
رواية قلبي عدوك الفصل الثالث 3 بقلم رباب حسين
هناك قلوب تُعاقب بذنبٍ لم ترتكبه وأخرى تُدين دون أن تسمع، فتُكتب النهاية قبل أن تبدأ الحكاية.
وفي المنتصف يقف قلبٌ حائر، لا يعرف إن كان عليه أن يقاتل أم يستسلم، لا يدرك بحقيقة مشاعره التي بدأت تترعرع بداخله.
فهل يُنصف القدر قلبًا ظُلم؟ أم يتركه يتخبط بين الحقيقة والوهم؟
كلمات... يا لها من سيل من الطعنات، ليست بحروف عادية خرجت من بين شفتيه وإنما نصل حاد قطع قلبها نصفين.
أُدان أمام عينيه وهو المجرم الحقيقي، لم تتحدث ولكن عينيها باحت بما في قلبها، وبعد أن غادر زياد من أمامها تابعته بعيون حزينة، لمح ذلك الحزن آسر، لا يعلم لم شعر بالحزن، هل لأن نظرتها ألمته؛ أم لأنه شعر بصدق مشاعرها تجاه زياد.
لم يعبر عن ذلك الحزن سوى بالغضب، فصاح بها كي تنتبه إليه ويشتت ذهنها المسروق على يده فقال: يلا بقول، اتحركي.
نظرت إليه بضيق ثم ذهبت من أمامه، تحت نظرات صافي المتعجبة، فما يفعله آسر غير مبرر.
وصلا إلى سيارتها ثم التفتت إليه وقالت: إنت مش معاك عربية؟!
آسر: لأ... معنديش بابا يجبهالي، وبعدين لما أحب أجيب عربية هجيبها بفلوسي.
أنين: هو أنت ليه حاد في الكلام معايا كده؟! أنا سألتك سؤال عادي عشان أشوف هوصلك معايا ولا هتيجي ورايا.
آسر: ما هو لو تسمعي نفسك بتقولي إيه هتعرفي أنا بتكلم معاكي كده، "هوصلك، تيجي ورايا" هو أنا شغال عندك!
أنين بضيق: لأ فعلًا التعامل معاك صعب بجد، أنا مش قصدي كده خالص.
آسر: يبقى تجيبي مفتاح العربية وتركبي الناحية التانية، أنا اللي هسوق.
أنين: لأ مش بحب حد يسوق عربيتي.
آسر: طيب بصي عشان أنا بتعصب بسرعة ومش هتستحملي عصبيتي، هاتي المفتاح ومسمعش حسك طول الطريق.
زفرت مرة أخرى ووضعت المفتاح بيده، ثم تحركت وصعدت بجواره.
قاد آسر السيارة وهو يتابعها بين الحين والآخر، هناك سؤال يلح بداخله يريد أن يطرحه عليها ولكن التردد يمنعه.
نظرت له أنين وقالت: ريح نفسك، حتى لو سألتني عن حاجة مش هقول.
آسر: مش عايز أسأل عن حاجة.
أنين: لأ، عينيك باين عليهم جدًا وعمال تبصلي كل شوية.
آسر: أنا بس هتجنن، إزاى قدرتي تخدعي عمي عادل كده وتبيني قدامه إنك كيوت وهادية، ده مش عمي بس؛ ده كل الناس تقريبًا.
أنين: مش يمكن إنت اللي شايفني غلط.
ضحك آسر وقال: اه صح، أنا اللي غلط، بس ليه سبتي زياد، باين عليه كان بيحبك قبل ما يعرف حقيقتك.
أنين: ممكن تسكت.
زياد: ماشي، بس بصراحة ربنا نجده، كان يا عيني بيحب الهيئة ديه وتلاقيه كان بيفكر في جواز وكده، سبحان الله ربنا فتح عينيه في الوقت المناسب.
أغمضت عينيها بضيق، لا يعلم ماذا يفعل بهذا الحديث بقلبها، ويبدو أنه لا يرغب في تصديق أيًا ما تقول، لذلك فضلت الصمت، فمع الوقت سيعرف الحقيقة، ولن تسمح له بأن يستفزها كي تتحدث ويذهب إلى والدها ويقص له ما قالت.
أما هو، فكان يرغب أن يسمع أي مبرر منها كي يصرف تلك الصورة التي تكونت في ذهنه عنها، ولكن لم تتحدث، وكأنها تؤكد ما يفكر به.
بعد وقت، وصلا إلى المنزل، وحين ترجلت من السيارة دخلت المنزل على الفور دون النظر إليه، نظر لها عادل وقال: جيتي بدري يعني؟
أنين: المحاضرة الأخيرة اتلغت.
سلوى: يبقى نتغدى سوا، كويس إن آسر معاكي كمان.
أنين: اه معايا، هو مسبنيش لحظة بصراحة.
ابتسم عادل وقال: آسر ده مفيش زيه، ابني اللي مخلفتوش.
سلوى: تعالي معايا يا أنين نحضر الأكل.
دخلا المطبخ وجلس آسر بجوار عادل، فهمس له: هو فعلًا كان فيه محاضرة واتلغت؟
آسر: اه، مالك يا عمي قلقان عليها كده ليه؟
عادل: لا بس بطمن يعني، لازم أخد بالي منها.
آسر: اه.... طبعًا.
اقتربت سلوى من أنين التي تقوم بإعداد السلطة وقالت: مالك يا حبيبتي شكلك متضايق ليه؟
أنين بغضب: ابنك يا طنط فظيع بجد، أنا معرفش ماله ومالي، بيراقبني في كل حتة وماشي ورايا ومش مخليني عارفة اتنفس، وبعدين بيحاول يعرف أي حاجة عني عشان يقولها لبابا، هو مش محتاج يعمل كده بجد عشان يكسبه، بابا زي ما انتي سامعة بيحبه جدًا، ليه بيعمل كده معايا؟!
سلوى: يا حبيبتي هو خايف عليكي مش أكتر، أنا هكلمه ميضايقكيش تاني.
ضمتها بين ذراعيها فقالت أنين: ياريته كان زيك يا طنط، بجد إنتي طيبة جدًا وأنا بحبك.
سلوى: وأنا كمان يا حبيبتي.
أعدا الطعام مع الخدم وتناولوه معًا، ثم صعدت أنين إلى غرفتها لتذاكر.
وبعد وقت، أمسكت هاتفها واتصلت بصافي، وتلقت المكالمة على الفور فقالت: إنتي فين يا صافي؟ إيه الدوشة ديه؟
حاولت صافي أن تبتعد عن الصخب الذي يحيط بها، ثم قالت: أنا في حفلة في النايت كلاب، إنتي كويسة؟
أنين: اه، بس كنت عايزة أسألك هو زياد عندك؟
صافي: اه عندي، مقضيها هنا مع البت سالي.
أغمضت عينيها بحزن وقالت: طيب، بعدين هكلمك عشان الصوت ده.
أنهت صافي المكالمة ونظرت إلى حازم الذي ابتسم بتهكم وقال: ده إنتي مصيبة، بقى زياد مع سالي ها؟
صافي: ما خلاص لازم أموت الحوار خالص.
حازم: مش عارف بتعملي كده ليه يعني، كل ده عشان زياد رفضك؟!
صافي: ما هو مش قصة زياد خالص، الحوار كله إنه رفضني إزاي، يعني لما أقوله معجبة بيك يبصلي بقرف ويقولي أنا عمري ما أفكر ارتبط بواحدة زيك بلبسك ده، ديه بجد حرقت دمي، وفي نفس الوقت ألاقيه معجب بصاحبتي، وكأنه بيقولي ديه أحسن منك، وأنا مفيش حد أحسن مني، فا خليته يشوفها زيي عشان أحرق دمه هو كمان، ده أنت مشفتش منظره النهاردة لما آسر كان واقف مع أنين.
حازم: لما آسر حكالي أصلًا مكنتش مصدق، قلت لأ لازم أشوف صفصف عشان أفهم.
صافي: الصراحة، آسر هو اللي بوظ الموضوع على الآخر، بس أنا مكنتش أعرف إنك مش حكيله حاجة.
حازم: آسر لو عرف بالحوار ده أصلًا ممكن يقطع معايا عشان عارف وساكت، تفكير آسر غير تفكيري خالص، بس أنا برده مستغرب هو بيعمل معاها كده ليه، وليه أصلًا يقول لأبوها.
صافي: يمكن شايفها بقى مش كويسة وعايز يرجعها يعني.
غمز حازم بعين واحدة لها وقال: وإنتي؟ مش عايزة حد يرجعك؟
ضحكت صافي وقالت: لأ أنا عايزة حد يلمني، بس الظاهر مفيش.
حازم: ألمك أنا، وماله.
صافي: حبيبي إنت عايز تتلم أصلًا، المهم، هات الصورة بتاعت زياد اللي عملتها بال AI عشان أبعتها لأنين.
حازم: ده إنتي شيطان.
فتح هاتفه وأرسل لها الصورة، ثم أرسلتها صافي لها على الفور، وما أن رأتها حتى نظرت لها بحزن، زياد يتراقص مع سالي بين الشباب، وهي تتمايل عليه.
أغلقت الهاتف، ونزلت إلى أسفل وجلست بالحديقة.
كان آسر يقوم بعمله على الحاسوب، فهو يعمل كمصمم بوقت فراغه، ثم اقترب من النافذة ووجد أنين تتجول بالحديقة، ظل يراقبها بهدوء، هيئتها دائمًا تجذب عينيه، ولكن معرفته بما تفعل جعله ينفر ذلك الانجذاب عنه.
بعد منتصف الليل، كانت صافي تخرج من الملهى وهي تضحك بشدة، فقال حازم وهو يمسك بيدها: هتقعي يا مجنونة.
صافي: لا متخفش، مش بقع بسهولة.
حازم: ما أنا عارف، مش هتوافقي بقى؟!
صافي: تاني يا حازم؟ قولتلك مليش في العرفي ده.
حازم: ما أنا قولتلك ده مؤقت، لسه بدري على ما أجي أتقدملك رسمي، لسه هنستنى كل ده؟
صافي: اه عادي، ويلا باي عشان عايزة أروح.
ذهبت إلى سيارتها وأومأت له مودعة وذهبت، فنظر لها حازم وقال بهمس: بكرة تقبلي، الصبر حلو.
كان زياد بسيارة والده يقوم بتوصيل يزن إلى المنزل بعد أن انتها من العمل، فهو يملك مكتب تصميمات صغير يديره مع يزن، وبعد أن صف السيارة قال يزن: طيب بلاش تروح وإنت كده، تعالى عندي شوية نقعد وأتكلم معايا.
زياد بضيق: أنا مش قادر أتكلم في حاجة، ولا عندي حاجة أقولها، أنا أصلًا لسه مش مستوعب اللي بيحصل ده كله.
يزن: معاك حق، أنا كمان اتصدمت فيها، وكلمت ماهي تبعد عنها خالص هي وصافي ديه، مش هستنى لما تجرها زي أنين وتبقى زيهم.
زياد: إنت ليك كلام عليها وتقدر تبعدها أو تتحكم فيها عشان خطيبتك، لكن أنا وقفت قدام آسر ده وهو بيقولي تخصني ومقدرتش افتح بقي.
يزن: خلاص بقي يا زياد، الحمد لله إنك عرفت الحقيقة بدري بدل ما كنت تفضل تحبها وإنت أعمى كده.
زياد: هو الظاهر إن اللي زي آسر دول هما اللي بيكسبو، والبنات مش عايزين المحترم، عايزين اللي يزعق قدام الناس ويعاملهم بقلة أدب عشان يحترموه، بس بسيطة؛ اللي فات مش هيتكرر تاني.
يزن: مش كلهم كده يعني.
زياد: إنت حظك حلو، ربنا وقع في طريقك بنت كويسة، لكن أنا حظي وحش، أنزل يلا وسيبني أروح.
تنهد يزن وتركه وصعد إلى منزله، ثم عاد زياد إلى منزله، وجد خالد لايزال مستيقظًا، فاقترب منه ووضع أمامه مفتاح السيارة وقال: شكرًا يا بابا على العربية.
خالد: خد العربية الصغيرة بكرة معاك لحد ما عربيتك تتصلح.
زياد: حاضر.
كاد أن يذهب ولكن عاد مرة أخرى وقال: هو إزاي آسر اتقبل نقله بعد الترم ما بدأ؟
خالد: عادل هو اللي طلب مني وبصراحة مردتش أقوله لأ، هو دايمًا بيساعد الكل.
زياد: هو إيه علاقته بعمي عادل؟
خالد: مش عارف، بس بتسأل ليه؟
زياد: أصل شايفه قريب من أنين، بس كده فهمت شوية يعني هو قريب منها ليه.
خالد: إنت غيران عليها ولا إيه؟
صمت زياد ولم يتحدث فأردف قائلًا: خلاص يا زياد كلها سنتين تخلص جامعة ونروح نخطبها زي ما اتفقنا.
زياد بحزن: لأ يا بابا، أنا شيلت الموضوع من دماغي.
خالد بتعجب: ليه؟!
زياد: لأ بس هي مش شبهي، مش هي ديه اللي تنفع تبقى مراتي للأسف.
خالد: يا ابني هو فيه في أخلاق أنين!
زياد: فيه يا بابا، وأحسن كمان، معلش يا بابا نقفل كلام في الموضوع ده. هي ماما نامت؟!
خالد: اه، وأختك كمان.
زياد:طيب هطلع أنام عشان عندي جامعة بكرة.
أومأ له خالد وصعد زياد إلى غرفته تحت نظراته المتعجبة، ما سر هذا التحول الذي حدث بينهما يا تُرى؟
________________
صباح يوم جديد.
استيقظت أنين وهي تشعر بألم في رأسها، لقد راودها الكثير من الأحلام المزعجة وألم قلبها لا يتوقف، تتذكر تلك الصورة دائمًا لا تبتعد عن مخيلتها، زفرت بضيق ونهضت لتأخذ حمام دافئ، ثم نزلت إلى الطابق السفلي، ولحق بها آسر الذي اقترب منها وقال: كاتمين على نفسك صح؟
أنين بإرهاق: مش فاهمة.
آسر: يعني إمبارح طول الليل قاعدة في الجنينة برا، كان زمان بتقعدي في الشارع براحتك لكن دلوقتي مش عارفة تخرجي وتروحي الأماكن ديه، مش قادرة يا عيني تتحبسي طول النهار في أوضتك.
أنين: بص أنا مصدعة ومش فيقالك، بقولك إيه إعتبرني مش موجودة، وبطل تراقبني عشان زهقت.
تركته وذهبت نحو طاولة الطعام، وألقت تحية الصباح وجلست معهم، لا يزال عادل يتجنب التحدث معها، أما سلوى فتهتم بها كثيرًا وهذا ما لاحظه عادل، لذا فضل أن يترك الأمر كليًا إلى سلوى.
بعد وقت، غادرت أنين وآسر بالسيارة، وأصر آسر على قيادة السيارة بنفسه.
نظر عادل إلى سلوى وقال: مقولتليش اتكلمتو فيه إيه إمبارح في المطبخ مع بعض؟
تنهدت سلوى بحزن وقالت: أنا بحاول أكسب ثقتها يا عادل، أكيد مش هتحكيلي كل حاجة عنها كده مرة واحدة، بس الغريب إنها طلبت مني إني أخلي آسر بعيد عنها، وإني أكلمه بيني وبينه بس من غير إنت ما تعرف، حسيت إنها متضايقة من اهتمام آسر، متضايقة إنه مراقبها في كل حتة ومش بيسيبها.
عادل: طبعًا، مش عارفة تهرب منه ولا تعمل اللي كانت بتعمله من ورايا.
قاطع حديثهما اتصال خالد، فتلقى المكالمة على الفور، وسمع خالد يقول: صباح الخير يا عادل.
عادل: صباح النور.
خالد: كنت بكلمك عشان أقولك إن خلاص ملف آسر إتقبل واسمه نزل في الملفات.
عادل: شكرًا كلك ذوق، مش عارف أشكرك إزاي.
خالد: مفيش بينا الكلام ده يا عادل، بس كنت عايز أقولك حاجة، أنا طبعًا كنت قولتلك على إن زياد عايز يخطب أنين وكده، بس مش عارف حصل إيه بينهم وزياد متغير جدًا من ناحيتها، هي أنين قالتلك حاجة؟
عادل: لأ، هي أنين متعرفش الكلام اللي بيني وبينك، بس ليه زياد متغير، هي أنين عملت حاجة؟!
خالد: معرفش، بس شكله زعلان منها جدًا، بيقولي مينفعش تبقى مراتي، أنا مش فاهم قال كده ليه، عشان كده اتصلت أفهم منك يمكن البنت في دماغها حد تاني.
زفر عادل بضيق وقال: لأ، مش عارف السبب، على العموم الجواز قسمة ونصيب يا خالد، ولو ليهم نصيب في بعض هيحصل إن شاء الله، زياد شاب ممتاز وألف بنت اتمناه.
خالد: اتمنى تبقى أنين من نصيبه.
أنهى المكالمة وظهر الضيق على وجه عادل، فقالت سلوى: مالك يا حبيبي؟!
وقف عادل وقال بصدمة: الولد اللي كان عايز يخطبها رجع في كلامه، تفتكري ليه؟! أكيد شاف حاجة وبعد عنها، بيقول لأبوه متنفعش تبقى مراتي، هيكون إيه السبب غير السرمحة اللي بتعملها برا البيت يا سلوى؟!
وقفت سلوى وأمسكت يده وقالت: إهدى بس، معلش حتى لو الولد ده بعد عنها مش ده المهم، المهم نلحق البنت من الوحل اللي هي فيه ده، وأهم حاجة نداري على اللي بيحصل عشان سمعة البنت متتأثرش.
عادل بحزن: ما خلاص، سمعتها بقت في الأرض، الله يسامحك يا أنين.
ماذا فعلت تلك البريئة كي تتهم بكل هذه الإتهامات؟ ومن أقرب الناس إليها، حتى هذا الشاب القابع بجوارها بالسيارة، ينظر إليها نظرات تملئها الإتهامات، تنهدت بضيق، تحارب ذلك الألم الذي يعتصر قلبها، حتى وصلا إلى الجامعة، وحين ترجلت من السيارة وقعت عينيها على زياد الذي يسير أمامها وبجواره سالي، التي ما أن رأتها أمسكت بذراعه واقتربت منه وهمست داخل أذنه: مش مصدقة إنك كلمتني إمبارح وقولتلي إنك عايز تقابلني.
زياد: مفيش داعي أعاملك بشكل وحش، ده من غيرك كان زماني لسه مغفل.
كانت تتابعهما بحزن، كانت تهرب من تلك الصورة بمخيلتها ولكن ما زاد الأمر حزنًا، أنها رأتهما الآن وجهًا لوجه.
لاحظ آسر الحزن الذي خيم على وجهها، وكالعادة قاطع شرودها بهذا الصياح قائلًا: هنقعد طول النهار في الشارع، يلا.
نظرت له ولم تتحدث، فقدت شغفها وقدرتها على الحديث، فأومأت له وذهبت أمامه بخطى حزينة، تحولت نظرات آسر إلى الحزن على هيئتها، ثم لحق بها وصار بجوارها.
داخل المدرج، لاحظت أنين أن ماهي تجلس بعيدًا عنهن، فمالت نحو صافي وقالت: هي ماهي قاعدة بعيد ليه؟
صافي: معرفش، حتى نونة قالتلها تيجي تقعد مردتيش.
أنين: غريبة، يمكن زعلانة مننا في حاجة، لما تخلص المحاضرة نبقى نتكلم في الكافتيريا.
انتهت المحاضرة، وغادرت ماهي سريعًا كما طلب منها يزن، لحقت بها أنين وصافي وكالعادة لحق بهن آسر.
وقفن معًا وآسر يراقب من بعيد، ثم تلقى مكالمة من عادل وأخبره أن لا يترك أنين أبدًا، وهي عهدة لديه ويجب أن يحافظ عليها.
أما أنين فقالت: مالك يا ماهي، زعلانة من حاجة؟
ظهر التوتر على وجهها، ثم التفتت فوجدت يزن يطالعها من بعيد، ينتظر أن تنفذ أوامره، وبجواره زياد وسالي، ثم عادت النظر إلى أنين وأغمضت عينيها بحزن وقالت: أنا مش هينفع أبقى صاحبتكم تاني.
نظرت أنين تجاه يزن ثم عادت النظر إليها وقالت: ويزن اللى طلب منك ده؟
أومأت بالإيجاب، فقالي صافي بغضب: وإنتي إيه؟ لما خطيبك يقولك حاجة بتنفذيها كده من غير نقاش، إيه معندكيش شخصية؟
ماهي: عيب يا صافي تكلميني كده، أكيد عندي شخصية بس هو معاه حق، أنا مكنتش أعرف إن أنين بتروح بارات وتلبس عريان، كنت فاكرة إني عارفاكم كويس بس طلعت غلطانة، عشان كده لما يزن طلب مني أبعد مقدرتش أدافع عنكم، إزاي يا أنين تعملي كده في زياد، وكمان مين آسر ده اللي عامل فيها بودي جارد.
كادت صافي تتحدث بغضب، ولكن وأمسكت أنين يدها لتمنعها وقالت: هو العيب مش على يزن ولا زياد، العيب عليكي إنك معرفتيش تردي عني وإحنا أصحاب بقالنا سنتين مع بعض، بدل ما تقفي في صفي وتمنعي أي حد يتكلم عني كده تقومي تسمعي كلامه وتنفذيه كمان.
صافي بغضب: ديه مش هتفهم بالذوق يا أنين، يلا خليها تسمع كلامه بعيد عننا، مش قولتي مش عايزة نبقى أصحاب؟ خلاص، ولا إحنا عايزينك، روحي اتفضلي.
ثم دفعتها بكتفها، فدفعت ماهي يدها وقالت: متمديش إيدك عليا، إنتي أصلًا السبب في اللي بيحصل ده كله.
هنا ولم يتحمل يزن، فاقترب منهن وأمسك يد ماهي وجذبها خلفه وقال: إياكي تمدي إيدك عليها، فاهمة؟
وقفت أمامه بثقة وقالت: هتعمل إيه يعني؟! هتضربني!
تحدثت أنين بألم، لم يكن فقط ألم رأسها الحاد بل قلبها أيضًا فقالت بضعف: خلاص يا صافي، يلا نمشي.
صافي: لأ مش همشي، بص يا بابا إنت تعمل راجل عليها هي بس لكن إحنا لأ.
صاح يزن وقال: أنا راجل غصب عنك، بس إنتي اللي مفيش راجل في عيلتك يلمك.
انتبه آسر إلى صوت يزن المرتفع، فأنهى المكالمة سريعًا وركض نحوهم، ثم أمسك يد أنين وقال: فيه إيه؟! بيزعقلك ليه ده؟
أنين: لا مفيش حاجة خلاص، يلا يا صافي بقى، أنا تعبانة ومش قادرة أتكلم.
صافي: إنتي عايزاني أمشي بعد الكلام اللي قاله ده؟!
يزن بغضب: هتعملي إيه يعني؟!
آسر: بس يا عم إنت، بتزعقلها ليه؟!
يزن: وإنت مالك؟ إنت مين أصلًا؟ من ساعة ما جيت وإنت عامل فيها صاحب الجامعة، ما تخليك في حالك.
كاد يقترب منه بغضب، ولكن تمسكت أنين بذراعه سريعًا وقالت بوهن من شدة الألم: خلاص يا آسر بقى، مش كل يوم مشكلة، خلاص يا يزن، خد خطيبتك وإمشي، وأنا أوعدك عمري ما هكلمها تاني، كده إنت مرتاح.
يزن: اه مرتاح، وحقي أطلب من خطيبتي تبعد عن ناس مش كويسة، ولا ده كمان عيب؟!
آسر: ما تبعدها، وأتكلم بأسلوب عدل يعني، خد يا عم خطيبتك زي ما قالت، مش شايف إن هي الكيوت اللي مينفعش تعرف البنات ديه، خلاص خدها وأمشي.
يزن: أنا نفسي أفهم إنت بتدخل ليه؟!
حاول آسر السيطرة على غضبه ولكنه فشل، فقال: إنت مستفز بجد، ما بقولك خدها وإمشي، وخلصنا من الرغي ده.
أنين: خلاص يا آسر.
آسر: ما كله بسببك، خليتي واحد زي ده يجي يتكلم معاكي كده، ما لو كنتي على حق كنت عرفت أرد.
نظرت له بغضب وقالت: كفاية بقى كلامك ده، خليت شكلي زي الزفت قدام الناس، وبدأت أخسر صحابي بسبب كلامك، كفاية بقى أنا تعبت.
ثم وضعت يدها على رأسها بألم وفقدت وعيها، فأمسك بها آسر على الفور، وظهر القلق جاليًا على وجهه، ثم حملها بين يديه وقال بلهفة: أنين... أنين فيه إيه؟
انتفض قلب زياد خوفًا عليها، كاد يقترب ولكن أمسكت سالي يده ومنعته، أما آسر فركض خارج الجامعة وهو يحملها، ولحقت بهما صافي تحت نظرات ماهي الحزينة.
يتبع....