
رواية حب غير حياتي الفصل التاسع 9 والأخير بقلم نور محمد
الجنينة اللي كانت من دقايق بتشهد أجمل لحظة في حياة عصام وشغف، اتحولت لساحة من الرعب.
المعازيم بيجروا في كل اتجاه، الستات بتصرخ، والسما اللي كانت صافية اتغطت بسحابة سودا كتمت الأنفاس.
المخازن الكبيرة اللي فيها محصول السنة كلها، والاسطبلات اللي بتضم خيل عيلة الكيلاني الأصيل، كانت بتاكلها النار بشراهة مرعبة.
عصام مقفش ثانية يفكر. رمى چاكت البدلة على الأرض، وفك زراير قميصه وهو بيجري بأقصى سرعة ناحية النار، وصوته بيشق الليل: "خرطوم الماية اللي في الجنينة يتوصل فوراً! رجالة العزبة كلها تجيب جراكن ورمل! بسرعة!!"
وصل عصام قدام الاسطبلات، كانت النار بدأت تمسك في السقف الخشب. الخيل جوه بيصهل بصوت يقطع القلب من الرعب، وعمال العزبة واقفين بره مش قادرين يقربوا من صهد النار.
الحاج كامل وصل وراه، بيسند على عكازه بالعافية، وصرخ: "يا عصام! متقربش يا ولدي، النار هتاكلك! الخيل فداك وفدا خطوتك، ارجع!"
لكن عصام، اللي اتولد من جديد، مكنش ممكن يقف يتفرج على روح بتتحرق وهو يقدر ينقذها. بص لجده وقال بعزم ويقين: "ربنا اللي نجاني من الرصا*صة، هينجيني من النا*ر يا جدي!"
روايه حب غير حياتي بقلمي نور محمد
وبدون أي تردد، أخد جردل ماية كان في إيد واحد من الغفر، دلقه على نفسه كله عشان يبلل هدومه، واقتحم باب الاسطبل اللي كان بيولع!
صرخة طلعت من قلب "شغف" اللي كانت واقفة بعيد بتترعش، حطت إيديها على وشها ووقعت على ركبها في الأرض تبكي وتدعي بصوت متقطع: "يا رب.. يا رب احفظهولي.. يا منجّي إبراهيم من النار، نجّي جوزي وقرة عيني."
جوه الاسطبل، الدخان كان بيعمي العيون وبيخنق. عصام كان بيكح بشدة، بس فضل يعافر، فتح أقفال البوكسات واحد ورا التاني، وبدأ يضرب الخيل عشان تخرج وتجري لبره.
حرارة المكان كانت بتسـ"ـلخ الجـ"ـلد، وفجأة، لمح عم "صابر" – الفلاح العجوز اللي عصام سامحه في ديونه – واقع على الأرض في آخر الاسطبل، خشبة من السقف وقعت على رجله ومش قادر يتحرك، والنار بتقر*ب منه.
عصام جرى عليه متجاهل كل الخطر، رفع الخشبة اللي كانت بتو*لع بإيديه العا*رية، وصرخ من الوجع بس ماسابهاش لحد ما عم صابر سحب رجله.
سنده عصام على كتفه، وبدأ يخرج بيه بصعوبة، وفوقيهم السقف بدأ ينهار.
بره، الكل كان حاطط إيده على قلبه. ثواني مرت كأنها سنين، لحد ما ظهر عصام من وسط الدخان، شايل عم صابر، والخيل كلها وراه.
بمجرد ما طلعوا، السقف بتاع الاسطبل انهار بالكامل بصوت مرعب.
عصام وقع على الأرض بره، بياخد نفسه بصعوبة بالغة، ووشه كله أسود من الهباب، وإيديه الاتنين فيهم حرو*ق شديدة من الخشبة اللي رفعها.
الرجالة جريت عليه، والحاج كامل نزل على الأرض خده في حضنه وهو بيبكي:"بطل يا ولدي.. راجل من ضهر راجل."
في اللحظة اللي الإسعاف والمطافي كانوا بيوصلوا، ظهر "متولي" كبير الحرس، ومعاه تلاتة من الرجالة، ساحبين "رضوان" من هدومه، ورامينه تحت رجلين الحاج كامل وعصام.
متولي كان بينهج وقال:"مسكناه يا حاج كامل وهو بيحاول يهرب من الطريق الزراعي من ورا السرايا، وكان معاه جراكن البنز*ين الفاضية."
رضوان كان وشه أصفر من الرعب، بس حاول يبجح: "أنا ماليش دعوة! دي تهمة متلفقة!"
عصام قام وقف بصعوبة، ساند على ذراعه المحر*وق، وقرب من رضوان. رضوان انكمش في نفسه وهو متخيل إن عصام هيضر*به أو يقتـ"ـله مكانه.
لكن عصام بصله بنظرة شفقة حقيقية، نظرة إنسان عارف ربنا لإنسان أعمى الطمع قلبه، وقال بصوت هادي رغم الألم: "أنت فاكر إنك لما تحر*ق المخزن هتحر*قنا؟ المحصول اللي اتحر*ق ده رزق، ورزقنا مكتوب في السما مش في الأرض. أنت محرقتش فلوسنا يا رضوان.. أنت حر*قت آخرتك، وحر*قت دنيتك. الفلوس بتتعوض، بس السواد اللي في قلبك ده هو اللي هياكلك في السجن."
وبص عصام لمتولي وقال بصرامة:"سلموه للشرطة مع سالي.. خليهم يدوقوا جزاء أعمالهم بالقانون."
في جناح عصام، بعد ما الدكتور مشي وعالجه ولف إيديه بالشاش واداله مسكنات وحقن، عصام كان نايم على السرير، صدره بيعلى ويهبط ببطء، حاسس بإرهاق السنين كله متجمع في جسمه.
الباب اتفتح بهدوء شديد، ودخلت "شغف".
كانت لسه بفستان كتب الكتاب، بس طرفه كان متوسخ بالتراب من وقعتها على الأرض، وعينيها متورمة من البكا. في إيدها كوباية لبن دافي، قفلت الباب وراها وقربت من السرير بخطوات بطيئة.
عصام فتح عينيه لما حس بريحة المسك الهادية بتاعتها اللي دايماً بتطمنه. ابتسم بتعب وقال بصوت مبحوح:"العروسة اللي بوظتلها ليلة فرحها.. حقك عليا."
شغف مقدرتش تمسك دموعها أكتر من كده، حطت الكوباية على الترابيزة، وقعدت على حرف السرير، ومسكت طرف إيده السليمة، وباستها بدموع وقالت بصوت بيترعش:"فرح إيه اللي بتتكلم عنه؟ فرحي الحقيقي إنك فتحت عينيك وبتتكلم معايا. أنت متعرفش أنا مت إزاي لما دخلت وسط النار. كنت حاسة إن روحي بتتسحب مني. لو كان جرالك حاجة يا عصام أنا مكنتش هعيش بعدك."
عصام بص في عينيها الغرقانة في الدموع، وشاف فيها حب نقي، حب ميتوصفش بكلمات. رفع إيده المتلفة بالشاش بصعوبة ومسح دموعها، وقال بنبرة دافية جداً:"وأنا مكنش ينفع أموت قبل ما أعيش معاكي الحلال اللي حلمت بيه. النار اللي جوه مكنتش تخوف.. النار الحقيقية كانت هتكون لو شفتك خايفة أو مجر*وحة."
شغف ابتسمت بخجل وسط دموعها، وعدلتله المخدة براحة وقالت:"الدكتور قال لازم ترتاح تماماً. المخازن فداك، وجدي قال ولا تفرق معاه أي فلوس طول ما أنت بخير."
عصام اتنهد براحة: "ربنا يعوضنا خير. الأهم إن ربنا رضى عني، ونجاني، ورزقني بيكي. أنتي أعظم رزق حصلي في حياتي يا شغف."
شغف نزلت عينيها بكسوفها المعتاد، وقالت بصوت رقيق: "وأنت السند اللي كنت بدعي بيه في كل سجدة."
بعد مرور عام كامل..
السرايا كانت متزينة من تاني، بس المرة دي زينة من نوع خاص. الجنينة كانت مليانة بورد أبيض، وصوت ضحكات عمال العزبة والفلاحين مالية المكان.
المخازن اتبنت من جديد على أحدث طراز، والاسطبلات رجعت أحسن من الأول بمجهود عصام اللي مبطلش شغل لحظة.
الفلوس اللي ضاعت، ربنا عوضها أضعاف بالبركة والرضا.
عصام كان واقف وسط الأرض، لابس جلبابه الصعيدي وعمامته، وشه منور بوقار ورجولة، بيسلم على الفلاحين وبيوزع عليهم أرباح المحصول الجديد اللي كان خيره أضعاف السنة اللي فاتت.
"ربنا يوسع رزقك يا كبيرنا، ويفرح قلبك بولي العهد!" قالها عم صابر وهو بيبوس راس عصام.
عصام ابتسم وربت على كتفه: "الخير ده خيركم وعرقكم يا عم صابر، ادعيلنا بس بالبركة."
خلص عصام شغله، ومشى ناحية السرايا. قلبه كان طاير من الفرحة، النهارده عيد جوازهم الأول.
دخل الجنينة، لمحها قاعدة على المرجيحة الخشب القديمة. "شغف".. الملاك اللي نور حياته.
كانت لابسة دريس واسع باللون اللبني الفاتح، والخمار الأبيض بيطير مع الهوا، وإيدها ساندة على بطنها المنتفخة بشكل واضح في شهور حملها الأخيرة. كانت بتقرأ في مصحفها كالعادة، ووشها بيشع نور وهدوء.
عصام قرب منها بهدوء عشان ميخضهاش، وباس راسها برقة.
شغف رفعت عينيها، وابتسامتها المشرقة ظهرت بمجرد ما شافته، وقفلت المصحف.
"تقبل الله يا كبير العيلة.. تعبت النهارده؟"
عصام قعد جنبها، ومسك إيدها بحنية، وقال وهو بيبص في عينيها:"التعب كله بيروح بمجرد ما بشوف وشك. تخيلي يا شغف.. عدت سنة. سنة واحدة كانت كفيلة تمحي سنين من الضياع والضلمة. كل حاجة اتغيرت.. البلد، الشغل، ديني، وحتى روحي من جوه."
شغف ابتسمت وسندت راسها على كتفه بخجل وقالت:"﴿إِنَّ يعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾.. ربنا شاف في قلبك خير يا عصام، فهداك، وعوضك، وبنا لك مقام كبير في قلوب الناس، وفي قلبي أنا كمان."
عصام حط إيده التانية على بطنها، وحس بحركة الجنين الصغير، فضحك بفرحة حقيقية طالعة من أعماق قلبه: "ابننا ده هيطلع في نور، هيتولد في بيت بيعمر بذكر الله، وبأم مفيش في طهارتها وعقلها اتنين.. أنا لو عشت عمري كله أسجد شكر لربنا إنه جابني مصر وإني خبطت فيكي في الممر داك اليوم، مش هوفي نعمة واحدة من نعمه عليا."
رفعت شغف عينيها ليه، والنظرة دي كانت كفيلة تختصر كل معاني العشق الحلال، وقالت بهمس رقيق: "أنت اللي اخترت النور يا عصام.. وأنت اللي أثبت إن الحب الحقيقي، هو اللي بياخد الإيد للجنة."
عصام ضم إيديها بين إيديه، وبص للسما الصافية، وافتكر أول يوم نزل فيه السرايا وهو كاره كل حاجة، وبص لحياته دلوقتي اللي بقت مليانة بالرضا والحب والسلام، وهمس بابتسامة طالعة من الروح: "فعلاً.. أنتي حب.. غير حياتي..
تمت بحمد الله
لقراءة جميع فصول الرواية من هنا
وأيضا زرونا على صفحة الفيس بوك
وايضا زورو صفحتنا سما للروايات
من هنا علي التلجرام لتشارك معنا لك
كل جديد من لينك التلجرام الظاهر امامك
وايضا زورو صفحتنا سما للروايات
من هنا علي التلجرام لتشارك معنا لك