
الساعة كانت 9:10 الصبح.
قاعة الاجتماعات في الدور الأخير… زجاج من الأرض للسقف، المدينة تحتهم بتتحرك، لكن فوق… الجو ثابت زيادة عن اللزوم.
فهد واقف عند طرف الطاولة، ماسك ملف أسود.
وشه هادي… لكن عينه صاحيين.
قسم مش موجودة النهارده.
هو اللي في الواجهة.
المستثمرين قاعدين، محامين، مديرين تنفيذيين.
أسماء كبيرة.
المساعد همس لفهد:
— ممثل المجموعة الجديدة وصل.
فهد هز راسه.
الباب اتفتح بهدوء.
دخل راجل في أواخر الخمسينات.
بدلة رمادي غامق، نظارة بإطار رفيع، شعر أبيض مرتب بعناية.
شكله تقليدي جدًا… عادي جدًا… زيادة عن اللزوم.
المساعد قال:
— أستاذ محمود. ممثل مجموعة “الأفق”.
الراجل ابتسم ابتسامة رسمية.
— صباح الخير.
صوته واطي… متزن… فيه ثقة مش محتاجة تستعرض نفسها.
فهد مد إيده.
— أهلاً وسهلاً.
لما إيديهم اتصافحوا…
فهد حس بحاجة غريبة.
قبضة ثابتة… مش قوية… لكن مسيطرة.
عين الراجل ثبتت في عينه ثانية أطول من الطبيعي.
— سمعت عنك كتير يا أستاذ فهد.
الجملة بسيطة.
بس نبرتها مش عادية.
الاجتماع بدأ.
أرقام، شراكات، بنود تعاقد.
فهد بيتكلم بثقة، بيعرض الخطة، بيشرح التوسعات.
أستاذ محمود ساكت أغلب الوقت.
بيكتب ملاحظات.
لكن كل شوية… يرفع عينه على فهد.
يراقبه.
مش كراجل أعمال…
كواحد بيقيّم خصم.
بعد نص ساعة، قطع الكلام بهدوء.
— عندي سؤال.
الكل سكت.
— لو حصلت مشكلة قانونية فجأة… مين هيتحمل المسؤولية الكاملة عن المشروع؟
السؤال نزل زي حجر.
فهد رد بسرعة محسوبة:
— إحنا شغالين ضمن إطار قانوني واضح. مفيش مساحة للمفاجآت.
الراجل ابتسم بخفة.
— المفاجآت مش دايمًا قانونية… ساعات بتبقى بشرية.
سكت لحظة.
— وساعات… بتبقى شخصية.
عينه ضاقت شوية.
— زي لما حد قريب منك يتحط تحت ضغط… وتضطر تختار بين مصلحتك… ومصلحته.
قلب فهد دق.
هو بيتكلم عن مين؟
الراجل عدل نظارته.
— على سبيل المثال… آنسة قسم.
الهواء اتسحب من الرئة لحظة.
فهد حافظ على هدوءه بصعوبة.
— مالها؟
— لا شيء… بس اسمها بيتردد كتير حوالين المشروع.
نبرة صوته كانت هادية…
بس كل كلمة محسوبة.
فهد ابتسم ابتسامة مهنية.
— مفيش حاجة شخصية في شغلنا.
الراجل قرب للأمام قليلًا.
— أتمنى ده يفضل صحيح.
الصمت انتشر.
الاجتماع كمل…
لكن فهد كان حاسس إن الطاولة بقت ساحة اختبار.
بعد ما خلصوا…
الناس بدأت تقوم.
أستاذ محمود وقف قدام فهد مباشرة.
قرب شوية… صوته بقى أخفض.
— نصيحة مني.
فهد ثبت عينه فيه.
— اتفضل.
الراجل ابتسم ابتسامة خفيفة جدًا.
— خليك مركز في شغلك… وسيب اللعب الكبير لأصحابه.
وساب الجملة معلقة.
وقبل ما يمشي…
فهد لمح حاجة.
خاتم فضة في إيده…
منقوش عليه حرف صغير.
حرف “ح”.
نفس الحرف اللي شافه قبل كده في ملف مشبوه مرتبط بالشبكة.
فهد اتجمد لحظة.
الراجل لف يمشي…
لكن قبل ما يفتح الباب، قال من غير ما يبصله:
— بالمناسبة… كويس إن قسم ما جاتش النهارده.
وقف ثانية.
— مش كل الأماكن آمنة للجميع.
وخرج.
الباب اتقفل.
القاعة بقت فاضية.
فهد واقف لوحده.
قلبه بيدق بسرعة.
هو عارف.
ده مش ممثل استثمار.
ده الحاج.
وكان بيبعث رسالة واضحة:
“أنا شايفك… وشايفها… وخطوة زيادة هتدفع تمنها.”
فهد مسك موبايله بسرعة.
اتصل بقسم.
أول ما ردت، صوته خرج حاد:
— اسمعيني كويس…
إنتي لازم تختفي شوية.
سكت لحظة.
— هو ظهر.
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
عند قسم.
قسم كانت قاعدة في عربية في الجراج تحت البيت.
ما طلعتش الشغل النهارده.
كانت حاسة إن في حاجة مش مظبوطة… وإحساسها نادرًا بيخيب.
الموبايل رن.
اسم فهد.
ردت بسرعة.
— الاجتماع بدأ؟
الصوت اللي جه من الناحية التانية ما كانش طبيعي.
حاد.
مستعجل.
— اسمعيني كويس يا قسم… إنتي لازم تختفي شوية.
قلبها وقف لحظة.
— ليه؟
ثانية صمت.
— هو ظهر.
إيدها شدّت على الدريكسيون.
— مين؟
— الحاج.
الكلمة نزلت ببطء… لكنها كسرت هدوء العربية.
قسم ما اتكلمتش.
بس عينيها بقت ثابتة قدامها… كأنها شايفة حاجة مش موجودة.
— كان هنا… قدامي… متنكر.
وسأل عنك بالاسم.
نفسها بدأ يعلى.
— قال إيه؟
— قال كويس إنك ما جيتيش… مش كل الأماكن آمنة للجميع.
الصمت بينهم بقى تقيل.
قسم همست:
— يبقى هو عارف إني بلعب.
فهد صوته بقى أهدى شوية… بس مليان توتر.
— مش بس عارف… هو بيختبرنا.
قسم فتحت باب العربية ونزلت.
الهواء كان بارد… ضرب وشها بقوة.
— عايزني أختفي ليه؟
— عشان أول ضربة منه هتبقى عليكي.
ضحكت ضحكة قصيرة.
— هو جرّب قبل كده.
— والمرة الجاية مش هتبقى رسالة.
الكلمة دي وقفتها.
قسم لفّت حوالين العربية ببطء… بتحاول تفكر.
— شكله كان إيه؟
فهد وصفه بسرعة.
بدلة رمادي… نظارة… هدوء مبالغ فيه.
قسم غمضت عينيها لحظة.
— قابلته قبل كده.
— إيه؟!
— في المستشفى… يوم ما خرجت أقعد في الجنينة.
سكتت.
— كان بيبصلي نفس البصة دي… بصة واحد عارف النهاية قبل ما تبدأ.
فهد صوته بقى أخطر.
— يعني هو كان بيراقبك من بدري.
قسم بلعت ريقها.
— لأ…
هو كان قريب أكتر مما نتخيل.
سكتت لحظة.
وبعدين قالت بهدوء غريب:
— مش هختفي.
فهد انفجر:
— قسم اسمعي الكلام!
— لو اختفيت… يبقى هو كسب الجولة دي.
— وإنتي عايزة تثبتي إيه؟
نفسها بقى تقيل… لكن ثابت.
— عايزة أقوله إني مش بخاف.
فهد رد بسرعة:
— بس أنا بخاف.
الجملة طلعت منه بدون تفكير.
قسم سكتت.
قلبها اتحرك للحظة.
— ما ينفعش تخاف عليّ أكتر ما أنا بخاف على نفسي.
— أنا مش بخاف عليكي بس… أنا بخاف منك.
— مني؟
— أيوه… تهورك هيودينا لمكان مفيش رجوع منه.
قسم بصت للسماء.
الشمس كانت طالعة… لكن اليوم حاسساه معتم.
— هو عايزنا نتخبى… عايزنا نرتبك.
سكتت.
— وأنا هعمل العكس.
فهد صوته بقى منخفض:
— قسم… لو حصل لك حاجة…
— مش هيحصل.
قاطعته بثقة مصطنعة.
— اسمع…
لو هو ظهر… يبقى عنده حاجة كبيرة.
ومش هيستعجل.
سكتت لحظة.
— بس أنا هستعجل.
— يعني إيه؟
قسم فتحت باب العربية تاني.
— يعني قبل ما يضرب… أنا اللي هتحرك.
ركبت… قفلت الباب.
فهد صوته بقى حاد:
— رايحة فين؟
شغّلت العربية.
— أزور حد قديم.
— مين؟!
بس كانت قفلت الخط.
فهد فضل ماسك الموبايل…
وقسم طلعت بالعربية من الجراج.
عينها قدامها…
وقلبها بيدق.
مش خوف.
ترقب.
لأنها عارفة إن من اللحظة دي…
المواجهة بقت مباشرة بينها وبين الحاج.
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
العربية وقفت قدام ورشة قديمة في شارع جانبي هادي.
قسم نزلت بسرعة…
خطواتها سريعة… متوترة.
الباب نص مفتوح.
دخلت.
ريحة زيت وحديد… صوت مروحة سقف بتلف ببطء.
هو واقف عند طاولة معدنية، بيصلّح حاجة بإيده.
ضهره ليها.
— كنت مستنيكي.
قسم وقفت مكانها.
— كنت عارف إني هاجي؟
من غير ما يلف، قال بهدوء:
— لما فهد كلّمك وقالك إن الحاج ظهر…
كنت متأكد إنك مش هتسمعي كلامه.
قسم اتجمدت.
— إنت عرفت منين إنه كلمني؟
لف ببطء.
عينه ثابتة عليها.
— لأن أنا اللي بلغته.
الصمت ضرب المكان.
قسم قربت خطوة.
— يعني إنت كنت عارف إنه هيظهر في الاجتماع؟
— أيوه.
— وسكت؟!
صوتها على فجأة.
— خليته يروح لوحده؟!
هو ما اتوترش.
— كنت محتاج الحاج يظهر بنفسه.
— وعلى حساب إيه؟!
قربت منه أكتر.
— على حساب إننا نعرف إنه بيلعب على المكشوف.
قسم بصتله بغضب واضح.
— إنت بتلعب بينا.
— لأ.
صوته كان أهدى… بس أقوى.
— أنا بحاول أسبقهم بخطوة.
قسم عينيها ضاقت.
— طيب ليه ما قلتليش إنك عارف إنه هييجي؟
هو سكت لحظة.
وبعدين قال بصراحة:
— لأنك كنتي هتروحي الاجتماع حتى لو قلتلك ما تروحيش.
الكلمة دي خبطتها.
— يعني شايفني متهورة؟
— شايفك مش بتخافي.
قرب منها خطوة.
— وده اللي مخوفني.
قسم بصت له باستغراب خفيف.
— مخوفك؟
هو تنفس بعمق.
— الحاج مش بيهدد… هو بيجرب.
والمرة الجاية مش هيجرب في فهد.
الصمت بقى تقيل.
قسم فهمت المعنى.
— هيجرب فيّ.
هو ما أنكرش.
قسم رفعت دقنها.
— وأنا مش ههرب.
هو شد فكه.
— وأنا مش هسمحلك تتأذي.
الكلمة خرجت مباشرة.
من غير لف.
قسم عينيها لمعت.
— ليه؟
السؤال كان واضح.
ليه كل ده؟
ليه مهتم للدرجة دي؟
هو حاول يهرب بعينه…
بس ما قدرش.
— لأن…
لو حصل لك حاجة… أنا هكون السبب.
— السبب إزاي؟
سكت لحظة… وبعدين قال:
— لأن دخولي في اللعبة دي… كان قبلِك.
والشبكة دي… أنا كنت قريب منها زمان.
الهواء اتغير.
قسم رجعت خطوة.
— إنت كنت معاهم؟
— مش زي ما فاكرة.
— بس كنت جوه.
هو هز راسه ببطء.
— وطلعت.
قسم همست:
— وليه طلعت؟
نظر لها مباشرة.
— لما عرفت إنهم ناويين يستخدموكي كورقة ضغط.
القلب دق جامد.
— من إمتى؟
— من أول ما اسمك بدأ يتردد.
قسم عقلها بيلف.
— يعني كل اللي حصل…
محاولة قتلي… الاجتماع…
إنت كنت عارف إنه جاي؟
— عارف إنه ممكن يحصل.
— وسكت.
هو قرب خطوة.
— لا.
أنقذتك.
الصمت.
قسم عينيها مليانة صراع.
— أنا مش محتاجة حد ينقذني.
هو رد بهدوء قوي:
— بس أنا محتاج أحميكي.
سكتت.
الكلمة دي طلعت واضحة جدًا.
مش لف.
مش تلميح.
قسم همست:
— ليه؟
هو بص لها…
المرة دي من غير أي حواجز.
— عشان إنتي مش مجرد جزء من اللعبة.
إنتي الحاجة الوحيدة اللي تستاهل تتحمي فيها.
الصمت بينهم بقى مختلف.
مش غضب بس.
حقيقة بتظهر.
قسم بلعت ريقها.
— لو كنت جوه الشبكة… يبقى عندك معلومات.
— عندي.
— تساعدني أكسرهم؟
هو بص في عينيها.
— تساعدنا.
قسم وقفت قدامه.
— مفيش “نا”.
هو ابتسم ابتسامة خفيفة.
— في.
غصب عنك.
في اللحظة دي…
صوت عربية وقفت بره الورشة.
هو لف بسرعة ناحية الباب.
قسم لاحظت تغير ملامحه.
— حد متابعني؟
هو رد بسرعة:
— من ساعة ما خرجتي من البيت.
القلب نزل لمعدتها.
— ليه ما قلتليش؟!
— عشان ما تقلقيش.
قسم بصت له بحدة.
— بلاش تعمل زي فهد.
هو قال بهدوء:
— الفرق إني مش هسيبك تمشي لوحدك.
خطوات بره قربت.
صوت باب عربية اتقفل.
هو مد إيده لها.
— تعالي.
قسم بصت لإيده لحظة.
ثانية تردد.
وبعدين… مسكتها.
المواجهة بينهم خلصت…
لكن المواجهة الأكبر لسه جاية.
والباب الخارجي بدأ يتحرك.
صوت الباب الخارجي اتفتح بعنف.
قسم سحبت إيدها من إيده بسرعة، لكن هو شدها ورا الطاولة المعدنية.
— واطي صوتك.
خطوات تقيلة دخلت الورشة.
صوت راجل خشن:
— دوروا… هو هنا.
قلب قسم كان بيدق بقوة، لكن عينيها ثابتة.
همست:
— كانوا مستنيني؟
— أيوه… من ساعة ما اتحركتي.
واحد من الرجال خبط على طاولة قريبة، وقع شوية أدوات.
الصوت دوّى في المكان.
هو بص حواليه بسرعة… عينه وقعت على عصاية حديد جنب الحيطة.
ناولها لقسم.
— تقدري؟
قسم مسكتها من غير تردد.
— جرّبني.
واحد من الرجال لمحهم.
— هناك!
اللحظة انفجرت.
الراجل الأول جري ناحيتهم، لكن قبل ما يوصل، هو دفع الطاولة المعدنية قدامه بعنف، عطّلت اندفاعه.
قسم اتحركت بسرعة وضربت العصاية في إيد التاني اللي كان بيحاول يمسكها. السلاح وقع من إيده.
صوت ارتباك.
هو جذب الراجل الأول من ياقة قميصه ودفعه بقوة ناحية الرفوف. الكراتين وقعت عليه.
قسم لفت بسرعة وضربت برجليها باب جانبي فتحته فجأة.
— هنا!
لكن واحد منهم كان أسرع… مسك دراعها بعنف.
قسم سنانها اتطبقت، ولفّت جسمها بقوة وضربته بكوعها في صدره. هو اتراجع لحظة… كفاية.
هو شدها ناحيته بسرعة.
— اطلعي!
رصاصة اتضربت في السقف.
الصوت شق المكان.
هو مسك مطفأة الحريق ورماها ناحية مصدر الصوت. الارتباك حصل ثانية… بس كانت كفاية.
الاتنين خرجوا من الباب الجانبي وجروا في الممر الضيق ورا الورشة.
صوت رجالة وراهم.
قسم نفسها بقى تقيل، لكن سرعتها ما قلتش.
وصلوا لنهاية الممر… طريق مسدود.
قسم بصت له.
— قولّي إن عندك خطة.
هو بص حوالينه بسرعة… لمح سلم حديد طالع لسطح المبنى المجاور.
— اطلعي.
— وإنت؟
— هطلع وراكي.
قسم بدأت تطلع بسرعة، وإيده تحتها يثبت السلم.
أول واحد من الرجالة ظهر في آخر الممر.
هو طلع بسرعة ورفع السلم برجله بعد ما وصلوا فوق، فوقع.
الراجل وقع على الأرض.
الاتنين وقفوا على السطح، نفسهم عالي.
صوت صراخ تحت.
قسم بصت له.
— كانوا جايين يقتلونا.
هو بص لها بثبات.
— كانوا جايين ينهوا رسالة.
سكت لحظة.
— والحاج دلوقتي عارف إننا سوا.
قسم قربت منه خطوة.
— خاف؟
— لأ.
— طيب ليه إنت شكلك مش مرتاح؟
هو بص للشارع تحتهم.
— عشان اللي حصل ده معناه إنه مستعجل.
قسم قلبها دق.
— والمستعجل بيغلط.
هو لف لها.
— أو بيتهور.
الصمت بينهم لحظة.
قسم قالت بهدوء:
— مش ههرب.
هو رد فورًا:
— ومش هسيبك.
نزلوا من السطح الناحية التانية، بعيد عن الورشة.
وراهم صوت عربيات بتتحرك بسرعة.
اللعبة كبرت.
والحاج بعت رسالة واضحة:
"دي كانت محاولة."
🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹
المكتب كان شبه قصر.
إضاءة خافتة… ستاير تقيلة…
صوت ساعة حائط قديمة بيعدّي الثواني ببطء.
الحاج قاعد على الكرسي الجلدي الكبير، ضهره مستقيم، إيده ماسكة مسبحة فضة.
الهدوء حوالينه مرعب.
الباب خبط خفّة.
— ادخل.
واحد من رجاله دخل… وشه متوتر.
— حصلت مشكلة يا حاج.
المسبحة وقفت بين صوابعه.
— مشكلة إيه؟
الراجل بلع ريقه.
— العملية… ما نجحتش.
صمت.
صمت تقيل جدًا.
— يعني إيه ما نجحتش؟
— هما… قدروا يهربوا.
المسبحة بدأت تتحرك تاني… ببطء.
— الاتنين؟
— أيوه يا حاج.
الحاج قام بهدوء.
مش صراخ.
مش انفجار.
الهدوء كان أخطر.
مشى ناحية الشباك الكبير اللي بيطل على المدينة.
— كام واحد كان رايح؟
— أربعة.
— ورجع كام؟
الراجل سكت.
ثانية.
— اتنين.
المسبحة وقفت خالص.
الحاج لف ببطء.
العينين دي ما كانش فيها غضب صريح…
كان فيها حاجة أبرد.
— أربعة رايحين يخلصوا على بنت وواحد لوحده…
ويرجعوا ناقصين؟
صوته كان منخفض… لكن كل كلمة بتضغط.
— إنتوا فاكرينها سهلة؟
الراجل حاول يتكلم.
— يا حاج هو واضح إن الراجل ده—
الحاج قاطعه بإشارة بسيطة من إيده.
— الراجل ده كنت عارف إنه هيبقى مشكلة.
سكت لحظة.
— بس كنت مستني أشوف هو هيوصل لحد فين.
قرب من المكتب، حط المسبحة عليه.
— قسم كانت المفروض تبقى رسالة.
رفع عينه.
— مش تحدي.
صوت تنفسه بقى أبطأ… لكن أعمق.
— دلوقتي بقت شخصية.
الراجل همس:
— نعيد المحاولة؟
الحاج ابتسم ابتسامة خفيفة جدًا… مافيهاش أي رحمة.
— لأ.
الراجل استغرب.
— لأ يا حاج؟
— القتل السريع راحة ليهم.
مشى خطوتين.
— أنا عايزهم يعيشوا…
ويعرفوا إن النهاية جاية… بس مش إمتى.
سكت لحظة.
— اضغطوا عليهم في كل حاجة.
الشغل.
الفلوس.
الناس اللي حواليهم.
عينه ضاقت.
— خلوهم يشكوا في بعض.
الجملة دي طلعت ببطء.
— أهم حاجة في الحرب…
إنك تخلي خصمك يخاف من اللي جنبه أكتر ما يخاف منك.
الراجل هز راسه.
— مفهوم.
قبل ما يخرج، الحاج قال:
— وابعتلي كل تحركاتهم.
عايز أعرف هما بيروحوا فين… وبيثقوا في مين.
وقف لحظة.
— خصوصًا الراجل ده.
صوته بقى أهدى.
— اللي فاكر نفسه حاميها.
عاد قعد على كرسيه.
المسبحة رجعت بين صوابعه.
لكن المرة دي…
العدّ كان أسرع.
اللعبة ما خلصتش.
دي بس البداية.
لكن اللي مش عارفه ان قسم محضره له مفاجأة كبيرة هتصدمه هو شخصياً
الفصل الرابع عشر من هنا