
رواية منقذي الفصل التاسع والعشرون 29 بقلم سارة الحلفاوي
- طيب يا حبيبي مش عايز تكلم دُنيا؟ دي إمبارح كانت هـ ..
بتر عبارتها لما قال بجمود .. نبرة أذِت دُنيا و خلتها تتمنى الموت و هي قاعدة:
- معلش يا أمي هضطر أقفل عشان معايا مكالمة شغل!
إنفطر قلبها و هي قاعدة قدام سمر اللي إتصدمت لما سمعت رده، لكنها قالت بقلة حيلة:
- روح يا سليم!
دُنيا مستنتش، لملمت خيبة أملها .. وجعها و لهفة قلبها اللي إتبدلت بـ نيران مستعرة و مشيت، سمعت نداءات سمر لكنها مقدرتش ترجعلها، دخلت أوضتها و قعدت على السرير بتحط ف
كل وجعها في المذاكرة بتردد اللي مكتوب في الكتاب بصوت متماسك:
- عانى المجتمع المصري من الهبوط و الإنكسار و غياب العدالة ..
قالت آخر جملة بصوت يشوبه البكاء و مقدرتش تمسك نفسها و إنهارت في العياط بتقوم من على السرير حاطة إيديها على صدرها حاسة إنها مش قادرة تتنفس، لدرجة إنها قعدت على الأرض بتعيط بإنهيار، سمعت تليفونها بيرن برقم دولي، بصِت عليه و عرفت إنه رقمه، مقدرتش ترُد، زادت وتيرة يكائها و هو بيرن مرة ورا التانية، مسكت تليفونها و قفلتُه بكل غضب، فصلت قاعدة دقايق معدودة لحد م دخلت سمر بتمدلها التليفون بلهفة و بتقول:
- سليم عايز يكلمك يا دودو .. خُدي يا حبيبتي!
أخدت التليفون و حاجبيها متقطبان،و خرجت سمر بتشير لها بإنها تهدى بإيديها، حطت التليفون على أذنها و فضلت ساكتة، بتسمع أنفاسه المتلاحفة فـ عرفت إنه مدايق من تجاهلها لرنينُه، دام صمتهم للحظات قبل م يقول بنبرة مُعاتبة:
- رنيت عليكِ .. مكنتيش بترُدي ليه؟
- مكنتش فاضية!
قالت بجمود و هي بتمسح دموعها بعنف و عينيها ثبتت على نقطة فارغة، فـ إتنهد و قال بهدوء:
- كنتي بتذاكري؟
قالت بنفس النبرة:
- أيوا!
- وحشتِك؟
سألها بهدوء و إبتسامة خفيفو مزينة ثغره، لو يعرف أد إيه هي وحشتُه، قالت دُنيا بجمود:
- أنا هقفل عشان أكمل مذاكرتي!
- بترُديهالي يعني؟
هتف سليم و لسه الإبتسامة على ثغره، سكتت فـ تنهد و تابع:
- طيب لو عايز تقفلي إقفلي .. أنا بس كنت متصل أقولك إنك وحشتيني!
قابلها صمته ..
فـ قال بضيق:
- إقفلي يا دُنيا .. سلام!
- سلام!
قفلت معاه و رمت التليفون على الأرض جنبها بتدفن وشها في ركبتيها و الدموع بتتساقط على وجنتيها!
بعد مرور ثلاثة أيام، إثنان و سبعون ساعة دون سماع صوته، ثلاثة أيام دون دفء عناقُه، دون أن يحادثها، كان بيتواصل مع أمه بشكل يومي من غير ما يكلمها .. من غير ما يسأل عليها من آخر مكالمة كانت بينهم، لدرجة إنها مبقتش تعمل حاجة غير إنها بتروح للمدرسة .. ترجع تنام لحد بالليل .. تصحى تاكل حاجة خفيفة، تستوعب إنه مش موجود فـ ترجع تنام تاني، روتين مُميت قضى على صحتها النفسية و جسمها اللي رجع يخس تاني ده غير وشها اللي بقى تعبان
سمر بتحاول تتكلم معاها و تقعد معاها لكن من غير فايدة، قاعدة ساكتة و شاردة و كإنها مش صاحية، أعراض إنسحاب مُخدر بالبطيء من جسمها .. و المخدر كان سليم، لحد م تململت في سرير بتصحى من نومها على إيد سمر اللي بتربت على ضهرها و كتفها و بتقول بهدوء:
- دنيا .. قومي يا حبيبتي!!
هتفت دُنيا بإنزعاج و هي بتغطي وشها بالمخدة من نور الأوضة اللي دايقها، بتقول بضيق:
- طنط سبيني نايمة شوية
- يا حبيبتي قومي سليم عايز يكلمك
هتفت سمر و هي بتضحك على طريقتها الطفولية، فتحت دُنيا عينيها و شالت المخدة من على وشها، بصِت لـ سمر بعيون نصف مفتوحة فـ ثبتت الأخيرة هاتفها على أذن دُنيا، حطت دُنيا هاتفها على أذنها بتقول بصوت ناعس و عيون مُتعبة:
- آلو
سمعت صوته اللي بتعشقُه بيقول و هي حاسة بإبتسامته:
- إيه آلو الحلوة دي .. إيه يا خُم نوم، كل ده نوم!!
خرجت سمر من الأوضة عشان تسيبهم يتكلموا براحتهم، تقلّبت دُنيا فـ حسِت بألم في عضمها من كثرة النوم بتتآوه بتعب:
- آآآه!!
ضحك سليم و قال بخبث:
- تصدقي .. وحشتني الــ آآه بتاعتك أوي!!
جحظت سمر بعينيها بتسندعلى كوعخت بإيد و بالإيد التانية ماسكة تليفونها بتقول بحدة:
- عايز إيه يا سليم؟
تحولت نبرته لمنتهى الجدية، بيقول:
- بتنامي كتير ليه؟ و مبتذاكريش ليه و الإمتحانات قرّبت خلاص!
هتفت بصوت عالي و أعصاب تالفة:
- براحتي يا سليم إنت كمان عايز تتحكم في نومي!
سكت سليم للحظات قبل م يقول بهدوء و قد إستشفّ حزنها و ضيقها:
- إنتِ كويسة؟
كانت محتاجة السؤال ده عشان تنهار في العياط، كتمت التليفون و عيطت بترمي راسها على السرير تاني، سليم حَس باللي عملتُه، فـ قال و هو بيقوم يقف بيمشي في الأوضة و هو حاسس إنه عايز يروحلها حالًا و ياخدها في حضنه:
- دُنيا .. إفتحي يا حبيبتي الميوت
إتصدمت إنه عرفت، فـ حاولت تهدي نفسها في لحظات و فتحت الميوت، لكن أنفاسها فضحتها، فـ قال سليم بضيق:
- دُنيا .. إفتحي الكاميرا
غمضت عينيها بتمسح على وشها بحركة أخدتها منه، و قالت بحنق:
- مش عايزة!
- عايز أشوفك .. وحشتيني
قالها بتمهُل، قد قسيَّ عليها و هو عارف، فـ قرر يصالحها قبل ما ينزل عشان ميبقاش في بينهم أي شِقاق، فضلت ساكتة شوية و لكن قامت من على السرير تُنمق مظهرها قليلًا بتردد بعد نداؤه ليها:
- حاضر ثواني بس!
بصِت لنفسها و هي لابسة قميص للنوم لا يخفي شيء، مش عارفة ليه إنتابها إحساس بالخجل منه، لبست روب القميص الطويل المحتشم بأكمامه الطويلة و آخرها ريش، قعدت على السرير و فتحت الكاميرا و جواها لهفة إنها تشوفه لكن مظهرتش على وشها، عينيها لمعت بحب أول م شافتُه، لمعة مقدرتش تخفيها، وهو كمان أول م شافها إبتسم و قال و عينيه بتاكل تفاصيلها:
- مش هتتخيلي أد إيه وحشاني!
سكتت، لكن لمحت إنكماش محياه بيقول بضيق ظهر حقيقي على وشه:
-إنتِ مكلماني و إنتِ لابسة الروب ليه إن شاء الله؟
هتفت بهدوء بتكتم ضحكتها:
- فيها إيه يعني!
قال بنفس النبرة المتدايقة:
- طب قومي يا دُنيا إقلعي ربنا يهديكِ!!
ضحكت غصب عنها بتقول بسخرية:
- أقلع و يهديني إزاي طيب
قال بحنق:
- طب يلا إقلعي البتاع ده مبهزرش!
و تابع بغيظ:
- والله لو كنتِ قدامي دلوقتي كنت قلعتهولك أنا!
تنهدت بنفاذ صبر:
- طيب إستنى هقلعُه
و فعلًا سندت التليفون على التسريحة و شالته بخجل فـ إتنهد و رجع بضهرُه لـ ورا بيبُص لـ جسمها اللي بيموت فيه، إنكمشت هي بخجل و أخدت التليفون قربته لـ وشها فـ ضحك بيقول بحنان:
- خاسة يا حبيبتي شوية .. مبتاكليش كويس؟
نفت براسها بتعبث في أناملها، فـ هتف بهدوء:
- ليه يا دُنيا؟ كُلي يا حبيبتي كويس إنتِ لازم تتغذي
- إن شاء الله
قالت بهدوء و هي شاردة في مِحياه الجميلة، تكاد تقسم إنه كل يوم يزداد جمالًا و وسامة، إبتسم و ركن التليفون بيطلّع السيجارة و بيشربها، فـ قطبت حاجبيها بتقول بإنزعاج:
- روحت فين؟!
- بولّع السيجارة يا حبيبي ثواني!
رجع مسك التليفون فـ غمغمت بضيق:
- ليه دلوقتي!
قال مُغيرًا الموضوع:
- وحشني حُضنك!
نجح فعلًا في فعلتُه، حيث توردت وجنتيها و قالت و هي بتبص للأرض بخجل، ضحك من قلبه و هو بيقول بدهشة:
- لاء مش ممكن ..تلات أيام يعملوا فيكي!! ده أنا مكنتش بعرف ألِمك و إنتِ في حضني!
هتفت دُنيا بخجل أكبر:
- كُنت بقى!
قال بخضة:
- إيه كنت دي .. لاء بقولك إيه هو إحنا هنعيده من الأول ولا إيه، إحنا المفروض إتخطينا مرحلة الكسوف دي من زمان
شردت للحظات قبل ما تقول بمرارة:
- مش هعرف أرجع معاك زي الأول
إتغيرت ملامحُه، و قال و هو ينفث دخانًا كثيفًا من سيجارُه:
- أرجعك أنا! آجي بس
كان على طرف لسانها تسألُه هييجي إمتى لكن لاذت بالصمت مكانتش قادرة تقول أي حاجة، فضلت سرحانة و ساكتة، و هو سرَح فيها بيسند التليفون قدامه على الطاولة، نظراته مُثبتة عليها كالصقر بيسأل نفسه سؤال واحد، ليه وصل بيهم الحال لـ كدا؟ ليه الموضوع إتعقد أوي كدا! لو مقدرش يرجعها زي م قال من ثواني؟ هيعمل إيه! غمض عينيه بيخرّج من دماغه الأفكار دي و بيقول بهدوء:
- همشي عشان عندي شغل
أومأت له بهدوء و قالت بـلا مُبالاة ظاهرية:
- أوكيه .. باي
أومأ لها و بصلها بيتأمل محياها و سابها هي تقفل، سند راسُه لـ ورا بيغمض عينيه ببُطئ و هو حاسس بنيران مستعرة في قلبه، مسك تليفونه تاني و عمل مكالمة لدياب بيقول فيها:
- دياب .. طيارتي تجهز عشان عايز بكرة أبقى في القاهرة
*******
كالعادة كانت نايمة بعد م غابت من مدرستها، مكانتش عايزة تروح في أي حتة .. خروجها من السرير بس كان بالنسبالها هَم مُثقل على قلبها، كانت نابمة بشكل عميق لابسة قميص نوم بلون الفانيلّا، شعرها الناعم مفرود وراها و بين قدميها حاطة وسادة بعد م كانت متعودة تحاوط أقدام سليم بقدميها.
كانت نايمة بشكل عميق جدًا، لدرجة إن حتى صوت وَقع أقدامه مسمعتهوش، وصل الفجر. والبيت كله نايم، و أول شخص راح يشوفه كانت هي، ساب شنطته على جنبه، و قلع حذاءه الفخم و دخل، و لإن الغطا اللي عليها مكانش مغطى غير جزء سفلي بسيط من إقدامها و الباقي عاري فـ إبتسم، قعد على السرير جنب رايها و ميّل يُشبع قلبه و جسده من وجهها و شفتيها بقبلات مولِعة بالإشتياق، لم يترك إنشًا أو بقعة على وجهها إلا و قد أشبعها تقبيلًا، لدرجة إنها صحيت على فعلته بتهمهم:
- سليم .. هتيجي إمتى؟
ضحك من قلبه بعد ما فهم إنها إفتكرت نفسها بتحلم، كانت فعلًا تظن نفسها بـ أحد الأحلام الوردية و هي بين يداه يبث لها إشتياقُه، همس بجوار أذنيها بمكر بيقول:
- عايزاني آجي؟
أومأت بتقول و هي تضم الغطا لصدرها و لسه نايمة:
- آه .. متتأخرش يا سليم
إبتسم و قبّل صدغها يعود و يهمس في أذنها بإشتياق مُلتاعٍ:
- أنا جنبك يا قلب سليم...