رواية عشق شرف انتقام الفصل الثاني عشر 12بقلم نور كرم

ه

رواية عشق شرف انتقام الفصل الثاني عشر 12 بقلم نور كرم


_ "شــــــــــــــــــــــرف"!؟
قالها بصدمة وهو شايفها واقفة فعلًا على الباب… مش مجرد حلم بيهيم فيه!
خرجت كلماته متلخبطة، وكأنه اتلجم أول ما عينيه وقعت عليها:
_ إنتِ إيه اللي جابك هنا… قصدي جيتي إزاي!؟

تنهدت بعمق، وعينيها بتلف في المكان حواليها، وقالت بابتسامة هادية:
_ جيت عشان أشوفك… وأتكلم معاك.

وبنبرة فيها لعب خفيف، أضافت:
_ ولا إنتَ مش عايزني أجيلك!

اتسعت ابتسامته بفرحة واضحة وهو بيقول بسرعة:
_ لا إزاي… ده تنوريني في أي وقت طبعًا طبعًا!

ابتسمت بمكر، ومن جواها كانت بتحمد ربنا إنه استقبلها بالشكل ده…
رمت نظرة لجوه البيت من وراه وقالت:
_ طب إيه… مش هتدخلني؟ ولا خايف مراتك تيجي وتشوفك!؟

اتكشرت ملامحه أول ما سمع سيرة مراته، بس بسرعة عدل وشه وابتسم وهو بيشاور لها تدخل:
_ لا طبعًا إزاي… ادخلي، ده أنا مصدقت تيجي!

دخلت بالفعل، وعينيها بتفحص المكان كله…
لحد ما وقعت على صورة لمراته معلقة من يوم فرحهم…
لو مكنش عمل اللي عمله فيها… كانت هي مكانها دلوقتي!
بس الحمد لله… ربنا نجاها من واحد زيه.
قفل الباب وراها وقال بنفور واضح:
_ بالنسبة لمراتي… فهي مش جاية دلوقتي، عشان عند أهلها غضبانه!

ضغطت على أسنانها بغضب مكتوم… حتى مراته ما سلمتش منه!
بالعكس… واضح إنها بتدوق من نفس الكاس.
تنهدت وبصت حواليها في البيت الصغير وقالت:
_ بس غريبة… إنتَ إيه خلاك تسيب بيت أبوك وإخواتك وتعيش هنا؟ مع إن البيت التاني أكبر بكتير!

وقف قدامها، وحك راسه من ورا بتوتر خفيف وهو بيقول:
_ والله حصلت مشاكل بيني وبين إخواتي… عشان اتجوزت "رويا" بنت الحج عبود…
وهم شايفين إنها مش من مستوانا، وإزاي أقبل بنسب زي ده!

رفعت حواجبها بتفهم، فكمّل هو بنبرة فيها ندم تقيل:
_ وبيني وبينك… دي كانت أكبر غلطة في حياتي…
لا أنا عرفت أقرب لها، ولا هي حبتني… اتجوزتني غصب عنها عشان أبوها كان طمعان في الفلوس…
يعني هي بنت مش شبهي… مش عارف إيه اللي رماني عليها!

_ يمكن عشان فراغة عينك… وإن اللي زيك ما بيملاش عينه غير التراب.
قالتها بغضب مكبوت، هو شافه بعينه…
وكملت وهي ضامة دراعها:
_ والله أنا مكنتش جاية أعاتب… بس لقيت إن أقل حاجة أعملها إني أسمّعك كلمتين يوجعوك… زي ما هديت حياتي كلها.

_ يا شرف… أنا أكيد ماكنتش عايزنا نوصل لكده… وزي ما قولتي… كانت فراغة عين… وغلطت في حقك.
قالها بندم واضح، وقرب منها خطوات بطيئه وهي واخدة بالها:
_ والله افتكرتها نزوة وهتعدي… بس إنتِ مكنتيش نزوة… إنتِ كنتي حياة كاملة أنا دمرتها بإيدي…
أنا اتوسخت مع أنضف بنت دخلت حياتي…
وصحيح أنا غلطت… بس رجعت وتوبت وندمت!

رجعت لورا بخطوات سريعة، وقالت بعد نفس تقيل:
_ عمومًا… أنا مش جاية أفتح القديم… أنا جاية أعرف… إنتَ عايز إيه مني؟ وليه ظهرتلي تاني؟

غمّض عينيه لحظة وقال بهدوء:
_ أنا… لسه عايزك يا" شرف"، لسه متمسك بيكِ لآخر نفس…
ولو اضطريت أقتل… هعملها… بس ترجعيلي تاني!

شافت في عينيه المرة دي حاجة مختلفة…
ندم… خوف… بس وراهم وحش مستعد يعمل أي حاجة… حتى القتل…
شيطان… مش إنسان!
تنهد بيأس من سكوتها وقال:
_ ها… رأيك إيه؟

_ أنا موافقة يا محمود…
قالتها بصوت مكسور، وكأن الألم بيخرج مع كل كلمة:
_ وعارف ليه؟ عشان رغم كل اللي عملته فيا… ورغم كل اللي شوفته منك…لسه بحبك يا محمود!

اتسعت عينيه بذهول…
ماكانش متخيل إن قلبها لسه شايله…
كلمة بسيطة… بس رجعته للحياة!
أما هي… فكانت بتبتسم من جواها بس لسبب تاني خالص…
خطتها نجحت… وصدق كدبتها فاكر إنها لسه بتحبه؟!
ده هي عمرها ما كرهت حد قدّه!

قعدت على الكرسي جنبها، وشاورت له يقعد…
قعد قدامها وعينيه مليانة فرحة مش قادر يخبيها…
لكن فجأته بصوت جاد:
_ بس عشان أضمن حقي… لازم…
لازم تكتبلي نص ثروتك باسمي!

اختفت ابتسامته تدرجيًا وكأنه بيحاول يبلع الصدمه والكلمة اللي قالتها بكل بساطه 
 وبصلها باستغراب…
لحظة سكت فيها، خلتها تتوتر من نظرته الغامضة…
لكن فجأة قال:
_ أنا موافق…
بس كل حاجة باسمي في إيد أبوكِ… إنتِ عارفة إن أبويا مات وإحنا صغيرين، ومن وقتها أبوكِ هو اللي ماسك كل حاجة.

 اشتد قلبها فرحًا و ابتسمت بمكر وقالت:
_ خلاص… طالما وافقت، سيب الباقي عليا…
أنا عارفة أبويا مخبي الورق فين… ممكن أخاطر النهارده وأجيبهولك.

وبصت له بنظرة حزن مزيفة وقالت:
_ شوفت؟ عشانك ممكن أعمل إيه…
رجعت وندمت، وفي فرصة نكون سوا… يبقى أضحي بأي حاجة… حتى بحياتي عشانك يا محمود!

اتسعت ابتسامته، وقلبه اتملى فرحة وهو بيقول:
_ وأنا عشانك أعمل أي حاجة في الدنيا… بس ترجعيلي!

كان لسه هيمسك إيدها… لكنها رجعت لورا وقالت بابتسامة:
_ يلا بقى… أنا لازم أمشي بسرعة!

_ ليه؟ ده لسه بدري!
قالها ببساطة…واستني ردها لكن فجأة… الباب خبط!
 خلها تتفزع وتبصله بصدمه خصوصًا بعد معرفت إنها "راويا" مراته.
اتصدمت "شرف" وقالت بسرعة:
_ إنتَ مش قولت إنها عند أهلها!؟

اتلجم وقال بتوتر:
_ معرفش… هي قالت كده… مش فاهم إيه جابها!

_ طب أنا هخرج إزاي دلوقتي؟!
قالتها بخوف، وصوت الخبط زاد بعنف…
لف بعينه في المكان، لحد ما افتكر باب المطبخ… وقال بسرعة:
_ تعالي… في باب هنا بيطلع على منور… ومنه باب للشارع… انزلي وأنا هتابعك من الشباك لحد ما تطلعي بره.

هزت راسها موافقه بسرعة، وجريت…معاه لحد مفتحلها الباب زي مقالها.. لكن قبل متنزل مسك إيدها ورجعها وقال: 
_ هتوحشيني اوي... حاولي تكلميني او انا هجيلك متخطريش تاني! 

أبتسمت بهدوء.. وكأنها بتحاول تقنعه بصدقها وبعدين 
نزلت السلم زي ما قالها… وإيديها على قلبها وأنفاسها بتتلاحق مش قادره تصدق اللي بتعمله بس اجبري تعمل كده عشان تطفي نار قلبها…
وبمجرد ما وصلت… نزلت النقاب على وشها ومشيت.

أمّا فوق… فضل واقف يتابعها لحد ما اختفت.
وبعدين راح يفتح الباب… بعد ما اتأكد إنها مشيت.
فتح وهو بيمثل النعاس والتقل…
فلقاها واقفة قدامه، وعينيها مليانة غضب، وبتقول:
_ هو كل ده نوم؟! بقالي ساعتين بخبط!

تنهد وكأنه لسه صاحي وقال ببرود وهو داخل:
_ إيه… فتحت الباب أهو… ولا كنتِ عايزاني أطيرلك؟ ادخلي.

ورجع بصلها بضيق وقال:
_ وبعدين إنتِ إيه جابك؟ مش قولتي هتفضلي عند أهلك كام يوم غضبانه؟

وكمل بسخرية وهو بيمشي:
_ ولا رجعتي في كلامك؟

بصت له بكره واضح، وقعدت وهي بتتمتم بضيق بعد مسابها ودخل الغرفة :
_ يا رب أنا إيه اللي رماني على عيلة زي دي… أوف!
كُتِك البلا اللي جابك!

•     •     •      •
في ڤيلا "الريان الهلالي"!
كان لسه داخل البيت بعد يوم شغل تقيل على قلبه… ومش قادر ينسى نظرة الحقير اللي اسمه "راشد"،
وهو واقف قدامه… نظرة كانت كفيلة تشلّه مكانه!

ابتسامة غمرت وشه فجأة… حب يشاركها مع أول واحدة تيجي في باله… هو مش فاهم ليه،
بس كان مبسوط بشكل غريب…
مش عايز يقابلها… بس في نفس الوقت، نفسه يشوفها دلوقتي ويطمن عليها…
وحشاه بدرجة مش قادر يوصفها.

إزاي في يوم وليلة قدرت تحيي كل الحب ده جواه؟!
لهفته… شوقه… حنانه… كله بقى ليها هي وبس.
طلع السلم بخطوات سريعة، أنفاسه متلاحقة من شدة الاشتياق…
فتح باب الأوضة بسرعة، والابتسامة مرسومة على وشه… مستني يشوفها.
لكن… الابتسامة بدأت تختفي واحدة واحدة،
وهو بيحاول يستوعب إنها مش موجودة.
يمكن في الحمام…راح… ملقهاش.
يمكن في البلكونة…برضه مش هناك.
غرفة الملابس…فاضية.
لف الجناح كله…مفيش أثر ليها!

قلبه اتقبض فجأة… رعب غريب مسك فيه…
فكرة واحدة بس سيطرت عليه:
يا تكون هربت…
يا إما خرجت من غير إذنه! وساعتها…
ليها حساب تاني معاه!

نزل يدور عليها في كل ركن في البيت… أوضة  أوضة…
لكن مفيش.
"دي أكيد اتجننت… إزاي تفكر تهرب؟!"
ولو حد من بره شافها…
ممكن يقتلوها فعلًا!

خرج بره البيت بسرعة،
وأول واحد قابله كان واحد من رجاله… واقف بعينين حادة زي الصقر، بيراقب كل حاجة حواليه.

_ "ســـــــــــــــليم!"
هدر بصوت غاضب أفزعه،
لف "سليم" بسرعة ناحية الصوت… لقى "ريان" جاي عليه بخطوات سريعة،
وعينيه مليانة غضب مرعب… كأنه على وشك ينفجر!
_ خير يا "ريان بيه"… في إيه؟!

_ إنتَ إزاي "شرف هانم" تخرج من البيت… وماتقوليش راحت فين؟!
قالها بقسوة، وهو يهجم عليه زي الثور الهائج…
ومسكه من ياقة قميصه بعنف!
اتصدم "سليم" من كلامه، وقال بتوتر واضح:
_ إزاي يعني؟! أنا واقف من الصبح… "شرف هانم" ما خرجتش من البيت…
ولو مش مصدقني… تقدر تراجع الكاميرات بنفسك!

جحظت عيون "ريان" بصدمة…
وزقه بعيد عنه بعنف، وهو مش مستوعب اللي سمعه!
رجع قال بصوت مليان غضب مكتوم:
_ يعني إيه ما خرجتش؟!
أمال خرجت منين؟!

_ باب الجنينه…
قالها "سليم" وهو بيفكر، عيون "ريان" وسعت فجأة،
وجري على غرفة المراقبة…
فتح الكاميرات بسرعة، وعينيه مثبتة على الشاشة…
يدور عليها… لقطة ورا التانية…
لحد ما شافها…
وهي خارجة من الباب الخلفي…
الباب اللي مفيهوش حراسة!

في لحظة…
ضرب المكتب بقبضة إيده بعنف، لدرجة إن عروقه برزت من شدة الغضب!
لف ناحيتهم تاني، وصرخ:
_ محدش يغمضله جفن… غير لما تجيبهالي هنا… فاهمين!!

_ أمرك يا باشا!
قالها واحد من رجالته بطاعة،
قبل ما يسيبهم "ريان" ويخرج من المكان كله بخطوات سريعة تقطع الأرض تحته…
وعينيه؟ كانت مليانة شر…
ونار مش هتطفي… غير لما يلاقيها!

•       •      •     •
وفي بيت "راشد الهلالي"
جريت "سميحة" ناحية الباب بذعر… فاكرة إن اللي بيخبط جوزها أو ابنه…

لكن اتفاجئت لما فتحت الباب…
ولقت بنت منتقبة واقفة قدامها… عينيها باين فيها خوف وتوتر شديد…بس العيون دي…مستحيل تنساها!
وفي لحظة… اتأكد إحساسها،
لما البنت رفعت النقاب بسرعة…
اتجمدت ملامحها، وعيونها دمعت بصدمة وهي بتقول:
_ شـــــــــــــــــرف… بنتي!!

بصتلها التانية ببرود قاسي، قتل الفرحة اللي لمعت في عينيها، وقالت:
_ متفرحيش أوي كده… أنا مش جاية أشوفك.

بهتت ابتسامتها، وزادت دموعها وهي بتقول بعتاب موجوع:
_ ليه كده يا بنتي… ليه كده يا شرف؟! ده أنا أمك!

عدّت "شرف" من جنبها بسرعة ودخلت لجوه، قبل ما حد يشوفها…
راحت أوضتها على طول، ووراها أمها اللي عينيها مليانة دموع وذهول…
وقالت بقلق وخوف:
_ إنتِ إيه جابك هنا؟! ده أبوكِ حالف ليقتلك لو شافك…
امشي يا شرف… امشي يا حبيبتي، بلاش تحرقي قلبي عليكِ!

مدّت "شرف" إيديها وخدت صورة كانت جنب السرير، وحطتها في شنطتها…
وقالت بنبرة مليانة كره وغضب:
_ أنا أصلًا همشي من غير ما تقولي…
مش عايزة أشوف ولا أعرف حد فيكم تاني!
بس أنا جيت أختبر ضميرك… للمرة الأخيرة…
وأطلب منك مساعدة!

_ عيوني… مستغناش عنك.
قالتها "سميحة" بحب صادق، رغم القسوة اللي قدامها…
تنهدت "شرف" بعمق وقالت ببرود:
_ لا… مايلزمنيش الكلام ده…
أنا عايزة ورق في خزنة "راشد"… بخصوص أملاك ولاد عمي "صالح" الله يرحمه.

اتوسعت عينيها بصدمة، وقالت بصوت متلخبط:
_ صالح؟!… وورق أملاك؟!
ده أنا أجيبهولك إزاي؟!

_ معرفش…
بس اللي أنا عارفاه إني عايزة الورق ده… ومن غير أسئلة!
ولو لسه ليا عندك ذرة رحمة… هاتيه…
وابعتِهولي على بيت "ريان"!
قالتها بنبرة فيها توسل مخنوق…
كأنها بتستجدي لحظة واحدة بس… تحس فيها إن عندها أم بجد.
وقفت "سميحة" قدامها، ورغم الصدمة اللي جواها… ابتسمت بهدوء موجوع وقالت:
_ متتخيليش فرحة قلبي لما شوفتك قدامي تاني وبخير…
ولو الورق ده فيه نجاتك من أبوكِ وأخوكِ…
يبقى حاضر… من قلبي… هاجيبهولك.

رجعت "شرف" لبست النقاب تاني…
واتجهت ناحية الباب…
وقبل ما تخرج، بصتلها بعينين مليانين وجع وقالت:
_ يا ريت… المرة دي تثبتيلي إنك أم بجد.

نزلت عيون "سميحة" اللي اتملت دموع…
ووقفت مكانها عاجزة…
وخرجت "شرف"…تحت نظرات أمها…
نظرات مليانة ندم…
وحسرة بتاكل فيها من جوا!

•         •       •         •
وفي منزل "ريان"
كان واقف في غرفتها، الساعة بقت 10 مساءً وهي لسه مجتش… نار قلبه بتولع فيه، جزء منه هيموت من خوفه عليها،
وجزء تاني هيموت ويقتلها بإيده على اللي عملته ده!!

وفي لحظة كان هو بياخد فيها الغرفة ذهابًا وإيابًا، اتفتح الباب فجأة...
رفع عيونه اللي كلها غضب، فلقاها هي داخلة بكل برود من الباب، وكمان مش واخدة بالها من وجوده قدامها...
في لحظة، راحلها ومسكها بعنف من رسغها، وهزها بعنف هادرًا بها:
_ إنتِ كنتِ فين!؟ كنتِ فين لحد دلوقتي؟! انطقي!!

متنكرش إنها اتخضت من هجومه عليها، فزعت ملامحها وهي شايفاه واقف قدامها، عروقه بارزة من كتر الغضب، وعيونه بتطلع نار… لو قربت منه يمكن تحرقها!
تلعثمت الكلمات في جوفها وقالت:
_ فـ... في إيه؟!

_ في إن مراتي... الست هانم خرجت من البيت من غير إذني من الساعة كام الله أعلم!
صاح بوشها بنفس النبرة، فاترجعت هي للخلف وترمقه بتعجب... وللحظة تذكرت اللي كان بيعمله الصبح
وهو واقف بيبوس مراته بدون خجل ولا حياء على السلم... رجع تاني وهدر في وشها بغضب:
_ انطقي! كنتِ فين؟!

_ وإنتَ مالك كنت فين؟ متروح تشوف مراتك وفكك مني أحسن.
قالتها بغضب كبير هي نفسها مش فاهماه… ليه حبت تعانده في الوقت ده متعرفش… كشّر أنيابه، وتحولت عيناه، وأصبحت مظلمة كالليل من شدة انزعاجه منها… قرب منها بخطى خلتها تتراجع للخلف، وللأسف مكنش فيه غير الباب وراها... رفعت إيديها تحاول تصده من صدره عشان ميقربلهاش، وهَدرت بنبرة مرتجفة:
_ إنتَ بتعمل إيه... ابعد ورا!! ابعد!

نزل إيدها بعنف، وعيونه مولعة بظنون بيتمنى إنها تخيب… قرص على إيديها بدون وعي، وقال بصوت واطي لكنه يشبه هدوء ما قبل العاصفة:
_ قدامك عشر دقايق تقولي فيهم كنتِ فين، وإلا وقسمًا بالله هتزعلي مني جامد أوي!!

احتدت عيناه أكثر وازداد ضغطه عليها، وهي بتبصله بعيون مليانة اشمئزاز ووجع مكتوم من مسكته العنيفه ليها  وقالت:
_ ملكش فيه... ابعد عني، وملكش دعوة بيا... متعملش نفسك مهتم أوي، وإنتَ مراتك كانت هتموتني أول امبارح،
ولطّشتهالي قلمين كأن كده هي  اتحسبت!

دمعت عيونها، واشتعل قلبها بغيرة لا تعرف مصدرها أبدًا، وهتفت:
_ عامل نفسك مهتم أنا مين وفين من الصبح، وإنتَ عايش حياتك عادي... وكأني جثة فوق البيعة! لو إنتَ مش عايزني في حياتك وهي فترة مؤقتة، متقربش مني كده...
متبصليش بالنظرة دي وتحسسني بالأمان، وفي الآخر هتاخده مني... في لمح البصر!

دمعت عيونها أكثر، وطفح الكيل منها، رجعت وقالت بصوت مبحوح:
_ بس برضه عايز تعرف أنا كنت فين... وإنك مهتم أوي؟! أنا كنت عند أهلي!!

_ إنتِ مجنونة؟! إزاي تروحي هناك؟! لو حد شافك منهم هيقتلك!!
هدر في وشها بجنون… بصت في عيونه وقدرت تشوف ده بعينيها فعلًا، هو خايف… مش بيمثل!
رفعت أناملها وجففت دموعها ببطء يذبحه، وقالت من بين شهقاتها:
_ متخفش أوي كده... محدش شافني...
روحت عشان أجيب حاجة مهمة من هناك... كان لازم أنا أجيبها!!

تنهد بعمق وهو بيطلع كل القلق والخوف والغضب في نفس واحد… هو كان هيموت عليها وهي رايحة لبيت أهلها بكل بساطة!
نزلت عيونه عن عيونها اللي مليانة دموع،
ورجع قالها بنبرة عتاب خفيف:
_ طب ليه ما قولتيليش؟ وأنا كنت هجبلك كل اللي إنتِ عايزاه... حتى لو من عيونهم هجيبهولك.
ليه تموتيني من خوفي عليكِ كده وأنا قاعد متلجم وبقول يا ترى...

_ يا سلام! على أساس إني بفرق معاك أوي؟!
قالتها بجمود غريب، ليبتسم هو لطفولتها وملامحها الهادية اللي بتزداد فتنة أكتر وهي بتبكي،
ورجع قال بهدوء:
_ والله كنت هموت من الخوف عليكِ... إنتِ مش مصدقاني؟!

لانت نظرتها للحظة وكادت تبتسم، إلا أنها تذكرت ما حدث صباحًا، فاشتعل قلبها مرةً أخرى… دفعته في صدره بحدة
أفزعته وقالت:
_ بطل كدب بقى... أنا أنا شايفـ...

وقفت عن الكلام وهي بتغمض عينها… مش عايزة تقوله إنها شافتهم… ده هيحطها في مقارنة محرجة… في الآخر هي مجرد وقت وهيعدي وخلاص، لكن التانية هي اللي هتبقى...
أكيد هي مش داخلة تخرب له حياته وتمشي...
غمضت عينيها بعمق، وازدادت ملامحها فتنة وهي بتتذمر زي الأطفال، وقلعت الحجاب اللي على رأسها واتجهت للمرحاض وقالت:
_ تصبح على خير... أفضل إنك تنام بعيد عني النهارده!!

لف بنظرة هو نفسه مش قادر يفهمها… دي أكيد مجنونة!
يعني الحق كان عليها، دلوقتي هو اللي غلطان؟!
لكن رغم كده، هو حط إيده على قلبه وشكر ربنا كويس أوي إنها محصلهاش حاجة… بالعكس، هي بخير!

رجع وبص في الشنطة اللي على إيدها... كان فيها صورة لرجل كبير في السن، باين عليه الطيبة...
وهي قاعدة على رجله، وكانت لسه طفلة لا تقارب الخمسة أعوام!
ابتسم لذكرى لمست قلبه... وهو لسه محتفظ لها بصورة من أول مرة شافها فيها!
رجع بص في الشنطة، فِلمح صورة تانية… كانت هي، وشابين واقفين معاها...
كان أخوها... وولد تاني ميعرفش هو مين!
أو يمكن يعرفه... ده "محمود"!

اشتعل قلبه بنيران الغيرة والحقد على هذا الشاب...
من حظه إن ليه ذكرى معاها من وهما صغيرين، بينما هو لسه قابع في ذكرى هي مش فاكراها حتى!!
ضغط على قبضته بشر، ورفع عيونه بحقد ملي قلبه... وسؤال لسه بيلفح رأسه:
_ هي لسه ليه محتفظة بصور طفولتها معاه ومع أخوها بعد كل اللي عملوه فيها؟!

كلمة هزت كيانه كله، وعصفت بقلبه بعنف، وخرجت الكلمات من لسانه وكأنه مش قادر على نطقها:
_ معقول... معقول تكون لسه بتحبه؟!

•          •        •       •   
وفي يومٍ جديد
كانت "هنا" قاعدة في غرفة حماتها… بتضحك على اللي عملته،
وإن "شرف" شافتهم وهي بتبوسه، وبتردف بكل وقاحة من بين ضحكاتها:
_ كان لازم تشوفي يا طنط نظرتها… وعيونها وهي شايفاني أنا وهو… ولعت كده… ولعت!!

ضحكت والدته بفخر وقالت:
_ جدعة يا بت… والله ما كنتش أظنك إنك بشطارة دي… ها قوليلي بقى، جالك امبارح ولا لأ؟!

اشتعل وجهها خجلًا… هتقولها إنه زقها ومكنش طايقها؟
ضحكت ضحكة خفيفة وغمزت بعينها وقالت:
_ عيب عليكِ… أكيد!!

فهمت التانية مقصدها، فضحكت بهدوء، ورجعت قالت بصوت مليان شوق:
_ شاطرة… اجدعِني بقى يا هنا… عايزة أشوف أحفادي قبل ما أموت!!

سعلت الأخرى بقوة بعد ما خلصت حماتها كلامها…
ملامحها اصفرت، وعيونها اتمَلَت خوف، وردّت بابتسامة هادية:
_ حاضر… متقلقيش يا طنط…!!

ربتت الأخرى على كفها بهدوء وقالت برجاء:
_ ربنا يروقكم يا بنتي، ويبعد ولاد الحرام عنكم…
وأفرح بيكم، وبيعيّلِكم يا رب!!

_ يا رب يا حبيبتي!
قالتها برجاء هي الأخرى… واصفرّ وجهها، كأنها بلعت غصة قوية في حلقها…
أو كأنها بتلعب لعبة كبيرة… أكبر منها بكتير…!!!!

•          •       •         •
وفي المساء
كانت تقف أسفل الحديقة الواسعة… تشاهد ضوء القمر الساطع في السماء ببعضٍ من الراحة.
نفسها كل حاجة وحشة تنتهي… نفسها تاخد حقها، وابنها يكبر في أمان…
وييجي الدنيا وليه حياة كلها دفا… عايزة تخلص من كره أخوها وظلم أبوها… وحياتها اللي مش فاهماها مع "ريان".
لكن…!!

هي مش عايزة ريان يمشي… غريبة جدًا إحساسها اللي لسه متمسك بيه!
بس هو مش ليكِ… وإنتِ مستحيل تحبي تاني… آمنتِ ودوقتي الحب، وكان أصعب قراراتك…
قرار هديتِ فيه حياتك كلها يا "شـــــــــــــرف"!

أمال إيه اللي أنا حاساه جوايا ده… صحيح هي مش طايقاه،
ولا عايزة تبص في وشه، خصوصًا بعد ما شافته مع مراته التانية…
إلا إنها مش قادرة تبطل تفكير فيه!
_ آه يا ربي… أنا تعبت أوي…

قالتها بعد تنهيدة عميقة، وهي لسه باصة للسما!
أما بالأعلى… كان هو واقف بيراقبها بعيون زي الصقر،
بتولع نار ما خمدتش، ولا هتخمد غير لما يتأكد من اللي في باله… "هي لسه بتحب محمود؟!"
ميعرفش ليه لازمة الفكرة دي…

بس هو مستحيل يقدر يتقبل إنها تبقى مراته، وعايشة تحت جناحه، وفي قلبها حد تاني!
يعني هو هيفضل لحد إمتى بيعاني من حبها… اللي هي مش شيفاه أصلًا؟!

وفي لحظة اظلمت عينه، وقرر ينفذ اللي في دماغه…
ونزل على الحديقة في المنزل بخطى بتطوي الأرض تحتها.
كان في دقايق معدودة وصلها…
كل ده تحت نظرات أمه ومراته "هنا" اللي اتصدموا منه جدًا، وإنه حتى مش شايفهم!

فتح باب الجنينه بإيد واحدة، وراح عندها… وقف قدامها لثواني معدودة من غير ولا كلمة،
لكن في لحظتها هي اتفاجئت بوجوده أصلًا… 
اتغير لون وشها لرهبة من أنفاسه اللي بتزيد حرارة من شدة الغضب.
وفي لحظة كان ماسك إيديها وبيجرها وراه بسرعة،
وكأنه مش سامع صوتها وهي مصدومة من اللي بيعمله:
_ إيه… في إيه يا ريان؟ سيب إيدي! إنتَ بتجرني وراك كده ليه!!؟

وهو خارج… اتفاجئ بمراته اللي كانت بترقبهم…
بعدت لوراه من صخب عينه المتسلط عليها، والتانية لسه بتصرخ باعتراض حاد إنه يبعد عنها:
_ أبعد إيدك عني… إنتَ مش بتجر بهيمة وراك!

طلع بيها السلم… وكانت هتقع على وشها من جرّته ليها، لكن ربنا سترها.
وفي لحظة كان وصل الأوضة، ودفعها لجوه بقوة وعنف…
ورجع هدر لـ"هنا" اللي طالعة وراه على السلم، بتتسلط عليهم:
_ محدش يقرب من باب الأوضة… وإلا هتندمي!!

رجعت بخوف لحماتها، واللي أول ما شافتها دبّ الرعب في قلبها وقالت:
_ في إيه يا هنا؟ هي عملت إيه؟!

_ معرفش… أديكِ سمعتي ابنك، مش عايز حد يقرب منهم!؟
قالتها باستهتار… لتضحك الأخرى بحقد وقالت بتشفي:
_ بس باين عليها عاملة مصيبة… يا ريت يخلصنا منها بقى!!

_ يا رب يا طنط… أحسن أنا زهقت!!
قالتها التانية برجاء شديد من الخالق، بشر مالي عيونها وقلبها.

•        •      •      •
أمّا داخل الغرفة، فكانت واقفة وعيونها بتقدح شررًا، لا تستوعب سبب تصرّفه العنيف ولا جره لها على السلم بتلك الطريقة المتهورة… كانت على وشك السقوط في أي لحظة، وكأنّه لم يبالِ بشيء سوى ما يدور بعقله!
اقترب منها بخطواتٍ هادئة… هدوءٍ خادع، لا يشبه نظرة عينيه المشتعلة، ولا أنفاسه المتسارعة.

وقف أمامها لثوانٍ، عروقه بارزة من شدّة الغضب المكبوت بداخله… لتزداد هي اختناقًا من صمته الغامض، قبل أن تنفجر فيه صارخة:
_ هو إيه اللي إنتَ عملته ده، وبعدين إنتَ جررني من تحت لحد هنا عشان خاطر... تفضل تبحلق فيا كده متتكلم ساكت ليه!

كانت على وشك دفعه في صدره، لكنه سبقها… أمسك يدها بسرعة، وجذبها نحوه بقسوةٍ موجعة، جعلتها تتأوّه بصدمة، رافعة عينيها نحوه بذهولٍ وهي تتمتم:
_ إنتَ بتعمل كده ليه...؟

أعادها للخلف بخطوة، ثم اتجه للحقيبة، أخرج منها شيئًا لم تتمكن من تمييزه، ووضعه في يدها ببرودٍ متعمّد، وذراعه خلف ظهره وكأنه بيفرض سيطرته:
_ خدي البسي ده!!

تجمّدت للحظة، تستوعب طلبه الغريب… رفعت ما بيدها ببطء نحو وجهها، وما إن أدركت ماهيته حتى اشتعل وجهها خجلًا، واتسعت عيناها بصدمة وهي تقول:
_ والله العظيم... يعني إنتَ جررني وراك السلم كله وواقفلي عامل زي الغول عشان البسلك قميص النوم ده
قال كده يعني بتخوفني..

رمته في وجهه بحدّة، لكنه التقطه بثبات، ليقبض بعدها على ذراعها قبل أن تبتعد، وقال بنبرةٍ لا تقبل النقاش:
_ هتاخديه وهتلبسيه غصب عنك!!

عقدت حاجبيها بدهشة، ورفعت رأسها بكبرياء متحدٍ:
_ لا والله... وانا إيه يخليني اسمع كلامك والبسه.. ولا إنتَ لاوي دراعي!!

اقترب قليلًا، وصوته انخفض لكنه ازداد قسوة:
_ آه لاوي دراعك... لو مخدتش القميص لبستيه دلوقتي هروح أقول لأهلك مين أبو أبنك الحقيقي!!

تلقّت كلماته كصفعةٍ مباغتة… لم يكن الخوف على "محمود"، بل على خطتها التي قد تنهار في لحظة!
ابتعدت عنه بعنف، وصوتها ارتفع بوجعٍ ممزوج بالغضب:
_ وإنتَ بتعمل ليه كده... انا عملتلك إيه عشان تزلني!

رد ببرودٍ حاد، يخفي خلفه اضطرابًا أعنف:
_ تقدري تقولي عايز أتأكد من حاجة… يلا روحي!

نبرته الآمرة في آخر كلماته جعلت جسدها ينتفض… تعلم جيدًا أنه سينفذ تهديده، وساعتها هتخسر كل شيء.
قبضت على القميص بعنف، ونظرت له بكرهٍ صريح:
_ انا بكرهك!!

وانطلقت مسرعة نحو الحمام… تاركة خلفها فوضى مشاعر لا تقل عن فوضاه.
أما هو، فوقف مكانه، لا يدري إن كان ما يفعله صوابًا أم جنونًا… لكنه على الأقل، سيصل للحقيقة التي تقتله.
بدأ يدور في الغرفة كالمسعور… مرت ساعة كاملة، وهي لم تخرج بعد.

كان يعلم… كانت تبكي بالداخل، عاجزة عن مواجهته… أو ربما عن مواجهة نفسها.

وفجأة…
انفتح باب الحمام.
رفع عينيه تلقائيًا… ويا ليته لم يفعل!
خرجت بخطواتٍ مترددة، عيناها بالأرض، وأصابعها تعبث ببعضها في ارتباكٍ قاتل… غير مصدقة أنها فعلت ذلك.
أما هو… فتجمّد مكانه.
مع كل خطوةٍ تقترب بها، كان قلبه يفقد اتزانه… وعيناه امتلأتا بلهفةٍ حاول عبثًا إخفاءها.
كيف كانت تخفي كل هذا الجمال خلف عباءتها الواسعة؟!
عيناه تحركتا عليها ببطءٍ، بشغفٍ لم يستطع كبته… صبر طويل كان يحاول التمسك به، لكنه الآن يتهاوى أمامها.
كيف سيصمد بعد الآن؟!

انفرجت شفتاه بذهول، وابتلع ريقه بصعوبة، وكأن أنفاسه خانته فجأة…
تمنى، ولو للحظة، أن يضم خصرها بين يديه… فقط ليخبرها كم يعشقها.
كان القميص رقيقًا، ينسدل على جسدها بانسيابيةٍ خاطفة للأنفاس… كأنه خُلق لها وحدها.
يُظهر أكثر مما يُخفي… لكنه عليها كان فتنةً لا تُقاوم.

وقفت أمامه، عاجزة عن التقدم خطوة أخرى… الخجل يُغرقها، والدموع تلمع بعينيها.
لم يكن يريد هذا… كان يتمنى أن تأتي تلك اللحظة برضاها، لا تحت ضغطه.
لكنه… كان ضعيفًا أمامها.

قلبه يتشبث بأي إشارةٍ منها… حتى لو كانت مجرد نظرة.
وقف كجدارٍ يمنعها من الهروب، بينما هي لا تقوى على رفع عينيها نحوه… خرج صوتها مختنقًا:
_ اديني لبسته اتبسط بقا عايزه ادخل اغيره مش عارفه اقف كده!!

_ لاء لسه... مخلصتش!
قالها بجمود، جعلها ترفع عينيها بصدمة، قبل أن يُكمل بنفس النبرة:
_ قربي مني واقفه بعيد ليه!!

_ حلو هنا مش عايزه اقرب أكتر!!
ثبتت مكانها بعناد، لكنه لم يمهلها… أمسك يدها فجأة، وجذبها نحوه بعنف، فاصطدمت بصدره.
رفعت عينيها بذهول، تبحث في نظراته عن تفسير… لكنها وجدت شيئًا آخر أمان! 

رغم كل شيء… كان هناك أمان غريب يحيطها بين يديه.
ارتخى جسدها قليلًا دون وعي، بينما خفّف هو قبضته تدريجيًا.
رفع ذقنها بأطراف أصابعه، يجبرها برفقٍ أن تنظر إليه، وهمس بصوتٍ هادئ:
_ ليه بتهربي مني... ليه مش عايزه تبصلي؟!

تلانت ملامحها، واضطربت أنفاسها، وهمست بخجل:
_ وانا إزاي هبصلك وإنتَ حططني في الموقف ده!
أنتَ مش شايفني عامله إزاي!؟

رفع ذراعه الأخرى، وضمها إليه هذه المرة بحذرٍ مختلف… كأنه يخشى كسرها.
مرر إبهامه على بشرتها برفق، فأغمضت عينيها دون مقاومة…
وفي تلك اللحظة…
تأكد.

لو كان قلبها ما زال مع "محمود"، لما استسلمت له هكذا… ولو للحظة.
ابتسامة خافتة تسللت إليه… لكنها لم تكتمل.
الشك لم يرحل بالكامل.
قطب حاجبيه قليلًا، وسأل بصوتٍ مثقل:
_ أنتِ ليه وفقتي... علي إنك تسمعي كلامي ليه معرضتنيش!!

اتسعت عيناها بصدمةٍ حقيقية من سؤاله… كأنّه فجأة قلب كل شيء ضدها.
تاهت الكلمات على طرف لسانها، ولم تجد مهربًا سوى أقرب كذبة… كذبة تشبه الحقيقة لحدٍ مؤلم.
خرجت أنفاسها متقطعة، وقالت وهي تحاول تثبّت صوتها:
_ عشان انا مش عايزه محمود يوصله إي حاجه عن حملي.. وكمان "راشد" مش هيقتله زي مانت فاهم... 
ولا انا خايفه عليه.. بس في اللحظة دي "راشد" هيتواسخ معاه وياخد منه أملاكه كعوض علي أساس إني فرّقتله... وهيبقا وقتها الكسبان الوحيد هو راشد بس!!!

ظل ينظر لها لثوانٍ، بيحاول يستوعب كلامها… أو يمكن يدور على أي دليل يكذّبه، ثم قال بتعجبٍ واضح:
_ وهو أملاك محمود إيه اللي جابها تحت إيد راشد؟ مهو أكيد مش متخلف وهيتنازل كده!!

زفرت بعمق، وكأنها تُخرج تاريخًا كاملًا من صدرها:
_ عشان... عمي "صالح" لما مات... أملاكه كلها اتورثت لبابا، لأن أولاده كانوا صغيرين جدًا وقتها!
عشان كده كل حاجه بتاعت محمود في إيد "راشد"!

أومأ ببطء، وكأن الصورة بدأت تكتمل أمامه:
_ أممم... أنا فهمت دلوقتي!

نبرته الهادئة أربكتها… خلتها تضيق عينيها وهي بتسأله بشك:
_ ليه؟ وإنتَ كنت فاكر إيه!؟ ليه افتكرتني رديت ألبس القميص ده عشان إيه!!

ابتعدت عنه خطوة، وكأنها أخيرًا استوعبت الإهانة اللي حطّها فيها…
صوتها خرج مصدوم ومجروح:
_ إنت كنت فاكر إني لسه بحبه صح!!

اتلخبطت ملامحه، الكلمات اختنقت في صدره… وملاقاش رد.
والسكوت… كان كفيل يجاوب مكانه.
دفعت صدره بقوة، وعينيها لمعت بوجعٍ واضح:
_ مترد ساكت ليه... هو إنتَ كنت بتعمل كل ده اختبار ليا هااا!؟

دموعها نزلت رغمًا عنها، وصوتها ارتعش وهي بتواجهه بالحقيقة:
_ كنت شاكك فيا... وإني خايفه عليه صح!!

خفض عينيه للحظة، ثم قال بصوتٍ أضعف من كل اللي قبله:
_ شرف أنا... كنت هموت من الفكرة دي...
مكنتش بنام حرفيًا!!

لكن تبريره كان متأخر… أوي.
كسرتها كانت أعمق من إنها تتلم بكلمتين.
هزّت رأسها بعدم تصديق، وصوتها خرج موجوع بشكل جارح:
_ وليه... إنتَ عايز تفهمني إني مهمة أوي كده عندك؟
عايز تفهمني إني أفرقلك أوي...!!

رفع عينيه ليها فجأة، وقال بنبرة فيها تملك صريح:
_ أيوه تفرقيلي… إنتِ مراتي!!

الكلمة وقعت عليها كأنها إهانة، مش اعتراف.
اشتعلت عينيها بغضب، وصاحت فيه:
_ إنتَ كداب... إنت بس كنت عايز تردي غرورك!
وإن إزاي معاك وفي قلبي حد تاني!!!

_ لأ مش كدب!!
هدر بها، وهو بيقربها منه بعنف خلاها تتوتر، قبضته على ذراعها وجعتها…
بصت له باشمئزاز واضح، وكأنها شايفاه لأول مرة:
_ لا كداب... بأمارة إني شوفتك امبارح واقف على السلم عمال تبوس في الست اللي كانت هتقتلني... !!!

اتسعت عينه بصدمة حقيقية…
هي شافته؟!
اتجمّد مكانه، ولسانه اتعقد… كان لسه هيبرر
لكنها سبقته.
رجعت خطوة لورا بسرعة، ورفعت إيدها قدامه كحاجز، وصوتها خرج حاد وقاطع:
_ إياك تقرب مني!!!ولا تلمسني تاني!!

الكلمات وقفته مكانه… رجّع خطوة لورا فعلًا.
لأول مرة… يخاف يقرب.
كان عارف إنه لو ضغط أكتر من كده… هيخسرها فعلًا.

لكنها مادتلوش فرصة.
لفّت وجريت من قدامه… في لحظة، سابت المكان كله… وسابت قلبه معاها.
وقف ثواني مكانه، كأنه مش مستوعب إنها مشيت.
ثم فجأة، اندفع وجلس على الفراش بعنف، ومرر إيده في شعره بعصبية.
قبض على طرف الفراش بقوة، وعينيه اشتعلت بغل واضح… مش منها، لكن من التانية.
وخرج صوته غليظ، مليان وعيد بارد:
_ آه يا بنت الكلـ.... لو موريتك أيام سوده… مبقاش أنا!!

•          •         •

وفي يومٍ آخر… لم يتغير شيء.
بل على العكس… كانت لا تزال حبيسة الغرفة الأخرى، لم تخرج منها وكأنها قررت تعاقبه بالصمت.
أما هو… فكان مستلقيًا على ظهره، عينيه معلقتين بالسقف في هدوءٍ مخادع،
لكن داخل رأسه… كانت تدور آلاف الحكايات، وأسوأ الاحتمالات.

فجأة…
انفتح الباب.
خرجت من غرفة الملابس على عجلة، ملامحها جامدة، وخطواتها سريعة كأنها تهرب من المكان كله.
اعتدل هو فورًا، وقلبه سبق خطواته ناحيتها… حاول يوقفها، صوته خرج متلخبط لأول مرة:
_ شرف... أنا آسف مكنش قصدي اخليكِ تفهمي كده!!
توقفت.

لكنها لم تلتفت له… فقط رفعت يدها تمنعه من الاقتراب، وكأن بينه وبينها حاجز غير مرئي.
ثم قالت بصوتٍ بارد، أقسى من أي صراخ:
_ لو سمحت ملوش لزوم الاعتذار… ده مش هيرجع لا إهانتي ولا كرامتي اللي أنت بعترتها في الهوا!!

كلماتها نزلت عليه كضربة مباشرة… خلته يتجمد لحظة.
كانت على وشك تمشي، وتنهي أي محاولة منه للكلام
لكن فجأة… صوته خرج، حاد ومندفع… كأنه سبق تفكيره:
_ شرف أنا عملت كده عشان بحبك!!

الصمت…
ضرب المكان كله.
وقفت مكانها كأن الزمن اتشل.
عيونها اتفتحت بصدمة حقيقية، مش قادرة تستوعب الكلمة اللي خرجت منه بسهولة كده…
أما هو… فكان واقف قدامها، أنفاسه تقيلة، وعينيه بتقول كلام أكتر من اللي اتقال.
كأنه لأول مرة… بيعرّي قلبه قدامها من غير حواجز.
قرب خطوة… ببطء، بحذر، وصوته المرة دي كان أوطى… لكن أصدق:
_ أيوه بحبك…
بحبك لدرجة خلتني أعمل حاجات غبية… خلتني أشك… وأخاف… وأتهور!
أنا كنت بموت كل يوم وأنا فاكر إنك ممكن تكوني لسه لغيري… فاهمه يعني إيه إحساس زي ده!؟

بلعت ريقها بصعوبة… قلبها بدأ يخبط بعنف، مش عارفة ده خوف… ولا حاجة تانية بتحاول تنكرها.
كمل وهو بيبصلها بثبات موجوع:
_ أنا عمري ما كنت عايز أذلك… ولا أكسرك…
أنا كنت بس… عايز أتأكد إنك ليا… لوحدي!

آخر جملة خرجت منه كانت أهدى… لكنها أخطر.
لأنها كانت صادقة جدًا.
لكنها…
لسه واقفة مكانها، مش قادرة تتحرك، ولا حتى ترد.
مشاعر متلخبطة بتشدها من كل اتجاه…
كلامه لمس حاجة جواها… لكنها رافضة تعترف.
وفجأة

خبط على الباب.
الصوت كسر اللحظة… قطعها بطريقة حادة، كأن حد أنقذها من إنها تقع أكتر.
جت "سميرة" من برا، وصوتها طالع باحترام:
_ ست شرف… دي أنا "سميرة"، في واحدة تحت بتقول إنها أمك وعايزة تشوفك!!
 

               الفصل الثالث عشر من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة