رواية في قبضة العاصم الفصل السابع والعشرون 27 بقلم سليا البحيري


رواية في قبضة العاصم الفصل السابع والعشرون 27 بقلم سليا البحيري



في إيطاليا – فندق فاخر / جناح مراد الخاص – ليلًا
الإضاءة خافتة.
ستائر سوداء نصف مسدلة، والمدينة الإيطالية تتلألأ بعيدًا بلا اكتراث.
مراد يقف أمام النافذة، كأس ويسكي في يده، ظهره مشدود كوتر مشدود على وشك الانفجار.
كارلا تجلس على الأريكة خلفه، ساق فوق ساق، تراقبه بصمت… بعينين حذرتين.
صوت الهاتف يرن.
مراد ينظر إلى الشاشة.
ابتسامة بطيئة، مريضة، ترتسم على شفتيه.
مراد (ببرود قاتل):
– اتكلم.
صوت الخاطف (من الهاتف):
– المهمة تمت…
– البنت معانا.
لحظة صمت.
ثم…
ضحكة.
ليست ضحكة فرح.
ضحكة جنون.
مراد يرمي الكأس على الحائط، يتحطم الزجاج، لكنه لا يرمش.
مراد (يضحك بصوت عالٍ):
– هاهاهاهاها!
– أخيرًا…
– أخيرًا يا زياد!
كارلا تنتفض لا إراديًا.
عيناها تتسعان، لكنّها تجبر نفسها على الثبات.
مراد (بصوت منخفض مخيف):
– قلبه…
– كنت عايز أحرق قلبه من زمان.
الخاطف:
– في مكان آمن، زي ما طلبت.
– محدش شاف حاجة.
مراد:
– ممتاز.
– خليها تتنفس…
– مش عايزها تموت بسرعة.
كارلا تشهق بخفة، تحبس صوتها في صدرها.
مراد (مقاطعًا، بنبرة سادية):
– عايز زياد يحس.
– كل ثانية.
– كل دقيقة.
ينهي المكالمة دون وداع.
الصمت يسقط ككفن.
مراد يستدير ببطء نحو كارلا.
عيناه تلمعان… ليس فيهما أي أثر لإنسان.
مراد (بابتسامة ملتوية):
– شايفة؟
– اللعبة بدأت بجد.
كارلا تحاول التماسك، تبتسم ابتسامة باهتة.
كارلا:
– أنت…
– كنت متأكدة إنك هتنجح.
لكن داخلها…
قلبها يخفق بعنف.
هذا ليس رجلًا.
هذا وحش.
مراد يقترب منها، ينحني قليلًا.
مراد (بهمس):
– زياد فاكر نفسه كسب.
– فاكر إن بنته فأمان.
يضحك مرة أخرى، ضحكة قصيرة، قاسية.
مراد:
– النهاردة…
– هبدأ أدفنه وهو عايش.
كارلا تشعر بقشعريرة تسري في جسدها.
لثانية واحدة… عيناها تكشفان رعبًا حقيقيًا.
لكنها تخفض بصرها بسرعة.
كارلا (بصوت ثابت مصطنع):
– لازم نكون حذرين…
– زياد مش سهل.
مراد يلوّح بيده بلا مبالاة.
مراد:
– ولا أنا.
يعود للنافذة، ينظر إلى الأضواء.
كارلا تنهض ببطء، تتجه نحو غرفتها الداخلية.
وفي داخلها، قرار يُحفر كوشم:
سأبتعد عنه.
هذا الرجل لا يعرف حدودًا.
ومن يبقى قربه… يحترق.
تغلق الباب خلفها بهدوء…
بينما ضحكة مراد تتردد في الجناح كصدى شيطاني.
*********************

في مصر – محيط الجامعة / قرب البوابة الخلفية – بعد الغروب
الجامعة بدأت تفرغ.
الضجيج المعتاد يختفي شيئًا فشيئًا، وتبقى خطوات متقطعة لطلاب متأخرين.
رؤى تقف قرب البوابة، هاتفها في يدها، تضغط على الشاشة للمرة العاشرة.
لا رد.
ترفع الهاتف لأذنها مرة أخرى.
رؤى (بصوت مرتجف):
– ليل… ردّي عليّ… لو سمحتي.
تُنزل الهاتف.
عيناها تدوران في المكان.
رؤى (لنفسها، بقلق):
– مستحيل تتأخر كده…
– هي قالت خمس دقايق بس.
تمر دقيقة.
ثم أخرى.
صوت خطوات يقترب.
زين يظهر من الجهة المقابلة، حقيبته على كتفه.
يلمح رؤى فيتوقف.
زين:
– رؤى؟
– إنتِ لسه هنا؟
ترفع رأسها، ملامحها شاحبة.
رؤى:
– ليل…
– ليل خرجت مع واحدة اسمها مروة، وقالت هرجع حالًا.
يقطّب زين حاجبيه.
زين:
– مروة مين؟
– أنا ما شوفتش حد معاها.
قبل أن تكمل، يصل سليم الشرقاوي مسرعًا، كأنه كان يبحث عنها.
سليم:
– رؤى!
– إنتِ كويسة؟
تنظر إليه…
وفجأة ينهار كل شيء.
رؤى (تنفجر بالبكاء):
– ليل اتأخرت…
– مش بترد…
– أنا حاسة إن في حاجة غلط.
تغطي وجهها بيديها، شهقاتها تقطع الهواء.
سليم لا يتردد.
يخطو خطوة للأمام ويحتضنها بقوة، وكأنه يحاول أن يمنعها من الانهيار.
سليم (بصوت ثابت لكنه قلق):
– اهدي…
– مفيش حاجة حصلت.
لكن عينيه تقولان العكس.
زين يقترب، يضع يده على كتف رؤى.
زين:
– رؤى بصّي لي…
– ليل مش بنت ضعيفة، صح؟
ترفع رأسها ببطء، عيناها محمرتان.
رؤى:
– بس…
– هي عمرها ما تعمل كده.
سليم يشدّها قليلًا إلى صدره.
سليم:
– يمكن تليفونها فصل.
– يمكن اتأخرت في حاجة بسيطة.
يصمت لحظة، ثم ينظر إلى زين نظرة فهم مشترك.
سليم (بصوت أخفض):
– بس إحنا مش هنقف نتفرج.
زين يومئ.
زين:
– أنا هلف حوالين الجامعة.
– وأكلم الأمن.
رؤى تمسك بكم سليم، أصابعها ترتجف.
رؤى:
– بالله عليك…
– ما تسيبنيش لوحدي.
سليم ينظر لها بجدية، نبرة صوته حاسمة.
سليم:
– مش هسيبك.
– ولا هسيب ليل.
تضغط رؤى رأسها على صدره، دموعها تبلل قميصه.
**********************
 بعد دقائق
صوت سيارة يتوقف بعجلة.
سيارة أدهم.
ينزل أدهم بسرعة، ملامحه هادئة في البداية، يبحث بعينيه عن رؤى.
أدهم:
– رؤى؟
– يلا يا بنتي… اتأخرنا.
في اللحظة التي تلمح فيها رؤى والدها…
ينهار آخر خيط تماسُك.
رؤى (تصرخ باسمه):
– باباااا!
تركض نحوه، ترتمي في حضنه بقوة، تبكي بحرقة وكأنها طفلة صغيرة.
أدهم يتجمد.
أدهم (بقلق فوري):
– رؤى!
– في إيه؟ حصل إيه؟
ترفع رأسها، عيناها غارقتان بالدموع.
رؤى (بصوت مكسور):
– ليل…
– ليل اختفت يا بابا!
تسقط كلماتها كحجارة.
أدهم يشدّها أكثر، صوته يصبح صارمًا.
أدهم:
– اختفت إزاي؟
– مين كان معاها؟
ينظر إلى زين وسليم اللذين يقفان على مقربة.
أدهم (بحزم):
– إنتو… احكولي بالظبط.
يتقدم زين خطوة، يحاول أن يكون متماسكًا.
زين:
– من حوالي نص ساعة…
– ليل خرجت مع زميلة اسمها مروة.
يتوقف لحظة.
زين (بشك):
– قالت رايحة للأستاذة…
– بس لما سألنا، عرفنا إن الدكتورة مشيت من الجامعة من 3 ساعات.
يتغير وجه أدهم تمامًا.
العروق في عنقه تنتفخ.
أدهم (بغضب منخفض):
– يعني كانت كذبة.
رؤى تمسك بذراع والدها بقوة.
رؤى:
– بابا أنا حاسة بحاجة وحشة…
– قلبي مش مطمّن.
سليم، الذي كان صامتًا طوال الوقت…
ينفجر فجأة.
يضرب بقبضته الحائط القريب.
سليم (بصوت مبحوح غاضب):
– أنا عارف مين عمل كده.
الجميع يلتفت إليه.
أدهم:
– تقصد مين؟
سليم يضحك ضحكة قصيرة، مليئة بالمرارة.
سليم:
– أبوي.
صمت قاتل.
زين (بذهول):
– مراد؟!
سليم يرفع رأسه، عينيه مليئتان بالحقد.
سليم:
– مفيش حد غيره ممكن يعمل حاجة زي دي.
– هو دايمًا يضرب في أضعف نقطة.
أدهم يشتعل.
يتقدم خطوة، صوته يصبح كالرعد.
أدهم (بغضب شديد):
– أقسم بالله لو مسّ شعرة من ليل…
– لأدفنه حي، ومش هيشوف نور الشمس تاني.
رؤى تسمع الاسم…
مراد.
الخوف يتضاعف.
رؤى (بصوت مرتجف):
– بابا…
– هو ممكن يأذيها؟
أدهم ينظر إلى ابنته، ثم يضع يديه على كتفيها.
أدهم (بحزم مطمئن ظاهريًا):
– طول ما أنا عايش؟
– لأ.
ثم يلتفت لزين وسليم.
أدهم:
– كلكم معايا.
– من اللحظة دي، مفيش وقت للانتظار.
زين يومئ.
زين:
– زياد لازم يعرف… فورًا.
سليم يضغط على فكه.
سليم:
– وعاصم.
– لو عرف… الدنيا هتولع.
رؤى تشهق، دموعها تنهمر من جديد.
*******************

في مكان مجهول – شقة فاخرة شبه مظلمة / مساء
الستائر مسدلة.
إضاءة خافتة.
رانيا تجلس أمام مرآة كبيرة، تمسك هاتفها بعصبية، أصابعها ترتجف… ليس خوفًا، بل غيظًا.
على شاشة الهاتف:
 صورة زفاف سليم القيصري ونيروز.
رانيا تضغط على الصورة بقوة حتى يكاد الزجاج ينكسر.
رانيا (بابتسامة ملتوية):
– نيروز…
– المتخلفة اللي كانت دايمًا تمشي ورا عاصم زي الظل.
ترمي الهاتف على الطاولة، تنهض بعصبية.
رانيا (باحتقار):
– وهي دي اللي تاخد سليم؟
– أنا؟ أنا اللي كان بيبصلي وأنا بعدّي؟!
تضحك… ضحكة باردة، خالية من أي إنسانية.
يُفتح باب الشقة.
يدخل رجل في أواخر الثلاثينات.
ملامحه ماكرة، عيناه لا تبشران بخير.
رانيا:
– اتأخرت.
الرجل:
– كنت بتأكد إن مفيش حد متابعني.
– قولتيلي الموضوع مستعجل.
رانيا تقترب منه ببطء، تدور حوله كأنها تفترسه.
رانيا:
– مستعجل جدًا.
– سليم القيصري اتجوز.
يرفع الرجل حاجبه.
الرجل:
– وده مضايقك للدرجة دي؟
رانيا تبتسم… ابتسامة شيطانية خالصة.
رانيا:
– لا.
– ده حكم إعدام.
تجلس على الأريكة، تعقد ساقًا فوق الأخرى.
رانيا:
– أنا مش هسيبه يعيش سعيد.
– ولا هي.
الرجل:
– تحبي نخلص عليها وخلاص؟
رانيا ترفع يدها بسرعة.
رانيا (ببرود):
– لأ.
– القتل رحمة.
تقترب من الطاولة، تفتح ملفًا مليئًا بالصور والمستندات.
رانيا:
– أنا عايزة سليم بنفسه يكرهها.
– يشك فيها.
– يحتقرها.
– ويرميها بإيده للشارع.
الرجل يقترب، ينظر للملف.
الرجل:
– واضح إنك محضّرة.
رانيا تبتسم بفخر.
خطة رانيا الشيطانية (تُقال ضمن الحوار):
رانيا:
– نيروز غبية… وطيبة زيادة عن اللزوم.
– وده ضعف.
تشير إلى صورة أخرى.
رانيا:
– عندها ماضي حساس.
– حب من طرف واحد لعاصم… وسليم ميعرفش.
الرجل يبتسم.
الرجل:
– ممتاز.
رانيا:
– الخطة بسيطة… وقذرة.
تنحني للأمام، تخفض صوتها.
رانيا:
 نزرع شك.
– واحدة تتقرب من سليم في الشغل…
– تقول له بالصدفة إن نيروز كانت بتموت في عاصم.
الرجل:
– ده هيضرب غروره.
رانيا:
– بالضبط.
 تزوير خفيف.
– صور مفبركة.
– شات قديم “معدل”.
– نيروز بتتكلم عن عاصم وكأنه لسه في قلبها.
الرجل:
– سليم عصبي… هيصدق.
رانيا تضحك.
رانيا:
– ولسه.
 ضربة الشرف.
– إشاعة مدروسة إنها قابلت عاصم لوحدها.
– من غير ما نثبت حاجة… بس نخلي الكلام يوصل.
تنهض، عيناها تلمعان بجنون.
رانيا:
– سليم هيواجهها.
– وهي هتنهار.
– وانهارها ده… هيبان كاعتراف.
الرجل يصفق ببطء.
الرجل:
– قاسية.
رانيا:
– استنى.
 الضربة الأخيرة.
– أنا أظهر.
– مش كعدوة.
– كـ امرأة بتحبه وبتخاف عليه.
تضع يدها على صدرها تمثيليًا.
رانيا (بصوت ناعم مزيف):
– “أنا ساكتة من زمان… بس الحق لازم يبان.”
تضحك ضحكة منخفضة مرعبة.
رانيا:
– وهو؟
– هيطلقها.
– يرميها.
– ويعيش طول عمره ندمان.
الرجل ينظر إليها بإعجاب ممزوج بالخوف.
الرجل:
– وإنتِ؟
– هتاخديه؟
رانيا تسحب نفسًا ببطء.
رانيا (بقسوة):
– لا.
– أنا بس عايزة أشوفه مكسور…
– زي ما كسرني.
تلتقط هاتفها، تنظر مجددًا لصورة نيروز.
رانيا (بهمس سام):
– انبسطي بالجواز يا نيروز…
– شهر العسل قصير.
*******************

في سويسرا – حديقة جانبية ملحقة بالمشفى / مساء بارد
أشجار صنوبر عالية.
هواء نقي، لكنه ثقيل.
رائد يجلس على مقعد خشبي، معطفه مفتوح قليلًا، ينظر للبحيرة أمامه وكأنها تحمل إجابات لا يتذكرها.
رامي يقف خلفه، يراقبه بصمت.
إلينا تقف على مسافة، تمسك ملفًا طبيًا، عيناها لا تفارقانه.
رائد (بصوت هادئ مشتت):
– المكان ده…
– بحس إني كنت هنا قبل كده، بس مش فاكر إمتى.
رامي يقترب ويجلس بجانبه.
رامي (بنبرة ثابتة دافئة):
– طبيعي.
– الذاكرة زي العضلة… لما تفضل نايمة، لازم تصحى واحدة واحدة.
رائد يلتفت له.
رائد:
– إنت قولت إنك صاحبي…
– بس حاسس إن الكلمة دي أقل من الحقيقة.
رامي يبتسم ابتسامة خفيفة، فيها ألم قديم.
رامي:
– خلينا نقول…
– أنا الشخص اللي عمره ما هيسيبك تقع.
صمت قصير.
إلينا تقترب قليلًا.
إلينا:
– رائد، لو حسيت بدوخة أو ضغط… لازم تقول.
رائد (بلطف):
– حاضر دكتورة.
ينظر إليها بنظرة أطول من اللازم.
إلينا تشيح بوجهها قليلًا، مربكة.
رامي يلاحظ… ولا يعلّق.
لحظة التحوّل
رامي ينهض فجأة، نبرته تتغير… تصبح عملية، حادة.
رامي:
– رائد، اسمعني كويس.
رائد يعتدل في جلسته.
رامي:
– من اللحظة دي… حياتك هتتغير.
إلينا تفتح فمها لتتحدث، فيشير لها رامي بعينه أن تصمت.
رامي:
– أنت مش مريض.
– أنت في حماية.
رائد يعبس.
رائد:
– حماية من إيه؟
رامي ينظر للبحيرة، ثم يعود له.
رامي:
– من ناس لو عرفوا إنك عايش…
– مش هيترددوا يخلصوا عليك.
إلينا تتدخل بقلق.
إلينا:
– رامي… اتفقنا بلاش صدمات.
رامي (بحزم منخفض):
– أنا مش بقوله الحقيقة كاملة.
– أنا بجهّزه.
يلتفت لرائد.
رامي:
– اللي هعمله دلوقتي، اسمه بناء هوية.
– مش تزوير… إعادة تشكيل.
رائد ينظر له بدهشة.
رائد:
– هوية؟
– يعني إيه؟
رامي:
– يعني من النهارده…
– اسمك هيفضل رائد، بس ماضيك لأ.
إلينا تزداد توترًا.
إلينا:
– رامي، ده خطر نفسيًا.
رامي:
– الخطر الحقيقي إن مراد يعرف إنه لسه عايش.
رائد يتجمد عند الاسم.
رائد:
– مراد؟
– الاسم ده…
– بيخليني أكره نفسي.
رامي يثبت نظره فيه.
رامي:
– طبيعي.
– عقلك فاكر إحساس… حتى لو نسي القصة.
الخطة تظهر
رامي يخرج هاتفًا مشفرًا، يعرض صورة شقة هادئة في ضاحية سويسرية.
رامي:
– الخطوة الجاية:
 هتخرج من المستشفى رسميًا…
– كـ مريض تعافى جزئيًا.
 هتعيش هنا.
– تحت اسم مختلف.
– شغل بسيط. حياة عادية.
رائد يبتسم بسخرية خفيفة.
رائد:
– وأنا؟
– هقبل كده بسهولة؟
رامي يميل نحوه.
رامي (بصوت منخفض صادق):
– لأ.
– بس ده الوحيد اللي يخليك تعيش.
إلينا تقترب وتضع يدها على ملفها.
إلينا:
– وأنا هكمل معاه.
– متابعة نفسية… بدون ضغط.
– أي ذكر للماضي هيكون تدريجي… لو هو طلب.
رائد ينظر إليها مطولًا.
رائد:
– يعني مش هتسيبيني؟
إلينا تتردد… ثم تهز رأسها.
إلينا:
– لأ.
رامي يلتقط النظرة بينهما، ويقول بهدوء خبيث:
رامي:
– كويس.
– لأنك هتحتاج سبب تعيش عشانه.
التحذير الأخير
رامي يقف، ينظر لرائد بجدية قاتلة.
رامي:
– في حاجة واحدة لازم تعرفها.
– لو في يوم الذاكرة رجعت فجأة…
– أو حسيت إنك عايز تعرف أكتر…
ينحني قليلًا.
رامي:
– ما تسألش حد غيري.
رائد يبتلع ريقه.
رائد:
– ليه حاسس إن حياتي قبل كده كانت حرب؟
رامي يبتسم… ابتسامة محارب قديم.
رامي:
– لأنها كانت كده.
صمت ثقيل.
إلينا تنظر لرائد بقلق، ثم لرامي.
إلينا:
– ومراد؟
رامي يستقيم، عينه تلمع بخطر.
رامي:
– مراد…
– دوره جاي.
– بس مش دلوقتي.
ينظر لرائد للمرة الأخيرة.
رامي:
– دلوقتي…
– أنت لازم تعيش.
********************

رامي كان يستدير ليغادر،
إلينا ما زالت واقفة قرب رائد،
ورائد يحدّق في البحيرة…
وفجأة—
صوت ساخر بارد من الخلف:
– ياااه…
– اجتماع عائلي دافئ؟
الثلاثة يلتفتون في آنٍ واحد.
لوكاس يقف هناك.
وجهه ما زال يحمل آثار الضرب.
ابتسامة معوجّة… مريضة.
لوكاس (بتهكم لاذع):
– واضح إنك مش “مريض عادي”…
– كنت متأكد من أول يوم.
ينظر إلى رائد من أعلى لأسفل باحتقار.
لوكاس:
– عينين يقظتين… جسد مستعد للعنف…
– بدوي آخر يلعب دور الضحية.
رائد يتجمد لثانية…
ثم يتغير وجهه.
رائد (بصوت منخفض مرعب):
– إنت…
يتقدم خطوة واحدة.
إلينا (بفزع):
– رائد، لا!
لكن لوكاس لم يتوقف.
يلتفت إلى إلينا، وصوته يقطر سمًا:
لوكاس:
– وأنتِ…
– خيبة أمل.
إلينا:
– لوكاس، كفاية.
لوكاس (ساخرًا):
– من أفضل طبيبة في القسم…
– إلى ممرضة لرجال عرب مشبوهين.
يضحك ضحكة قصيرة حقيرة.
لوكاس:
– هل هذا ما أصبحتِ عليه؟
– تخاطرين بمستقبلك…
– فقط لأنك تحبين لعب دور المنقذة؟
رائد ينفجر.
رائد (غاضبًا):
– اقسم بالله لو قربت منها—
ينقضّ نحوه،
لكن رامي يمسكه بقوة من كتفه.
رامي (بحزم):
– رائد… ورايا.
لوكاس يصفق ببطء.
لوكاس:
– رائع.
– بدويان… وحارسة ملاك.
رامي يستدير فجأة…
وفي ثانية واحدة يمسك لوكاس من ياقة معطفه ويرفعه قليلًا عن الأرض.
الابتسامة تختفي من وجه لوكاس.
رامي (بصوت منخفض قاتل):
– اسمعني كويس…
– كلمة كمان، وهنسى إني في مستشفى.
يضغط على الياقة أكثر.
رامي:
– وإنت مش ذكي كفاية تعرف إيه اللي ممكن يحصل.
لوكاس يحاول الحفاظ على هدوئه…
لكن صوته يهتز قليلًا.
لوكاس:
– أوه… تهديد؟
– هذا يؤكد شكوكي.
ينظر بينهم بمكر.
لوكاس:
– واضح إنكم تخططون لشيء أكبر.
– ربما… لو أخبرتوني؟
يبتسم.
لوكاس:
– قد أساعدكم.
رامي يضحك…
ضحكة قصيرة بلا أي مرح.
رامي:
– تساعدنا؟
يقرّبه من وجهه.
رامي:
– آخر شيء نحتاجه…
– هو طبيب عنصري فاشل،
– مهووس بزميلته،
– ويتجسس لأنه يشعر بالنقص.
لوكاس يزمجر.
لوكاس:
– إنت لا تعرف من أنا!
رائد يفلت من يد إلينا فجأة، يقترب خطوة.
رائد (بعينين مشتعلتين):
– وأنا أعرف نوعك.
– جبان…
– يتخفّى خلف لقب “طبيب”.
يرفع قبضته.
إلينا (تصرخ):
– رائد! توقف!
تمسك بذراعه بكل قوتها.
إلينا (بصوت مرتجف):
– أرجوك… لا.
رائد يتوقف…
يتنفس بعنف…
ثم ينظر إليها، يهدأ قليلًا.
رامي يرمي لوكاس بعيدًا خطوة.
رامي:
– آخر تحذير.
يشير بإصبعه إلى صدره.
رامي:
– اللي سمعته هنا…
– لو خرج حرف واحد منه…
– مش هتشوف شغلك ولا بلدك تاني.
لوكاس يعدّل معطفه، يحاول استعادة كبريائه.
لوكاس (بسخرية متوترة):
– تهديدات بدوية…
– مثيرة فعلًا.
لكن عينيه لا تضحكان.
لوكاس:
– سنرى.
يدير ظهره ويمشي…
خطواته سريعة أكثر مما يريد الاعتراف.
صمت ثقيل يسقط.
إلينا تضع يدها على صدرها، تتنفس بصعوبة.
إلينا:
– هذا خطر…
– لوكاس لن يصمت.
رامي ينظر في اتجاه رحيله، عيناه باردتان.
رامي:
– ولا إحنا.
رائد يقف صامتًا،
قبضته ما زالت مشدودة.
رائد (بصوت خافت):
– رامي…
– الشخص ده…
– خلاني أحس إني كنت وحش قبل كده.
رامي يضع يده على كتفه بقوة أخوية.
رامي:
– لأ.
– كنت سلاح…
– بس في إيد غلط.
*********************

في مصر – فيلا الزهراوي / مساء مشحون
الفيلا التي كانت يومًا ملاذًا دافئًا…
تحولت إلى ساحة حرب صامتة.
الهواء ثقيل.
الوجوه متجهمة.
الأنفاس متلاحقة.
زياد يقف في منتصف الصالة،
عروق رقبته بارزة،
قبضته مشدودة لدرجة أن مفاصل يده بيضاء.
زياد (بصوت مرتجف من الغضب):
– والله لو أمسكه… لأدفنه بإيدي.
يضرب الطاولة بقوة.
حور تجلس على الأريكة،
منهارة، تبكي بحرقة،
تغطي فمها بيدها كي لا يخرج صوتها صراخًا.
حور (ببكاء):
– بنتي…
– مش قادرة أعيش نفس الكابوس تاني…
– مش قادرة…
جميلة تحتضنها بقوة،
وعيناها دامعتان.
جميلة:
– اهدي يا حور…
– ليل قوية…
– وربنا معنا.
ملك تجلس بجانبها، تمسح دموعها.
ملك:
– والله ما هتضيع…
– إحنا كلنا معاها.
في الجهة الأخرى…
عاصم يقف كوحش مكبوت.
عيناه سوداوين من الغضب.
فكه مشدود.
صوته يخرج ببطء… لكنه مرعب.
عاصم:
– المرة دي…
– مش هسلّمه لشرطة…
– ولا قضاء…
– أنا اللي هحاسبه.
يلتفت للجميع.
عاصم:
– مراد مش إنسان…
– ده سرطان.
بيجاد يقترب منه بسرعة.
بيجاد (بحزم):
– عاصم… اسمعني.
– ليل محتاجاك عاقل… مش مجرم.
سليم القيصري يقف بجانبه.
سليم القيصري:
– أي حركة متهورة منك…
– ممكن تضيعها للأبد.
عاصم يضحك ضحكة قصيرة مظلمة.
عاصم:
– هو اللي بدأ.
– وأنا اللي هخلص.
آدم العطار يتقدم خطوة للأمام، صوته صارم كضابط مخابرات.
آدم:
– كلنا غاضبين.
– بس الغضب ده لو سيطر…
– مراد كسب.
ينظر مباشرة لعاصم.
آدم:
– ومراد ذكي…
– يستفزك علشان تغلط.
زياد (بانفجار):
– كفاية عقلانية!
– بنتي مخطوفة!
مازن يحاول تهدئته.
مازن:
– زياد…
– إحنا معاك…
– بس لازم نرجعها الأول.
في زاوية بعيدة…
سليم الشرقاوي (ابن مراد)
واقف بصمت.
وجهه شاحب.
عينيه مليئة بحقد بارد.
رؤى تراقبه بخوف.
رؤى (بهمس):
– سليم…
– أنت كويس؟
يرد دون أن ينظر إليها.
سليم الشرقاوي:
– لا.
– بس هبقى…
– لما أبويا يرجع تحت التراب أو وراء القضبان.
آدم يلتفت نحوه فجأة.
آدم:
– إنت بتقول إيه؟
سليم يرفع عينيه، بثبات مخيف.
سليم الشرقاوي:
– بقول الحقيقة.
– مراد لازم يتوقف…
– بأي ثمن.
صمت ثقيل يسقط.
حور فجأة تنتفض، تقف بصعوبة.
حور (بصراخ مكسور):
– بس رجّعولي بنتي…
– خدوا روحي…
– بس ليل لا!
ينهار الجميع للحظة.
زياد يتجه إليها، يحتضنها بقوة.
زياد (بصوت مخنوق):
– أقسم بالله…
– لو آخر نفس في عمري…
– هرجعها.
عاصم ينظر إلى صورة ليل المعلقة على الحائط.
صوته ينخفض… لكنه أكثر رعبًا.
عاصم:
– مراد…
– أنت فتحت باب جحيم.
– ومش هتقفله إلا لما أكون خلصت منك.
آدم يرفع هاتفه.
آدم:
– من اللحظة دي…
– كل تحركات مراد تحت عيني.
– ومش لوحدنا.
ينظر لزياد.
آدم:
– الحرب بدأت.

*******************

القاهرة – مكان مهجور / ليلًا
ظلام.
رائحة غبار وزيت قديم.
صوت تقطير ماء بعيد… طَق… طَق…
تتحرك ليل ببطء.
رأسها يؤلمها بشدة،
جفونها ثقيلة كأنها ملتصقة.
تئن بصوت خافت.
ليل (بهمس متقطع):
– آه… رأسي…
تحاول فتح عينيها.
الضوء الخافت يتسلل من نافذة مكسورة عالية.
ترى سقفًا متشققًا… جدرانًا عارية…
أرضية إسمنتية باردة.
تحاول التحرك…
فتسمع صوت سلاسل خفيفة.
تنظر ليديها.
مقيدتان بحبل خشن إلى كرسي معدني قديم.
يتسارع تنفسها.
ليل (بذعر مكبوت):
– لا… لا لا… مش تاني…
تحاول الوقوف،
الكرسي يهتز بعنف ويسقط صوت معدني مزعج.
تتوقف.
تغلق عينيها بقوة.
الفلاش باك يبدأ
صوت ضحكات في الجامعة.
الشمس.
الكافتيريا.
مروة تقف أمامها، مبتسمة بتصنع.
مروة (في ذاكرتها):
– ليل، أستاذة المادة مستنيانا…
– قالتلي المكان ورا المبنى القديم.
ليل تتذكر نفسها مترددة.
ليل (في ذاكرتها):
– بس ده بعيد شوية…
مروة:
– دقايق بس، متقلقيش.
تتغير الصورة…
مكان خالٍ.
صمت.
ظل رجل يظهر فجأة.
ليل (في الذاكرة – بصدمة):
– إنت مين؟!
رجل يضع يده على فمها.
رائحة غريبة.
عالم يظلم فجأة.
نهاية الفلاش باك
ليل تفتح عينيها بعنف.
صدرها يعلو ويهبط بسرعة.
ليل (بهمس مرتعش):
– مروة…
– هي… هي اللي ودتني…
تغالب دموعها.
ليل:
– يا رب…
– يا رب مش كده…
تحاول فَك الحبل.
جلدها يحترق من الاحتكاك.
تصرخ، لكن صوتها يخرج مبحوحًا.
ليل:
– حد يسمعني…
– لو في حد هنا…!
الصمت يرد عليها.
صوت باب حديدي يُفتح في مكان بعيد…
صرير بطيء…
جسدها يتصلب.
قلبها يكاد يخرج من صدرها.
ليل (بصوت داخلي):
– لا…
– مش هخاف…
– عاصم… بابا…
– أكيد هيلاقوني…
تبتلع ريقها بصعوبة.
تحاول التماسك.
ليل (بثبات مهتز):
– أنا مش ضعيفة…
– مش زي المرة اللي فاتت…
تستجمع أنفاسها.
تنظر حولها بدقة هذه المرة.
ترى:
بابًا حديديًا صدئًا
نافذة عالية جدًا
هاتفها غير موجود
حقيبتها على الأرض… فارغة
عيناها تلمعان بالدموع.
ليل (بهمس موجوع):
– مراد…
– أنت السبب…
– بس والله… مش هتكسرني.
صوت خطوات يقترب.
تشد قبضتيها رغم القيد.
ترفع رأسها بعناد.
ليل (بصوت داخلي قوي):
– أنا بنت زياد الزهراوي…
– ومش هكون فريسة.
*********************

صوت الباب الحديدي يئن وهو يُفتح ببطء.
يدخل الضوء قليلًا…
ثم يظهر ظل امرأة.
خطوات ثابتة… واثقة… متلذذة.
ليل ترفع رأسها فورًا.
عيناها تتسعان.
ليل (بصوت مبحوح مذهول):
– مـ… مروة؟!
مروة تظهر كاملة في الضوء.
ملابسها أنيقة أكثر من اللازم لمكان كهذا.
ابتسامة باردة، ملتوية… ابتسامة شخص انتظر هذه اللحظة طويلًا.
مروة (بشماتة):
– آه…
– أخيرًا صحيتِ؟
تقترب خطوة…
ثم أخرى.
تنظر إلى الحبال…
إلى الكرسي…
ثم تعود بنظرها إلى وجه ليل.
مروة:
– شكلك حلو حتى وإنتِ مربوطة.
– نعمة… مش كل الناس عندها الحظ ده.
ليل (بغضب مكبوت):
– إنتِ…
– إنتِ اللي عملتي كده؟
تضحك مروة ضحكة قصيرة خالية من الفرح.
مروة:
– ذكية…
– بس متأخرة شوية.
تدور حولها ببطء، كأنها تفحص غنيمة.
مروة:
– من أيام الثانوية…
– وأنا مستنية اليوم ده.
ليل (تضغط على أسنانها):
– ليه؟
– أنا عمري ما أذيتك.
تتوقف مروة فجأة أمامها.
الابتسامة تختفي…
يحل محلها حقد قديم، متراكم.
مروة (بصوت منخفض مليء بالسم):
– لأنك كنتِ كل حاجة أنا مش إياها.
تقترب أكثر، حتى تصبح على بُعد خطوة.
مروة:
– إنتِ عندك عيلة.
– أبوكِ، أمكِ… ناس بتموت فيكِ.
تضحك بمرارة.
مروة:
– وأنا؟
– أب وأم اتطلقوا…
– كل واحد فيهم اتجوز وكمّل حياته.
– وأنا؟
– اتنسيت.
ليل تحاول الحفاظ على رباطة جأشها.
ليل:
– ده مش ذنبي.
مروة (بانفعال مفاجئ):
– لأ!
– ذنبك إنك موجودة!
تتنفس بقوة، ثم تكمل بنبرة ساخرة:
مروة:
– إنتِ جميلة…
– الكل بيحبك.
– عندك رؤى، عندك سليم، عندك زين.
تضحك ضحكة قصيرة خالية من الإنسانية.
مروة:
– وأنا؟
– ولا حد.
– صديقات؟
– كلهن علشان الفلوس… علشان المصلحة.
تقترب أكثر وتهمس:
مروة:
– حتى لما أضحك…
– ما فيش حد شايفني بجد.
ليل تنظر إليها بثبات رغم الخوف.
ليل:
– فقرّرتِ تبيعيني؟
تضحك مروة… ضحكة باردة.
مروة:
– مراد الشرقاوي ما بيشتريش حاجة ببلاش.
– دفع كويس.
– قوي كمان.
تتراجع خطوة، كأنها تستعرض قرارها.
مروة:
– وقاللي:
– “عايزها سليمة… دلوقتي”.
عينا ليل تشتعلان غضبًا.
ليل:
– مراد شيطان.
– وإنتِ اخترتي تكوني زيه.
ترفع مروة حاجبها بسخرية.
مروة:
– على الأقل…
– هو شايفني.
تسود لحظة صمت ثقيل.
ثم تميل مروة برأسها قليلًا، بابتسامة انتصار.
مروة:
– عارفة أكتر حاجة تفرحني إيه؟
ليل (بحدة):
– إيه؟
مروة:
– إنك لأول مرة…
– لوحدك.
تدير ظهرها وتتجه نحو الباب.
ليل (بصوت قوي رغم الارتجاف):
– لو فاكرة إنك كسبتي…
– تبقي غلطانة.
تتوقف مروة عند الباب، دون أن تلتفت.
مروة (ببرود قاتل):
– اللعبة لسه بدأت يا ليل.
صوت الباب يُغلق بقوة.
الظلام يعود… أثقل… أعمق.
ليل تبقى وحدها…
مقيدة…
لكن عينيها تلمعان بعناد قاتل.
*********************
بعد كام ساعة 
إيطاليا – شقة فاخرة تطل على البحر
كارلا تجلس على الأريكة، ساق فوق ساق، كأس نبيذ في يدها.
الهاتف على أذنها… ملامحها متجهمة لكن عينيها لامعتان بحذر.
كارلا (بصوت منخفض حذر):
– لوكاس…
– لازم أتكلم معك بجدية المرة دي.
على الطرف الآخر، صوت لوكاس بارد، متعالٍ.
لوكاس (بملل واضح):
– إذا كان عن زوجك المصري… وفّري طاقتك.
– قلتُ لكِ سابقًا: لا أحب سماع حماقاتك العاطفية.
تشد كارلا على الكأس قليلًا.
كارلا:
– هذا الرجل…
– مراد…
– ليس طبيعيًا.
صمت قصير.
لوكاس (ساخرًا):
– أوه، اكتشفتِ ذلك الآن؟
– بعد أن تزوجتِ “رجلًا عربيًا ثريًا” فقط لأنه يملك المال والسلطة؟
تتنهد كارلا بحدة.
كارلا:
– هو مخيف، لوكاس.
– نظرته…
– طريقته في الضحك…
– أشعر أحيانًا أنه قادر على قتلي دون أن يرمش.
يضحك لوكاس ضحكة قصيرة باردة.
لوكاس:
– أنا ووالدنا رفضنا زواجكِ منه.
– حرفيًا قلنا لكِ: هذا حقير.
– لكنكِ عاندتِ…
– وتزوجتِ.
يتوقف لحظة، ثم يضيف ببرود قاتل:
لوكاس:
– تحمّلي نتائج أفعالك.
ترفع كارلا حاجبها بلا مبالاة.
كارلا:
– لا أطلب شفقة.
– أطلب نصيحة.
لوكاس:
– النصيحة؟
– اهربي.
– أمّني نفسكِ.
– خذي ما تستطيعين من المال…
– ثم اطلبي الطلاق.
تبتسم كارلا نصف ابتسامة ساخرة.
كارلا:
– وكأن الطلاق من رجل مثله بهذه السهولة.
يسود صمت قصير…
ثم يتنهد لوكاس وكأنه تذكر شيئًا يزعجه.
لوكاس (بنبرة حاقدة):
– بالمناسبة…
– لا أدري لماذا هذا الأسبوع مليء بالبدويين.
تضحك كارلا بخفة.
كارلا:
– بدويين؟
– أنت في سويسرا، ماذا تتوقع؟
لوكاس (باحتقار واضح):
– مريض كان عندنا…
– اسمه رائد.
– في غيبوبة ثلاث سنوات.
– استيقظ فجأة فاقد الذاكرة.
تشد كارلا شفتيها بلا اهتمام.
كارلا:
– مثير…
– أكمل.
لوكاس (بغضب):
– ليس المريض بحد ذاته.
– بل ذلك الآخر… رامي.
– بدوي مثله.
– جاء فجأة، سيطر على كل شيء.
– وأخذ … إلينا.
يضغط على الكلمات بأسنانه.
لوكاس:
– خطفها مني.
– وكأنها غنيمة.
ترتشف كارلا رشفة نبيذ، نبرة صوتها فاترة.
كارلا:
– لوكاس…
– أنت لا تحبها.
– أنت تحب امتلاكها.
يصمت لحظة.
لوكاس (بحدة):
– لا يهم.
– لا أتحمل فكرة أن عربيًا…
– بدويًا…
– يأخذ ما أريده.
تضحك كارلا ضحكة باردة.
كارلا:
– يا إلهي…
– كم أنت درامي.
ثم تضيف بسخرية لاذعة:
كارلا:
– طبيب سويسري أرستقراطي…
– يغار من “بدوي” فاقد الذاكرة.
لوكاس (مستفزًا):
– اسخري كما تشائين.
– هؤلاء خطر.
تتمدد كارلا على الأريكة، غير مكترثة.
كارلا:
– كل الرجال خطرون يا أخي.
– الفرق فقط…
– من يخيفك أكثر.
يصمت لوكاس.
لوكاس:
– على أي حال…
– إن كنتِ خائفة فعلًا من زوجك…
– اهربي قبل أن يفعل بكِ ما لا يُحمد عقباه.
تنظر كارلا إلى الفراغ…
ابتسامة خفيفة، غامضة، أنانية.
كارلا:
– لا تقلق.
– أعرف كيف أعتني بنفسي.
لوكاس:
– أتمنى ذلك.
– لأنني لن أنقذكِ هذه المرة.
تنهي المكالمة.
كارلا تُنزل الهاتف ببطء.
تتجه إلى المرآة…
تنظر إلى انعكاسها.
كارلا (تهمس لنفسها):
– الجميع وحوش…
– لكن الأذكى هو من يهرب في الوقت المناسب.
*********************
 
سويسرا – شقة رائد (ليل / مساء بارد)
باب الشقة يُفتح بهدوء.
رائد يدخل أولًا، يتوقف في المنتصف…
ينظر حوله وكأنه يرى المكان لأول مرة، رغم أن الجدران تحفظ روحه أكثر مما يحفظها هو.
شقة أنيقة، بسيطة، نظيفة بدقة… لكنها باردة.
رائد يمرر يده على ظهر الأريكة، ثم يقترب من النافذة المطلة على المدينة.
رائد (بصوت خافت متردد):
– غريب…
– أشعر أني أعرف هذا المكان…
– لكن لا شيء واضح.
يقف رامي خلفه، يراقبه بعين خبيرة، فيها قلق أخ أكبر من كونه مجرد صديق.
رامي:
– هذا طبيعي.
– الذاكرة لا تعود دفعة واحدة.
يصمت لحظة، ثم يتنحنح…
نبرة صوته تتغير، تصبح رسمية أكثر.
رامي:
– رائد…
– لازم أخبرك بشيء.
يلتفت رائد إليه فورًا، قلبه ينقبض.
رائد:
– ماذا؟
يتقدم رامي خطوتين، يضع حقيبته جانبًا.
رامي:
– سأعود إلى مصر الليلة.
تتجمد ملامح رائد.
رائد (بتوتر واضح):
– الليلة؟
– الآن؟!
رامي:
– مهمة عاجلة.
– لا أستطيع تأجيلها.
يقترب رائد خطوة، صوته ينخفض وكأنه لا يريد الاعتراف بخوفه.
رائد:
– يعني…
– سأبقى وحدي؟
ينظر رامي إليه مباشرة، نظرة حادة لكن دافئة.
رامي:
– لا.
– لن تكون وحدك.
يرفع رائد حاجبيه باستغراب.
رائد:
– كيف؟
رامي:
– سيكون معك العميل كارم.
يتنفس رائد ببطء.
رائد:
– كارم…
– ذاك الذي لا يبتسم أبدًا؟
يبتسم رامي ابتسامة خفيفة.
رامي:
– نعم، ذاك بالضبط.
– لا يتكلم كثيرًا…
– لكنه يراقب كل شيء.
يجلس رائد على الأريكة، يمرر يده على وجهه بتوتر.
رائد:
– رامي…
– أنا لا أتذكر شيئًا.
– أحيانًا أستيقظ وأشعر أني غريب حتى عن نفسي.
يتقدم رامي ويجلس مقابله.
رامي (بهدوء حازم):
– ولهذا بالضبط يجب أن تبقى هنا.
– بعيدًا عن الضغوط.
– بعيدًا عن مصر…
– وعن كل من قد يستغل ضعفك.
يرفع رائد رأسه ببطء.
رائد:
– وأنت؟
– ألا تخاف أن يحدث لي شيء؟
رامي (بصراحة):
– أخاف.
– لكن وجودي الدائم بجانبك لن يعيد ذاكرتك.
يصمت قليلًا، ثم يكمل:
رامي:
– هذه الشقة…
– هذا الهدوء…
– التفاصيل الصغيرة…
– هي التي ستوقظ ذاكرتك.
ينظر رائد حوله مجددًا…
اللوحات، الكتب، ترتيب الأشياء.
رائد:
– وكأن حياتي معلّقة هنا…
– تنتظر أن أتذكرها.
ينهض رامي، يضع يده على كتف رائد بقوة مطمئنة.
رامي:
– وستتذكر.
– لكن على مهلك.
ينظر رائد إليه بعينين ممتلئتين بالامتنان والخوف معًا.
رائد:
– لا تتأخر.
يبتسم رامي ابتسامة واثقة.
رامي:
– مصر لن تبتلعني.
– لدي حسابات لأغلقها…
– ثم أعود.
يتجه نحو الباب، يتوقف لحظة.
رامي (بصوت منخفض لكن حاد):
– رائد…
– لا تحاول أن تتذكر بالقوة.
– دع الذاكرة تأتيك.
يهز رائد رأسه موافقًا.
رائد:
– سأفعل.
يُفتح الباب…
رامي يخرج.
يبقى رائد وحده.
صوت المدينة بالخارج…
وصمت ثقيل بالداخل.
يجلس ببطء، ينظر إلى يديه، ثم يهمس لنفسه:
رائد:
– من أنا…
– ولماذا أشعر أن كل شيء لم ينتهِ بعد؟
********************

مصر – مطار القاهرة الدولي / صالة الوصول – ليلًا
بوابة الوصول تُفتح.
حركة مسافرين، أصوات عجلات الحقائب، إعلانات رتيبة…
وسط الزحام يظهر مراد.
بدلة داكنة أنيقة، معطف أسود، خطواته ثابتة كأنه يملك المكان.
على شفتيه ابتسامة باردة… ليست ابتسامة فرح، بل ابتسامة من يعرف أنه قادم ليحرق.
يتوقف لحظة، ينظر حوله…
يستنشق هواء القاهرة بعمق.
مراد (بهمس ساخر):
– اشتقت لكِ…
– دائمًا أعود إليكِ عندما يحين وقت الدم.
يتقدم بخطوات واثقة.
عند زاوية بعيدة عن العيون، يقف رجل ضخم، ملامحه قاسية، يرتدي قبعة منخفضة.
ما إن يرى مراد حتى يستقيم فورًا.
الرجل:
– وصلت بالسلامة يا باشا.
يتوقف مراد أمامه، ينظر إليه من أعلى لأسفل، ثم يبتسم.
مراد:
– السلامة؟
– لا…
– أنا لم آتِ لأكون سالمًا.
يميل الرجل قليلًا، صوته ينخفض.
الرجل:
– كل شيء جاهز.
– البنت تحت السيطرة.
– المكان آمن…
– ولا أحد يشك بشيء.
تتسع ابتسامة مراد، عينيه تلمعان بجنون خفيف.
مراد:
– ممتاز…
– ممتاز جدًا.
يسحب قفازه ببطء، كأنه يستعد لعمل قذر.
مراد:
– هل تعرف ماذا يعني أن تحرق قلب رجل مثل زياد؟
يهز الرجل رأسه نفيًا.
مراد (بمتعة شريرة):
– يعني أن تأخذ منه الشيء الوحيد
الذي كان يعتقد أنه محصّن…
– ابنته.
يصمت لحظة، ثم يضحك ضحكة منخفضة، مخيفة.
مراد:
– طوال عمره يظن نفسه أقوى مني…
أنظف مني…
– اليوم سيتعلم أنني لا ألعب بالقواعد.
يقترب من الرجل خطوة.
مراد (بصوت حاد):
– أين هي الآن؟
الرجل:
– في المكان المهجور…
– كما أمرت.
– ومروة نفذت دورها بالكامل.
يومئ مراد برضا.
مراد:
– فتاة حقودة…
– النوع الذي أحبه.
– الحقد يجعل الناس مطيعين.
ينظر إلى ساعته.
مراد:
– أريدها حية…
– متعبة…
– خائفة.
يتوقف قليلًا، ثم يضيف بابتسامة أبشع:
مراد:
– قبل أن تموت.
يتوتر الرجل.
الرجل:
– والبقية؟
– زياد؟
– عاصم؟
يضحك مراد، ضحكة قصيرة خالية من أي إنسانية.
مراد:
– دعهم يركضون.
– دعهم يصرخون.
– لا شيء ألذ من مشاهدة الرجال الأقوياء وهم ينهارون.
يمد يده، يأخذ هاتفًا آخر من الرجل.
مراد:
– السيارة؟
الرجل:
– تنتظرك خارج المطار.
يتجه مراد نحو المخرج، ثم يتوقف فجأة.
مراد (دون أن يلتفت):
– الليلة…
– سيتمنى زياد لو أنه مات قبل أن يولد.
يخرج من صالة الوصول.
أبواب المطار تُغلق خلفه.
الكاميرا تثبت على ابتسامته عبر زجاج السيارة السوداء وهي تنطلق…
ابتسامة رجل لا يرى في البشر سوى أدوات.
*********************

مكان مهجور – أطراف القاهرة / ليلًا
الظلام كثيف…
رائحة الغبار والرطوبة تملأ المكان.
ليل مستلقية على أرض باردة، يداها مقيدتان، رأسها يؤلمها، وجسدها ما زال ثقيلًا من أثر المخدر.
تفتح عينيها ببطء…
ترمش مرات متتالية، تحاول أن تفهم أين هي.
ليل (بهمس متقطع):
– أنا… أنا هنا؟
تحاول الجلوس، تتأوه، تتكئ على الحائط المتشقق.
صوت أنفاسها يتسارع… ثم فجأة
تغلق عينيها بقوة.
الهروب الوحيد المتاح لها الآن…
الذكريات.
ذكرى – فيلا الزهراوي / نهار
ضحكة دافئة.
زياد يجلس في الحديقة، يناديها:
زياد (بحب):
– ليل… تعالي يا روح بابا.
تركض نحوه، ترتمي في حضنه.
زياد:
– طالما أنا عايش، محدش في الدنيا يقدر يقربلك.
ذكرى أخرى
حور تمشط شعرها أمام المرآة.
حور (بحنان):
– الجمال الحقيقي مش في الملامح يا ليل…
– في القلب.
تبتسم ليل، تضع رأسها على كتف أمها.
تفتح ليل عينيها مجددًا.
تبتلع ريقها، تحبس دموعها.
ليل (بصوت مكسور):
– بابا…
– ماما…
ذكرى
ضحك طفلين.
أدهم الصغير يركض خلفها في الحديقة.
مازن الصغير يتعثر ويضحك.
ليل (ضاحكة):
– استنوا عليّ!
– يا شقايا!
تشعر بحرارة الذكرى في صدرها… كأنهم هنا معها.
تهز رأسها، تعود للحاضر.
الظلام… القيود… الصمت.
ثم…
وجه رؤى يقتحم ذاكرتها.
ذكرى – الجامعة
رؤى:
– لو خاف العالم كله، أنا معاك.
تضحكان، تمسكان أيدي بعضهما.
ثم زين، بابتسامته الهادئة.
وسليم، بنبرته الواثقة:
سليم:
– محدش يقدر عليكِ، صدقيني.
تتنفس ليل بعمق.
ثم…
يتغير كل شيء.
يأتي وجه عاصم.
صوته.
نظرته.
صمته الذي يحمل ألف معنى.
ذكرى – لحظة هادئة
هو يقف أمامها، مرتبك قليلًا.
عاصم:
– أنا مش بعرف أتكلم حلو…
– بس لو الدنيا كلها وقفت ضدك
أنا هكون واقف قدامها.
تشعر بقلبها يخفق بقوة حتى في الذكرى.
ليل (تهمس لنفسها):
– عاصم…
تتذكر كيف بدأ الأمر دون أن تنتبه…
كيف صار حضوره أمانًا.
كيف صار اسمه أول ما يخطر ببالها حين تخاف.
ترفع رأسها رغم التعب.
عيناها تلمعان، ليس بالدموع… بل باليقين.
ليل (بصوت ثابت رغم الارتجاف):
– هما هييجوا…
– بابا مش هيسيبني.
– عاصم مش هيتأخر.
تبتسم ابتسامة صغيرة، عنيدة.
ليل:
– وأنا مش ضعيفة…
– مهما حاولوا.
تسند رأسها إلى الحائط، تغمض عينيها مرة أخرى،
لكن هذه المرة…
ليس هروبًا.
بل انتظارًا.
*********************

فيلا الزهراوي – المساء
الفيلا تعجّ بالناس…
لكن الصمت أثقل من أي ضجيج.
وجوه متجهمة، عيون متعبة، قلوب معلّقة بمكان مجهول.
زياد يقف قرب النافذة، قبضته مشدودة حتى ابيضّت مفاصله.
عاصم يمشي ذهابًا وإيابًا كوحش محبوس، أنفاسه حادة.
حور جالسة، دموعها لا تتوقف، بين جميلة وملك اللتين تحاولان تهدئتها بلا جدوى.
في زاوية بعيدة قليلًا،
كان سليم الشرقاوي (ابن مراد) صامتًا…
هادئًا أكثر من اللازم.
هاتفه يهتز في يده.
ينظر إلى الاسم…
فيكتور.
يرد دون أن يصدر صوتًا، ويبتعد خطوة واحدة فقط عن الجمع.
سليم (بصوت منخفض جدًا):
– نعم.
يأتيه صوت فيكتور ببرود مهني قاتل:
فيكتور (عبر الهاتف):
– تأكد الخبر.
– مراد وصل القاهرة منذ أقل من ساعة.
تتغير ملامح سليم بالكامل.
عروقه تبرز، شفته ترتجف… ثم
ابتسامة بطيئة، مظلمة ترتسم على وجهه.
سليم:
– وحده؟
فيكتور:
– لا.
– رجلان معه.
– وهو الآن في طريقه…
(يتوقف لحظة)
– إلى فيلا العائلة.
تسكن الدنيا في أذن سليم.
سليم (بهمس مليء بالحقد):
– أخيرًا…
– رجعت بإيدك للنهاية.
فيكتور:
– تريد أن أتحرك؟
سليم:
– لا.
– خليك بعيد.
– الباقي… حساب شخصي.
ينهي المكالمة.
يبقى واقفًا ثانية واحدة فقط…
ثم يدير ظهره للجميع.
يمشي بخطوات هادئة، محسوبة.
لا أحد ينتبه له.
لا أحد… إلا اثنين.
زين كان يراقبه من بعيد.
شيء ما في تلك الابتسامة لم يعجبه.
زين (بصوت خافت لرؤى):
– رؤى…
– سليم مش طبيعي.
رؤى ترفع رأسها، تراه وهو يتجه نحو الممر الجانبي.
رؤى (بقلق):
– هو رايح فين؟
دون تفكير،
يتبعانه.
ممر جانبي – داخل الفيلا
خطوات سليم تتسارع قليلًا حين يبتعد عن الأعين.
يده ترتجف… لكنه لا يتوقف.
فجأة، صوت خلفه:
زين:
– سليم!
يتوقف سليم ببطء…
يأخذ نفسًا عميقًا…
ثم يلتفت.
ابتسامته لم تختفِ.
سليم (بارد):
– في إيه؟
رؤى تقترب خطوة، عيناها مليئتان بالخوف.
رؤى:
– إنت رايح فين؟
– شكلك… مش مطمّن.
ينظر إليهما لحظة طويلة.
ثم يضحك ضحكة قصيرة، بلا أي فرح.
سليم:
– بابا رجع.
تتسع عينا رؤى.
رؤى:
– مـ… مراد؟
زين (بحدة):
– وإنت عرفت منين؟
يرفع سليم هاتفه قليلًا، ثم يعيده لجيبه.
سليم (بنبرة مظلمة):
– من الشخص اللي بيراقبه.
– وهو جاي هنا… دلوقتي.
يصمت الثلاثة لحظة.
رؤى (مرعوبة):
– يعني…
– هو اللي خطف ليل؟
تشتد ملامح سليم،
يخرج صوته من بين أسنانه.
سليم:
– من غير شك.
تقترب رؤى منه، تمسك ذراعه.
رؤى:
– سليم، لو سمحت…
– ما تعملش حاجة لوحدك.
ينظر إلى يدها على ذراعه…
ثم إلى عينيها.
سليم (بصوت منخفض، حاقد):
– طول عمري كنت ابنه.
– سكت… تحملت…
– بس ليل؟
(يهز رأسه ببطء)
– دي آخر خط أحمر.
زين:
– إنت ناوي تعمل إيه؟
تلمع عينا سليم بوحشية صامتة.
سليم:
– أسبقهم.
– وأخليه يدفع…
– مش كأب.
– كعدو.
يحاول زين أن يتكلم،
لكن سليم يمر من جانبهما، عازمًا.
رؤى (بصوت مكسور):
– سليم…!
يتوقف للحظة دون أن يلتفت.
سليم:
– ادعوا بس إنكم تلحقوا ليل…
– قبل ما أنا ألحقه.
ثم يختفي في نهاية الممر.
زين ورؤى يتبادلان نظرة مذعورة.
زين:
– لازم نبلغهم… حالًا.
رؤى (وهي تكاد تبكي):
– قبل ما الدنيا تولع أكتر…
***********************

يخيّم صمت ثقيل بعد اختفاء سليم في آخر الممر.
رؤى واقفة مكانها، صدرها يعلو ويهبط بسرعة، وعيناها تلمعان بالدموع.
زين يضغط فكه، كأنه يحاول ترتيب ألف فكرة في رأسه في ثانية واحدة.
رؤى (بصوت مرتجف):
– زين…
– هو مش طبيعي.
– شُفت عينيه؟
– سليم لو وصل لمراد لوحده… هيعمل مصيبة.
زين يمرر يده على شعره بعصبية.
زين:
– عارف.
– اللي في دماغه مش مواجهة… ده انتحار.
تلتفت رؤى نحوه فجأة.
رؤى:
– طيب إيه؟
– نسيبه؟
– نرجع نقول لعمي زياد ولا لعاصم؟
يهز زين رأسه بسرعة.
زين:
– لأ.
– لو قلنا دلوقتي، هتحصل فوضى.
– وسليم هيكون سبقنا.
تصمت رؤى لحظة، ثم ترفع رأسها بعزم مفاجئ.
رؤى:
– يبقى نلحقه.
يرفع زين حاجبيه، ينظر لها بصدمة خفيفة.
زين:
– نلحقه؟
– إنتِ سامعة نفسك؟
رؤى (بإصرار):
– أيوه سامعة.
– سليم مش وحش… هو موجوع.
– ولو حد يقدر يهديه دلوقتي، يبقى إحنا.
يتنهد زين بحدة، ثم يبتسم ابتسامة قصيرة بلا أي مرح.
زين:
– إنتِ مجنونة…
(ثم يضيف بهدوء حاسم)
– بس عندك حق.
تتسع عيناها.
رؤى:
– يعني…؟
زين:
– يعني ما نضيعش ثانية.
– فين عربيتك؟
خارج الفيلا – موقف السيارات
الهواء بارد، لكن التوتر يحرق.
رؤى تفتح سيارتها بسرعة، يدها ترتجف وهي تحاول إدخال المفتاح.
زين (وهو يفتح الباب الآخر):
– رؤى، بصّيلي.
تنظر له.
زين (بجدية):
– مهما حصل…
– ما نسيبش سليم لوحده.
– حتى لو زعق… حتى لو حاول يبعدنا.
تومئ برأسها، دمعة تنزل رغمًا عنها.
رؤى:
– أنا خايفة…
– مش عليه بس.
– على ليل.
– وعلى عاصم لما يعرف.
يغمض زين عينيه لحظة.
زين:
– كلنا خايفين.
– بس الخوف مش هيوقف مراد.
تشغل السيارة، تنطلق بسرعة خارج البوابة.
داخل السيارة – الطريق ليلاً
المدينة تمر من حولهم كظلال.
صوت المحرك ممتزج بنبض القلوب.
رؤى (وهي تنظر للطريق):
– سليم طول عمره شايل ذنب مش ذنبه.
– الناس فاكرة إنه ابن مراد…
– بس محدش شايف قد إيه بيتألم من الاسم ده.
زين:
– عشان كده بالذات لازم نلحقه.
– مراد آخر شخص يستحق إنه يضيّع حياته عشانه.
تضغط رؤى على المقود بقوة.
رؤى:
– لو سليم عمل حاجة…
– ليل مش هتستحمل.
– وعاصم…
(تتوقف)
– عاصم هيتدمر.
زين (بصوت منخفض):
– وإحنا مش هنسمح بده.
ينظر إلى هاتفه، يفتح الخريطة.
زين:
– فيلا الشرقاوي قدّامنا بعشر دقايق.
– لو كان سليم سايق بجنون…
– إحنا متأخرين عنه دقيقتين بس.
تبتلع رؤى ريقها.
رؤى:
– يا رب نلحق.
قُبيل فيلا الشرقاوي
أضواء بعيدة تظهر في الأفق.
بوابة عالية… ظلال أشجار كثيفة.
زين (بحدة):
– أهو المكان.
تخفف رؤى السرعة، أنفاسها متقطعة.
رؤى:
– زين…
– لو لقيناه مسك مراد؟
ينظر لها نظرة ثابتة، عميقة.
زين:
– ساعتها…
– إحنا هنكون بينه وبين الجريمة.
تتوقف السيارة على بُعد أمتار.
صوت قلب رؤى يكاد يُسمع.
رؤى (بهمس):
– يا رب…
– يا رب نكون وصلنا قبل فوات الأوان.
**********************

فيلا الشرقاوي – البهو الداخلي
الفيلا غارقة في ضوء أصفر خافت.
صوت خطوات مراد يملأ المكان، ووراءه حارسان ضخمان، ملامحهما جامدة.
مراد يخلع معطفه ببطء، شفتاه منحنيتان بابتسامة انتصار مريضة.
مراد (ببرود):
– أخيرًا…
– مصر دايمًا بترحب بيا بطريقتها.
فجأة—
شفرة باردة تلامس عنقه.
تتجمد الحركة.
أنفاس الحراس تتسارع، أيديهم تتجه للأسلحة.
صوت مبحوح خلفه:
– خطوة واحدة…
– وأنا أفتحلك رقبتك.
يتسعُ نظر مراد قليلًا، ثم… يضحك.
ضحكة قصيرة، خبيثة.
مراد (بهدوء مستفز):
– استنوا.
يرفع يده للحراس دون أن يلتفت.
مراد:
– سيبوه.
– ده… ابني.
الكاميرا الذهنية تقترب:
سليم.
عينيه محمرتان، عروقه بارزة، السكين ترتجف لكنها ثابتة.
سليم (يصرخ):
– ما تقولش الكلمة دي!
– إنت مش أبويا!
– إنت عدوي… فاهم؟ عدوي!
يضغط السكين أكثر، نقطة دم رفيعة تسيل على عنق مراد.
الحراس يصرخون:
أحد الحراس:
– باشا…!
مراد (بابتسامة أبرد):
– قلتلكم… سيبوه.
يلتفت ببطء، كأن السكين لا تعنيه.
مراد (ساخرًا):
– شايف؟
– حتى وهو بيهددني… إيده بترتعش.
– طالع لي.
سليم (بجنون):
– اخرس!
– قولّي…
– ليل فين؟
– حالًا! دلوقتي!
مراد يحدق في عينيه، يتأمله كما لو كان يشاهد مشهدًا مسليًا.
مراد:
– ليل؟
(يضحك بخفة)
– ليه التوتر ده كله؟
سليم:
– ما تلعبش معايا!
– لو حصلها حاجة…
– أقسم بالله أقتلك حتى لو ده آخر يوم في عمري!
يميل مراد برأسه قليلًا، نبرة صوته تصبح أخطر.
مراد:
– يا سلام…
– الغيرة عاملة شغلها؟
تتشنج ملامح سليم.
سليم:
– إنت بتقول إيه؟!
مراد (بخبث مقصود):
– أصل واضح قوي.
– يمكن…
– بتحبها؟
يصمت المكان.
السكين ترتجف بعنف.
سليم (يزمجر):
– لااااا!
– متلوثش اسمها بوساختك!
يضحك مراد بصوت أعلى.
مراد:
– طب اسمحلي أقولك حاجة تزعل شوية.
– انساها.
سليم:
– ليه؟!
مراد (ببرود قاتل):
– أولًا…
– هي متجوزة.
يسحب نفسًا بطيئًا.
مراد:
– وثانيًا…
– مش هتعيش كتير.
يتجمد الدم في عروق سليم.
سليم (بصراخ هستيري):
– إنت قلت إيه؟!
يضغط السكين بقوة أكبر، الدم يسيل أكثر.
سليم:
– هتقتلها؟!
– إنت شيطان؟!
مراد (بابتسامة مظلمة):
– ساعات قليلة…
– وزياد قلبه هيتحرق للأبد.
سليم (بعينين دامعتين، بصوت مكسور):
– إنت مريض…
– ليل مش ملك حد…
– ليل أختي!
– فاهم؟ أختي!
يصمت مراد لحظة.
ثم ينفجر ضاحكًا.
مراد:
– أخ?

أختك؟
– يا سلام على الأخلاق اللي فجأة ظهرت.
ينحني قليلًا للأمام، متحديًا السكين.
مراد (بهمس سام):
– الفرق بيني وبينك يا سليم؟
– إني ما عنديش خطوط حمرا.
ترتجف يد سليم…
غضبه، قهره، اشمئزازه، كل شيء يتصارع داخله.
سليم (بصوت مبحوح):
– أقسم بالله…
– لو شعرة واحدة من ليل اتأذت…
– مش هتعيش تشوف شمس بكرة.
مراد ينظر في عينيه مباشرة، نظرة شيطان يعرف أنه أشعل النار.
مراد:
– نشوف…
– يا ابني.
**********************

السكين ما زالت على عنق مراد.
الدم يسيل بخط رفيع، وابتسامته المستفزة لم تختفِ.
فجأة—
صوت خطوات مسرعة.
يُفتح باب البهو بقوة.
رؤى تدخل أولًا…
وما إن ترى المشهد حتى تصرخ بفزع.
رؤى (بصوت مرتجف):
– سليم!!!
– لااااا! إبعد عنه!
تضع يدها على فمها، عيناها تمتلئان بالدموع.
رؤى:
– لأ… لأ بالله عليك…
– ما تعملش كده…
– ما تبقاش زيه!
يلتفت سليم قليلًا، عينيه حمراوان، مجنونتان.
سليم (بقهر وانفجار):
– زيه؟!
– إنتِ شايفة إني زيه؟!
يضحك ضحكة مختنقة، مليئة بالألم.
سليم:
– ده لازم يموت!
– ده بيخرّب حياة أي حد يقرب منه!
– ده وسِخ… ووساخته بتعدي!
يتقدم زين خطوة سريعة، يرفع يديه بحذر.
زين (بصوت هادئ رغم التوتر):
– سليم…
– بصلي…
– أنا هنا… ما تعملش حاجة تدمرك.
يلتفت سليم فجأة، والسكين تقترب أكثر من عنق مراد.
سليم (يصرخ):
– محدش يتحرك!
– ولا خطوة واحدة!
– وإلا… والله أخلص عليه!
يتجمد الجميع.
الحراس يشدّون قبضاتهم، لكن نظرة مراد توقفهم.
مراد (بهدوء شيطاني):
– سيبوه يتكلم.
– واضح إن قلبه تقيل النهارده.
رؤى (تبكي):
– سليم…
– إنت مش قاتل…
– إنت طيب…
– إنت مش هو!
يهز رأسه بعنف.
سليم:
– الطيبين بيموتوا يا رؤى!
– شوفتي اللي حصل للي حواليه؟
– كلهم دفعوا تمن وجوده!
تنهار رؤى أكثر.
رؤى:
– ولو قتلته…
– هتبقى إنت كمان واحد من ضحاياه!
– هيكسب حتى وهو ميت!
تتردد يد سليم للحظة…
لكن صوت مراد يخترق الصمت.
مراد (بهمس ساخر):
– متسمعش.
– هما دايمًا بيخافوا ياخدوا خطوة.
تشتعل عينا سليم.
سليم (بغضب أعمى):
– اخرس!
يضغط السكين أكثر.
زين (بسرعة):
– سليم!
– فكر في ليل!
– لو عملت كده…
– عمرك ما هتقدر تبص في وشها!
تتوقف أنفاس سليم.
اسم ليل يصيبه كرصاصة.
وفي اللحظة التي بدا فيها أن كل شيء سينفجر—
صوت قوي، حاسم، مليء بالسلطة، يأتي من خلفهم:
– سليم…
– سيب السكينة فورًا.
يصمت المكان.
حتى مراد…
تختفي ابتسامته لأول مرة.
والصوت يُعاد، أقرب، أخطر:
– قلت سيبها… دلوقتي.

*☆يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع☆☆*


            الفصل الثامن والعشرون من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة