
سلمى جاد
أدهم كرر جملته وهو بيبص لياسمين نظرة غريبه :
"أنا هبقى وكيل آنسة ياسمين.. لو هي موافقة طبعاً."
الكل بصله باستغراب، وعلي سأله بدهشة حقيقية:
"حضرتك يا أدهم بيه؟"
أدهم ماردش على علي، فضل مثبت نظره على ياسمين اللي كانت بتبص له بذهول ودموعها نازلة على خدها زي الشلال. قرب منها خطوات هادية وموزونة لحد ما وقف قصادها مباشرة، وقال بنبرة واطية بس مسموعة:
"لو آنسة ياسمين موافقة.. أنا يشرفني أكون في مقام والدها النهاردة."
ياسمين بصت لعلي وهي مش عارفة تقول إيه، لسانها اتلجم من المفاجأة. علي قرب منها وميل لمستواها وهمس لها:
"ياسمين.. موافقة أدهم بيه يكون وكيلك؟ لو مش موافقة عادي، إنتي ممكن تبقي وكيلة نفسك."
رفعت عينيها لأدهم اللي كان واقف مستني ردها، عيونهم اتلاقت لثواني معدودة، لكنها كانت كفاية تخلي ياسمين تحس برعشة غريبة في قلبها.
شافت في عينيه نظرة مريبة، كأنه بيترجاها توافق، وكأن الموقف ده يهمه هو شخصياً أكتر منها. هزت رأسها بموافقة وهي مش عارفة ليه عيونه أثرت فيها بالشكل ده، وليه مشدودة ليهم بالدرجة دي رغم إنها أول مرة تقابله.
أدهم قعد جنب المأذون من ناحية، والناحية التانية قعد علي. المأذون طلب منهم يحطوا إيديهم في إيدين بعض، وحط المنديل الأبيض عليهم وبدأ مراسم العقد. وفي دقايق، كان المأذون بيقول جملته الشهيرة اللي هزت كيان ياسمين:
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.. بالرفاء والبنين."
زغروطة منى انطلقت في الشقة كلها
أدهم قام بهيبته المعتادة، ملامحه كانت هادية. مد إيده لعلي وسلم عليه بقوة وهو بيبتسم ابتسامة صافية نادراً ما بتظهر منه وقال:
"مبروك يا علي..."
علي رد بامتنان وهو بيضغط على إيد أدهم:
"الله يبارك فيك يا أدهم بيه، وقفتك دي دين في رقبتي ليوم الدين."
لف علي وبص لياسمين، وعينيه كانت بتلمع بهيام وفرحة مكنتش قادرة توصفها الكلمات. مسك إيدها بتملك كإنه بيثبت للعالم كله إنها ملكه. ياسمين وشها بقى جمرة نار من الكسوف ونزلت عينيها في الأرض، بس كانت حاسة لأول مرة في حياتها بأمان ملمستوش قبل كدة.
منى وشها نور بفرحة مش طبيعية، وقفت في نص الصالة وقالت بصوت عالي وهي بتمسح دموع الفرح:
"لا ده أنا مش هسيبكم كدة.. أنا هشغلكم الأغنية اللي كنت بغنيهالك يا علي يا حبيبي وأنت صغير ."
منى راحت شغلت الكاسيت، وطلعت أغنية "يامّا حمامي سرح" بصوتها الشعبي المبهج. منى مأكتفتش بكدة، راحت زقت علي ناحية ياسمين وهي بتضحك: "قوم يا عريس ارقص مع عروستك"
ياسمين كانت بتضحك بكسوف، علي مسك إيديها بحنان وبدأ يرقص معاها بهدوء، يرفع إيدها وهي في ايديه ويحركها في الهوا، وهو بيبصلها بنظرات كلها هيام:
"يامة حمامى سرح..
ويّا حمام الواد على
وطلعت له بمقشِّة.. ونزلت له بمقشِّة
ولقيت حمامة بتتمَّشى.. مع حمام الواد على"
علي قرب من ياسمين بمرح وهز كتافه ناحيتها وهو بيضحك، وياسمين ضحكتها طلعت من قلبها لأول مرة، وكأن الأغنية دي فكت كل التوتر اللي كان جواها:
"يامة حمامى اتخلط..
ويّا حمام الواد على
وطلعت له بالتوللي.. ونزلت له بالتوللي
واتلخبط وردي على فُلي.. ويا حمام الواد على"
ياسمين بتغني مع كلمات الأغنيه ،وهي بتشاور على علي بكسوف .وبتهز كتافها برقه ودلع:
: يامة حمامى اتخلط ، ويّا حمام الواد على
وطلعت له بتفاحة
ونزلت له بتفاحة
ولقيت حمامة فلاّحة
مع حمامة الواد على
وطلعت له بالكوسة
ونزلت له بالكوسة
ولقيت حمامة مدسوسة
مع حمام الواد على
- يامة حمامى اتخلط ، ويّا حمام الواد على.
الكل كان بيسقف وعلي مندمج في الرقص مع ياسمين، والأجواء كانت قمة في السعادة والدفا..
أدهم كان متابعهم بعنيه.. وجواه مشاعر مش عارف يفسرها..هو مبسوط وهو شافها مبسوطه ..لكن مش لاقي تفسير لمشاعره ناحيتها ؛ لأنها مش مشاعر راجل لواحدة ست عاجباه ..هو مش غيران مثلا انها بترقص مع علي.
وفي عز اللحظة دي، موبايل علي اللي كان محطوط على الترابيزة جنب أدهم بدأ يرن بحدة وورا بعضه. علي مكنش سامع ولا حاسس بأي حاجة غير ياسمين والأغنية، فأدهم مد إيده وأخد الموبايل. خرج للبلكونة بسرعة، ورجع وعينه بتدور على علي.
أدهم قرب من علي وهو لسه ماسك إيد ياسمين وبيرقص، وميل على ودنه وهمس بصوت واطي وواضح:
"علي.. المستشفى كلمتك .. منصور فاق."
ياسمين أول ما سمعت اسم منصور مسكت في دراع علي بخوف ووشها بقى لونه أصفر. علي ضمها ليه وقال لأدهم بتحدي وقوة:
"ياسمين بقت مراتي يا أدهم بيه، ومحدش له حق عندها.. أنا هروحله المستشفى دلوقتي."
علي طبطب على كتف ياسمين وباس راسها ، وهو بيطمنها بصوته الرخيم:
"ماتخافيش يا ياسمين..راجعلك، هروح بس أحط النقط على الحروف وأنهي الكابوس ده للأبد عشان نعيش حياتنا صح."
أدهم وعلي ومعاهم جميلة خرجوا من الشقة. أدهم طلب من السواق يرجّع جميلة القصر فوراً، وركب هو مع علي في عربيته واتوجهوا بأقصى سرعة للمستشفى..
بمجرد ما قفلوا الباب والضيوف والمأذون مشيوا، الشقة هديت فجأة، وبان الخوف والارتجاف على ياسمين اللي كانت لسه بفستان فرحها الأبيض بس قلبها كان بيتعصر من الرعب. قعدت على الكنبة وضمت نفسها، منى قربت منها بحنان وقعدت جنبها وأخدت إيدها بين إيديها:
"مالك يا بنتي؟ في إيه؟ أنا حاسة إن وراكي حمل جبال."
ياسمين بكت بانهيار، وبدأت تحكي لمنى كل حاجة؛ حكت عن قسوة منصور، وعن الليلة اللي هربت فيها وقابلت علي، وعن خوفها إن منصور يرجع يسيطر عليها تاني.
منى حضنتها بقوة ومسحت دموعها وهي بتواسيها:
"استهدي بالله يا بنتي.. علي راجل وسيد الرجالة، وعمره ما هيسيبك. ولا هيسمح لأبوكي إنه يلمس شعره منك، واعتبري اللي فات ده مات..، والخير كله جاي."
__________________________________
أدهم وعلي دخلوا الغرفة بخطوات ثابتة، صوت وقع أحذيتهم على الأرضية السيراميك كان هو الصوت الوحيد اللي كسر هدوء الممر. قفلوا الباب وراهم بالمفتاح، وحاصروا السرير اللي نايم عليه منصور، وراسه ملفوفة بالشاش الأبيض وعينيه بتتحرك بصعوبة من أثر الخبطة.
منصور بصلهم باستغراب وخوف وهو مش قادر يحدد ملامحهم بوضوح، وسأل بصوت مبحوح:
"انتوا مين؟ وعايزين مني إيه؟"
علي قرب منه وعينيه بتطلع شرار، الغضب كان مسيطر عليه لدرجة إنه كان بيتنفس بصعوبة، وقال بصوت حازم:
"أنا علي.. جوز ياسمين."
منصور اتنفض وحاول يقعد رغم الوجع اللي في راسه، وبص لعلي بذهول:
"ياسمين؟ ياسمين مين يا جدع أنت؟ أنت اتجننت؟"
هنا اتقدم أدهم السويسي بخطواته المرعبة ووقف في مواجهة منصور مباشرة، وقال بنبرة مليانة احتقار:
"ياسمين بنتك.. ولا بلاش أقول بنتك، لأنك لو هي بنتك فعلاً مكنتش حاولت تعمل وساختك دي معاها.
هيبة أدهم ونبرة صوته خلته يتهته في الكلام ويحس بضعفه وهو مرمي على السرير:
"أنا.. أنا مش فاهم أنت بتتكلم عن إيه! وفين ياسمين بنتي؟ رجعوها لي!"
علي ضغط على فكه بقوة، وقرب من وش منصور لدرجة إن أنفاسه الغاضبة كانت بتحرق وش منصور، وقال بوعيد:
"أنت تنسى إن كان ليك في يوم بنت.. ياسمين خلاص اتمحت من حياتك، ومش هتشوف ظلها حتى. ولو فكرت مجرد تفكير إنك توصل لها، أنا هموتك بإيدي.. أنا حايش نفسي عنك بالعافية ومراعي إنك كنت في يوم أبوها، بس من اللحظة دي أنت ولا حاجة."
علي كمل وهو بيشاور على نفسه بتحدي:
"ياسمين دلوقتي بقت مراتي، ولو حاولت مجرد محاولة إنك تقرب من طرفها، هشرب من دمك يا منصور."
أدهم بص لمنصور بنظرة قرف وكأنه بيتعامل مع حشرة، وطلع محفظته ورمى مبلغ مالي على الطرابيزة اللي جنب السرير وقال ببرود قاتل:
"أنا هدفعلك فلوس المستشفى عشان ماتترميش في الشارع زي الكلب.. رغم إن ده مقامك، بس بنتك أنضف منك بكتير ومش عايزة تشيل ذنبك."
أدهم وعلي لفوا ضهرهم وخرجوا من الأوضة بكل كبرياء، وسابوا منصور وراهم مصدوم، باصص في الفراغ برعب وجسمه بيترعش.
_________________________________
علي دخل الشقة والهدوء كان سيد الموقف، بص في ساعته لقاها عدت 11 بالليل؛ اتنهد وهو بيظن إن خالتو منى وياسمين استسلموا للنوم بعد اليوم الطويل ده.
بدأ يقلع جاكيت البدلة بيطء، وفك زراير قميصه الأبيض بإرهاق وهو بيتحرك ناحية أوضته عشان ينام.
فتح الباب ودخل، لكنه اتصنّم مكانه والأنفاس انقطعت للحظة.. ياسمين كانت قاعدة على سريره، مستنياه.
ياسمين كانت غيرت فستان الفرح، ولابسة بيجامة ستان باللون الأزرق الملكي، ربع كم، ومزينة بالدانتيل الرقيق عند الصدر، مخلية بشرتها البيضاء تنور. أول ما شافته، قامت وقفت بارتباك، وعينيها غصب عنها جت على صدره وعضلاته البارزة بسبب زراير القميص المفتوحة، بلعت ريقها وسألته بصوت مهزوز:
"علي.. اتأخرت كدة ليه؟ "
علي فضل ساكت لثواني، عينه كانت بتتمشى على تفاصيلها بذهول، كأنه بيشوفها لأول مرة. ياسمين استغربت صمته وقربت خطوة وهي بتنادي عليه بصوت أعلى ظنا إنه مسمعش سؤالها : "علي؟"
هز راسه بسرعة وكأنه بيفوق من سحرها، وحاول يخشن صوته عشان يداري ارتباكه:
"احم.. ااا.. أنا روحت واتكلمت معاه، وخليته ينسى إن كان ليه بنت اسمها ياسمين تماماً."
قرب منها خطوات هادية، وعينيه مثبتة عليها بجرأة ومكر مبيظهروش غير معاها، وكمل بنبرة رجولية حاسمة:
"عشان إنتي دلوقتي بقيتي مراتي.. ملكي أنا بس."
سكت لحظة وهو بيبص حواليه في الأوضة وسألها بخبث: "بس إيه اللي مقعدك في أوضتي في وقت متأخر زي ده ؟"
ياسمين حاوطت نفسها بدراعاتها بتوتر، وقالت وهي بتبص في الأرض:
"أنا.. أنا كنت نايمة في أوضتي عادي، بس قولت أستناك هنا عشان اتأخرت أوي، وكنت عايزة أعرف عملت إيه ."
علي رسم ابتسامة نصر صغيرة على وشه، وقرب أكتر لحد ما بقى بيفصله عنها سنتيمترات، وهمس بمكر: "امممم.. ودلوقتي؟ عرفتي اللي حصل.. إيه اللي هيحصل بعد كدة؟"
ياسمين حست بقلبها هيخرج من مكانها، ومبقتش عارفة تودي عينيها فين من قربه، قالت بلجلجة:
"أنا.. أنا هخرج أروح أوضتي بقا.. تصبح على خير."
اتحركت بسرعة ناحية الباب اللي كان موارب، لكنها اتخضت لما لقت علي في ثانية بقى قدامها وحاصرها على الباب اللي قفله بإيده، وأنفاسه العالية كانت مسموعة في هدوء الأوضة.
"ياسمين.."
همهمت بصوت مكتوم وهي باصة للأرض: "نعم.."
علي رفع دقنها بإبهامه برقة، وأجبرها تبص في عينيه اللي كانت مليانة هيام وشوق، وقال بصوت رخيم:
"إنتي مش هتخرجي من أوضتي يا ياسمين."
ياسمين ضمت شفايفها بخجل وارتباك قاتل وسألته بضعف: "ليه؟"
علي قرب أكتر لدرجة إن جبهته لمست جبهتها، ومشاعره غلبته في اللحظة دي، وكأن كل تعبه وخوفه عليها طلع في كلمة واحدة: "عشان ده اللي المفروض يحصل.. وعشان أنا مش قادر أبعد أكتر من كدة."
وقبل ما ياسمين ترد، مشاعره جرفته وقرب منها بجنون، لكن ياسمين بشهقة مكتومة وانفاس متسارعة همست: "علي.. أرجوك.."
علي فجأة اتصلب مكان، وغمض عينيه بقوة، وبعد عنها واداها ضهره وهو بيحاول يتمالك أعصابه وأنفاسه اللي بقت زي النار
ونسي في لحظة إنها ممكن تكون لسه خايفة من اللي عاشته مع أبوها. قال بصوت مكسور ومليان أسف:
"أنا أسف.. أنا عارف إنك لسه مش متعودة عليا، وغصب عني.. تقدري تروحي أوضتك.. تصبحي على خير."
ثواني عدت والصمت بقى تقيل وموجع في الأوضة. علي كان لسه مديها ضهره ومستني يسمع صوت الباب بيتفتح ويتقفل وراها، لكنه اتصنم مكانه لما حس بجسمها الرقيق بيحاوط ضهره، وإيديها الصغيرة لفت حوالين وسطه، ودفنت راسها في قميصه من ورا بخجل، وأنفاسها السريعة كانت بتخترق القماش. وقالت بصوت واطي بس واثق:
"بس أنا مش خايفة يا علي.."
علي فتح عينيه بصدمة، ولف ليها بسرعة وهو مش مصدق، لقاها باصة له بخجل فطري بيسحر، لكن ملامحها مكنش فيها أي أثر للخوف.. كان فيها حب واستسلام كامل ليه.
هنا علي مقدرش يصبر ثانية كمان، وقرب منها بجنون وهو بيشيلها بين إيديه، وكأن العالم كله اختفى ومبقاش فيه غيرهم .
__________________________________
بزغ فجر يوم جديد، والشمس بدأت تتسلل بهدوء من بين ستائر الغرفة، وكأنها بتعلن عن بداية جديدة لحياة كل أبطالنا. فتح عينه بكسل وهو بيتمطع، والابتسامة مالية وشه، إحساس غريب وجميل بالراحة كان مالي قلبه لأول مرة من سنين.
بص جنبه وشاف ياسمين نايمة بعمق، ملامحها كانت هادية جداً وشعرها مبعثر على المخدة، كأنها طفلة لقت أمانها أخيراً. قرب منها وباس راسها بحب، ومشى إيده على خدها برقة، لكن فجأة موبايله رن وكسر اللحظة دي.
أخده بسرعة من على الكومودينو قبل ما صوت رنة الموبايل تزعجها وتصحى، وبص في الشاشة ورد بعد ما عرف هوية المتصل
رد بصوت واطي وهامس:
"أيوة.. ها إيه الأخبار؟"
جاله الصوت من الناحية التانية بلهجة عملية:
"كله تمام يا علي بيه.. الورق خلص ، تقدر تيجي تستلمه النهاردة."
علي اتنفس بعمق وقال:
"تمام.. أنا جايلك حالاً."
قفل المكالمة ونفخ بضيق، مكنش عايز يسيب ياسمين في أول صباح ليهم مع بعض، لكن ما باليد حيله ده شغله.
قام بسرعة، أخد شاور سريع ولبس هدومه، وقبل ما يخرج، وقف ثواني يتأمل ياسمين وهي لسه غرقانة في النوم. ابتسم لنفسه وقرر إنه هيخلص مشواره في أسرع وقت ويرجع لها.
__________________________________
في مكان بعيد تماماً، وتحديداً في ولاية كاليفورنيا بـ أمريكا، كانت الأجواء مختلفة. نادية كانت بتتحرك في أوضة النوم زي الفراشة، بتقفل الشنط وحركات إيدها فيها حماس وسعادة مكنتش قادرة تخبيها. أخيراً، بعد سنين طويلة من الغربة والبعد، جوزها وافق إنهم يرجعوا مصر.
فجأة، دخل محمود الأوضة، وقف وراها وحط إيده على كتفها بحنية وهو بيراقب فرحتها اللي ظاهرة في كل تفصيلة:
"شكلك متحمسة أوي لرجوعنا يا نادية.. مش قادرة تستني كام ساعة لحد الطيارة؟"
نادية لفت ليه وشها منور وفرحتها واصلة لعينيها:
"أيوة طبعاً يا محمود! أنا بقالي سنين مستنية اللحظة دي.. مشتاقة لكل حاجة في مصر، لهواها، وشوارعها، والناس اللي وحشونا."
محمود ملامحه اتغيرت فجأة، واتنهد بقلق واضح، وكأن فيه حمل تقيل شايله على قلبه طول السنين دي:
"بس أنا خايف يا نادية.. تفتكري هيكرهني لما يعرف الحقيقة؟ تفتكري هيسامحني إني سبته السنين دي كلها وهو فاكر إني ميت؟"
نادية قربت منه، مسكت إيديه بحنان وطمنته بصوتها الهادي:
"هيكرهك ليه؟ عشان كنت بتحميه؟ يا محمود أنت عملت كدة عشان تنقذ حياته .. أنا متأكدة إنه لما يشوفك ويسمع منك الحقيقة، هيفهم أنت ليه زيفت موتك واختفيت.. هو محتاجلك يا محمود، وأنا واثقة إنه هيسامحك وهترجعوا عيلة زي زمان وأحسن."
رد بنبرة حزينه : " تعرفي ..كان نفسي أوصل لمكان ياسمين بنتي بس .. كإنها اختفت من وقت ما خرجت من الملجأ ."
نادية:" انشاء الله تلاقيها وربنا هيام شملكم كلكم ."
أمن محمود على كلامها وهو بيبص من الشباك للسما، وكأنه بيبعت سلام لـ أدهم اللي سابه طفل صغير وبيرجعله وهو راجل، بس السؤال اللي كان شاغل باله: "أدهم السويسي هيقبل وجود أبوه اللي فاكره مات .. ولا الحقيقة هتكون صدمة تكسر كل حاجة؟"
__________________________________
أدهم كان قاعد في مكتبه، الجو هادي والستائر شبه مقفولة. ماسك موبايله وعينه منزلتش من على صورة لقطها خلسة امبارح في كتب الكتاب. الصورة كانت لياسمين وهي بتضحك من قلبها وهي بترقص مع علي، ملامحها كانت صافية ورقيقة لدرجة خطفت أنفاسه.
أدهم مكنش لاقي مبرر للي عمله، ولا ليه صوّرها أصلاً من غير ما حد يحس، بس لقى نفسه بيمسح بإبهامه على ملامحها في الصورة وكأنه بيلمس وشها بجد، والابتسامة اترسمت تلقائي على وشه وهو بيتأمل رقتها.
وفجأة، أول ما سمع خبط على الباب، قفل الموبايل بسرعة وحطه على المكتب بجمود كأنه مكنش بيعمل حاجة
.
دخل علي بابتسامة عريضة وروح معنوية عالية، وميعرفش طبعاً إن مديره وصاحبه من ثواني كان بيتأمل صورة مراته.
علي: "صباح الخير يا أدهم بيه."
أدهم حاول يرجع لبروده المعتاد ورسم ابتسامة هادية: "صباح النور يا عريس.. خير؟ جيت ليه؟ مش كنت قايلي إنك مش هتيجي النهاردة وعايز إجازة؟"
علي رد بحماس: "أنا فعلاً مكنتش جاي، بس الواد اللي مكلفينه يخلص ورق الورث كلمني النهاردة الصبح وقالي إن الورق كله جاهز."
أدهم انتبه لكلامه، وعينه لمعت بتركيز: "يعني الورق دلوقتي معاك؟"
علي مد إيده جوه جيب الجاكيت وطلع ظرف كبير وعطاه لأدهم: "أيوة، اتفضل."
أدهم مسك الورق وبدأ يقرأه بتمعن شديد، وملامحه بدأت تتغير لنظرة غامضة مش مفهومة. هز راسه ببطء وقال: "تمام يا علي، تقدر تمشي أنت دلوقتي."
علي لسه بيلف ضهره عشان يخرج، أدهم ناداه فجأة بصوت متردد:
"علي.. هي ياسمين عاملة إيه؟"
علي وقف مكانه، ووشه اتغير تماماً. ضيق حواجبه باستغراب، ونبرة صوته قلبت لغيرة واضحة مقدرش يتحكم فيها:
"وأنت بتسأل عنها ليه ؟"
أدهم حس إنه اتحط في موقف بايخ، وقلبه دق بسرعة من التوتر. كان نفسه يقوله إنه مش قادر يشيل صورتها من خياله، بس استجمع ثباته ورد بجدية عشان يداري ارتباكه:
"أنا قصدي.. أكيد هي متضايقة من اللي حصل لأبوها في المستشفى، مهما كان ده أبوها، وكنت عايز أتطمن إنها بخير مش أكتر."
علي بص له لثواني بنظرة فاحصة، وكأنه بيحاول يقرأ اللي ورا كلامه، وبعدين هز راسه وقال باختصار:
"الحمد لله هي كويسة ومبسوطة.. عن إذنك."
خرج علي وساب أدهم غرقان في أفكاره، بيبص للموبايل اللي على المكتب وعقله بيقوله إنه بدأ يدخل في منطقة خطر..".
__________________________________
جميلة كانت قاعدة في جنينة القصر لوحدها، باصة للسما الصافية وعقلها كأنه دايرة مفرغة من الأفكار اللي مابتخلصش. كانت بتفكر في حياتها اللي اتشقلبت في مده قصيرة، وإزاي البنت اللي كانت داخلة القصر ده وهي مابتقكرش غير في مصلحتها وبس، وإزاي تنجو وتعيش حتى لو بالسرقة، اتغيرت ١٨٠ درجة.
اعترفت لنفسها أخيراً وهي بتغمض عينيها بوجع: "أنا حبيته.. أنا بجد حبيت أدهم."
الحب ده هو اللي خلى نار الغيرة تاكل في قلبها امبارح وهي بتراقب نظراته لياسمين، مرات علي. حست إنها مهما عملت هتفضل في نظره المحتالة اللي جت تسرقه وقلبها بيوجعها كل ما تفتكر إنها هتبعد عنه وهو هيكرها.
هي عارفة إن حياتها كانت صعبة ومريرة، بس دلوقتي فهمت إن ده مش مبرر أبداً للي عملته، خصوصاً بعد ما أدهم حكى لها عن حياته الصعبة، وإزاي شال شيلة يزن لوحده وبنى إمبراطورية السويسي من تحت الصفر بعد ما كانت هتنهار.
مبقتش قادرة تكون أنانية، وقلبها بقى يميل للطيب، حتى يزن.. بقت بتحبه كأنه حتة منها، ساعات تحسه أخوها وساعات تانية تحس بكيان الأمومة ناحيته.
فاقت من سرحانها على صوت خطوات ثابتة ورزينة وراها. لفت بسرعة ولقت أدهم جاي ناحيتها بملامح غامضة مش مفهومة، وقبل ما ترسم على وشها ابتسامة، اتفاجئت بـ إبراهيم طالع من وراه والضحكة والانتصار ماليين وشه.
أدهم وقف قصادها مباشرة، ملامحه كانت مشدودة وجادة جداً، وقال بصوت بارد قطع كل حبال الأمل جواها:
"أنا خلاص خلصت أوراق الورث يا جميلة.. تقدري تمضي دلوقتي وتاخدي نصيبك ."
جميلة اتسمرت مكانها، الدنيا اسودت في عينيها وحست إن الأرض بتهتز تحت رجليها.
بصت لأدهم بزهول ووجع ..
يعني إيه؟ كدة كل حاجة خلصت؟ .....