رواية ظل القسم الفصل الحادي عشر 11 بقلم آية محمود


رواية ظل القسم الفصل الحادي عشر 11 بقلم آية محمود


تالا خدت نفس طويل، وبصّت في الأرض، وبصوت واطي بس ثابت:
— أنا… أنا مش هكمل.
قسم جسمها اتصلّب.
الهدوء اللي كان حواليهم اتكسر من جوه.
ــ أنتِ بتقولي إيه؟؟! 
_اللي سمعتيه..... أنا مش هكمل. 
تالا كملت، من غير ما ترفع عينها:
— اللعبة دي أكبر مني… وأنا مش قادرة أكمّل.
قسم لفت ببطء… ببطء يخوّف.
قربت خطوة… وبصّت لها بعينين مش باين فيهم دموع، بس باين فيهم حاجة أخطر.
— مش قادرة؟
قالتها بهدوء، الهدوء اللي بييجي قبل العاصفة.
— مش قادرة على إيه يا تالا؟ على حقك؟ ولا على حق ابنك؟
تالا رفعت عينها بسرعة:
— ما تدخليش ابني في الموضوع.
قسم ضحكت… ضحكة قصيرة، موجوعة:
— أدخّله غصب عنك. 
ابنك اتولد واتحرم من أبوه،
كبر وهو مش فاهم ليه باباه مش معاه،
وأنتِ جاية دلوقتي تقولي هتطلعي من اللعبة؟
تالا وقفت، صوتها بدأ يعلى:
— أنا مش مستعدة أموّت نفسي عشانه!
مش مستعدة أسيبه يتربى يتيم بجد!
قسم قربت أكتر، المسافة بينهم بقت صفر:
— هو يتيم فعلًا يا تالا.
يتيم من لحظة ما قررتي تسكتي.
يتيم من يوم ما خفتي.
تالا هزّت راسها:
— لأ… لأ… أنا مش جبانة.
قسم فجأة انفجرت:
— لأ؟!
أومال إيه؟!
سيبتي حقك، وسيبتي حق جوزك، وسيبتي ابنك يعيش بنص حكاية… وبتقولي مش جبانة؟!
تالا صرخت:
— كفاية!
قسم زعقت أكتر:
— لأ مش كفاية!
كفاية إيه؟!
هو كان كفاية لما اتسجن؟
ولا لما اتحكم عليه ظلم؟
ولا لما ابنك سأل علي باباه وانتِ معرفتيش تردي؟!
تالا دموعها نزلت:
— أنا تعبت… والله تعبت.
قسم سكتت ثانية.
ثانية بس.
وبعدين… إيديها اتحركت.
القلم نزل تقيل.
مش عالي… بس وجع.
صوت الضربة دوّى في المكان أكتر من الصراخ.
تالا اتلخبطت خطوة لورا، حاطّة إيدها على خدها، مصدومة:
— إنتِ ضربتيني؟!
قسم كانت بتنهج، صوتها مكسور وغضبان في نفس الوقت:
— آه.
ضربتك عشان تفوقي.
عشان تعرفي إن اللي بنعمله ده مش لعبة نطلع منها لما نخاف.
قربت منها تاني، بعينين محمرة:
— جوزك اتسجن  عشان رفض يبقى جزء من القذارة.
وابنك مستنيك.
مش مستني أم ضعيفة… مستني أم ترجع حقه.
تالا مسحت دموعها بعنف:
— وأنا قررت أعيش.
قسم صرخت، صوتها طالع من وجع سنين:
— تعيشي بإيه؟!
بالهروب؟!
ولا بالسكوت؟!
ولا إنك تسيبيه يكبر وهو فاكر إن أبوه كان غلطان؟!
تالا شالت شنطتها:
— القرار أخدته.
قسم وقفت مكانها، صوتها هادي فجأة… وده كان أخطر:
— لو خرجتي دلوقتي… ما ترجعيش تاني.
ولا تسألي عن حق،
ولا تقولي “كان نفسي”.
تالا وقفت عند الباب، ضهرها لقسم:
— سامحيني.
قسم ردت من غير ما تبص:
— اللي سامحوا ماتوا.
وإحنا لسه عايشين.
الباب اتقفل.
الصوت كان تقيل… كأنه قفل مرحلة كاملة.
قسم وقعت على الكرسي.
مش بتعيّط.
ولا بتصرخ.
بس عينها كانت فاضية.
وعارفة…
إن اللعبة من اللحظة دي بقت أقسى.
وأوحش.
وإن مفيش رجوع.

🌹🌹🌹🌹🌹

تالا خرجت من الباب وهي مش باصة وراها.
الهواء برا كان أبرد شوية، بس صدرها مولّع.
مشيت من غير اتجاه، لحد ما لقت نفسها في جنينة المستشفى.
الزرع أخضر زيادة عن اللزوم،
والهدوء غريب…
النوع اللي يخليك تحس إنك لوحدك حتى لو في ناس حواليك.
قعدت على دكّة خشب،
حطت الشنطة جنبها،
وإيديها كانت بتترعش.
قربت إيدها من خدها مكان القلم…
مش وجع الضربة اللي كان موجع،
وجع الكلام اللي قبلها.
غمضت عينيها، وخدت نفس طويل،
وكأنها بتقنع نفسها إن اللي عملته صح.
— ما كانش عندي اختيار…
قالتها بصوت واطي،
لنفسها…
ولا لحد تاني؟
صوت رجولي هادي جا من وراها:
— دايمًا في اختيار.
تالا فتحت عينيها بسرعة،
لفّت راسها.
راجل واقف على بُعد خطوتين،
لابس لبس بسيط،
وشه مش ملفت،
النوع اللي لو شوفتيه في الشارع ما يعلقش في بالك.
بس عينيه…
عينيه كانت ثابتة زيادة عن اللزوم.
— متخافيش،
قالها وهو بيقرب خطوة،
— أنا مش غريب عنك.
تالا وقفت فجأة: — أنا ما اعرفكش.
ابتسم ابتسامة خفيفة: — بس أنا أعرفك كويس.
سكتت.
قلبها دق بسرعة،
بس مش خوف…
ده إحساس إنها كانت مستنياه.
— أعرفك من يوم ما بقيتي دكتورة،
ومن يوم ما جوزك قرر يقول لأ،
ومن يوم ما قررتي تسكتي.
تالا بلعت ريقها: — إنت عايز إيه؟
بص حواليه، الجنينة فاضية تقريبًا: — عايزك تعيشي.
ضحكت ضحكة قصيرة، مرة: — ده اللي قسم مش فاهمه.
قرب أكتر، بس ساب مسافة: — قسم عايزة تحارب.
وأنتِ…
عايزة تنقذي ابنك.
تالا عينها لمعت: — ابني؟
— أيوه.
قالها بثقة،
— الحرب ليها تمن،
وانتِ عارفة إن أول ناس بتدفعه… الأطفال.
تالا حست رجليها بتضعف، رجعت تقعد: — أنا مش جبانة.
— عارف.
قالها بهدوء،
— الجبانة ما كانتش دخلت اللعبة من الأول.
سكت لحظة، وبعدين قال: — بس الذكية…
تعرف إمتى تطلع.
تالا بصّت له: — وإنت؟
داخل ولا برا؟
ابتسم، ابتسامة ما تطمنش: — أنا في النص.
دايمًا في النص.
طلع موبايل من جيبه، فتح صورة، مدّهولها.
تالا أول ما شافت الصورة وشها شحب.
إيدها شدّت على الموبايل.
— ده…
صوتها طلع مكسور،
— إنت جبت ده إزاي؟
— زي ما بجيب كل حاجة.
قالها ببساطة،
— وده السبب إنك لازم تيجي معايا.
رفعت عينها: — لو مشيت معاك…
مش هرجع.
— لا.
قالها من غير تردد،
— بس هتبقي آمنة.
وابنك  كمان.
تالا سكتت.
ثواني طويلة.
العصافير بتزقزق،
والمستشفى وراهم واقفة…
كأنها صفحة اتقفلت.
قامت، شالت شنطتها.
— أنا مش بخون.
قالتها بصوت ثابت.
ابتسم: — ولا أنا.
إحنا بس… بنغيّر المكان.
مشيت معاه.
من غير ما تبص وراها.
خطواتها كانت تقيلة…
بس ثابتة.
ومن بعيد،
كاميرا صغيرة كانت مراقبة الجنينة.
العدسة اتحركت شوية…
وسجلت كل حاجة.

🌼🌼🌼🌼🌼

عند المجهول. 

المكان كان عالي.
دور فوق، زجاج واسع، مدينة كاملة تحت رجليه.
الأنوار في الشارع باهتة،
والعربيات ماشية زي نمل…
كل واحد فاكر نفسه حر،
وهو واقف فوق، شايف الخطوط كلها.
واقف ضهره للشباك،
إيده ورا ضهره،
وصوته هادي وهو بيتكلم:
— اللعبة ماشية.
قدامه شاشة كبيرة،
متقسمة مربعات.
كاميرات.
تسجيلات.
أصوات.
قسم في المستشفى.
فهد في الشركة.
تالا وهي خارجة من الجنينة.
كلهم قدامه.
قرب من الشاشة، وقف عند لقطة تالا وهي بتمشي مع الراجل:
— متأخرة…
قالها بهدوء،
— بس وصلت.
حد واقف في الضلمة قال: — قسم هتحس.
لفّ له المجهول الكبير ببطء،
نظرة واحدة كانت كفاية تخلي الصوت يسكت.
— قسم دايمًا بتحس.
قالها بابتسامة خفيفة،
— بس الإحساس لوحده ما بيحميش.
رجع بص للشاشة اللي فيها قسم،
قاعده، عينيها مش ثابتة،
كأن في حاجة ناقصة.
— دي أخطر واحدة.
قالها وهو بيضغط زر،
الصورة قربت على وشها.
— اللي اتكسر فيها… عمره ما رجع زي الأول.
سكت شوية،
وبعدين ضحك ضحكة قصيرة:
— بس كلهم ليهم نقطة ضعف.
حد تاني سأله: — وفهد؟
المجهول الكبير ما ردش على طول.
وقف عند شاشة الشركة.
فهد قاعد على مكتبه، مركز،
وشه هادي… بس عينه صاحيه.
— ده فاكر نفسه ذكي.
قالها بهدوء،
— الذكاء من غير غطا… خطر.
مد إيده، فتح ملف باسمه: — خلوه يطلع.
خلوه يقرب.
خلوه يحس إنه مهم.
سكت لحظة، وبعدين: — وبعدين…
نقفّل عليه.
حد قال: — وتالا؟
ابتسم: — تالا خرجت من لعبة…
ودخلت لعبة تانية.
وأغلى.
لفّ بعيد عن الشاشات،
راح ناحية المكتب،
فتح درج، طلع صورة قديمة.
اللواء جلال.
بص للصورة ثواني،
وبصوت واطي جدًا: — القَسَم…
لسه مخلصش.
قفل الدرج،
ورجع يقف قدام الشاشات.
— خليهم يتحركوا.
قالها بنبرة أمر.
— كل ما يفتكروا إنهم مسيطرين…
نقرّب النهاية أكتر.
الكاميرات فضلت شغالة.
والمدينة تحت…
ولا حد حاسس إن في عين
شايفاهم كلهم.

🔥🔥🔥🔥🔥🔥

في المقابر. 

المقابر كانت هادية.
هدوء يخوّف…
النوع اللي تحس فيه إن كل نفس محسوب.
قسم كانت واقفة قدام القبر،
اسم أبوها محفور قدامها كأنه حكم نهائي.
إيديها في جيب المعطف،
والتانية بتلمس الرخام البارد.
قعدت على الأرض.
مش مهتمة بالتراب،
ولا بالناس اللي ممكن تشوفها.
— وحشتني…
قالتها بصوت واطي،
صوت بنت مش دكتورة…
ولا قوية…
ولا مخططة لانتقام.
— سبتني ليه؟
ليه مشيت في الوقت ده؟
ليه وأنا محتاجاك؟
سكتت شوية.
ابتلعت دموعها.
— يامن اتحبس…
وأنا واقفة بتفرج.
واللي وثقت فيهم…
طلعوا أول ناس يخذلوني.
مسحت وشها بعنف: — كنت فاكرة إنك هتحميني…
حتى وانت مش موجود.
ميلت راسها على القبر: — قالّي خلي بالك من بابا…
ومشيت.
وكأنك كنت عارف.
الهوا حرّك الشجر.
صوت خفيف…
خطوات.
قسم افتكرت إنه وهم.
بس الصوت قرّب.
قامت بسرعة،
لفّت.
راجل واقف على بُعد خطوات.
لابس أسود.
واقف مستقيم…
الوقفة اللي تعرفها.
القلب دق بعنف.
— إنت مين؟
الراجل ما ردش فورًا.
قرب خطوة.
قسم حسّت رجليها تقيلة.
الصوت اللي جا بعدها خلّى الدنيا تلف:
— لسه بتشتكي له؟
الصوت…
مش غريب.
قسم شهقت: — مستحيل…
قرب أكتر،
وشه لسه في الضل…
بس الملامح بدأت تبان.
— كنت فاكرة الموت بيقفل الحكايات؟
قسم رجعت خطوة لورا: — إنت…
إنت المفروض…
وقف قدام القبر،
بص للاسم المحفور،
وقال بهدوء يخوّف:
— الاسم ده…
مش كل الحقيقة.
قسم صرخت: — إنت بتقول إيه؟!
لفّ لها،
وأول مرة تشوف عينه بوضوح.
نظرة عارف…
عارف كل حاجة.
— اللي جاى…
قالها بصوت واطي،
— هيخلّيك تتمني إنك ما سألتيش.
خطوة كمان…
وقبل ما تقول أي حاجة:
— خلي بالك من نفسك يا قسم.
مش كل اللي اتدفن… مات.
لفّ ومشي.
سابها واقفة…
القبر قدامها بقى سؤال،
مش إجابة.
قسم وقعت على الأرض.
قلبها بيدق،
وعقلها بيصرخ:
أبوها…
اللي اتحكم على أخوها…
اللي مات فجأة…
كان وراه إيه؟
واللي جه…
كان رسالة.

💕💕💕💕

بعد قليل من الوقت. 
قسم قدرت تسيطر على نفسها. 
قامت وقفت. 
رتبت ملابسها. 
مشيت بخطى بطيئة ناحية السيارة و ركبت و ساقت بهدوء 
الطريق كان فاضي.
والكشافات على الجانبين بتنور وتطفي…
زي نبضها بالظبط.
قسم سايقة.
إيديها ماسكة الدركسيون بإحكام،
وعينيها قدامها…
بس عقلها وراها بمراحل.
القبر.
الصوت.
الكلام اللي اتقال وماتقالش.
— مش كل اللي اتدفن مات…
الجملة ترن في دماغها،
تحاول تطردها…
بس الجملة لزقت.
داسِت بنزين شوية.
عايزة توصل.
أي مكان.
غير هنا.
الموبايل جنبها سكت.
ولا رسالة.
ولا اتصال.
الطريق امتد قدامها مستقيم،
وفجأة…
نور عالي ضرب المراية.
عربية وراها.
قريبة زيادة عن اللزوم.
قسم بصّت في المراية.
العربية ماعدّتش.
ما هديتش.
— صدفة…ولا مقصودة. 
قالتها لنفسها.
زوّدت السرعة.
العربية زوّدت معاها.
قلبها دق.
مش أول مرة تحس بالخطر…
بس أول مرة تحسه قريب كده.
لفّت شمال.
العربية لفّت.
لفّت يمين.
لسه وراها.
إيدها شدت على الدركسيون.
نفسها بقى تقيل.
وفجأة…
عربية تانية طلعت من طريق جانبي
وقطعت عليها السكة.
فرامل.
صوت الكاوتش صرخ.
قسم اتزحلق جسمها لقدّام،
والحزام شدّها.
العربية وراها وقفت.
واللي قدامها نزل منها اتنين.
ملامحهم مش باينة.
بس خطواتهم ثابتة.
قسم بصّت حواليها.
الطريق فاضي.
ولا نور غير نور العربيات.
إيدها راحت ناحية شنطتها.
الموبايل.
مفيش شبكة.
أول واحد قرب.
طلع حاجة من تحت الجاكيت.
القلب وقف.
قسم همست: — لأ… 
صوت باب العربية اتفتح بعنف.
وهنا…
الدنيا سكتت.

#بقلمي:- آية محمود 
#يتبع



تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة