رواية وجع مخفي الفصل الثامن عشر 18 بقلم خديجه أحمد


رواية وجع مخفي الفصل الثامن عشر 18 بقلم خديجه أحمد

جاد

كنت في شغلي الأساسي…

قاعد على المكتب،
وحاطط إيدي على راسي من شدة الإرهاق.

مطبق من امبارح.
وعيني تقريبًا مغمضتش لحظة.

مسكت فنجان القهوة وأنا سرحان،
وقربته من بوقي وأخدت أول رشفة…
لكن حطيته تاني بسرعة.

طعمها مر…
أو يمكن أنا اللي بقيت مش حاسس بطعم أي حاجة.

مسكت القلم وبدأت أحركه بعشوائية بين صوابعي…

وعقلي مشغول بحاجة واحدة بس.

"هسدد فلوس المستشفى إزاي؟"

مرتبي لوحده مش مكفي حتى لما اشتغلت وقت إضافي وشغل مع شغلي…برضه مش كفاية.

فضلت أعصر دماغي أحاول ألاقي أي حل للمأزق اللي أنا فيه ده…

أي حل يخليني أدفع الفلوس
قبل ما المستشفى تطلب نقل أمل لمكان تاني.

وفجأة…

فوقت على صوت واطي وهزة خفيفة.
__أستاذ جاد…
يا أستاذ جاد!

فتحت عيني بسرعة وأنا بفركهم بتعب.

لقيت المديرة واقفة قدامي.

مربعة إيديها قدام صدرها،
وبتبصلي بنظرة ضيق وهي بتقول باقتضاب:
__من إمتى يا أستاذ جاد بننام في الشغل؟

بلعت ريقي وكنت لسه هعتذر…

لكنها رفعت كف إيدها قدام وشي وقالت بحدة:
__تعالى ورايا المكتب حالًا!

اتنهدت بضيق…وقومت من مكاني ومشيت وراها.

دخلنا مكتبها.

قعدت على الكرسي قدامها،
وهي فضلت باصة لي شوية قبل ما تتكلم.

وقالت بنبرة فيها استغراب أكتر من الغضب:
__أنا متعودة عليك ملتزم يا جاد.
وعندك ضمير…
وبتجتهد في شغلك.

مالت شوية للأمام وهي بتسأل:
__إيه اللي حصل؟

نظرتها بقت أدق.
__بقيت تسرح كتير…
وتنام في مواعيد العمل.

وبعدين سألتني السؤال اللي معرفتش أرد عليه بسهولة:
__إيه اللي حصلك؟

وقفت لحظة…

وقالت بهدوء:
__فين جاد بتاع زمان؟

سكت.
مش عارف أقول إيه لأن الحقيقة ببساطة…

إن جاد بتاع زمان
ماكانش عنده حد في المستشفى
بيحارب عشان يعيش.

كنت باصص للأرض…
ومش عارف أبدأ الكلام منين.

رفعت عيني لها أخيرًا وقلت بصوت واطي:
__مراتي في المستشفى.

اتغيرت ملامح المديرة شوية.
لكن فضلت ساكتة مستنية أكمل.

بلعت ريقي وكملت:
__عندها سرطان… سرطان نخاعي حاد.

الكلمة نفسها كانت تقيلة على لساني.

كأن كل مرة بقولها
بعيش الصدمة من الأول.

بصيت بعيد لحظة قبل ما أكمل:
__بقالها شهر ونص في المستشفى.

سكت شوية…

وبعدين قلت وأنا بحاول أتماسك:
__المصاريف كبيرة جدًا.

ضحكت ضحكة خفيفة باهتة وقلت:
__وأنا… مهما اشتغلت… مش عارف ألحق.

حركت إيدي بتوتر فوق المكتب وأنا بكمل:
__عشان كده اشتغلت شغلانة تانية بالليل.

رفعت عيني لها تاني وقلت بصراحة:
__بنام ساعتين تلاتة بالكتير… وباجي هنا.

اتنهدت بتعب.
__مش بإيدي إني سرحت… أو نمت.

سكت لحظة…

وبعدين قلت بصوت أهدى:
__بس لو ده هيأثر على شغلي… أنا آسف ومش هتتكرر تاني.

السكوت اللي في المكتب كان تقيل.
لكن أول ما رفعت عيني…

لقيت نظرة المديرة اتغيرت تمامًا.
ما بقتش نظرة ضيق.

بقت…
نظرة تعاطف.

وقالت بهدوء:
__ليه ما قولتش الكلام ده من الأول يا جاد؟

سكت لحظة.

الحقيقة إن الإجابة كانت بسيطة.

فقلت بصراحة:
__مكنتش عايزه اشوف نظره حضرتك ليا دلوقتي
نظره تعاطف وشفقه.

اتكأت في الكرسي وقلت:
__أنا بس كنت بحاول أتصرف بطريقتي ..
سكتت المديرة شوية…

وكان واضح إنها بتفكر.

بعدين قالت بهدوء:
__أنا مش ببصلك بشفقة يا جاد.

رفعت عيني لها.

كملت وهي مربعة إيديها قدامها:
__أنا ببصلك كموظف كويس…
وفي نفس الوقت إنسان واقع تحت ضغط كبير.

سكتت لحظة قبل ما تضيف:
__وعشان كده…ممكن يكون عندي حل.

اتعدلت في الكرسي وأنا ببص لها باستغراب.

قالت:
__الشركة عندها مشروع متأخر جدًا.

فتحت درج المكتب وطلعت ملف وحطته قدامي.
__العميل مستعجل…
ولو المشروع ده متسلمش خلال أسبوع هنخسر الصفقة.

بصيت للملف وبعدين لها.

قالت بوضوح:
__المفروض فريق كامل يشتغل عليه.

سكتت لحظة…
__لكن لو قدرت تخلصه لوحدك قبل المعاد…

ميلت لقدام شوية وقالت:
__هتاخد مكافأة كبيرة.

قلبي دق أسرع.
__مكافأة قد إيه؟

ردت ببساطة:
__تكفي تدفع جزء محترم من مصاريف المستشفى.

سكت.

الكلام ده كان كفاية يخلي دماغي يشتغل بسرعة.

لكنها كملت:
__بس لازم تبقى فاهم…
الشغل ده مش سهل.

وأشارت للملف.
__هيبقى ضغط شغل ليل ونهار.

بصتلي بجدية وقالت:
__ومفيش مجال للغلط.

رفعت عيني لها.
التعب في جسمي كله كان بيصرخ…

بس صورة أمل وهي على سرير المستشفى ظهرت قدام عيني.

فمديت إيدي للملف وقلت بهدوء:
__هعمله.

رفعت حاجبها وقالت:
__متأكد؟

هزيت راسي.
__متأكد.

وقلت وأنا بقفل الملف:
__أنا مستعد أعمل أي حاجة…
عشان أمل.

لقيت وشها اتغير فجأة…
يمكن ضيق
أو يمكن تفكير

لكن بسرعة رجعت ابتسامتها وسألتني:
__طب ليه ماخدتش سلفة من الشغل؟
تسند معاك شوية.

زفرت بتعب وأنا بقول:
__حضرتك عارفة إني أخدت سلفة وقت جوازي…
والقانون هنا ما يسمحش بأكتر من سلفة في السنة.

هزت راسها شوية كأنها بتفتكر.

وبعدين فتحت درج المكتب وطلعت ورقة.

رفعت عينيها لي وقالت:
__بس انت رجعتهم… مش كده؟

هزيت راسي بتأكيد.

رجعت تبص للورقة قدامها لحظة،
وبعدين قالت بنبرة أهدى:
__خلاص.

رفعت عينيها لي وهي بتبتسم ابتسامة خفيفة وقالت:
__أنا هديك سلفة تانية…
تسند معاك شوية.

سكتت لحظة قبل ما تكمل:
__غير الشغل الإضافي اللي هتعمله.

اتجمدت مكاني لحظة.
بصيت لها بعدم تصديق.
__سلفة… تانية؟

هزت راسها بهدوء.
__استثناء.

سكت شوية وأنا مش عارف أقول إيه.
الكلمة كانت كبيرة…
وأنا طول عمري متعود أعتمد على نفسي.

لكن الحقيقة…إني محتاجها.

فقلت بصوت واطي:
__أنا مش عارف أشكرك إزاي.

هزت راسها وقالت بجدية:
__ما تشكرنيش.

وأشارت للملف اللي قدامي.
__خلص المشروع ده…
وده هيبقى أحسن شكر.

نزلت عيني على الملف…
وحسيت إن الحمل اللي على كتفي لسه تقيل.

بس على الأقل…

بقى عندي فرصة أحارب أكتر عشانها

خرجت من الشغل وقررت أروح أشوف أمل…
كانت بتتصل بيا من الصبح وأنا ما لقيتش فرصة أرد عليها.

وصلت المستشفى، وأول ما دخلت الأوضة
لقيت حماتي قاعدة على الكنبة…
وأمل على السرير.

أول ما شافتني وقفت على طول.

بصتلي بنظرة فيها شوق وعتاب في نفس الوقت وقالت:
__إنت مش بترد عليا ليه؟

قربت منها بابتسامة مرهقة، وميلت أبوس راسها وأنا بقول:
__حقك عليا… كنت مشغول وماخدتش بالي.

وبعدين بصيت ناحية حماتي وقلت:
__عاملة إيه يا ماما؟

ابتسمت وقالت بحنية:
__الحمد لله يا حبيبي… بخير طول ما أنتم بخير.

رجعت بصيت لأمل تاني.

حطيت إيدي على خدها ومسحت عليه بهدوء،
وبصيت في عيونها كأني بحاول أستمد منها القوة.

بعد لحظة سمعت حماتي بتقول وهي بتقوم:
__أنا هروح أجيب ميّه وأرجع.

واضح إنها كانت قاصدة تسيبنا لوحدنا شوية.

أول ما خرجت…

بصت أمل لي وهي ماسكة إيدي بين إيديها وقالت برقة:
__إنت كويس؟

ما رديتش.

شدّيتها ناحيتي أكتر وحضنتها فجأة.

دفنت وشي في رقبتها…
كأني بحاول أستخبى فيها من كل التعب اللي جوايا.

حسيت بجسمها اتشد لحظة من المفاجأة…
لقيتها اتصدمت شوية من الحضن المفاجئ…

لكن بعد لحظة واحدة بس، حسيت بإيديها بتتحرك حواليا بهدوء
وتحضني هي كمان.

كانت بتربّت على ضهري برفق وهي بتقول بصوت واطي:
__مالك يا جاد؟
في حاجة حصلت؟

هزيت راسي وأنا لسه دافن وشي في رقبتها.
__مفيش…

لكن صوتي خانني.

سكتت لحظة…
وبعدين رفعت إيديها وحطتها على شعري، وبدأت تمشي صوابعها فيه بحنية.

الحركة البسيطة دي خلت صدري يضيق أكتر.

قالت بهدوء وهي قريبة مني:
__انت بتكدب.

رفعت راسي شوية وبصيت لها.

عيونها كانت مليانة قلق…
بس فيها كمان دفا غريب.

كأنها بتحاول تطمني أنا… مش نفسها.

ابتسمت ابتسامة خفيفة وقلت:
__بقيتي بتعرفي تكشفيني بسرعة كده؟

قالت وهي بتشد إيدي بين إيديها:
__أنا مراتك يا جاد.

سكتت لحظة وبعدين كملت بهدوء:
__ولو مش هتعرف تحكي ليا… هتحكي لمين؟

بلعت ريقي وأنا ببص في عيونها.

كان نفسي أقول لها كل حاجة…

عن التعب…
عن الشغل…
عن الخوف اللي بياكلني من جوا.

لكن أول ما تخيلت نظرة القلق في عينيها…

كذبت تاني.

هزيت راسي بابتسامة مطمّنة:
__متقلقيش…
كل حاجة تحت السيطرة.

فضلت باصة لي ثواني…واضح إنها مش مقتنعة.

لكنها في الآخر زفرت بهدوء وقالت:
__طيب.

قربت مني شوية وقالت بابتسامة خفيفة:
__بس لو هتفضل تخبي عليا…
على الأقل اوعدني إنك متتعبش نفسك كده.

ضحكت بخفة وأنا بقول:
__أنا كويس.

لكن قبل ما أتكلم تاني…

حطت إيديها على خدي وقالت بحنية:
__جاد…
أنا مش خايفة من المرض.

سكتت لحظة وبصت في عيني مباشرة.
__أنا خايفة عليك.

الكلمة دي…

خلت قلبي يتقبض فشدّيتها تاني لحضني…

المرة دي أقوى ..وقلت بصوت واطي جنب ودنها:
__طول ما أنا عايش…
مش هسيبك لوحدك أبداً.

وفي اللحظة دي…

باب الأوضة اتفتح بهدوء،
ودخلت أمها وهي شايلة كوباية الميه…

وقفت لحظة مكانها وهي شايفانا واقفين كده.

ابتسمت ابتسامة دافية…

ورجعت قفلت الباب تاني بهدوء،
كأنها قررت تسيبنا لحظة كمان مع بعض. 

____________

أحمد

رجعت من الشغل…
الهدوء كان مالي الشقة بشكل غريب.

الأنوار كلها كانت مطفية.

ناديت بهدوء وأنا بفتح النور:
__تُقى؟

لكن ماجاليش أي رد.

اتجهت ناحية الأوضة…
كنت ماشي ببطء، كأني خايف من اللي ممكن أشوفه.

لحد ما قربت من الباب…

وفجأة سمعت أنين مكتوم..

قلبي اتقبض فورًا.

فتحت الباب بسرعة.

لقيت تُقى قاعدة على السرير…
ماسكة برواز بين إيديها، ودموعها نازلة في صمت.

اتجمدت مكاني لحظة.

قربت منها بسرعة وأنا بقول بقلق:
__تُقى؟
مالك يا حبيبي؟ في إيه؟

رفعت عينيها ليا.

كانت حمرا ومورمة…
واضح إنها بقالها ساعات بتبكي.

لكنها ما ردتش.

رجعت تبص للبرواز اللي في إيديها.
قربت أكتر وبصيت عليه…

واتقبض قلبي لما شفت الصورة.

ياسين.

ابنها الله يرحمه.

بلعت ريقي وبصيت لها وأنا حاسس بوجع في صدري وقلت بهدوء:
__هو النهارده…

قبل ما أكمل…

هزت راسها بتأكيد.

ورفعت إيديها تمسح على وشه في الصورة بحنان موجع وقالت بصوت مكسور:
__النهارده من سنتين…
ياسين كان وسطنا.

سكتت لحظة…

وهمست:
__بس دلوقتي… مبقاش موجود معايا.

وفجأة انهارت في العياط.
العياط اللي كانت كاتماه خرج مرة واحدة.

ما فكرتش لحظة…
قربت منها وشديتها لحضني.

حضنتها بقوة كأنّي بحاول ألم كل وجعها جوايا.

كنت حاسس إني عاجز…
مش عارف أواسيها بكلام.

فاكتفيت إني أمسح على ضهرها بحنية وأقول بهدوء:
__اهدي يا تُقى…
أنا معاكي.

لكن مع كل شهقة كانت بتطلع منها…

كان قلبي بيتقطع معاها.

وبعد لحظة حسيت بإيديها بتشد في قميصي…

كأنها خايفة تسيبني.

وقالت بين دموعها بصوت مكسور:
__ياسين وحشني أوي يا أحمد…

غمضت عيني للحظة ...
وشددت حضني ليها أكتر.

وقلت بهدوء جنب راسها:
__عارف…

سكت لحظة قبل ما أكمل بصوت واطي:
__بس هو أكيد شايفك دلوقتي…
ومش هيحب يشوفك بتتوجعي كده.

فضلت تبكي في حضني…
وأنا واقف معاها…

ساكت.

لكن جوايا كنت بتمنى لو أقدر أرجّع لها ابنها لحظة واحدة بس ..

 يتبععع


تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة