركات البناء نفسها.
فهد يستوعب بسرعة.
— يعني المشروع كان غطاء.
— طول الوقت.
صمت ثقيل.
فهد يرفع عينه لها.
— الخطوة التانية إيه؟
قسم تسند ضهرها.
— نخليه هو اللي يبلغ عن نفسه.
فهد يبتسم.
— إزاي؟
قسم:
— هنزود تحويل صغير… مبلغ مش كبير…
يتحول من إحدى شركاته لحساب مربوط باسمه الشخصي.
فهد يفهم فورًا.
— تدقيق الحكومة هيمسكه.
— بالظبط.
فهد يفكر.
— بس لو اتقفش التلاعب ده… هنبقى إحنا أول متهمين.
قسم ترد بهدوء مخيف:
— مش لو كان ظاهر إننا مش متفقين.
صمت.
فهد يقرب أكتر.
— إنتِ مستعدة تتحملي إنه يضغط عليكي شخصيًا؟
قسم عينيها تبرد.
— هو بدأ.
فهد:
— ممكن يلعب بورقة الولد.
الاسم ما يتقالش…
لكن المعنى واضح.
قسم لحظة ضعف تعدي في عينها… بس تختفي بسرعة.
— عشان كده لازم نخلصه بسرعة.
فهد يهمس:
— لو فشلنا…
قسم تقاطعه:
— مش هنفشل.
صمت طويل.
فهد يمد إيده للملف.
— نبدأ إمتى؟
قسم تبص له بثبات.
— بدأنا.
فهد يبتسم نص ابتسامة.
— كنت عارف إنك مش بتلعبي ضدي.
قسم ترد بهدوء:
— أنا بلعب أكبر من كده.
لحظة سكون.
وبعدين فجأة… قسم تقرب منه خطوة.
— من بكرة… قدام الناس…
هنبقى أعداء.
فهد يرفع حاجبه.
— قد إيه؟
قسم:
— قد ما يصدق.
صمت مشحون.
فهد يقول بهدوء:
— بس في حاجة واحدة لازم تبقى واضحة.
قسم:
— إيه؟
فهد يثبت عينه فيها.
— لو في أي لحظة حسيتي إن اللعبة دي هتكسرك…
أنا هوقفها.
قسم تبتسم ابتسامة صغيرة… فيها تقدير.
— لو كسرتني… يبقى أستاهل.
تنور الإضاءة أكتر على وشهم.
اتنين واقفين جنب بعض…
بس مستعدين يمثلوا إنهم ضد بعض.
وفي مكان تاني…
الحاج بيتفرج.
فاكر إنهم بيتفككوا.
وهو مش عارف…
إن الضربة الجاية…
قاضية.


               الفصل الخامس عشر من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة