
في منزل لمى خالة بيجاد
كانت لمى جالسة على الأرض، ظهرها إلى الحائط، شعرها منكوش، تحدّق في الفراغ كأنها ترى أشباحًا لا يراها أحد. تضحك… ثم تصمت فجأة.
أمامها تالين، واقفة، ذراعاها متشابكتان، عيناها مشتعلة بالحقد.
تالين (بصوت مكبوت يغلي):
«شايفة؟ شُفتِ بعينك يا ماما؟ شُفتِ لما الحقيقة طلعت؟ ولا لسه مش مصدّقة؟»
لمى تضحك ضحكة قصيرة هستيرية، ثم تضرب الأرض بكفها.
لمى:
«أنا كنت عارفة… عارفة إنهم كذابين… كلهم… كلهم كدّابين!»
تالين تقترب منها، تنحني أمامها.
تالين:
«بس اللي وجعتني مش نوال… اللي وجعتني ربى.»
تشدّ على الكلمة الأخيرة بأسنانها.
تالين (بحقد صريح):
«ربى… الست المهذبة، الهادية، اللي داخلة بيت بيجاد كأنها أميرة. وأنا؟ أنا بنت خالته، دمي من دمه، واقفة أتفرج.»
لمى ترفع رأسها ببطء، عيناها زائغتان.
لمى:
«سرقتك… سرقت مكانك… سرقت حلمك…»
تالين (بانفعال):
«أيوه! سرقت كل حاجة!
الفلوس… الاسم… البيت… وحتى نظراته.»
تضحك بسخرية جارحة.
«عارفة؟ كانت بتبصلي كأنها بتشفق عليّ… شفقة!»
لمى تبدأ في هزّ رأسها بعنف.
لمى:
«الشفقة أسوأ من الكره… الشفقة بتكسر…»
ثم تصمت فجأة، وتخفض صوتها.
«بس أنا… أنا مش مجنونة… هم اللي خلّوني كده.»
تالين تبتلع ريقها، تنظر حولها للبيت الصغير.
تالين:
«شايفة ده؟ ده بيتنا الحقيقي.
مش الفيلا… مش الصور… مش الكذب.»
تجلس على الكرسي المهترئ، تضرب بقدمها الأرض.
«وبيجاد؟ بيجاد واقف في النص… ولا عمره شافنا.»
لمى تضحك مجددًا، لكن هذه المرة بدموع.
لمى:
«هو شاف… بس اختار ما يشوفش.»
لحظة صمت ثقيل.
تالين (بصوت أخف، لكنه أعمق):
«أنا مش عايزة أؤذيه… ولا حتى عايزة أؤذيها.»
ترفع عينيها، وفيهما نار.
«بس الكره ده… الكره ده مش راضي يطلع من قلبي.»
لمى تمد يدها، تمسك يد ابنتها بقوة غير متزنة.
لمى:
«خليه… خليه جواكي…
الكره عمره ما بيموت… بيستنى.»
تالين تنظر إلى يد أمها، ثم إلى وجهها المتعب.
تالين (بمرارة):
«وأنتِ؟»
لمى تبتسم ابتسامة مكسورة، نصفها وعي ونصفها جنون.
لمى:
«أنا استنيت كتير… واستنيت غلط.»
يخيم الصمت.
المصباح يومض.
تالين تهمس لنفسها، لا لأمها:
«ربى… فاكرة نفسك كسبتي؟»
لا تهديد.
لا خطة.
فقط حقد حيّ… يتنفس… وينتظر.
**********************
بعد فترة قصيرة
أغلقت تالين باب غرفتها بهدوء، كأنها تخشى أن يسمع أحد أفكارها.
أسندت ظهرها إلى الباب للحظة… أغمضت عينيها… وزفرت طويلًا.
تقدّمت ببطء نحو المرآة.
وقفت أمامها.
تأملت انعكاسها طويلًا.
شعرها مرتب رغم الفقر، ملامحها ناعمة، عيناها واسعتان، وجه لا ينقصه شيء.
مدّت يدها ولمست خدها بخفة.
تالين (تهمس لنفسها):
«أنا… شكلي مش وحش.»
ابتسامة باهتة ظهرت ثم اختفت سريعًا.
«عمري ما كنت ناقصة جمال… ولا عقل.»
سكتت.
عيناها بدأت تبتعدان عن الشكل… وتتعمقان أكثر.
وفجأة…
الذكريات هاجمتها.
نظرات حقد.
كلمات لاذعة قالتها بتهور.
غيرة صامتة تحولت لسمّ.
فرح الآخرين الذي كانت تفسده داخلها.
شدّت قبضتها.
تالين (بصوت مرتجف):
«بس روحي…»
تضحك بسخرية موجعة.
«روحي قبيحة.»
رفعت رأسها وحدّقت في عينيها في المرآة.
«أنا اللي خرّبت نفسي بإيدي.»
صمت.
تنفّست بعمق… مرة… مرتين.
تالين:
«كرهت ربى… مش عشان هي سيئة…
كرهتها عشان أنا كنت ضعيفة.»
تلمع الدموع في عينيها لكنها لا تسقط.
«كنت دايمًا بحط نفسي في مقارنة…
ودايمًا بطلع خسرانة.»
اقتربت خطوة أخرى من المرآة، حتى كادت تلامسها.
صوتها صار أكثر ثباتًا.
«بس كفاية.»
كلمة خرجت حاسمة.
تالين:
«كفاية حقد… كفاية دور الضحية… كفاية لوم.»
مدّت يدها ومسحت بخار أنفاسها عن المرآة.
وكأنها تمسح شيئًا أعمق.
«أنا مش محتاجة أدمّر حد علشان أكون أحسن.»
ابتسامة صغيرة… حقيقية… ظهرت لأول مرة.
«ولو فضلت كده… هبقى زي ماما… ضايعة… غرقانة… ومش فاهمة نفسها.»
ارتعشت للحظة.
ثم قالت بصوت منخفض لكن صادق:
«وأنا مش عايزة النهاية دي.»
تبتعد خطوة، تنظر لنفسها كاملة.
«أنا هتغيّر… مش علشانهم… علشان نفسي.»
سكتت، ثم أضافت وكأنها تعاهد نفسها:
«وهبدأ من دلوقتي.»
أطفأت المصباح.
بقي انعكاسها في الظلام…
*************************
في مشفى قنا – الممر أمام غرفة العناية المركزة
اندفع زياد أولًا في الممر، خطواته سريعة رغم تعبه،
وخلفه حور تكاد تركض، يدها على صدرها، أنفاسها متقطعة،
وملك إلى جانبهما تحاول أن تكون ثابتة لكنها ترتجف.
لمحوا من بعيد نيروز جالسة على الكرسي، وجهها شاحب،
وإلى جانبها سليم القيصري واقف، يضع يده على كتفها،
وبيجاد واقف أمام باب غرفة ليل، عيناه لا تفارقان الضوء الأحمر فوق الباب.
حور (بصوت مبحوح، يكاد ينكسر):
«ليل… بنتي فين؟»
اقتربت منهم بسرعة، كأنها تخشى أن تختفي الإجابة.
بيجاد التفت فورًا، صوته هادئ لكنه جاد:
«هي بخير يا طنط حور… الحمد لله.»
ثم أضاف بصدق:
«العملية نجحت… بس لسه ما فاقت.»
حور وضعت يدها على فمها،
وعيناها امتلأتا بالدموع دفعة واحدة.
«الحمد لله… الحمد لله…»
انهارت فجأة، كأن جسدها لم يعد يتحمل.
أمسك بها زياد بسرعة، احتواها بذراعيه.
زياد (بصوت منخفض، قوي رغم الارتجاف):
«هي قوية… زي أمها.»
في تلك اللحظة، نهضت نيروز ببطء.
خطت خطوات مترددة نحوهم، رأسها منخفض، عيناها حمراوان من البكاء.
نيروز (بصوت مكسور):
«أنا… أنا آسفة.»
توقفت، كأن الكلمات تخونها.
«أنا ما كنتش شايفة… خرجت فجأة قدامي… وأنا…»
بدأت تبكي، بكاءً صامتًا موجعًا.
«أنا صدمتها… أنا السبب.»
سليم القيصري حاول أن يتكلم، لكن زياد سبقه.
اقترب من نيروز،
نظر إليها بعينين مليئتين بالتعب… والحنان.
زياد:
«بصي لي يا نيروز.»
رفعت رأسها ببطء.
زياد (بحزم أبوي دافئ):
«إنتِ ما صدمتيش بنتي.»
نيروز شهقت:
«بس—»
زياد قاطعها بلطف،
ومدّ ذراعيه واحتضنها فجأة، احتضان أب حقيقي.
«إنتِ أنقذتيها.»
تجمدت نيروز للحظة… ثم انفجرت بالبكاء في حضنه.
زياد:
«لو ما كنتيش إنتِ في الطريق…
لو ما كانتش عربيتك ظهرت في اللحظة دي…
مكنتش بنتي رجعتلنا.»
حور اقتربت،
وضعت يدها على ظهر نيروز وهي تبكي معها.
حور:
«إنتِ بنتنا… قبل ما تكوني أي حاجة تانية.»
ملك مسحت دموعها، وقالت بصوت متأثر:
«ربنا بعثك في الوقت الصح.»
بيجاد تنفس بعمق، وكأنه أخيرًا سمح لنفسه بالراحة.
سليم القيصري شدّ يد نيروز برفق.
سليم:
«شايفة؟
ربنا اختارك تكوني سبب نجاتها.»
نيروز (ببكاء):
«كنت فاكرة إن حياتي انتهت…»
زياد:
«لا.»
ابتسم ابتسامة حزينة مطمئنة.
«حياة بنتي لسه مكملة…
وده بفضل ربنا… وبفضلك.»
ساد الصمت للحظة.
كلهم نظروا إلى باب غرفة العناية المركزة.
الضوء الأحمر ما زال مضاءً…
لكن هذه المرة،
كان في القلوب أمل.
***********************
كان الجميع ما يزال واقفًا أمام الباب،
حين دوّى صوت خطوات سريعة في آخر الممر.
التفتوا جميعًا…
عاصم.
ملامحه شاحبة، عيناه حمراوان، أنفاسه غير منتظمة،
وخلفه رؤى تركض بالكاد تواكبه، تبكي بحرقة وتضع يدها على فمها.
رؤى (بصوت متهدّج):
«ليل… فين ليل؟!»
اندفعت نحو حور، احتضنتها بقوة وكأنها طفلة صغيرة.
حور شدّت عليها بقلب أم:
«اطمني يا حبيبتي… لسه جوه، بس بخير.»
أما عاصم…
فلم ينطق.
تقدّم بخطوات بطيئة، نظر إلى باب الغرفة كأنه يخشى الاقتراب،
كأن مجرد لمسه للباب قد يكون اعترافًا بأن الأسوأ ممكن.
صوته خرج أخيرًا… مكسورًا:
عاصم:
«هي… عايشة؟»
بيجاد اقترب فورًا، وضع يده بقوة على كتف عاصم.
بيجاد (بحزم أخوي):
«عايشة يا عاصم.
والعملية نجحت.»
سليم القيصري أضاف بسرعة، محاولًا تثبيته:
«إصاباتها كانت خطيرة، آه…
بس ربنا ستر.»
عاصم أغمض عينيه فجأة،
وكأن جسده قرر أخيرًا أن يسمح للدموع بالنزول.
مرر يده على وجهه بعصبية:
«كنت فاكر…
كنت حاسس إني هفقدها.»
صوته انكسر في آخر الجملة.
اقتربت منه نيروز بخجل وألم:
«عاصم… أنا—»
لكن عاصم رفع يده فورًا، أوقفها.
نظر إليها بعينين موجوعتين… لكن بلا لوم.
عاصم:
«ولا كلمة.
إنتِ سبب إنها تكون هنا دلوقتي.»
ثم نظر إلى زياد:
«لو ما كانتش…»
زياد قاطعه بهدوء حاسم:
«قدر ربنا.»
وفجأة…
انفتح باب غرفة العناية المركزة قليلًا.
خرجت الممرضة، وعلى وجهها ابتسامة مهنية دافئة.
الممرضة:
«الحمد لله… الآنسة ليل فاقت.»
لثانية كاملة…
لم يتحرك أحد.
ثم—
حور:
«إيه؟!»
رؤى صرخت بفرح وبكاء معًا:
«فاقت؟!»
عاصم تقدّم خطوة واحدة، صوته خرج بالكاد مسموع:
«صح؟»
الممرضة ابتسمت أكثر:
«أيوه… فاقت، وبتسأل.»
وضعت يدها في الهواء بهدوء:
«بس لو سمحتم…
مش كلكم تدخلوا مرة واحدة.»
ضحكت بخفة:
«هي لسه ضعيفة.»
انفجر المكان بمزيج من البكاء والضحك.
حور سجدت مكانها:
«الحمد لله… الحمد لله.»
رؤى احتضنت نيروز بقوة:
«ربنا عوضنا… ربنا كريم.»
بيجاد تنفّس بعمق وكأنه كان حابس نفسه منذ ساعات.
سليم القيصري ابتسم أخيرًا ابتسامة ارتياح صادقة.
أما عاصم…
فوقف مكانه،
يده ترتجف،
عيناه معلّقتان بالباب.
زياد اقترب منه، وضع يده على ظهره.
زياد (بصوت منخفض):
«ادخل…
هي محتاجاك.»
عاصم هزّ رأسه ببطء،
وكأن الكلمات أثقل من أن تُستوعب.
ثم تمتم لنفسه:
«أنا جاي يا ليل…
ما سيبتكش… ومش هسيبك أبدًا.»
************************
في الطائرة المتجهة من روما للقاهرة
رامي جلس وذراعه معقودة، نظراته حادة، باردة، كأنها مشرط.
في المقعد المقابل نادين، شاحبة، عيناها حمراوان من البكاء الذي حاولت كتمه.
وعلى الطرف، بجانب النافذة، الساندرو… ساق فوق ساق، ينظر إلى الفراغ، لا يهمه سوى الوصول.
ساد صمت ثقيل…
قطعه رامي أخيرًا بنبرة ساخرة:
رامي:
«لانيرا…
اسم حلو، صح؟»
جسد نادين انتفض.
رفعت رأسها ببطء، وكأن الرصاصة جاءت متأخرة لكنها قاتلة.
نادين (بصوت مبحوح):
«إنت…
إنت عرفت إزاي؟»
رامي ابتسم… لكن بلا أي دفء.
رامي:
«لأنك غلطتي غلطة وحدة بس…
بس كفاية.»
اقترب قليلًا، خفّض صوته:
«في ملف قديم، متشال من الأرشيف من خمس سنين…
عميلة مصرية اختفت فجأة، وبعدها بسنة ظهرت لانيرا في شبكات المافيا الإيطالية.»
نظر مباشرة في عينيها:
«ونفس الأسلوب…
نفس البرود…
نفس الذكاء اللي بيلعب على الحافة.»
نادين أغلقت عينيها بقوة، دموعها انفلتت أخيرًا.
نادين (بانهيار):
«أنا ما كنتش عايزة كده!
مراد… مراد دمّرني!»
رامي (بقسوة):
«لا.
إنتِ دمّرتي نفسك.»
نادين رفعت صوتها، لأول مرة:
«قتل أبويا!
قتل اللواء عبد الكريم القناوي!»
بكت وهي تتكلم، أنفاسها متقطعة:
«وبعدها لعب في دماغ آدم…
خلّاه يصدق إني بخونه، خلّاني أطلع من حياته وأنا بريئة!
وأنا…
أنا كنت لوحدي، مكسورة، ضعيفة…»
رامي قاطعها بحدة:
«وضعفك ما يديكيش الحق تبيعي بلدك.»
الكلمة ضربتها كصفعة.
رامي تابع، صوته منخفض لكن قاتل:
«مراد ما مسكش إيدك ووقّعك.
إنتِ اللي اخترتي.
اخترتي المافيا…
اخترتي تكوني لانيرا.»
نادين صرخت هامسة:
«كان لازم أعيش!»
رامي:
«كان ممكن تعيشي بشرف.»
سكتت.
لم تجد ردًا.
من الطرف الآخر، الساندرو التفت أخيرًا، نبرة باردة، خالية من أي انفعال:
الساندرو:
«مشاعركم الوطنية دي مملة.
أنا يهمني شيء واحد بس…»
نظر إلى نادين:
«هل لسه ناوية تقتليه؟»
نادين مسحت دموعها بعنف، عيناها تحولتَا لشيء مظلم.
نادين (بحقد أسود):
«أنا رايحة أقتل مراد.
مش علشانكم…
ولا علشان البلد…»
نظرت إلى رامي مباشرة:
«علشان نفسي.»
رامي نظر لها باشمئزاز صريح، بلا أي محاولة لإخفائه.
رامي:
«الفرق بينا…
إني لو قتلت مراد، هكون بنفذ عدالة.
إنتِ رايحة تنتقمي…
والانتقام دايمًا بيخلّي القاتل شبه ضحيته.»
ساد صمت جديد.
الساندرو أعاد نظره للنافذة، كأن الحوار انتهى بالنسبة له.
الساندرو ببرود:
«باقي ساعتين ونوصل القاهرة.
بعدها…
كل واحد فينا يعمل اللي شايفه.»
نادين أغمضت عينيها.
صورتا آدم وزين مرّتا في ذهنها كطعنة أخيرة.
همست، بالكاد تُسمع:
«سامحوني…»
رامي لم يرد.
اكتفى بالنظر للأمام،
كأنه يرى النهاية…
ويكره الجميع الذين اختاروا هذا الطريق.
***********************
في شقة رامي في سويسرا
استفاق رائد ببطء.
لم يكن الألم أول ما شعر به…
بل الفراغ.
سقف الغرفة أبيض، مرتب، غريب.
الستائر نصف مفتوحة، ضوء رمادي بارد يتسلل من الخارج.
نهض قليلًا، أسند ظهره إلى الوسادة، ومرر يده على وجهه كأنه يتأكد أنه ما زال موجودًا.
نظر حوله.
هذه الغرفة… يعرفها، ولا يعرفها.
هذا السرير… مريح، لكنه لا يحمل أي ذكرى.
تنهد بعمق.
همس لنفسه، بصوت خافت:
«عاصم…»
توقف.
تعجب من نفسه.
لماذا هذا الاسم بالتحديد؟
لماذا كلما حاول أن يمسك بشيء في داخله، يظهر هذا الاسم كوميض؟
ضغط على صدغه، الألم عاد خفيفًا.
«مين أنت…؟
وليه حاسس إنك مش غريب عني؟»
شعر بضيق، كأن روحه تعرف أكثر مما يسمح له عقله.
في تلك اللحظة، سُمع صوت مفتاح في الباب.
ثم خطوات هادئة.
دخلت إلينا.
كانت تحمل صحنًا صغيرًا، يتصاعد منه بخار خفيف، ورائحة دافئة ملأت المكان.
ابتسمت فور أن رأته مستيقظًا.
إلينا (بلطف صادق):
«أحسن توقيت.
كنت لسه جاية أصحيك.»
اقتربت، جلست على طرف السرير، ومدّت له الصحن.
«حساء دجاج…
وعدتك إني أطبخ لك حاجة تشبه البيت.»
رائد نظر للحساء، ثم إليها.
ابتسامته كانت باهتة… لكنها حقيقية.
رائد:
«ريحته…
غريبة.»
ضحكت بخفة:
«غريبة ولا حلوة؟»
رائد:
«حلوة…
بس توجع شوية.»
رفعت حاجبيها بقلق:
«توجع؟ ليه؟»
أخذ الملعقة، حرّكها ببطء.
رائد:
«لأني حاسس إن في حاجة شبه كده في حياتي…
بس مش قادر أفتكرها.»
سكتت لحظة، ثم قالت بهدوء:
«وإنت مش مطلوب منك تفتكر دلوقتي.»
أخذ رشفة صغيرة.
تنفس بعمق.
رائد، بصوت مكسور قليلًا:
«إلينا…
أنا تعبان من التفكير.»
نظرت إليه باهتمام كامل.
«حاسس إني مش أنا.
حاسس إني شخص ناقص…
بلا ماضي، بلا حاضر.»
رفع عينيه لها، وفيهما شيء طفولي مؤلم:
«إزاي الإنسان يعيش وهو مش عارف هو مين؟»
اقتربت أكثر، دون أن تلمسه، لكنها كانت قريبة بما يكفي ليشعر بها.
إلينا:
«إنت مش بلا هوية، رائد.
إنت بس في مرحلة…»
بحثت عن الكلمة:
«…إعادة تعارف مع نفسك.»
ابتسم بسخرية خفيفة.
رائد:
«لوكاس قال غير كده.»
تجمدت ملامحها فورًا.
إلينا (بانزعاج واضح):
«لوكاس؟
إيه اللي قاله؟»
رائد أنزل نظره، صوته منخفض:
«قال إني مجرد شخص مجهول.
بلا ماضي، بلا جذور…
ويمكن بلا قيمة.»
رفعت رأسه فجأة، نبرتها حادة على غير عادتها:
إلينا:
«ما تسمحش له يقول عنك كده.»
رائد تفاجأ من حدتها.
إلينا تابعت، بعصبية مكبوتة:
«لوكاس مريض…
مش طبيًا بس، نفسيًا.»
تنهدت، ثم قالت بهدوء مصطنع:
«هو بيكره أي شخص قوي من الداخل.
وأنت… حتى وانت فاقد ذاكرتك، فيك قوة تخوفه.»
رائد نظر لها طويلًا.
رائد:
«غريب…
إنتِ بتتكلمي كأنك واثقة مني أكتر مني.»
ابتسمت بحنان، ومدّت يدها أخيرًا، وضعتها فوق يده.
إلينا:
«لأني شفتك ثلاث سنين، يا رائد.
حتى وانت نايم…
كنت بتحارب.»
ابتلع ريقه.
«تحارب إيه؟»
إلينا هزت رأسها بلطف:
«مش وقته.»
ثم أضافت، بنبرة دافئة:
«لكن اللي متأكدة منه…
إنك مش شخص بلا قيمة، ولا بلا هوية.»
نظرت في عينيه مباشرة:
«هويتك مش ذاكرتك بس.
هويتك في طريقة نظرتك، في إحساسك بالناس، في خوفك إنك تكون غلط.»
ساد صمت قصير.
رائد شعر بشيء يضغط على صدره…
لكن ليس ألمًا هذه المرة.
رائد، بصوت خافت جدًا:
«أنا لما بصحى…
أول حاجة بفتكرها، وشك.»
تفاجأت.
تورد وجهها قليلًا.
إلينا:
«رائد…»
قاطعها، صوته صادق، عاري:
«يمكن لأني مش فاكر غير اللي حقيقي.»
لم ترد.
اكتفت بأن ضغطت على يده برفق.
ثم قالت بهدوء:
«اشرب الحساء كله.
وبعدها ترتاح.»
ابتسم.
رائد:
«ولو قلت لك إني مش عايز أنام؟»
إلينا:
«ليه؟»
نظر لها، بعينين ممتلئتين بشيء جديد… شيء يشبه الحب:
«لأني لما أصحى…
بخاف أرجع أضيع.»
ابتسمت بحنان عميق.
إلينا:
«وأنا هنا.
ولو ضعت…
هتلاقيني.»
وفي تلك اللحظة،
رغم فقدان الذاكرة…
شعر رائد لأول مرة
أنه ليس وحيدًا.
************************
في مصر مشفى قنا
تحركت أصابع ليل ببطء.
رمشت… مرة… مرتين…
كل شيء ضبابي.
أول ما شعرت به… ألم.
ألم حاد في رأسها، كأن أحدهم يضغط عليه من الداخل.
همست بصوت متعب:
«آه…»
فورًا، اقتربت حور من السرير، وكأن قلبها كان ينتظر تلك الهمسة.
حور (بلهفة مرتعشة):
«ليل… حبيبتي… أنا هنا… أنا جنبك.»
فتحت ليل عينيها أكثر.
الصورة بدأت تتضح.
وجه أمها…
شاحب، عينان منتفختان من البكاء.
همست ليل بصوت واهن:
«ماما…؟»
انفجرت دموع حور فورًا، لكنها حاولت أن تبتسم.
حور:
«أيوه يا روحي… ماما هنا…
أنتِ بخير… الحمد لله… الحمد لله…»
مدت يدها تمسح شعرها بلطف شديد، وكأنها تخشى أن تتألم حتى من اللمس.
على الجانب الآخر، كان زياد واقفًا صلبًا… لكن عينيه تقولان كل شيء.
اقترب خطوة، أمسك يد ابنته.
زياد (بصوت منخفض لكنه ثابت):
«حمد لله على سلامتك يا ليل.»
نظرت له، ابتسمت ابتسامة صغيرة رغم الألم.
«بابا…»
ثم تحرك ببطء شخص ثالث…
كان واقفًا قرب النافذة، يراقبها منذ أن بدأت تفتح عينيها.
عاصم.
اقترب ببطء… وكأنه يخشى أن يكون حلمًا.
صوته خرج مبحوحًا:
«ليل…»
التفتت إليه.
وللحظة… نسيت الألم.
همست باسمه:
«عاصم…»
أغمض عينيه للحظة، كأنه يستعيد روحه التي غابت عنه ساعات طويلة.
اقترب أكثر، لكنه لم يلمسها… فقط انحنى قليلًا.
«كنتِ هتروحي مني…»
حور مسحت دموعها بسرعة، محاولة أن تبقى قوية.
ليل حاولت أن ترفع رأسها قليلًا، فتأوهت من الألم.
زياد بسرعة:
«براحة يا حبيبتي… ما تتحركيش.»
ليل بصوت ضعيف:
«رأسي… بيوجعني أوي…»
عاصم فورًا:
«هندّي الدكتور…»
ليل هزت رأسها بخفة:
«لا… استنى… أنا كويسة.»
تنفست بعمق… ثم فجأة، تغيرت ملامحها.
لم تعد الفتاة المتألمة فقط…
شيء في عينيها أصبح أكثر صلابة.
زياد لاحظ ذلك.
زياد (بنبرة هادئة لكن مباشرة):
«ليل…
مين اللي خطفك؟»
سؤال كان يعرف إجابته…
لكنه أراد أن يسمعها منها.
حور نظرت له بقلق:
«زياد… سيبها ترتاح شوية.»
ليل نظرت لوالدها… ثم إلى عاصم…
ورغم التعب، قالت بوضوح:
«مراد.»
ساد صمت ثقيل.
عاصم شدّ قبضته بقوة حتى برزت عروقه.
ليل أكملت، وصوتها أصبح أكثر ثباتًا:
«عن طريق مروة… زميلتي.»
حور شهقت:
«مروة؟!»
ليل أومأت.
«هي اللي استدرجتني… قالت إن في دكتورة مستنياني…
خدتني لمكان فاضي…
وبعدين واحد خدرني.»
تنفس عاصم بصعوبة، صوته أصبح مظلمًا:
«أذوكي؟»
ليل نظرت له مباشرة.
«لا…
بس كانوا مستنيين أوامر.»
نظرة واحدة تبادلها زياد و عاصم.
نظرة واضحة جدًا.
نهاية مراد… رسميًا.
زياد اقترب أكثر، صوته صار حاسمًا:
«اسمعيني يا ليل.
بعد شوية هييجي ضابط ياخد أقوالك.»
عاصم أكمل، ونبرته لا تقبل النقاش:
«هتقولي كل حاجة.
اسم مروة… واسم مراد.»
ليل نظرت لهما…
ثم قالت بإصرار واضح رغم التعب:
«هقول كل حاجة.
مش هخاف.»
حور أمسكت يدها بسرعة:
«بس من غير ما تضغطي على نفسك…»
ليل نظرت لأمها بحب.
«ماما… لو سكتنا… مش هيوقف.»
زياد عينيه لمعتا بفخر رغم القلق.
«دي بنتي.»
عاصم اقترب أخيرًا، جلس بجانبها، أمسك يدها برفق هذه المرة.
«أنا كنت هقتله بإيدي امبارح.»
ليل نظرت له بهدوء.
«عارفة.»
ثم همست:
«بس خلّيه يتحاسب صح…
عشان ما يأذيش حد تاني.»
صمت.
ثم أضافت، وعيناها تلمعان بإصرار:
«أنا مش الضحية.
هو اللي خلاص انتهى.»
عاصم ابتسم ابتسامة خطيرة.
زياد قال بهدوء قاتل:
«هو فعلاً انتهى.»
وفي تلك اللحظة…
لم يكن في الغرفة فتاة مريضة فقط…
كان هناك شهادة ستُسقط إمبراطورية رجل
عاش عمره يعتقد أنه فوق الحساب.
**********************
في فيلا الشرقاوي
رائحة العرق والغضب تملأ المكان.
مراد جالس على كرسي خشبي ثقيل، يداه مقيدتان خلفه، وقدماه مربوطتان.
وجهه متورم من ضرب عاصم…
لكن عينيه؟
لا تزالان مليئتين بالجنون.
صرخ فجأة:
«يفكر نفسه مين؟!
الولد الحقير ده يقيدني في بيتي؟! في بيتي أنا؟!»
ضحك ضحكة هستيرية قصيرة.
«أنا مراد الشرقاوي!
اللي الكل كان بيقف له احترام!
أنا اللي بنيت إمبراطورية!
أنا اللي لعبت بالكل زي الشطرنج!»
مال برأسه للخلف، يتنفس بسرعة، وكأنه يخطب أمام جمهور وهمي.
«خالد مات…
وادهم اتكسر…
زياد طول عمره كان تحت رجلي وهو مش واخد باله!
ورائد؟»
ابتسم ابتسامة مظلمة.
«اختفى… زي ما أنا حبيت.»
صوت المفتاح في الباب أوقف ضحكته.
انفتح الباب ببطء.
دخل سليم…
وفي يده صينية طعام.
خلفه مباشرةً، وقف زين، صامتًا هذه المرة… بلا ابتسامة.
مراد التفت، وعيناه اشتعلتا.
«أهو جه الابن العاق.»
سليم وضع الصينية على الطاولة أمامه بلا كلمة.
نظرة واحدة فقط…
نظرة احتقار صريح.
مراد ابتسم بسخرية:
«جايبلي أكل؟
ولا جايبلي سم؟»
سليم قال ببرود:
«ولا ده ولا ده.
لسه بدري على موتك.»
مراد ضحك:
«إنت فاكر نفسك راجل كده؟
تربيت في قصوري… أكلت من مالي…
وفي الآخر تبقى كلب لزياد؟»
سليم اقترب خطوة.
«ما تقولش اسمه.»
مراد نظر له بحدة.
«إنت ابني!
وازاي تسمح لحد يهين أبوك بالشكل ده؟»
قبل أن يرد سليم، تكلم زين لأول مرة.
صوته لم يكن مرحًا كعادته.
كان باردًا… قاطعًا.
«العم زياد دلوقتي مع ليل في المستشفى.»
مراد تجمد للحظة.
زين أكمل:
«ليل فاقت…
واعترفت بكل حاجة.»
الصمت نزل ثقيلًا.
مراد حدّق فيهما، غير مصدق.
«بتكذبوا.»
سليم قال بهدوء جارح:
«لا.
قالت اسمك.
وقالت اسم مروة.
والشرطة جاية تاخدك رسمي.»
مراد انفجر:
«مستحيل!
أنا فوق القانون!
أنا—»
قاطعه سليم، لأول مرة بصوت مرتفع:
«إنت مجرم.»
الغرفة صمتت.
مراد نظر لابنه بصدمة حقيقية هذه المرة.
«إيه؟»
سليم اقترب أكثر، عينيه تلمعان بالغضب المكبوت منذ سنوات.
«طول عمري شايفك قدوة.
فاكر إنك قوي… ذكي…
طلعت شيطان.»
مراد همس بذهول:
«إنت… بتكلمني كده؟»
سليم ابتسم بسخرية مريرة.
«أنا مستمتع بإهانتك.»
تلك الجملة نزلت كصفعة أقسى من كل ضرب عاصم.
مراد حدق فيه…
كأن الأرض اهتزت تحته.
«أنا أبوك.»
سليم رد فورًا:
«لا.
أنت عدوي.»
صمت.
زين قال ببرود:
«استعد للسجن يا مراد.
المرة دي مفيش خروج.»
مراد فجأة بدأ يضحك…
ضحكة خافتة في البداية…
ثم ارتفعت.
«فاكرين انتهيت؟
فاكرين اللعبة خلصت؟»
نظر لسليم مباشرة.
«زياد لسه عايش.»
سليم شد فكه.
مراد همس بجنون واضح:
«أنا هطلع.
وهقتله.
المرة دي قدام عينيكم.»
زين اقترب خطوة، عينيه اشتعلتا.
«لو فكرت تقرب منه…»
مراد قاطعه بابتسامة مريضة:
«هشوف قلبه بيتحرق على بنته…
زي ما أنا اتحرقت سنين.»
سليم لم يتحمل أكثر.
لكمه بقوة في وجهه.
«كفاية!»
ثم استدار للخروج.
زين نظر لمراد نظرة أخيرة.
«انتهيت.
حتى لو مش شايف ده.»
خرجا وأغلقا الباب خلفهما بقوة.
الصمت عاد.
مراد تنفس بصعوبة…
ثم بدأ يفكر.
عيناه تحركتا في الغرفة.
الحبال…
النافذة…
الحارس بالخارج…
ابتسم ببطء.
«لسه بدري…»
همس لنفسه:
«أول حاجة… أخرج.
تاني حاجة… زياد يموت.»
عيناه امتلأتا بظلام حقيقي.
«حتى لو كانت آخر حاجة أعملها في حياتي…
زياد الزهراوي لازم يموت بأبشع طريقة.»
والجنون في عينيه كان يؤكد شيئًا واحدًا…
الرجل لم يسقط بعد.
**********************
في مطار القاهرة الدولي
الركاب يخرجون تباعًا… حقائب تُسحب… أصوات إعلانات متقطعة.
تقدّم الثلاثة بخطى ثابتة.
الساندرو… ببدلته الداكنة ونظرته الباردة.
نادين… وجهها شاحب لكنه صلب.
رامي… هادئ… يراقب كل شيء بعين ضابط اعتاد قراءة الخطر.
وقفوا لحظة قرب بوابة الخروج.
صمت ثقيل بينهم.
كان يمكن لرامي أن يرفع سماعة صغيرة في أذنه الآن…
خمس دقائق فقط…
ويُعتقل الساندرو بتهمة دولية.
ونادين بتهمة أخطر.
لكنه لم يفعل.
الساندرو ابتسم ابتسامة جانبية.
«كنت أتوقع أساور معدنية بانتظاري.»
رامي نظر له دون انفعال.
«لو أردتك الآن… ما كنت خرجت من الطائرة أصلًا.»
الساندرو ضحك بخفة.
«إذًا؟»
رامي اقترب خطوة، صوته منخفض لكنه حاد.
«أنتما لا تريدان الهرب.
تريدان مراد.
وأنا… أريده أيضًا.»
نادين نظرت إليه بسرعة.
رامي أكمل:
«الفرق بيني وبينكما… أنني لا أتحرك بدافع الانتقام.»
نظرت له نادين نظرة طويلة… خليط بين الألم والتمرد.
«بل تتحرك بدافع القانون؟»
رامي ابتسم بسخرية خفيفة.
«القانون أحيانًا يحتاج مساحة ليتنفس.»
فهم الساندرو المعنى.
«تريدنا أن نقودك إليه.»
رامي لم يؤكد ولم ينفِ.
«مراد انتهى.
سواء بيدي… أو بيد غيري.»
صمت.
اقتربت نادين من رامي خطوة، صوتها انخفض.
«رامي…»
نظر لها.
لأول مرة… لم يكن ساخرًا.
كانت في عينيها رجاء حقيقي.
«لا تخبر آدم…»
توقف الهواء للحظة.
«لا تخبره أنني أنا… لانيرا.»
الاسم الذي أربك أجهزة استخبارات كاملة…
العميلة الغامضة التي أربكت مصر وأوروبا.
رامي حدق فيها طويلاً.
ثم قال بهدوء قاسٍ:
«أنتِ لم تُجبرِي على أن تكوني لانيرا.»
نزلت عيناها أرضًا.
«مراد قتل أبي… دمر حياتي… شتت أسرتي—»
قاطعها.
«وكنتِ تستطيعين مواجهته بالقانون.»
رفعت رأسها بعينين دامعتين.
«القانون أمسكه وأخرجه بعد شهور.»
رامي اقترب أكثر، صوته أصبح أعمق.
«أنتِ اخترتِ الطريق الأسهل…
الطريق المظلم.
لا تلقي ذنب اختيارك على مراد.»
الكلمات أصابتها في الصميم.
تنفست بصعوبة.
«آدم… لو عرف…»
رامي رد بسخرية لاذعة:
«آدم كان دائمًا يعرف أنكِ أقوى مما تظنين.
لكن يبدو أنكِ لا تثقين بنفسك كما كان يثق بك.»
سكتت.
الساندرو نظر لساعة يده.
«أقترح أن نتحرك.
لدينا عمل.»
رامي نظر إليه.
«مراد تحت المراقبة.
وأي خطوة طائشة منكما…
لن أتردد هذه المرة.»
الساندرو ابتسم ببرود.
«أحب الصراحة.»
نادين همست لرامي قبل أن تبتعد:
«إن انتهى كل شيء…
ورأيتَ آدم…»
رامي قاطعها دون أن ينظر لها:
«قوليها له بنفسك.
لو بقي لكِ حق في قول شيء.»
تجمدت للحظة.
ثم استدارت وسارت بجانب الساندرو نحو الخارج.
رامي بقي مكانه يراقبهما يبتعدان.
ضابط مخابرات…
ترك أخطر امرأة عرفتها أجهزتهم تسير أمامه دون أصفاد.
لماذا؟
لأنه يعرف شيئًا واحدًا…
مراد لن يسقط إلا إذا انكشف كل الظلام دفعة واحدة.
وأحيانًا…
تترك النار تحرق بعضها…
قبل أن تطفئها.
رفع هاتفه بهدوء.
«فريق المتابعة… الهدفان تحركا.
لا تدخل.
مراقبة فقط.»
ثم أضاف بعد لحظة:
«اللعبة دخلت مرحلتها الأخيرة.»
وأغلق الخط.
************************
في مشفى قنا
خرج زياد وحور بهدوء بعدما ألقى زياد نظرة عميقة على عاصم… نظرة أب يسلّم ابنته لرجل اختاره قلبه قبل عقله.
أُغلق الباب.
ساد صمت خفيف، لا يُسمع فيه إلا صوت الأجهزة الطبية المنتظم.
ليل كانت مستلقية، شاحبة قليلاً، لكن عينيها يقظتان… تبحثان عنه.
عاصم اقترب ببطء.
لم يكن ذلك الرجل الغاضب الذي كاد يقتل مراد قبل ساعات.
كان فقط… عاشقًا خائفًا.
جلس على الكرسي قرب سريرها.
مد يده… ثم تردد…
ثم أمسك أصابعها برفق.
صوته خرج منخفضًا:
«خوّفتِني.»
ابتسمت بخفة رغم ألم رأسها.
«أنا؟ أنت اللي دايمًا تخوّف الناس.»
تنفس بعمق، عيناه لا تفارقان وجهها.
«لما قالوا لي إنك في العمليات… حسّيت إن الدنيا بتتسحب من تحت رجلي.»
ارتجف صوتُه دون أن يشعر.
ليل رمشت ببطء.
«كنت واثقة إنك هتيجي.»
رفع عينيه لها.
«واثقة؟»
«آه.»
ابتسمت بضعف.
«حتى وأنا مربوطة… حتى وأنا بجري في الضلمة… كنت عارفة إنك مش هتسيبني.»
صمت.
كلماتها ضربته في قلبه.
انحنى قليلًا، صوته صار أصدق… أعمق.
«ليل…»
ترددت للحظة.
«أنا غلطت كتير… أذيتك… خطفتك… شكّيت في أهلك… صدقت كدبة…»
نظرت له بهدوء.
«كنت مكسور وقتها.»
«بس ده مش عذر.»
هزت رأسها برفق.
«يمكن… بس أنا عمري ما كرهتك.»
تجمد.
«ليه؟»
ابتسمت بخجل.
«لأني… كنت شايفة وجعك. مش غضبك.»
نظر لها طويلًا… وكأنها ترى ما يحاول هو نفسه الهروب منه.
أخذ نفسًا عميقًا… ثم قالها أخيرًا.
بلا مراوغة.
«أنا بحبك.»
صمت.
الكلمة خرجت صافية… ثقيلة… حقيقية.
«بحبك يا ليل. مش شفقة… مش تعويض… مش تعلق.
بحبك لأنك أنتِ.
لأنك أقوى مني… وأنضف مني… وأصدق مني.»
عيناها اتسعتا قليلاً… ثم احمرّ وجهها بخجل.
حاولت أن تتكلم… لم تستطع.
ابتسم بخفة.
«أهو… أسكتك أخيرًا.»
ضحكت بخجل خافت… ثم همست:
«أنا…»
توقفت.
نظر لها ينتظر.
«أنا كمان بحبك.»
قالتها بخجل، لكن بثبات.
«من زمان… من قبل ما أفهم يعني إيه حب أصلاً.»
اقترب أكثر، عينه تلمع بشيء لم يظهر فيه من قبل… أمان.
«بجد؟»
«كنت غبية؟»
هز رأسه بسرعة.
«لا… أنا اللي كنت أعمى.»
تنهدت.
«كنت دايمًا حاسّة إنك بتتوجع… وكنت نفسي أبقى السبب في شفاك… مش وجعك.»
ابتسم بحنان نادر.
«إنتِ شفائي فعلًا.»
مد يده الأخرى واحتضن كفها بين يديه.
«أقسم لك… بعد اللي حصل… وبعد ما كنت هفقدك…
مفيش حاجة في الدنيا تستاهل أخاطرك بيها تاني.»
نظرت له بجدية.
«ما تبقاش وحش علشاني.»
تجهم قليلًا.
«مش عايزاك تتحول لشخص تندم عليه بس علشان بتحبني.»
نظر لها طويلًا.
ثم قال بهدوء:
«علشان بحبك… لازم أبقى أحسن.»
صمت جميل بينهما.
ليل ابتسمت بخجل خفيف.
«بابا قال لي إن بعد ما كل ده يخلص…»
ابتسم هو.
«هيعمل لنا فرح؟»
اتسعت عيناها.
«إنت عرفت؟»
«أيوه.»
اقترب قليلًا وهمس:
«بس المرة دي… هتبقي زوجتي فعلًا. قدام الكل. من غير خوف… من غير مطاردة… من غير دم.»
احمرّ وجهها أكثر.
«عاصم…»
«هممم؟»
«أنا تعبانة… بس مبسوطة.»
ضحك بخفة.
«تركيبة غريبة.»
«لأني حاسة إن قلبي أخيرًا اختار صح.»
صمت.
ثم مد يده ولامس جبينها برفق، قبلة خفيفة… حذرة… مليئة بالرهبة لا الشهوة.
«ارتاحي.»
همست قبل أن تغمض عينيها:
«متبعدش…»
ابتسم.
«لو مشيت… هاخدك معايا.»
أغمضت عينيها، ابتسامة هادئة على وجهها.
عاصم جلس بجانبها… يمسك يدها.
ولأول مرة منذ سنوات…
لم يكن يفكر في الانتقام.
ولا في مراد.
ولا في الدم.
كان يفكر فقط…
كيف يحمي هذا السلام الصغير الذي بين كفيه.
***********************
في فيلا الراوي
كانت نوال جالسة على الأريكة، وجهها متعب لكن ملامحها أقوى مما كانت عليه قبل أسابيع.
ربى بجانبها، تمسك بيدها وتعدل الوسادة خلف ظهرها.
ربى بابتسامة دافئة:
«تتعبي نفسك ليه يا طنط؟ كنتِ ناديتي عليّ بس.»
نوال نظرت لها بحنان صادق.
«ربى… وجودك جمبي هو اللي مريحني.»
ابتسمت ربى بخجل، تميل برأسها قليلًا.
فجأة…
صوت جرس الباب.
تبادلت ربى ونوال النظرات.
ربى:
«هشوف مين.»
اتجهت نحو الباب.
فتحته.
تجمدت للحظة.
«تالين؟»
كانت تالين تقف أمامها… مختلفة.
لا مكياج مبالغ فيه.
لا نظرة تحدي.
ملامح هادئة… متعبة… وعيناها حمراوان كأنها لم تنم منذ أيام.
ربى بهدوء حذر:
«خير؟»
تالين بصوت منخفض:
«ممكن… أدخل؟ لو سمحتي.»
ترددت ربى لحظة… ثم فتحت الباب جانبًا.
دخلت تالين بخطوات بطيئة.
ما إن رأتها نوال…
اشتعلت عيناها غضبًا.
«إنتِ جاية تعملي إيه هنا؟!»
ارتجفت تالين، لكنها لم تتراجع.
تقدمت خطوة… ثم وقفت أمام خالتها.
صوتها كان مكسورًا.
«أنا… جاية أعتذر.»
ضحكت نوال بسخرية مريرة.
«تعتذري؟ بعد اللي عملتوه؟ بعد ما حاولتوا تكسّروا بيتي؟»
انخفض رأس تالين.
«عارفة… وعارفة إني ما استاهلش تسامح.»
ارتفع صوت نوال، قهر سنين يخرج دفعة واحدة.
«أمك كانت أختي! دمي! كنت فاكرة إن مهما حصل… في حد هيحافظ على العِشرة!»
دموع نوال انهمرت دون إرادتها.
«إزاي وصلتوا لكده؟ إزاي؟!»
ربى أسرعت تجلس بجانبها، تمسك بيدها.
«اهدِي يا طنط… صحتك.»
لكن نوال كانت تبكي…
ليس فقط على ما حدث…
بل على أختٍ ضاعت… وعلى بيتٍ كان يومًا مليئًا بالضحك.
تالين رفعت عينيها، الدموع تتجمع فيهما.
«خالتي… أنا غلطت. كنت حاقدة… غيورة… عمري ما رضيت بنصيبي.»
نظرت إلى ربى للحظة.
«كنت شايفة إن كل حاجة بتيجي لكوا بسهولة… وإن أنا دايمًا أقل.»
صوتها اختنق.
«بس الحقيقة… أنا اللي كنت قليلة من جوا.»
سقطت دمعة على خدها.
«أمي… اتحجزت في مستشفى أمراض عقلية.»
تجمدت نوال.
«إيه؟»
هزت تالين رأسها.
«حالتها ساءت جدًا… كانت بتتكلم لوحدها… تصرخ… تشوف حاجات مش موجودة.»
أغمضت عينيها لحظة.
«أنا سيبتها هناك… وماقدرتش أبص في عينيها.»
ساد صمت ثقيل.
تالين أخذت نفسًا عميقًا.
«أنا مسافرة تركيا… عند عيلة بابا. هبدأ من جديد.»
رفعت نظرها إلى نوال مباشرة.
«جيت بس… أطلب منك تسامحيني. مش علشاني… علشان أقدر أعيش من غير ما ضميري يقتلني كل يوم.»
نوال نظرت لها طويلاً…
وجهها ما زال متصلبًا… لكن الألم طغى على الغضب.
«إنتِ بنت أختي… وكنت بحبك.»
انكسرت تالين تمامًا.
«لسه بتحبيني؟»
ردت نوال بصدق موجع:
«قلبي ما بيعرفش يكره… بس موجوع.»
انفجرت تالين بالبكاء.
تقدمت نحو ربى بخطوات مترددة.
«ربى… أنا ظلمتك. حاولت أوقع بينك وبين بيجاد… قلت عليك كلام مش حقيقي…»
انخفض صوتها.
«كنت حاقدة عليكِ علشان هو اختارك.»
ربى نظرت لها بهدوء… بلا شماتة.
تالين همست:
«لو تقدري… سامحيني.»
اقتربت ربى خطوة.
ثم… فجأة…
احتضنتها.
تالين شهقت من المفاجأة.
ربى بصوت حنون:
«كلنا بنغلط… بس مش كلنا بنرجع نعترف.»
بكت تالين بحرقة بين ذراعيها.
«قولي لبيجاد إني آسفة… وقولي له يسعدك. أوعي تكسريه… هو طيب بزيادة.»
ابتسمت ربى وسط دموعها.
«هو فعلاً طيب.»
رفعت تالين وجهها، نظرت لنوال مرة أخيرة.
«أنا مش هنسى إني كنت جزء من البيت ده يومًا ما.»
نوال تمتمت بصوت خافت:
«خليكِ كويسة يا بنتي… ومتكرريش أخطاءنا.»
هزت تالين رأسها بقوة.
«مش هكررها.»
توجهت نحو الباب.
وقفت لحظة قبل أن تخرج.
التفتت…
نظرت إليهما…
وكأنها تودع نسخة قديمة من نفسها.
ثم خرجت.
أُغلق الباب بهدوء.
ساد صمت طويل.
نوال مسحت دموعها.
«يمكن ربنا أراد لها الخير… بعد ما كسرتنا.»
ربى تمسح دموعها أيضًا.
«يمكن ده أول قرار صح في حياتها.»
في الخارج…
كانت تالين تمشي ببطء نحو البوابة.
دموعها تنهمر… لكن في داخلها شيء مختلف.
ألم… نعم.
خسارة… نعم.
لكن لأول مرة…
لم يكن في قلبها حقد.
وكان ذلك… بداية النجاة.
************************
خارج فيلا الراوي – أمام البوابة
كانت تالين تسير بخطوات بطيئة، حقيبتها الصغيرة على كتفها، وكأنها تحمل فوقها سنوات من الذنب.
داخل الفيلا…
وقفت نوال فجأة.
نظرت إلى الباب…
ثم إلى ربى.
همست بصوت مرتجف:
«لا… مش كده.»
وقبل أن تعترضها ربى، كانت نوال قد نهضت مسرعة رغم تعبها.
«طنط! استني!» صاحت ربى وهي تلحق بها.
فتحت نوال الباب وخرجت إلى الحديقة، ثم نادت بصوت عالٍ اختلط فيه الألم بالحب:
«تالين!»
توقفت تالين عند البوابة.
جمدت للحظة…
ثم استدارت ببطء.
عيناها ممتلئتان بالدموع.
ركضت نوال نحوها، غير عابئة بألمها أو بضعف جسدها.
وقفت أمامها…
ثم فجأة…
احتضنتها بقوة.
تالين شهقت، ثم انفجرت باكية في حضن خالتها.
نوال وهي تبكي:
«كنتِ بنتي… ولسه بنتي. مهما حصل.»
تالين بصوت مكسور:
«أنا كسرت قلبك يا خالتي…»
شدتها نوال أكثر.
«القلوب بتنكسر… بس مش لازم تتحول لحجر. أنا كنت بخاف عليكِ… مش منك.»
بكت تالين بحرقة، تمسك بثوب خالتها كطفلة صغيرة.
«أنا ضيعت نفسي… وضعتكم معايا.»
نوال مسحت دموعها بيد مرتجفة.
«اسمعيني كويس… روحي عيشي حياتك صح. اشتغلي على نفسك. خلي روحك تبقى جميلة زي وشك.»
ارتجفت شفتا تالين.
«هحاول… أوعدك.»
نظرت لها نوال بجدية أم حقيقية:
«ما تكرريش أخطاءك. ما تمشيش ورا الغيرة والحقد تاني. دي نار بتحرق صاحبها قبل أي حد.»
أومأت تالين بقوة.
«مش هرجع للبنت دي تاني… خلاص.»
صمتت لحظة… ثم همست:
«هتوحشيني.»
ابتسمت نوال وسط دموعها.
«إنتِ دايمًا ليكِ مكان هنا… لو رجعتي إنسانة أحسن.»
اقتربت ربى منهما، عيناها دامعتان.
وضعت يدها على كتف تالين.
«سافري بسلام.»
أخذت تالين نفسًا عميقًا، وكأنها تودع فصلًا كاملًا من حياتها.
ثم ابتعدت خطوة…
نظرت إلى خالتها نظرة أخيرة…
ولوحت بيد مرتجفة.
استدارت… وغادرت.
وقفت نوال عند البوابة تتابعها حتى اختفت عن الأنظار.
همست لنفسها:
«ربنا يهديكي يا بنتي… ويردك لينا سالمة.»
كانت المرة الأولى التي يودعن فيها بعضهن… بلا حقد.
فقط حزن… وأمل ضعيف في بداية جديدة.
***********************
سويسرا – شقة رامي – مساء هادئ
الأنوار خافتة.
رائد كان واقفًا أمام الطاولة، يتأمل الصور ببطء.
توقفت عيناه عند صورة قديمة له بملابس رسمية… نظرة صارمة… كتفان مستقيمان…
لم يكن مجرد شاب عادي.
همس لنفسه:
"أنا… لم أكن مدنيًا."
فجأة،
شعور حاد اخترق رأسه.
ضغط على صدغه بقوة.
"آه…"
دخلت إلينا مسرعة من المطبخ.
"رائد؟ ماذا يحدث؟"
لم يجب فورًا.
تنفسه أصبح سريعًا، متقطعًا.
صور خاطفة بدأت تضرب عقله.
شارع مظلم.
سيارة مراقبة.
سماعة أذن صغيرة.
صوت عبر جهاز لاسلكي:
"تحرك الآن."
اتسعت عيناه.
"مهمة… كنت في مهمة."
اقتربت منه إلينا بسرعة.
"اجلس. تنفس ببطء."
لكنه لم يجلس.
ظل واقفًا كأن جسده عاد تلقائيًا لوضع الاستعداد.
"كنت مقدم مخابرات…"
نطقها بذهول، كأنه يكتشف شخصًا آخر.
إلينا تجمدت للحظة، لكنها لم تقاطعه.
"كنا نراقب هدفًا… كانت عملية ميدانية."
صوته بدأ يثبت… رغم الألم.
"كنت أتحرك نحو نقطة محددة…"
ثم فجأة…
شهق بقوة.
صوت انفجار هز أذنيه من الداخل.
وميض أبيض.
حرارة حارقة.
الأرض تنقلب.
صراخ بعيد.
رائد أمسك رأسه بكلتا يديه وصرخ من الألم.
إلينا أمسكت كتفيه بقوة.
"رائد! انظر إليّ! أنت هنا. أنت بأمان!"
لكنه كان يرى المشهد بوضوح الآن.
"قنبلة… كانت قنبلة."
أنفاسه كانت ثقيلة.
"لم يكن حادثًا… كان استهدافًا."
جف حلقه.
"آخر شيء رأيته… هو الانفجار."
سكت.
الصمت كان ثقيلًا.
ثم بصوت أهدأ… لكنه أعمق:
"ثم… ظلام."
رفع عينيه إليها ببطء.
"غبت."
إلينا همست:
"ثلاث سنوات."
أومأ برأسه ببطء.
"ثلاث سنوات…"
مرر يده على وجهه.
"أنا لم أكن ضائعًا. كنت في حرب."
لم يعد هناك ارتباك في صوته.
القطع بدأت تترابط.
نظر حوله في الشقة…
لكن نظرته لم تكن نفس النظرة السابقة.
لم يعد شخصًا يبحث عن هويته.
كان شخصًا استعادها.
ملامحه أصبحت باردة… محسوبة… صلبة.
التوتر العاطفي اختفى.
حلّ مكانه هدوء خطير.
إلينا سألته بهدوء حذر:
"رائد… ماذا تتذكر أيضًا؟"
نظر إليها مباشرة.
لم يصرخ.
لم يتوتر.
قالها بهدوء قاتل:
"أتذكر كل شيء."
سكتت.
أكمل بنبرة منخفضة ثابتة:
"كنت في مهمة ميدانية. تم تفجير قنبلة لاستهدافي. دخلت في غيبوبة… وفقدت الذاكرة."
ثم نظر حوله ببرود شديد… كأنه يقيم المكان، لا يعيش فيه.
لم يعد الرجل التائه.
عاد الضابط.
عاد العقل الاستراتيجي.
عاد الخطر.
قال أخيرًا:
"ذاكرتي عادت."
*☆يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع☆☆*
الفصل الثلاثون من هنا