رواية طوفان الجارحي الفصل العاشر 10 بقلم نون

رواية طوفان الجارحي الفصل العاشر 10 بقلم نون



طيب يا شمسي لو نجينا من كل ده هبنيلك عالم تاني عالم مفيهوش بارون ولا طوفان


خرج زين من خلف الشجرة بخطوات متثاقلة ويداه مرفوعتان ببطء شديد


وجسده المنهك يتمايل كان يعلم أن أي حركة مفاجئة قد تعني رصاصة في صدره

وأن شمس خلفه تكتم أنفاسها وقلبها يدق بسرعه البرق 


الضابط.. رجل خمسيني بملامح صارمة وشارب كثيف


 تقدم نحوه بحذر وسلاحه مصوب نحو صدره


 وعيناه تفحصان ملابسه الممزقة الملطخة بالدماء والطين.


قال الضابط بصوت جهوري مكانك و هويتك.. وايه الدم  اللي عليك ده


ابتلع زين ريقه بصعوبة وشعر بالعرق البارد ينساب على جبينه


 عقله يعمل بسرعة لو قال الحقيقة سينتهي في قسم الشرطة


 وهناك سيجده البارون بسهولة ولو كذب قد يُكتشف ويزداد الوضع سوءاً.


وفجأة.. قبل أن ينطق زين بكلمة.. خرجت شمس من خلفه بخطوات متعثرة متعمدة

ووجهها ملطخ بالطين والدموع الحقيقية التي لم تجف بعد.


صرخت بصوت مكسور يقطع القلب


يا بيه.. الحمد لله إنك جيت جوزي.. جوزي بيموت

تجمد الضابط للحظة وهو يرى تلك الفتاة المنهارة التي تبكي وترتجف


سألها بحدة أقل


جوزك؟ إيه اللي حصل؟


انهارت شمس على ركبتيها أمامه وهي تنشج بصدق مخيف..


 لم تكن تمثل.. كانت تستدعي كل الرعب الذي عاشته في الساعات الماضية وتحوله لدموع مقنعة


قالت بين الشهقات


كنا راجعين من فرح قريبنا في القرية المجاورة..

 والعربية وقعت في الترعة.. جوزي خرجنا بالعافيه وإيده وجسمه انجرحو جامد  في الصاج.. 


وطلعنا نمشي ندور على حد يساعدنا.. 


من ساعتين بنمشي في الضلمة يا بيه.. أرجوك ساعدنا


نظر الضابط لزين بعيون فاحصة.. رأى الضمادة المبتلة بالدماء على كتفه.. 


رأى الإرهاق الحقيقي في عينيه رأى فتاة تبكي 


لحظة صمت مرعبة مرت كأنها ساعة.


ثم.. تنهد الضابط وأنزل سلاحه.


قال بلهجة أقل حدة


طيب اركبوا .. أقرب مستشفى على بعد 10 كيلو.. هوصلكم بنفسي.


شعرت شمس بساقيها تخونانها من الارتياح

 وكادت تسقط لولا أن زين أمسك بيدها بقوة خفية وضغط عليها ضغطة شكر صامتة


ركبوا المقعد الخلفي لسيارة الشرطة وشمس تسند رأس زين على كتفها وهو يتظاهر بفقدان نصف وعيه.. 

ولكن عينيه كانتا تراقبان الطريق بيقظة مرعبة.


انطلقت السيارة في الطريق الزراعي المظلم والضابط يقود بصمت


 وفجأة رن هاتفه اللاسلكي


سمعوا صوتاً يقول


لكل الدوريات.. بلاغ عاجل من القاهرة


المطلوب


زين الجارحي رجل أعمال مشتبه به في قضية تهريب

خطير ومسلح  أي معلومة تُبلغ فوراً للعميد سامي


تجمد الدم في عروق شمس وزين


نظر الضابط في المرآة للمقعد الخلفي.. وعيناه تضيقان بشك.


ثم عاد ينظر للطريق بصمت ولم يعلق


مرت ثوانى بدت كسنوات وشمس تشعر بأن قلبها سيقفز من صدرها. هل عرفهم؟ هل سيسلمهم؟


وفجأة انحرف الضابط بالسيارة عن الطريق الرئيسي


 ودخل طريقاً ترابياً ضيقاً يؤدي لمكان مهجور


صرخت شمس بذعر


أنت رايح فين؟ المستشفى مش من هنا


أوقف الضابط السيارة في منطقة مهجورة.. والتفت إليهم ببطء وعيناه تلمعان بشيء غريب


قال بصوت هادئ مخيف


أنا عارف إنت مين يا زين الجارحي


 وعارف إن البارون هيدفع ثمن راسك مبلغ يشتري بلد

شعر زين بأن الموت اقترب.. ومد يده ببطء نحو الباب ليفتحه ويهرب بشمس.

لكن الضابط أكمل


بس أنا كمان عارف إن البارون هو اللي قتل أخويا من 5 سنين


وإنت الوحيد اللي عندك إثبات يقدر يحبسه


نظر زين للضابط بذهول.. هل هذا حليف غير متوقع؟


أكمل الضابط بمرارة


أخويا كان ضابط شريف.. رفض يشتغل مع البارون.. فلقوه ميت في عربيته.. قالوا انتحار.. 

وأنا من ساعتها بدور على حد يقدر ينتقم معايا

نظر زين لشمس التي كانت تنظر له بعيون واسعة مليئة بالأمل والخوف في آن واحد


قال زين بصوت ضعيف لكنه واثق


الاثبات موجود.. ملف وأنا مستعد أفتحه.. بس محتاج أوصل لمكان آمن الأول


أومأ الضابط برأسه ببطء وقال


عندي شاليه صغير على البحر


محدش يعرفه غيري.. هوصلكم هناك.. وهجيبلكم دكتور أثق فيه


بس في المقابل.. عايز وعد


سأله زين


وعد بإيه


رد الضابط بعيون تشتعل


وعد إن البارون يتحاكم علناً.. قدام الناس كلها.. مش يموت في السر 


نظر زين للضابط طويلاً.. ثم مد يده المرتجفة وصافحه


وعد راجل.. البارون هيتحاكم وهتشوف حق اخوك وحق ناس كتير وهو بيرجع


ابتسم الضابط ابتسامة حزينة وأدار السيارة وانطلق 


وبينما السيارة تشق الطريق وضعت شمس رأسها على كتف زين المصاب برفق وأمسكت يده بقوة.


همست له بصوت لا يسمعه غيره


أنت شايف؟.. مش كل الناس وحشة.. في ناس لسه بتدور على العدل زينا




رد زين بصوت مبحوح


العدل مش بييجي لوحده يا شمس.. العدل بيتاخد.. وأنا هاخده.. ليكي و لأبوكي ولكل واحد البارون ظلم


نظرت له شمس بعيون لامعة بالدموع


 ورأت في عينيه شيئاً لم تره من قبل


 لم تعد ترى الوحش الذي أذلها في مكتبه




 بل رأت رجلاً مكسوراً يحاول أن يكون صالحاً رغم كل الشر الذي أحاط به.




اقتربت منه أكثر حتى لامست شفتاها أذنه وقالت بهمس


زين أنا مش عايزة أمشي بعد ما كل ده يخلص أنا عايزة أفضل جنبك




نظر لها زين بدهشة حقيقية وللحظة نسي الألم والخوف والبارون


ورأى فقط عينيها العسليتين اللتين تنظران له بحب لم يعرفه في حياته.


قال بصوت مخنوق


أنتي متعرفيش حاجه يا شمس.. حياتي جحيم وأنا مش هسمح تدخلى للجحيم ده 


ردت بإصرار


خلاص.. أنا اخترت.. أنا اخترت الطوفان.. بكل أمواجه


ابتسم زين رغم الألم.. وللمرة الأولى منذ سنوات.. شعر بدفء حقيقي في قلبه المتجمد


قال

طيب يا شمس.. يا شمسي.. لو نجينا من كل ده .. هبنيلك عالم تاني..


 عالم مفيهوش بارون ولا طوفان ولا خوف.. عالم فيه بس أنا وأنتي.. والسلام


وبينما السيارة تقترب من البحر.. وأول خيوط الفجر تلون السماء بالبرتقالي


 شعرت شمس بأن فصلاً جديداً يبدأ


فصل قد يكون فيه الحب أقوى من الطوفان.. أو قد يغرقهم الاثنين معاً.


**يتبع 

              الفصل الحادي عشر من هنا 

        لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة