رواية ظلال الخطيئة الفصل التاسع 9 بقلم دنيا الشملول


رواية ظلال الخطيئة الفصل التاسع 9 بقلم دنيا الشملول



ليلة الدم والسقوط

عاد أحمد للبيت خائر القوى، كأن الحياة نسيت على كتفيه أحمالها. وجد الحال غير الحال، لا البيت ساكن بسبب انشغال كل واحد بأعماله، ولا هو يعج بالضجيج لاجتماعهم في صالة البيت! حالة غريبة، ربما يشبه المكان الخاوي من الحياة! نظر تجاه أمه الجالسة فوق مقعد الصالة تضع يديها على خديها وتهتز للأمام والخلف بصورة مبالغ فيها، جاورتها هدى الجلوس بعد أن فتحت له الباب، نظر حوله يبحث عن أبيه وسمية وباسم، لمح أسماء على فراشها من باب الغرفة نصف المفتوح، تضع رأسها بين يديها وتتحرك مثل أمها بعدم اتزان، ويبدو أنها تبكي! ما هذا الحال الذي يرى البيت عليه! سأل هدى بعينيه ورأسه، فنفت برأسها كأنما تخبره أن الأمر معقد أكثر مما يظن. في الواقع هو لا ينقصه سماع مشاكل البيت أيضًا، يكفيه ما هو فيه من تعب بين.

زفر بضيق، وقرر الدخول إلى غرفته، لكن استوقفه مظهر سمية التي خرجت من المطبخ، تمسح يديها في ثيابها، المياه تبلل ملابسها من الأمام، شعرها مبعثر، وعيناها متورمتان، هاله مظهرها الذي لم يعتد رؤيتها عليه، إنها أكثر إخوته اهتمامًا بنفسها! كاد يسألها لكنها مرت من أمامه متجهة إلى أمها، قالت بنبرة منكسرة:
- أنا لو دخلت أنام هييجي يزعق لي؟ ما عنتش قادرة والله، تعبت.

فاض الدمع من عينيها مع نهاية قولها، رفعت أمها عينيها بنظرة غاضبة ارتخت تمامًا وهي ترى دموع ابنتها، ضربت يديها معًا وهي تحوقل، ثم قالت وهي تشيح بيدها:
- روحي نامي، لما نشوف آخرتها معاه إيه الليلة دي.
كأنما تتوعده بشكل خفي إن فكر في المساس بابنتها مجددًا هذه الليلة. في النهاية هي أم، وتغلبها العاطفة، مهما أخطأ أبناؤها، وأيما كانت أخطاؤهم عظيمة، لا تملك إلا أن تضمهم إلى قلبها حماية لهم من العالم! تحركت سمية إلى غرفتها برأس مطأطأة، تتابعها نظرات أحمد المتسائلة عن سبب هذا الحال! فحقًا ما حدث بالبيت فترة غيابه عنه بدل حاله، وهذا أمر ليس فقط مثيرًا للفضول، بل وللعجب!

غير وجهته إلى حيث تجلس أمه، سألها بينما يمرر يده على وجهه كأنما يزيل عنه بعض تعبه:
- فيه إيه؟ سمية مالها كده؟ وأنتِ قاعدة كده ليه؟ وأسماء! إيه اللي حصل؟
لم يجد من أمه ردًا، فقط سقطت في نوبة بكاء جعلتها تتركه وتلج لغرفتها تواري خيبتها خلف بابها، نظر أحمد في أثرها ليدرك أن الأمر كارثي، فوالدته لا تبكي بسهولة إلا إذا حدث أمر جلل! نظر إلى هدى ينتظر ردًا، بلعت ريقًا جافًا، وبدأت تسرد له ما حدث مع إخوتها، الأمر الذي جعل أحمد ينتفض من مجلسه إلى غرفة أخواته، طرق الباب بيد مرتجفة، ودخل مباشرة إلى أسماء التي لم تحرك وضعيتها، جلس إلى جوارها، أمسك بكتفيها وجعلها تواجهه، قال بنبرة مهتزة وخوف طفق على ملامحه:
- أنتِ فيكِ حاجة؟ أنتِ كويسة؟ حد عمل لك حاجة؟ قولي الحقيقة ما تخافيش.

تدحرجت دمعاتها من جديد فوق خديها، كانت تنفي برأسها كأنما تزيل فكرة خاطئة عنها، كأنما تؤكد أنها ما افتعلت إثمًا، أو كأنها تقسم على صلاح نيتها التي لم تكن صالحة في الواقع. أغمض أحمد عينيه بقوة حين لامست قلبه بعض الطمأنينة، قرب أسماء من صدره فاحتضنها، لا يعلم متى كانت آخر مرة ضمها إلى قلبه هكذا! ربما مُذ كانت طفلة في الخامسة من عمرها على أقرب تقدير! وفي الحقيقة هو لم يكن قريبًا من أيٍ من إخوته. قضى عمره بين الدراسة والكتب، يشاركهم وجباتهم، وبعض الزيارات ربما، لكنه منعزل متفرد بهمه وفرحه وترحه، لا يسأل عن مآسي أحد ولا يهتم أحد لمآسيه، كأن جدران البيت سدود متينة تحجب كل أخ عن أخيه. كان من المفترض أن تكون تلك الجدران شاهدة على وحدتهم كأسرة، لكنها بدلًا عن ذلك تشهد على تفرقهم كغرباء لا يدرِ أحدهم عن هوى دار الآخر شيئًا!

تشبثت أسماء بأحضانه كأنما وجدت ملاذها، شدت على ثيابه أكثر كأنما تحمي نفسها من خطر مجهول، ولم يبخل هو بالتربيت على ظهرها حتى هدأت أنفاسها وسحبها النوم إلى أعماقه. ساعدها على الاستلقاء بأريحية، وكاد يجذب الغطاء ليدثرها، لكن عينيه التقتا بعيني سمية الدامعتين، والتي تنظر إليه بهما كأنما ترجوه أمانًا كالذي منحه لأسماء. لم يتردد، دثر أسماء واتجه إلى سمية يضمها إلى قلبه، كأنما يحميها من نفسها، فلا شر يحيط المرء قدر شرور نفسه. ما إن لامست أحضانه حتى نحبت بصوت عال، وخرج صوتها من بين نحيبها تبرر بقهر:
- أقسم بالله ما كان قصدي كل ده يحصل، أنا كنت برسم عشان بحب الرسم، ولما مسكت منه فلوس حبيته أكتر، كنت برسم اللي بيتطلب مني من غير ما أفرق بين الصح والغلط، كانت بتغريني المبالغ اللي بيدفعوها على الصور دي. وموضوع كريم والله أنا أول مرة أخرج معاه امبارح، كنا بنتكلم بكل احترام مع بعض، بس هو قال إنه بيحبني، وعمل حاجات كتير عشان خاطري، وتأخيري امبارح كان غصب عني، الوقت سرقنا، بابا مش هيفهمني ولا هيحس بيا.

دفعت قولها مرة واحدة كأنما تلقي بإثمها في عرض بحر عميق، وتخشى أن ينتبه له أحد، فلم تكف عن إلصاق كلامها ببعضه كمن يعترف بجرمه بين ألف قسم على براءته! لم تنتبه لدخول والدها البيت، أدار المفتاح بهدوء تام ليكون على رؤوسهم دون أن يشعروا به فينظر ماذا يفعلون، رأى وداد وهدى عند باب غرفة البنات، فاقترب بخطى حثيثة دون أن يغلق باب البيت فينبههم، سمع ما قالته سمية، وفارت الدماء في عروقه من جديد، إذًا تأخرها لم يكن للسبب الذي اختلقته، هي فقط أرادت تضليله عن حقيقة كونها فتاة رخيصة تبيع نفسها ووقتها وأخلاقها لشاب لعوب! سحب وداد من ثيابها يدفعها للخلف، فانتفضت وهدى صارختين، لتنتفض سمية بدورها وتبتعد عن أحمد الذي وقف عن الفراش يواجه والدها، قال أبوها بصراخ غاضب:
- البيه اللي بعتِ له نفسك بالوقت لما كلمته وواجهته رماكِ زي الكلبة، قال لي بنتك اللي بتجري ورايا وبتحبني، وأنا كنت بدي نفسي فرصة معاها مش أكتر.

اقترب والشر يتطاير من عينيه، أضاف بتساؤل شابَ نبرته الخذلان:
- سافرتِ طنطا مع ولد غريب! قدرتِ تعملي كده ازاي؟ قدرتِ تخوني ثقتي فيكِ ازاي؟ باعك أول ما كلمته، حكى لي كل حاجة من أول كلمة، زي ما يكون بيخلص منك ومن زنك عليه وتطفلك على حياته! ده اللي بتسميه حب! ده ما لوش غير اسم واحد، خيانة يا ست هانم يا متعلمة يا تربية وداد.
- أظن حضرتك ما ينفعش تتكلم عن التربية خالص.

صُدم من تدخل أحمد القاسي، رفع نظره إليه، فاعتدل أحمد في وقفته يواجه أبيه بثبات غريب، قال الأب كأنما لم يسمع:
- أنت قلت إيه؟
رفع أحمد كتفيه بلامبالاة، كأن ما عاد أي شيء يفرق معه، رد بينما يضع عينيه داخل عيني والده:
- حضرتك طول الوقت يا في الشغل يا بتسمع الأخبار يا على القهوة، أقصى طموحاتك إن البيت يبقى رايق، والعيال هادية في وجودك، أكلك في وقته، لبسك مغسول ومكوي، أخبارنا بتوصلك بالخير، شايف إن مسئوليتك بتتلخص في إنك تجيب فلوس للدروس والمدارس والأكل، حتى اللبس بالنسبة لك رفاهية، ما دام عندي طقم لسه حالته كويسة يبقى يتغسل كل يوم وألبسه تاني عادي!

صمت لثوان كأنما يأخذ نفسًا بعد هذا البوح القاسي، لكنه تابع ما إن تذكر فاتن، وقد تقاطرت قلة الحيلة من كلامه:
- ما فيش أي ملامح لمستقبلنا، أنا بدرس الهندسة عشان حضرتك عايز الناس تقول إن عندك ولد في هندسة، وسمية منعتها من الرسم عشان ما حدش من المشايخ صحابك يشوفوك منافق، ما كلفتش نفسك تفهمها إيه الحلال وإيه الحرام، منعتها وخنقتها لحد ما وصلت إنها تعمل ده من وراك، هي لقت الاهتمام مع واحد غريب بدل ما تلاقيه في أبوها، أنا واثق إنك كأب كنت تقدر تغنيها عن متطلبات الحياة بالكامل. وأسماء...
نظر تجاه أسماء التي استيقظت بسبب أصواتهم، وقد ارتسمت ملامح الرعب على وجهها، زفر بقوة وهو يتابع بتعب:
- ما حدش في البيت سِلِم من إهمالك يا بابا.

كاد أن يخرج من الغرفة، لكنه وقف بجوار أبيه، وألقى آخر ما لديه من كلمات كأنما يحاول طرد شعور الضغط النفسي الذي بداخله:
- على فكرة، الفلوس اللي كنت فاكر إنها بتكفينا وإنك عامل اللي عليك بزيادة، في الحقيقة احنا اللي ما كناش بنحسسك بالتقصير، واسأل مراتك تقول لك.

أنهى حديثه الصادم لقلب أبيه، وخرج من البيت كله، لم يُرد أن يبقى فيه دقيقة ليشهد على ثورة أبيه بعد أن يفيق من صدمة حديثه. لكن ما لم يتوقعه أبدًا أن الصدمة الحقة ستتلخص فيما سيأتيهم من أخبار عن باسم، ذاك الذي لم يعد للبيت منذ سماعه لما حصل مع أسماء.
__________________

صراخ النساء في الحارة عبأ الجو بالرعب، ووتيرة أنفاس باسم العالية جعلت كل من يراه يبتعد عن مكانه زعرًا، هناك شاب مسجي على الأرض غارق في دمائه، وباسم يحمل بيده حجرًا تتقاطر منه دماء المجني عليه، جريمة مكتملة الأركان! صوت صافرة الإسعاف اختلطت بصوت صافرة الشرطة التي أتت وسحبت باسم إلى السيارة، بينما عاين المسعفون وضع المجني عليه ليجدونه قد فقد الحياة بالفعل. الهمزات واللمزات في المكان تشي بأن القادم لن يكون إلا أسوء من أن تتقبله العقول. كُبِّل المجرم، وتم جره إلى السجن، بينما صراخ وعويل أهل المجني عليه قد أوجع القلوب المتفرجة. رفع أحدهم هاتفه، انتظر قليلًا قبل أن يأتيه الرد من الطرف الآخر، قال بصوت خفيض وهو يبتعد عن المكان:
- الحق يا حاج أيمن، باسم ابنك ضارب واحد بحجر، والواد مات.
لم يصله أي رد من الطرف الآخر، فظن أنه لم يسمعه، بقي يردد "آلو" إلا أن صوتًا لم يصله، كاد يُغلق الخط لكن صرخات نسائية وصلته عبر الهاتف، ومن حديثهن عرف أن الرجل فقد الوعي! لام نفسه على محادثته في الهاتف بهذه الطريقة، واستقل دراجته النارية وانطلق مسرعًا إلى بيت رفيق جلساته. اتصل بالإسعاف التي لم تبشرهم أو تنذرهم حتى، نقله المسعفون على عجل إلى المشفى، وبينما تستعد وداد للحاق بزوجها سألها سعيد (جارهم الذي اتصل بأيمن):
- هتروحوا المستشفى ولا القسم؟
- القسم!
سألت وداد باستغراب فتراجع سعيد وهو يبرر بتوتر:
- آسف، أنا قصدي يعني.. اا.. يلا بينا، هوقف لكم توك توك.

غادر من أمامها مسرعًا، فلا حاجة لأن ينقل لها الصدمة هي الأخرى. أوقف وسيلة المواصلات ودفع الأجرة مخبرًا السائق أن يوصلها إلى المشفى، ثم استقل دراجته وسبقها إلى هناك. وبينما هم واقفين أمام غرفة الكشف ينتظرون خروج الطبيب سألها سعيد والتوتر باديًا في تصرفاته:
- هو.. هو أحمد فين يا أم أحمد؟
- ما أعرفش والله يا حاج، هو وأبوه شدوا مع بعض في الكلام شوية، احمد ساب البيت ومشي، والحج خد في وشه على أوضته، ولما دخلت عليه لقيته واقع على الأرض، شكله ما استحملش الكلام اللي ابنه قاله يا حبة عيني.

ازدرد ريقًا وقف في حلقه فسعل بشدة، ما بال هؤلاء الجماعة! تتوافد المصائب فوق رؤوسهم تباعًا! تحرك يبتعد عنها قليلًا، اتصل بأحمد الذي لم يرد إلا بعد ست محاولات تقريبًا، قال سعيد ما إن انفتح الخط:
- أحمد، تعالى بسرعة يا بني، احنا نقلنا أبوك المستشفى. 
- بابا!
قالها بقلب فزع، وأغلق الخط ليستقل وسيلة مواصلات ويصل إلى المشفى بوقت قياسي. سأل أمه بخوف وقلق عما حدث له، أخبرته أنه لم يتحمل حديثه، فلام نفسه أشد اللوم، وشعر بعجز أفقده القدرة على الوقوف، إن حصل لأبيه شيء فلن يُسامح نفسه، لقد قسي عليه بحديثه، فرغ فيه ضغطه وتعبه، لقد بقي أبوه يعمل بجد حتى يكفيهم، ولو لم يحدث هذا فيكفي أنه يحاول باستمرار وكد، وإن كان يريد التفاخر كون ابنه مهندسًا فهذا حقه عليه، وإن ود الاحتفاظ بسمعته فمن حقه أن يُسير بناته كما شاء ما دام لم يطالبهن بشيء يخالف رضا الله، لا مذنب غيرهم في كل هذا! أو ربما الجميع مذنبون، لكن لا أحد مذنب في حق الآخر، بل كل واحد أذنب ذنبه في حق نفسه، سمية اختارت أن تتمرد، وأسماء اختارت أن تتورط، وباسم اختار أن يُكَوِّن عداءات، وهو اختار أن يكون ضحية سهل الإيقاع بها، وهدى اختارت أن تكون وحيدة بينهم جميعًا، وأمه اختارت أن تتحمل مسئولية أبنائها كاملة دون أن تُشرك زوجها فيها، ووالده اختار أن يكون آلة صرف محدودة الدخل لا أكثر، كل امرئ في هذه الحياة يختار ما يكون عليه، لا أحد يجبر أحدًا على فعل لا يريده، لكننا مبدعون في إلقاء اللوم على الآخرين لننجو بأنفسنا أمامهم، ثم نتورط مع أنفسنا في الخفاء!

كانت دموعه تنساب فوق خديه، لكن الحاج سعيد لم يترك له فرصة الانهيار، اقترب وجلس القرفصاء أمامه، قال بنبرة منخفضة:
_ اسمع، أنا مش كلمتك عشان تيجي تقف جنب أبوك، أنا هنا وهتكفل بكل حاجة، روح أنت القسم، باسم أخوك قتل واحد صاحبه في قلب الحارة.
- أنت بتقول إيه؟
قالها أحمد باندفاع وصوت جهوري، مما جعل أمه تقترب منه بسرعة تسأله عما حصل، حاول الحاج سعيد سحبه بعيدًا، لكن أحمد كان أشد ثباتًا من صنم نُحت في مكانه! الصدمة ألجمته، والرعب سكن حشاياه، وفجأة ترك المكان وركض مسرعًا، نادته أمه مرارًا لكنه لم يرد، وحاول الحاج سعيد تهدئتها بقوله أنه متعب ويحمل نفسه مسئولية ما حصل لأبيه، وأن عليهما تركه حتى يستعيد ثباته ويعود. صدقته وعادت تنشغل بالتفكير في زوجها وما ألَمَّ به، ورغم ألم يسكن قلبها وقلق غير مدركة لسببه إلا أنها أقنعت نفسها أن هذا بسبب الأحداث الأخيرة، ونَحَّت أي فكرة في أن يكون أحد أبنائها قد أصابه مكروه جانبًا. 
_________________

انتشر خبر قتل باسم لشاب في مجمع الألعاب كالنار في الهشيم، حتى وصل الخبر لبيتهم، صرخت الفتيات على وقع الخبر، وأصابهن ذعر جعل عقولهن على غير هدى، انقلب حال البيت في لحظة، وتداعى ذلك الدفء الذي ظنوه زائفًا، حتى وإن كانت الأسرة مفككة وكل فرد في حاله، لكن يكفي أن يضمهم بيت واحد، يغلق عليهم باب واحد، ينام كل فرد بينهم مغطى بلحاف الطمأنينة بأن أهله حوله وأنفاسهم تُسرب الدفء إلى الجدران التي تأويهم، كانت لقمة الصبح التي تجمعهم خير من موائد تحمل ملذات الحياة، فهي لقمة صنعت بيد الحب، وتُبلع بلسان العافية. الآن تجرعوا جميعًا مرارة الفرقة والفقد! اجتمعت الفتيات على فراش واحد، يحاولن أن يشددن من أزر بعضهن بعضًا، وكل واحدة تدعو بداخلها ألا يكون الخبر صحيحًا، لكن الحقيقة أمر، والواقع أدهى، والحياة لا تربت على الآلام أو تضمد الجروح.

بينما كان أحمد يسأل كل من يقابله في قسم الشرطة عن أخيه وتفاصيل الحادث، وتيقن من الخبر الذي أرداه مفطور الفؤاد، وقف أمام قسم الشرطة لا يعرف إلى أين يذهب أو ماذا يفعل، ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وتهدلت أفكاره على أعتاب الضياع. جلس على رصيف الطريق يناجي ربه حلًا يهتدي به، ولم يجد بُدًا من أن يتخذ سبيله إلى محامي حارتهم الذي وصله الخبر، صافحه مرحبًا، وأكد أنه لن يتخلى عن باسم وسيسعى لأن يخفف من عقوبته قدر إمكانه، سأل أحمد في تيه:
- يعني هيتحبس؟
- للأسف، دي جريمة قتل مع سبق الإصرار والترصد، وأنت أكيد عارف القانون، كل اللي أقدر أعمله هو إني أخفف العقوبة قدر ما يمكن، لكن محتاج مساعدتكم طبعًا. وأي معلومة ممكن تشوف إنها تافهة وما لهاش لازمة بالنسبة لك بالنسبة للقضية ممكن تكون مفتاح يخفف الحكم سنين.

أومأ أحمد مؤكدًا أنه سيفعل ما يمكن فعله، فطلب المحامي أن يعلمه بتفاصيل الحادث، هنا وانعقد لسان أحمد، نظر إلى المحامي بجهل ليومئ المحامي بتفهم، قال بهدوء:
- شوف يا أحمد، لازم نعرف إيه الدافع ورا هجوم باسم على زميله بالشكل ده، يمكن السبب كان دفاع عن النفس، ولازم نشوف الكاميرات اللي في المكان لو فيه، يمكن يظهر لنا حاجة، وأنا هروح القسم وأتكلم مع باسم وأشوف الأمور هترسى على إيه، ما تقلقش، ربنا يستر إن شاء الله.

وقف أحمد يصافحه ويشكره على هذا التعاون، وقبل أن يغادر المكتب أراد أن يقول شيئًا، شيئًا ربما يغير مسار القضية كلها، لكنه تراجع حين فكر لثانية، فبما قد يقوله سيضع سمعة أخته محل شبهة، وهذا لن يكون إلا دمارًا أكبر لعائلته، تراجع، وإن وجد أن الأمر يستلزم ذلك فسيخبره، غير ذلك لن يفعل. خرج من عنده يجر أذيال التعب والضياع. واتجه من فوره إلى البيت ليطمئن على إخوته، ما إن رأينه ركضن إليه باكيات، احتضنهن بقوة وجلس بهن أرضًا، قال محاولًا طمأنتهن:
- إن شاء الله ربنا هيسترها معانا، ادعوا لبابا وادعوا لباسم، ربنا مش هيسيبنا أبدًا.

تركهن واتجه إلى المشفى بعد أن أوصاهن ألا يفتحن لأحد الباب ولا تخرج أيهن من البيت. وحين وصوله وجد أمه منهارة في البكاء، والحاج سعيد يحاول تهدئتها بالحديث، ما إن رأى أحمد حتى تراجع للخلف خطوة وهو يطأطئ رأسه بأسى، سأل أحمد مضطربًا:
- بابا! بابا كويس؟ الدكتور قال إيه؟
نفى الحاج سعيد برأسه عدة مرات، وزادت شهقات أمه التي لم تكف عن لطم صدرها والغمغمة، حالهما يوحي أن عزاءً قد أُقيم في فقيد غالٍ، ولكن أيكون العزاء حقيقة، والغالي والده!

يتبع.


تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة