رواية أرض الدوم الفصل الرابع والعشرون 24 بقلم رحمة نبيل

رواية أرض الدوم الفصل الرابع والعشرون 24 بقلم رحمة نبيل


 [ بكل جزء مني ...] 

صلوا على نبي الرحمة

توقف الجميع عن الحركة وهم ينظرون صوب مسلم الذي كان يصوب سلاحه لهم محذرًا من خطوة لا تستهويه وقد بدا في هذه اللحظة على أتم الاستعداد ليتخلص منهم جميعًا دون أن يرف له جفن. 


وفي الواقع هذا ما كان يتمناه بكل ذرة قذارة داخل جسده .


_ خطوة واحدة وأقسم بالله ما هسمي على انسان فيكم، برة بيتي منك ليه .


نظر له عز الدين بشك وسخرية ليس وكأنه كان هدفًا  له مسبقًا، تحرك عز الدين صوبه بخطوات باردة قوية دون أن يرف له جفن من مسدس مسلم حتى وكأن كل ذرة جبن به ماتت حينما تعلق الأمر برايانا:


_ مفكر هتخوفنا باللي في ايدك، بقى موضة قديمة .


توقف تمامًا أمام مسلم حتى أصبح بينهم شعرة وجهًا لوجه، ورغم فرق الأجساد والطول بينهم وقد كانت الكفة راجحة لمسلم بالفعل، إلا أن عز لم يرف له جفن أو يتراجع سنتي واحد فقط، يجابه مسلم الند بالند.


همس له بصوت لم يسمعه سواه :


_ صدقني مهما عملت عمرها ما هتكون ليك، لو زحفت قدامي، عمرها ما هتكون ليك ولا لغيرك، لأن رايانا لو مش ليا فهي مش لغيري .


ومسلم الذي كان في هذه اللحظة لا يمتلك من الصبر ما يجعله يستمع لتفاهات عز الدين، وعقله يكاد ينفجر من شدة الرعب على رايانا في الداخل أن يحدث لها شيء أو يصل لها أحدهم، أو تكون قد تأذت من ذلك الوغد، فقط اجابه بصوت هامس مثله :


_ ومين قالك إني مضطر ازحف عشان رايانا تكون ليا ؟!


صمت ثم مال برأسه وكأنه يود معادلة الطول بينهما :


_ فكرك لغاية دلوقتي رايانا مش متجوزة ليه ؟! اتجوزت واترملت، وحاولت تتجوزها مرتين وفشلت؟! عشان هي من يوم ميلادها ليا، وسواء أنت أو غيرك اخركم بس تحاولوا، ويا أما هتفشلوا وده الشيء الافضل، يا إما هتقعوا في طريقي .


_ حاول تقرب منها وهنشوف.


_ لا يا عز للاسف مقدرش اضمنلك انك تعيش لغاية ما تشوف الموضوع.


استشاط عز وهو يدفع مسلم بغضب للخلف يتحرك بعيدًا عنه وهو ينظر في البيت بحثًا عن طرف رايانا لا بد أنها الآن تختبأ وتراقبهم :


_ بكرة تشوف بعيونك، رايانا من اليوم اللي رفضتني فيه اتحرّمت على الكل وعايزك توريني ازاي هـ....


والكلمة التالية كانت لمسدس مسلم الذي حطم المزهرية المجاورة لجسد عز الدين مباشرة وتطايرت شظاياها بشكل جعل الجميع يطلق صرخة مرتعبة، وعز الدين ينحني بسرعة يتخذ له ساترًا من الشظايا، يراقب بأعين متسعة، ومسلم دون أن يرتف له جفن حتى تحدث بهدوء وصوت بارد :


_ خطوة كمان ومش ههوش، خد اللي معاك وبرة بيتي ...


نهض عز الدين يصرخ بصوت غاضب :


_ أنت بتهدد مين ؟؟ بنت عمي جوا في بيتك وبتقولنا نمشي ؟! حد قالك مركبين قرون يا ابن الـ*** أنت؟! 


_ لا ديول اعاذكم الله، مش هكرر كلامي، ده بيتي واللي يخطي فيه خطوة من غير أذني هفرغ مسدسي في راسه.


تدخل معتز وهو يحاول التحلي بالصبر والثبات أمام حديث مسلم :


_ اللي بتعمله ده مش هيعدي، احنا ممكن نبلغ أنك خاطف بنت اخويا و....


_ روح بلغ، هات البوليس وهات إذن وقتها هقبل ادخلكم بيتي تفتشوه، وبالمرة بعد ما يفتشوه يبقى اخد البوليس ونعدي على الأرض اللي عند الترعة نشوفها هي كمان ونعاين التربة الخصبة .


ختم حديثه وقد ارتسمت بسمة غريبة على فمه، جعلت الدماء تتجمد في عروق كلٍ من عز الدين ومعتز، ولم يتحدث أحدهم بكلمة واحدة، نظروا لبعضهم نظرات جانبية، ومسلم يدرك الآن أنه أحرز هدفًا في شباكهم .


أما عن عز الدين نظر لوالده نظرة جانبية وقد أدركا أن الأمور بالكامل بدأت تخرج عن أيديهما، امسك معتز مرفق ولده يضغط عليه بقوة :


_ أنت عندك أخت صح ؟! لو أنت تقبل اختك تفضل في بيت حد غريب بالشكل ده والبيت مليان رجالة ؟! 


ابتسم لهم مسلم بسمة صغيرة محملة بالكره الشديد لهما قبل أن يقول :


_ لو عندي أخت من الأول هاخد بالي منها مش اسيبها تضيع مني وبعدين ادور عليها، اتفضل شوف رايح فين اللي بتدور عليه مش عندي، اتفضل من غير مطرود.


اشتعلت عيون عز الدين وقد شعر في هذه اللحظة بغضب يكاد يفتك به، لذا دون تفكير أخرج سلاح ورفعه في وجه مسلم وفي ثواني كانت رصاصة تخترق ذراع يحيى الذي دفع مسلم برعب بعيدًا عن الرصاصة لتصيب ذراعه هو  .


أطلق صرخة تزامنّا مع ارتفاع صرخة كلٍ من نورهان، وكارا التي ركضت برعب صوبه ...


أما عن معتز فاتسعت عيونه بصدمة مما يحدث يصرخ بابنه وهو يجذبه للخلف بعصبية مروعة :


_ أنت عملت ايه حيوان أنت ؟! احنا ناقصين بلاوي ؟


وقبل أن يتحدث عز الدين بكلمة واحدة كان معتز يجذبه ويتحرك من المكان بسرعة قبل أن يستفيق الجميع من صدمتهم ويتحركون صوبهم، خرج به تحت مقاومة عز الدين الذي كان يرفض الخروج دون رايانا، والنيران بصدره تشتعل .


ولم يكد والده يجذبه صوب المنزل حتى تحرك عز الدين بغضب بعيدًا عنه، فاوقفه معتز بعدم فهم :


_ خد هنا رايح فين يا متخلف ؟!


_ رايح القسم اللي في القرية اللي جنبنا .


امسكه معتز بسرعة مصدومًا من كلماته ينظر لوجه بعدم فهم :


_ هتروح القسم تقولهم ايه ؟؟ ضربت واحد بالنار في بيته ؟! 


_ لا هقولهم خاطف بنت عمي ولما حاولت اخرجها رفع عليا سلاح فضربته أنا قبلها ...


لم يصدق معتز ما يتحدث به ولده يمسكه من كتفه بغضب شديد :


_ البوليس مش هيدخل القرية وإلا فيها خرابنا كلنا، أنت سامع ؟!


_ طب ورايانا ؟!


اسودت ملامح معتز وهو يقول بتوعد :


_ رايانا دي سيبها ليا، بس لما احط ايدي عليها، أنا هحسره عليها وعلى نفسه .


ـــــــــــــــــــــــــــــــــ


هرولت بسرعة صوب جسده الذي تسطح ارضًا وقد بدا أنه فقد الوعي لتجلس ارضًا بعيدًا عنه بتردد تهمس برعب وبكاء :


_ يحيى، يحيى أنت كويس صح؟؟


ويحيى يغمض عيونه بتعب واضح، قبل أن يرفع  عيونه لكارا التي كانت تبكي منهارة جواره، يحاول أن يكبت صرخة وجع كادت تفلت منه وهو يراقب الدماء تسيل من ذراعه والوجع يفتك به :


_  ايوة صح بس بتدلع عليكم.


صمت يراقب الجرح والذي كان ينزف بقوة :


_ هي ازاي بتوجع كده، في الافلام كان شكلها مبتوجعش اوي كده، ايه الهزار ده ؟! 


كل ذلك ومسلم يتابع بشحوب ورعب كبير لا يصدق أن شقيقه ألقى نفسه أمام رصاصة وكاد يفقده بسببه هو، ارتجف جسده من هذه الحقيقة يعود للخلف وقد اصطدم بحاتم الذي أدرك ما يحدث له في هذه اللحظة، يهمس له بصوت منخفض :


_ هو بخير، كلنا بخير، وأنت بخير، لا داعي للهلع.


لكن مسلم كان فقط يراقب الدماء التي كانت تعيد له اسوء ذكريات حياته، وآخرهم، صورة رايانا وهي ملوثة بالدماء .


نظر لحاتم يتحدث بصوت خافت مرتجف :


_ لقد تلقى رصاصة بسببي .


_ بل لأجلك، الأمر يختلف هنا مسلم، شقيقك فعل ما كنت ستفعل أنت لأجله، لأجله وليس بسببه .


لكن مسلم فقط كان يراقب يحيى الذي يتعامل بطبيعته مع الجميع، ليس وكأنه كان هدفًا لرصاصة منذ ثواني .


ومسلم فقط يناظره بعيون غير مفسرة، وصور متتالية تُعرض أمام عيونه، جثث صغار، صرخات نساء، دماء كثير تحيط به، مشاهد كثيرة يرتجف جسده حينما يتذكرها وآخرها ...صورة رايانا التي صنفها عقلة واحدة من اسوء المشاهد التي ستمر عليه باقية عمره .


وفي الاسفل على الأرض كان يحيى يحيا ويمثل دور الجريح بامتياز .


وكارا جواره تهمس بنبرة مرتجفة باكية تتوسله أن يتحرك معها للمشفى : 


_ طب ...طب قوم خلينا نروح نشوف المستشفى ودكتور يساعدك .


ولم يستطع يحيى كتم تأوه خرج منه دون إرادته، يضغط على أسنانه وهو يبعد يده أحمد عنه بعصبية وغضب  :


_ أنت بتعمل ايه أنت كمان هي نقصاك، ايه ياربي الاشكال دي .


رفع عيونه صوب كارا التي كانت تنظر له باكية خائفة من النزيف بذراعه :


_ طب قوم معايا، قوم نروح المستشفى الله يكرمك .


_ مستشفى ؟! مسمية الحمام العام ده مستشفى ؟! أنا مش هتحرك من هنا غير على مستشفى خاصة بسرير نضيف، وإلا اموت هنا بكرامتي .


لم تكد تتحدث بكلمة حتى أبعد يحيى عيونه عنها، ومن ثم دار بعيونه بين الجميع المفزوعين عليه، قبل أن يتوقف على وجه عيسى الذي كان يراقبه بعيون متسعة وصدمة ليمد يحيى قدمه يضرب بها قدم عيسى :


_ أنت مش بتعيط عليا ليه يا زبالة أنت ؟! 


تراجع عيسى للخلف وقد انتفض بمفاجئة من ضربة يحيى الذي لم يتوقف عن التذمر :


_ يعني لما مسلم دماغه سوحته عيطت ولا كأن ابنك وحيدك مات، وأنا مضروب رصاصة وواقف تبحلق فيا من غير دمعة واحدة ولا شوفت بتمرمغ نفسك في التراب من الخوف ؟!


رمش عيسى بعدم فهم، ومسلم مسح وجهه يفيق من حالته،  وقد تأكد أن شقيقه بخير ولم يحدث له شيء، بعدما كاد قلبه يتوقف منذ ثواني والرعب يشل أطرافه، وقد ساهم العزيز حاتم في طمأنته أكثر وهو ينظر لجرح يحيى ويفحصه .


يميل برأسه قليلًا والجميع يراقب بصمت وترقب، حتى ارتفعت صرخات يحيى بقوة وقد ضغط حاتم على الجرح بعنف جعل يحيى يرفع يده ويصفع يد حاتم بقوة دون إرادة منه :


_ يا أخي بقى هي نقصاك .


وقع حاتم للخلف بصدمة كبيرة من الضربة التي تلقاها، بينما يحيى كان فقط ينقصه أن يتدحرج في الأرض من الوجع .


بينما حاتم ادعى أن الضربة لم تصيبه يتنفس بصوت مرتفع :


_ يا خوي بلاها افلام وتمثيل، هاد بس خدش وجرح سطحي .


_ سطحك ؟؟ اقولك ايه اللي سطحك ومتزعلش .


_ قول والله ما رح ازعل .


رفع يحيى عيونه صوب مسلم يصرخ بغضب :


- شيل البني آدم ده من وشي ومشوني من هنا، ودوني القاهرة عايز اموت عند امي، يا ريت الرصاصة كانت في نص دماغي وخلصت من القرف ده .


صمت ونظر صوب كارا ثواني يهتف بجدية :


_ وأنتِ هتتنيلي تتجوزيني ولا اموت سنجل ؟؟


_ ها ؟!


قاطع مسلم كل ما يحدث بضيق شديد، وقد كان قلبه ما يزال ينبض بقوة، يميل أمام يحيى يراقبه قبل أن يرفع يده يتفقد الجرح بهدوء شديد، ومن ثم همس بصوت منخفض حنون :


_ بتوجعك يا يحيى ؟!


_ لو قولت اه هتديني حتة أرض زيادة من أرض جدك ؟!


ضرب أحمد كف بكف غاضبًا :


_ يا عم مسلم سيبك من اخوك، ده عيل فاضي، خلينا في المصايب اللي نازلة على دماغنا .


_  مصيبة أما تشيلك يا أحمد يا ابن تفيدة واخلص منك يا رب .


وفجأة تحقق دعوة يحيى وارتفعت صرخة جعلت جسد أحمد ينتفض من مكانه وهو يهرول للأعلى بسرعة كبيرة تحت نظرات يحيى المصدومة من سرعة تحقق دعوته .


_ ده الواحد سره باتع بقى ...


ـــــــــــــــــــــــــــــــــ


تجلس على الفراش في الداخل بعدما استفاقت على صوت الصرخات المرتفعة، صرخات ميزتها جيدًا، صرخات بدت كجرس انذار، كانت عيونها شاخصة في الجدار أمامها لاترى سوى سواد، سواد ماضيها وحاضرها وقد بدأ الزحف صوب مستقبلها ببطء .


سقطت دموعها وجسدها كان متخشبًا وصوت هسمات محمد تعود لها، وذلك المشهد الاخير قبل قتلها يعود لها .


" هعوضك يا رايانا .."


" محمد ...محمد أنت بتعمل ايه، ابعد عني ... أنا فين ؟!"


دفعته بضعف وهي تنهض بصعوبة من السيارة، لكن دفعتها لم تفعل له شيء، ولم يتحرك، حاولت مرات ومرات وهي تتحدث بصوت بدأ يظهر عليه بوادر وعي :


" أنت... أنت بتعمل ايه ؟؟ محمد أبعد... أبعد عني ... أبعد عني أنت...بتعمل ايه ..."


كانت صوتها يتقلب بين الصدمة والرعب، وجسدها يحاول الإفلات منه، ومحمد ينظر لها بحزن يحاول أن يثبتها بشتى الطرق، لكن فجأة أطلق صرخة حينما باغتته بضربة قوية في معدته، تدفعه بوهن وباقية مخدر يسري بين أوردتها، تنهض بصعوبة من السيارة وهي تتحرك بعيدًا عنها بسرعة لولا اليد التي امسكت بها، وهي تحاول جذب يدها من بين مرفق محمد تصرخ بصوت عالي علّ أحدهم يسمعها، تقاتل وتقاتل باكية .


تقلبت من القتال للتوسل، من الصراخ للبكاء حتى، وفي غمرة الشجار شعرت به يدفع رأسها صوب السيارة ليتهاوى جسدها ارضًا .


فاقت رايانا من كل ذلك وهي تنظر حولها بأعين ضبابية تحاول معرفة اين هي، وخمنت من الشجار في الخارج، واخر ما كانت تستطيع فعله هو رؤية أحدهم الآن، النظر في عيون أحدهم وخاصة هو ...


نهضت بصعوبة وهي تمسح دموعها تشعر بالوجع في كامل اجزاء جسدها وخاصة عقلها الذي لا ينفك يفكر إن كان محمد قد أنهى ما بدأه أم لا .


تساقطت دموعها تنظر حولها قبل أن تتحرك لنافذة الغرفة والتي كانت نفسها غرفة مسلم، نفس النافذة التي تطل على الجزء الخلفي للمنزل، تجاهد وجعها تتحمل بصعوبة كامل الألم المنتشر بجسدها .


خرجت من النافذة وجسدها يصرخ وجعًا، لكن أي كان الوجع ستموت قبل أن تبصر أي نظرة في عيون أحدهم لها وهي بهذه الحالة، سارت بصعوبة تحاول الخروج من المكان قبل أن يلمحها .


تحركت وهي تبكي بشهقات بدأت ترتفع شيئًا فشيء، لم تفكر في شيء سوى الخروج من هذا المكان، سوى الاحتماء بمنزلها بغرفتها .


وفي الداخل خرجت نورهان من الغرفة تتحدث بصدمة وعدم فهم :


_ مفيش حد جوا ..


انتفض مسلم يتحرك صوبها يدفع جانبًا :


_ يعني ايه مفيش حد ؟! يعني ايه ؟؟


وبمجرد أن أبصر الغرفة فارغة تجمد العالم حوله وفكرة واحدة خطرت له في هذه اللحظة .


استغل أحدهم انشغاله مع الرجال وتسلل من النافذة واختطفها من بين يديه، توقف قلبه برعب وخوف أن يمسوها بسوء .


_ رايـــانا ...رايــانــا ..


ورايانا كانت تجبر قدمها على السير بسرعة بعيدًا عن المنزل، المنزل الذي كانت تهرب له يومًا، تهرب منه، والشخص الذي كانت تركض له، تركض منه الآن.


سارت من طرق فرعية وشوارع تدرك أنها ستكون فارغة في هذا الوقت من الليل، تتجنب أن تصطدم بأحدهم، واخيرًا وصلت لشارع منزلها، تتنفس بصعوبة، تشعر أن قلبها سيتوقف لا تدري حزنًا أم وجعًا .


استندت لشجرة صغيرة على بُعد صغير من منزلها، في اللحظة التي أبصرت بها مسلم يهرول من بعيد صوب منزل عمها وخلفه إخوته، يصرخون به أن يتعقل، ومسلم كان في هذه اللحظة يبدو مرعبًا .


اتسعت عيونها وتوقف قلبها وهي تختفي خلف الشجرة بسرعة، ترفض أن يبصرها أحدهم في هذا الموقف وبهذا الشكل وهذه الهيئة .


أما عن مسلم كان يحاول الإفلات من يد أحمد :


_ اقسم بالله العظيم لو ما اتحركت من وشي يا أحمد لكون مطلع اللي فيا فيك، أبعد من وشي .


صرخ أحمد برعب وهو يدفعه للخلف، يبعده عن منزل البارو وقد كان صوته هلع مما يفعل مسلم :


_ أنت اتجننت ؟؟ أنت مش هتعدي الليلة دي غير لما الرصاصة الجاية تكون في راسك ؟!


يتحدث وهو يضغط أصابعه على جانب رأس مسلم الذي لم يهتم وهو يحاول الإفلات من يد حاتم، يندفع صوب منزلها، لا يبتغي شيء، ليحتفظوا بها الآن، فقط يطمئن أنها بخير، أن أحدهم لم يمسها بسوء، كان يتنفس بصعوبة وقلبه يكاد يتوقف عن النبض كلما تخيل أنها الآن بين أيديهم يـ....


توقفت أفكاره فجأة حينما لمحها، لمح طيفها على بُعد منهم، هناك تختبئ منهم، منه .


توقف جسده فجأة عن مقاومة أحمد، وجمدت ملامحه، وهو يراقبها بصدمة، تختبئ منه، هل ...هل هي من ...


لحظة إدراك ضربته في ثانية ليستوعب ما فعلته، ابتسم بسمة صغيرة وقد أدرك ما يحدث .


كبت صرخة وآهٍ كادت تخرج منه، يمسك مرفق احمد بعدما كان يدفعه يتحدث بصوت خرج خاقتًا بشكل غريب :


_ خلينا نرجع البيت .


وعدم الفهم هو ما ظهر في هذه اللحظة أعلى وجوه الجميع، هكذا وبلا مقدمات يخبرهم بالعودة ؟! بعدما كان يحارب لدخول منزل معتز وضربه ؟!


_ ايه اللي حصل ؟!


كان سؤال أحمد المتعجب من تصرفات مسلم، هل يعقل أن لمرضه يد في ذلك ؟


وحسنًا هذا لم يكن خطأ بالكامل فمرض مسلم الجديد كان له يد في ذلك .


_ خلينا نمشي من هنا يا أحمد، خلينا نرجع البيت خلاص .


وحاتم لم يستوعب ما يحدث، هل جن مسلم :


_ خلص شو ؟؟ مسلم أنت منيح ؟!


هز مسلم رأسه وهو يجاهد ليبعد عيونه عنها بصعوبة كي لا يزيد من عذابها :


_ ايوة يا حاتم، يلا نرجع خلاص .


ولم يمنح أحدهم أي فرصة للمعارضة أو الحديث، يتحرك بسرعة جاذبًا إياهم بعيدًا عن منزلها، ورايانا تراقبه باكية تحاول كتم شهقاتها وهي تتحرك بسرعة صوب المنزل، ومسلم ينظر خلفه لها يطمئن أنها في منزلها، وحينما فعلت ودخلت المنزل، رحل .....


أما عن رايانا دخلت المنزل في الوقت الذي كانت به شيما تجلس باكية في البهو تنتظر عودتها بعد ما انتشر عليها، وبمجرد أن ابصرتها بهذه الهيئة العامة انتفضت تصرخ بصوت رج المنزل، لكن رايانا لم تكن في حالة تسمح لها بأي شيء، تجاهلتها وتجاهلت والدها وجدتها والجميع، وهي تتحرك صوب غرفتها تسجن نفسها بها تنهار ارضًا وصوت الطرقات يكاد يحطم الباب .


لكنها لم تجب، فقط تقوقعت ارضًا تضم نفسها بضعف باكية بصوت نافس صوت الجميع خارج غرفتها .....


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


_ طب والله جدع جبتلنا حجة جديدة نأخر بيها الموضوع اكتر .


كان ذلك صوت رجب الذي خرج بهدوء وهو يقلب حبات السبحة بين أصابعه ويراقب زوجته التي تعالج جرح يحيى بعدما اتصلت به كارا منهارة من البكاء أنه أصيب برصاصة .


رفع له يحيى عيونه يضيقها بغضب شديد :


_لا ده جرح سطحي مش حوار، بس تعرف ايه اللي ممكن يأخر اكتر ؟!


_ ايه يا ترى ؟!


_ وفاة جوز عمة العروسة، هنا بقى لو قولنا نأجل لبعد الاربعين مفيش بني ادم هيفتح بؤقه عشان عارفين غلاوتك عندنا يا عم رجب .


ابتسمت رجب بسمة واسعة وهو يراقب يحيى الذي كان يجاهد لكتم تأوهه :


_ أسند بس طولك الاول بعدين يبقى نشوف الحوار ده، بعدين يا بني مش كفاية اللي عاملينه ؟؟ كل يوم والتاني مشكلة مع عيلة البارو، ما تهدوا شوية .


_ نعمل ايه يا عم رجب اصل أهل قريتك ناس ولاد *** و...


صمت ينظر بطرف عيونه لكارا بعدما أدرك وجودها وكذلك نورهان، وحسنًا هو لا يحب فرض لذاعة لسانه أمام النساء لذا توقف عن الحديث ببساطة :


_ حظك بس إن فيه ستات هنا وإلا كنت طربتك.


ابتعدت زوجة رجب بهدوء بعدما انتهت من تعقيم الجرح وتضميده تردد بهدوء شديد :


_خير الموضوع بسيط متقلقوش .


صمتت ثواني ومن ثم نظرت حولها تتحدث بتعجب وشك :


- فين رايانا اشوفها قبل ما امشي ؟!


نظرت كارا لنورهان ولا أحد يعلم ما حدث بالتحديد ليجيبوها، لكن نورهان تحدثت على أي حال ببسمة صغيرة :


_ رجعت بيتها يا خالتي اطمني أنتِ .


ونظرات زوجة رجب كانت غريبة لهم لدرجة أن يحيى انتبه يرفع حاجبه متشنجًا :


_ هي مراتك بتبص لينا كده ليه يا عم رجب كأننا قتلنا ليكم قتيل؟؟ 


تعجب رجب كذلك من نظرات زوجته ينظر لها بعدم فهم، بينما الاخير لما تتحمل وهي تردد بصوت مرتفع :


_ ليه ؟! وكمان بتسأل ليه ؟؟ يا بجاحتك ...


رمش يحيى بعدم فهم يعدل من وضعية جلوسه متحفزًا بينما رجب زجر زوجته بنظرة متعجبًا تصرفاتها التي يشهدها لاول مرة .


لكنها لم تصمت وهي تفضي ما بجعبتها :


_ يعني عدمتوا البنت العافية وبتقول عملتوا ايه ؟! هو عشان يعني ملهاش ام تقف ليكم وأبوها مش واعي باااي حواليه هتدوسوا عليها بالشكل ده ؟!


تحركت عيون يحيى بسرعة صوب كارا وقد ظن الحديث عليها، يشير لها متشنجًا  :


_ ندوس على مين يا خالتي؟! دي عاملة زي المسمار تدوسي عليها تخرجي منها بخياطة وغرغرينة وبلا اسود .


اتسعت عيون كارا بصدمة وهي تحدق به بعدم فهم :


_ مسمار ؟! 


_ اه مسمار ومصدي كمان، دي خايفة عليكِ مننا، يا ختي احنا عايزين فرقة إغاثة منك .


فتحت كارا فمها لتجيبه بصدمة من كلماته ما الذي فعلته ليتحدث بهذا الحديث عنها، هي حتى لم تتحدث بكلمة واحدة .


ويحيى لم يكن يقول هذه الكلمات سوى فقط ليخرجها من حالة الحزن المقيتة التي استقرت على وجهها منذ تلقى الرصاصة .


ورجب يراقب بعدم فهم ما يحدث قبل أن تتطوع زوجته وتوضح الأمر للجميع :


_ لا مش قصدي كارا، قصدي على رايانا ..


أصدر يحيى صوتًا ساخرًا وهو يضحك ضحكة مرتفعة يشير على نفسه :


_ احنا نيجي على رايانا ؟؟ 


تشنجت ملامحه وهو يهتف بجدية يدرك أن كل كلمة ينطقها حقيقة مطلقة في ذاتها :


_ ده كان مسلم قفل باب البيت وحشرنا في الركن ونزل فينا بتوكة الحزام بتاعه، رايانا مين دي اللي نيجي عليها ؟؟


هزت نورهان رأسها بسرعة كبيرة وهي تؤكد على كل كلمة نطق بها يحيى، بل وتقسم بالله عليها، مسلم كان كالثور يلوح في الأفق بحثًا عن أي راية حمراء تلوح حول رايانا .


_ اه والله مسلم معملش حاجة ولا حد فينا جه جنبها، بالعكس مسلم اللي ساعدها لما لقاها بالحالة دي .


ضيق يحيى ما بين حاجبيها يعتدل في جلسته بجدية :


_ معلش هو انتم مفكرين إن مسلم اللي عمل فيها كده ؟؟


تشنجت ملامحه يطلق صوتًا حانقًا غاضبًا من تلك الأحاديث المتناثرة حول أخيه :


_ انا اخويا مش حيوان يمشي يرفس في الناس من غير سبب، فما بالك برايانا، مسلم معملش ليها حاجة ورايانا اللي عمل فيها كده يبقى ...


_ يحيــــــى .


توقف يحيى عن الحديث حينما أبصر مسلم يدخل المكان وملامحه كانت غريبة وكأنه للتو خرج من معركة حامية الوطيس، يتنفس بشكل واضح من حركات صدره، يتقدم منهم بهدوء يقول بصوت خافت لكنه وصل للجميع :


_ ايه اللي حصل لرايانا ...رايانا محصلش ليها أي حاجة، هي كويسة .


نظر له يحيى بعدم فهم، لكنه صمت ولم يتحدث بكلمة واحدة حتى يدرك ما يسعى له مسلم في هذه اللحظة وراء كلماته هذه .


أما عن مسلم حرك عيونه للسيدة التي كانت تراقبه بغضب شديد، وتحدث بهدوء شديد :


_ محدش لمس رايانا أو مسها بسوء، وحاليا رايانا في بيتها مع اهلها كويسة، شكرًا لمساعدتك واسفين على تعبك، عن اذنكم .


ختم حديثه يتحرك دون كلمة واحدة صوب غرفته، وبمجرد دخوله تلاشى كل جموده ليحل مكانه عجز، عجز عن تجاوز مظهرها وهي ملقاة ارضًا بذلك المظهر، عن صورتها وهي ساكنة بلا حول ولا قوة بين ذراعيه .


جلس على الفراش ومن ثم تحرك للركن يضم نفسه به بهدوء، نفسها الجلسة التي كان يجلسها طوال الوقت منذ سنوات حينما كان يحاول تلاشى كل ما يحيط به وألا يحتك باوجاعه .


كان السبيل الوحيد له قديمًا أن يتجاهل أحزانه واوجاعه فقط ويدعي أنها ليست موجودة، ويا ليته يستطيع فعل ذلك الآن...


لكن ماذا لو كانت اوجاعه رايانا ؟؟


الشيء الوحيد الذي لا يستطيع أن يدعي أنه ليس موجودًا أو يتجاهله، لأنه وببساطة وجوده يعتمد على وجود رايانا " شيء اكتشفه مؤخرًا " 


ورغم كون الفكرة مرعبة، أن تعتمد حياتك وتدور بالكامل على وجود شخص ما، إلا أنه كان ...يحب ذلك الشعور .


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ


في الخارج نظر رجب لزوجته نظرة محذرة لتخفض الأخيرة عيونها ارضًا تتحدث بخفوت وضيق مما يحدث حولها وهي لا تفهم شيئًا حتى :


_ اسفة يا جماعة فكرت اللي حصل ده ...


صمتت ولم تستطع اكمال كلماتها، فتطوع رجب ليفعل بهدوء :


_ معلش المدام متقصدش هي بس من يومها بتحب رايانا زيادة شوية .


هزت المرأة رأسها بحزن وهي تمسح دمعة فرت منها دون إرادتها تهتف بصوت باكي :


_ البنت من يومها والدنيا كلها جاية عليها، وهي عمرها ما اذت حد، والله بتقطع قلبي.


تحدث يحيى ساخرًا من حالهم هم :


_ متخافيش اخويا دلوقتي هيجي على الدنيا عشانها، ويقطع قلوبنا احنا طرنشات ويقليها برَدة لو حد زعلها.


ابتسمت المرأة من بين دموعها تهز رأسها وهي تكتفي بالصمت، تدعو الله أن يكون يحيى محقًا، وأن تكون الحياة قررت أخيرًا أن تبتسم لرايانا وتمنحها فرجًا على هيئة مسلم .


تنهد رجب يشير صوب كارا أن تتحرك معهم، وكارا بالفعل نظرت نظرة أخيرة ليحيى الذي رمى لها نظرة غير مفهومة جعلتها تبعد عيونها عنه بسرعة وقد اشتد خجلها رغم عدم فهمها لنظرته، هل كانت توعدًا أم وعدًا. ...


أما عن نورهان تحركت للمطبخ لتحضر الطعام للجميع بعد انتهاء اليوم واخيرًا، تدرك أن الجميع كان بلا طعام طوال اليوم .


دخلت تستند على الطاولة تحاول التنفس بصعوبة مما حدث، قبل أن تسمع صوتًا جوارها، رفعت عيونها بسرعة لتبصر ظهر حاتم الذي كان يقف أمام الثلاجة يخرج منها بعض الأغراض.


توترت وهي تتراجع للخلف، وقد كانت هذه أول مواجهة فعلية بينهما بعدما....رفضته .


عضت شفتيها ولم تكد تخرج من المكان حتى تحدث هو بهدوء شديد وبرود غريب دون أن يستدير لها حتى يضع اطباق الطعام على الصينية .


_ لا تتعبي حالِك، أنا هسا طالع.


وبالفعل بعد كلماته رفع صينية الطعام الصغيرة وتحرك للخارج بخطوات هادئة، دون حتى كلمة إضافية، والأغرب دون نظرة واحدة فقط ولو كانت فضولية، لم يستدر وينظر لها وهو يتحدث، ولم ينظر لها وهو راحل، كان كما لو أنه...يتجنبها تمامًا .


نظرت لاثره ببسمة لا تدري سببها، لكنها كانت أبعد من أن تصف سعادة أو بهجة، كانت بسمة متحسرة، بسمة امرأة تشعر بالخوف، الخوف من شيء تتجنبه وترغبه في الوقت ذاته .


ابعدت عيونها عن الباب تتحرك صوب الثلاجة تخرج منها ما يسد رمق الجميع تمسح دموعها التي تهبط دون إرادتها وتتعامل معها كما لو أنها غير موجودة .


ولا تدري سبب البكاء حتى، ألاجل رايانا وما حدث لها، أم عذاب إخوتها جميعهم، أم لأجل ما حدث لها، أم لخسارتها ......


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


وصل أمام باب الغرفة ليبصر عيسى جالسًا على مقعده يحمل بين يديه هاتفه ويشاهد حلقات من مسلسل ما باهتمام شديد، ليضيق ما بين حاجبيه بعدم فهم .


_ عيسى ...عيسى أنت بتعمل ايه قدام اوضتي ؟؟


انتفض جسد عيسى وقد كان مندمجًا في المشاهدة لدرجة لم ينتبه حتى للقادم :


_ ايه يا أحمد وقفت قلبي .


– وقفت قلبك ايه ؟! أنت بتعمل ايه هنا ؟؟ 


نظر عيسى خلفه للغرفة ومن ثم نظر صوبه مجددًا يتحدث بجدية شديدة :


_ لما الخناقة قامت تحت يحيى قالي أنك سايب مراتك لوحدها فقالي اروح اقف قدام الاوضة لحد يقرب منها أو تصحى .


اتسعت عيون أحمد بصدمة من كلمات عيسى، ونظر صوب الدرج حيث يقبع يحيى في الطابق السفلي، يحيى وكالعادة كان الوحيد الذي يدرك كل الجوانب في أي موقف صعب .


هو فقط كان يقف في الاسفل متحفزًا لاقتراب أحدهم من الدرج مخافة أن تفزع زوجته، ومتحفزًا لاقتراب أحدهم من مسلم أو تهور مسلم ولم يكن يبصر أمامه سوى مسؤوليته تجاه الجميع .


بينما يحيى فكر في كل شيء كعادته وأرسل له عيسى لينتبه على استيقاظها.


ابتسم بحنان شديد يربت على كتف عيسى، ومن ثم اقترب يضمه بحب وامتنان يشكر الله على وجود إخوته في حياته، يسندونه إن سقط ويعوضون ما يغفل هو عنه .


_ تسلم يا عيسى تعبتك معايا يا حبيبي. 


ابتسم عيسى بسمة صغيرة وهو يربت على أحمد بالمثل يردد بجدية :


_ عيب عليك دي مرات اخويا، يعني في عنينا كلنا .


ابتسم أحمد يبتعد عنه يضغط على كتفه بهدوء :


_ تسلم يا حبيبي بس كفاية عنيا عليها، يلا اسرح روح شوف رايح فين .


ضرب عيسى يد أحمد بغيظ وغضب شديد :


_ أنت رخم أنت ومسلم اقسم بالله، هو أنا هاكلهم، والله العظيم الله يكون في عون البنات دي، ده أنتم عيال خنيقة اوي .


ختم حديثه يلوح بيده في ضيق متحركًا من أمام أحمد الذي بدأ يضحك بصوت مرتفع :


_ بكرة نشوف لما تتجوز يا حبيبي هتعمل ايه معانا.


_ معاكم اللي هو مين ؟؟ مين قالك إني هدخل مراتي عليكم اساسا ؟؟ محدش هيلمحها غير التكتوك بس .


ابتسم أحمد يهز رأسه بيأس ومن ثم طرق الباب طرقات خفيفة تحسبًا أن تكون استيقظت أو تفعل شيء خاص بها ..


يتعامل معها معاملته لأي امرأة غريبة، أو ربما معاملته لنورهان، وعقله لم يدرك بعد أن المرأة التي تجلس على الفراش أمامه في هذه اللحظة هي زوجته .


_ أحمد...


ابتسم أحمد وقد سمع صوتها اخيرًا، كان المسكن في جسدها نسبته عالية تسبب في نومها اغلب الوقت، وعدم شعورها بما يحدث حولها .


_ مساء الخير يا ساڤا .


رمشت ساڤا وهي تنظر حولها تحاول تذكر أين هي وكيف وصلت وماذا تفعل في هذا المكان .


_ إحنا فين كده ؟!


_ اوضتنا .


اتسعت عيونها بصدمة وعدم فهم :


_ اوضتنا ؟؟


_ ايوة اوضتنا ايه الغريب في كده؟! دي اوضتي في بيت جدي وبقت اوضتنا دلوقتي .


_ بيت جدك ؟؟


_ ايوة بيت المريدي، احنا رجعنا أرض الدوم تاني .


انتفض جسد ساڤا عن الفراش بسرعة ولهفة رغم موجة الوجع التي ضربتها فجأة تردد بلهفة شديدة وعيون دامعة :


_ رايانا ...


ولم تكد تتحرك سنتيمترًا بعيدًا عن فراشها حتى امسكها أحمد من مرفقها ينظر لها ببسمة قلما نظر لها بها سابقًا، وكأنه كان يحرمها عليها وعلى أمثالها .


لكن في هذه اللحظة كانت هي من وجهة نظر أحمد أحق النساء بها .


_ رايحة فين كده ؟!


_ أحمد فيه ايه ؟؟ رايانا عايزة اشوفها أنا....


بكت بشوق وحنين شديد وهي تنظر خلفك ظهره للباب وكأنه يخفي رايانا خلفه :


– وحشتني اوي بجد، عايزة اشوفها .


_ حاضر هتشوفي رايانا بس مش كده ومش دلوقتي .


ختم حديثه يضعها على الفراش بهدوء شديد وهي جلست بعدم فهم من نظراته لها وهو يربت على خصلاتها بشكل جعلها تنظر ليده بصدمة .


بينما هو يتابعها بابتسامة :


_ مش هنقدر نخرج دلوقتي ونروح في حتة، عشان كده هتستريحي وبكرة نشوف موضوع رايانا ..


وساڤا كانت فقط شاردة بمعاملته هذه، هي لم تعتد بعد، ولم تكد تتحدث بكلمة واحدة تبصر أحمد يتحرك في المكان يدخل المرحاض الموجود في الغرفة، ثم خرج بعد ثواني يقول بجدية :


_ تعالي يلا عشان هغيرلك على الجروح .


ولو شعر أحمر بمقدار الرعب الذي دب بين أوصالها في هذه اللحظة لظن نفسه جزارًا يدعوها للمذبح، لكنه لم يبصر كل ذلك يقترب منها ببسمة صغيرة يحاول جعلها حنونة وأن يعتاد التعامل معها بشكل أكثر سلاسة .


جذب مقعد أمام الفراش ينظر لها بترقب، وهي فقط شعرت بتيبس جسدها، تتراجع للخلف بشكل بسيط كي لا يشعر، لكنه فعل .


مال برأسه يتساءل بعدم فهم :


_ فيه حاجة ؟! 


_ لا ...هو ... أنا عايزة ....رايانا ...عايزة اروح ليها دلوقتي ...هي هتعمل ليا ده و...


وقبل اكمال جملتها اقترب منها أحمد أكثر لتطلق صرخة مرتفعة مرتعبة ترفع يدها أمام وجهها وقد ارتجف كامل جسدها تدفعه بعيدًا وأحمد تجمد بعدم فهم لما تفعل ينظر ليدها التي تبعده بهذا الشكل يحاول فهم ما يحدث .


وهي فقط تغمض عيونها تنطق بكلمات غير مفهومة وكل ما طرأ برأسه في هذه اللحظة أنها تفعل هذا فقط بسبب حادثة عمها .


ولم يدرك أن ماضيها كان اسوء مما حدث لها مرات .


تراجع بهدوء يرفع يديها في الهواء تاركًا لها المسامحة الكافية يحاول أن يساعدها في حالتها هذه. 


_ ساڤا ...ساڤا اهدي والله ما هعمل حاجة كنت بس عايز اساعدك، لو تحبي خدي أنتِ عالجي نفسك يا ستي .


وساڤا فقط كانت ترتجف وهي تشعر بالاختناق، هي يومًا لم تكن بهذا الضعف ولم تسمح لكوابيسها أن تمنعها من تحطيم من يقف في وجهها، لكن شعور أن يُغلق باب عليها مع رجل كان خانقًا.


نظرت صوب الباب ليتفهم أحمد:


_ حابة إني أخرج من هنا ؟! 


نظرت له بتردد تحاول أن تتماسك أمامها.


هذا أحمد...هذا أحمد... أحمد لم يؤذها يومًا .


_ أنا بس ...بس كان ...ردة فعل من جسمي مش اكتر، أنا...


تفهم أحمد وقدّر أنها ما تزال في طور التعافي، لذا ابتسم لها بلطف شديد يضع علبة العلاج الخاص بها جوارها، وساڤا تراقبه بتوتر شديد، لذا أبتعد يجلس على مقعد بعيد عن الفراش يتحدث عن بعد معها :


_ تحبي اخرج واسيب الاوضة ليكِ كلها ؟!


رفعت عيونها له تنظر له ثواني وللمسافة بينهما، ومن ثم لباب الغرفة ليتحدث أحمد وقد فهم ما تدور حولها أفكارها .


_ مش هقدر اسيب الباب مفتوح وأنتِ في اوضتك يا ساڤا، بس متقلقيش أنا..مفيش حد في الدور كله غير اوضتي أنا وأنتِ واوضة نورهان الباقي تحت وفي الملحق، هخرج وابعتلك نورهان تكون معاكِ .


ولم يكد يتحرك حتى أوقفته ساڤا بسرعة وقد شعرت أن مخاوفها هذه سخيفة، وأنها لا تستطيع المواصلة في هذا الخوف فلا ينكشف ما تخفيه .


_ أنا كويسة ... أنا بس مش قادرة افكر كويس وقلقانة على رايانا .


ابتسم لها بسمة صغيرة وامتنع عن ذكر ما حدث لرايانا وهو نفسه لم يفهم شيء بعد .


_ ساڤا ..رايانا متعرفش أنك عايشة.


نظرت له ساڤا بعدم فهم ليشرح لها ما حدث ببساطة شديدة وكيف أنه منذ أخبرهم أن يقيموا لها العزاء لم يستطع أحدهم الانفراد بها لاخبارها ما حدث .


_ مسلم بعت ليها رسايل كتير حكى ليها الموضوع لأنها انعزلت في بيتك ومرضتش تستقبل حد قبل العزا، ومقدرش يوصل ليها.


صمت ولم يضف المزيد، كان من الممكن اخبار كارا أو أحدهم ليوصل لها الأمر، لكن أحمد رفض أن يُشاع الأمر على نطاق واسع وقد قرر أن يقتل ساڤا ويُحيي زوجته .


نظرت له ساڤا بصدمة تحاول التنفس بشكل طبيعي :


_ يعني رايانا حاليًا فاكرة اني ...


صمتت وكأنها لا تستطيع نطق الكلمة، لا تصدق أن كل تلك الأيام عاشتها رايانا بعذاب موتها، لقد ...يا الله لا بد أنها الآن منهارة .


_ أحمد أنا عايزة اقابلها الله يكرمك، تقدر تاخدني ليها دلوقتي ؟؟


صمت أحمد بتردد يفكر هل يخبرها بما حدث ؟!


_ هو صعب شوية يا ساڤا ..


_ صعب ..صعب ليه؟؟ هلبس النقاب وامشي معاك و...


قاطعها بهدوء يغلق الأمر في هذه اللحظة :


_ بكرة نورهان هتاخدك ليها على اساس انك صاحبتها ورايحين تزوروها وتطمنوا عليها .


وساڤا ظنت أن حديثه هذا لأن رايانا متعبة من فكرة موتها، ولم تدرك أن هناك الكثير فاتها .


ابتسم أحمد بسمة صغيرة ينظر صوبها وقد وجد أنه بالحديث تلاشى كل خوفها، لذا تنهد بهدوء :


_ تحبي تأكلي في البلكونة ؟!


رفعت عيونها له بعدم فهم فابتسم ينهض من مكانه متحركًا صوب باب الغرفة :


_ زمان نورهان خلصت الاكل، هنزل اجيب لينا واجيلك ولا تحبي تاكلي مع الكل تحت ..


وكانت ستختار الخيار الثاني، لولا ترددها في مواجهة الجميع بهيئتها المدمرة، والنظر في عيونهم بعد ما حدث لها .


أدرك ما يدور برأسها بمجرد رؤية ملامحها تلك، ليتحدث بجدية :


_ خليها بعدين حتى تكوني اتعودتي تأكلي بالنقاب عشان تاخدي راحتك .


ومن ثم تحرك خارج الغرفة تاركًا إياها تنظر لاثره، لا تصدق أن أحمد فعلها وتزوجها، هي ...فقط توسلته ألا يتركها في هذه الحياة وحدها، توسلته أن يبقى جوارها، وهو لم يكن ليقبل ليكون جوارها بهذا الشكل إلا حينما يربط اسمها باسمه أمام الجميع .


ألقت جسدها على الفراش تتنفس بصوت مرتفع تراقب السقف .


تفكر بما سيحدث معها بعد ذلك، تفكر كيف ستحيل حياة سكينة لجحيم وكيف ستنتقم لنفسها منها ومن كل من اذاها يومًا واخيرًا لرايانا ..


_ يا ترى عاملة ايه دلوقتي يا رايانا ؟!


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


_ لا تنظر لي هكذا حاتم لن اقتله بحاسوبي .


كان مسلم يتحدث بجدية أصابعه لم تنفك التحرك على أزرار الحاسوب أمامه، منذ ساعة، تقريبًا منذ عاد من الخارج لم ينهض من أمام حاسوبه ولا حتى لتناول الطعام الذي جهزه لأجله، ما يزال لا يفهم ما حدث سوى أن المدعو محمد قد مسّ فروشكا مسلم بسوء، ومسلم الآن يشحذ كل أسلحته ليتخلص منه .


_ بلى أؤكد لك انك ستفعل، مسلم أنك منذ ساعة كاملة تطرق لوحة المفاتيح وكأنها وجهه و...


ضرب مسلم اللوحة أكثر وقد اشتعلت عيونه وشعر بغصة في فمه يتحدث بضيق شديد :


_ لا أصدق أنني تركته حيًا .


اتسعت عيونه حاتم يجلس أمام مسلم والذي لا يبصره من الأساس بسبب تركز نظراته على الحاسوب أمامه، يزفر بصوت مرتفع :


_ مسلم هل أنت جاد فيما تفعل ؟! تود قتل الشاب حقًا ؟!


رفع له مسلم عيونه واخيرًا ومازالت أصابعه تتحرك بنفس الوتيرة على لوحة المفاتيح دون أن يرمش حتى :


_ أنا سأفعل ذلك بالفعل .


_ مسلم لا تجن، نحن لسنا في فيغاس حيث تخفي جريمتك وتدفنها دون شعور أحدهم بك، ومن أنت لم تقتل يومًا شخصًا بريئًا و...


_ هذا ليس بريئًا، هذا الوسخ يفوق بقذارته كل من لوثت به يدي سابقًا، ولا تقلق لن الوث به يدي مازلت امتلك حياة أحياها مع رايانا ولا اخطط لتركها وحدها .


تعجب حاتم ينظر لمسلم بعدم فهم لما يتحدث بشأنه قبل أن يشهق بصدمة كبيرة حين تحدث بصوت خافت مخافة أن يتسبب الصوت العالي في تحقيق كلماته :


_ جوليان ؟! 


ابتسم مسلم له بسمة مخيفة لينتفض جسد حاتم يجذب الحاسوب من أمام مسلم بسرعة يصرخ بصوت مهتاج :


_ مسلم هل جننت ؟! تستأجر الوغد جوليان ؟!


_ أوليس هذا عمله؟! 


_ ياويلي لا أصدق أنك وصلت بجنونك لهذه المرحلة، تستأجر رجلًا نهرب منه لينهي لك حياة أحدهم ؟؟


_ حاتم نحن لا نهرب من جوليان، لقد علم مكاننا بالفعل ويدرك ما نفعل ولولا تهديدي له لكان أفسد حياتنا، ونعم قد يكون وغدًا لكنه يجيد عمله دون ترك أثر له أو دليل يدينه، وهذا سيكون مقابل ما امتلكه أنا ضده .


لم يصدق حاتم أن مسلم قد يصل بتفكيره لهذه المرحلة من الاختلال، أصبح مسلم مرعبًا في هذه المرحلة ويقسم أن من يتحدث الآن لم يكن مسلم رفيقه بل كان ظل له مرعب :


_ مسلم هل أنت بكامل وعيك ؟!


_ ربما ...


_ ولك الله يلعن ابليسك يا اخي، فوق مسلم هاد مو أنت، ما فيك تساوي هيك بكل بساطة وتقتله للشاب، بتروح للبنت بايد ملوثة، بتلوثها بقذارة ماضيك .


تنفس مسلم بعنف وحاتم يقترب منه يهتف بجدية وعيون حادة :


_ هل تحدثت معه أم ليس بعد ؟!


نفى مسلم الأمر برأسه ليتنفس حاتم الصعداء، يحاول الهدوء :


- لكان شو كنت بتساوي كل هالوقت ؟!


ابتسم له مسلم بسمة جانبية مخيفة جعلت حاتم يتوجس خيفة مما يخفي مسلم، والاخير لم يهتم يراقب الشاشة أمامه والتي تظهر له كل ما يحتاجه ليجعل محمد يحبس نفسه في جرة .


من السهل نشر الاشاعات، فقط أطلق خبرًا ودع الباقي للبشر، الركض خلف " الترندات " والاخبار المشتعلة جعلت الجميع يجن بالكامل، لذا خبر دسم كطبيب يتحرش ويعتدي على مرضاه في عياداته في القاهرة وبعدما شعر أنه على وشك أن يكشف عاد ركضًا لقريته ليكمل ممارسة قذاراته، خبر كهذا كان ليشعل العالم بأكمله ..


وبضعة صور غير صحيحة، وملفات شخصية مزيفة تشهد على شيء لم يحدث، أو ربما حدث فمن فعلها مرة قد يفعلها مئات المرات. 


كل ذلك كان يحتاج لعمل ساعة وأكثر من مسلم، والآن ها هو يبصر ثمار عمله، وقد بدأ المنشور الذي نشره بصفحة مزيفة تحمل اسم فتاة تتهم بها الطيب محمد بالتعدي والتحرش، واعترافات أخرى في التعليقات تشعر كل المنصات ..


أراد لرايانا أن تدفن خلف تلال العار في قريتها، فاقسم بالله ليدفننه أسفل قبور الخزي في البلاد كلها ..


اغلق الحاسوب بعدما تأكد من عدد التفاعل وعدد الصفحات التي بدأت تنقل الخبر، يبتسم مرددًا بصوت منخفض .


" العيار اللي ميصبش بيدوش " 


وحاتم والذي اشتعل فضوله في هذه اللحظة تحرك ببطء منذ دقائق وجلس خلفه يراقب ما يفعل، شخصت عيونه مما يبصر يهتف بصدمة كبيرة :


_ ولك قتلته إلكترونيا، برأيي بتتصل بجوليان بيجي يخلص عليه أرحم إله من كل هاد .


ومسلم فقط صمت يشرد بالسقف فوقه وحاتم جواره يتابعه بترقب :


_ بماذا تفكر ؟!


_ هل هي ...بخير الآن؟! 


ــــــــــــــــــــــــــــــــــ


وتحت نفس السماء، وفوق نفس الأرض كانت هي تتنفس نفس الهواء الذي يتنفسه، تشاركه كل شيء، حتى الحزن الذي يشعر به .


واخيرًا هدأ الجميع وتقبلوا فكرة أنها لن تفتح باب غرفتها لأحدهم، ولن تسمح أن تشارك خزيها مع أحدهم.


في هذه اللحظة كانت رايانا تبصر الحياة مظلمة، فقدت رفيقتها وفقدت نفسها وفقدت كل ما عاشت عمرًا تحميه .


فعلها محمد ودمرها، الخراب الذي كانت تتوقع أن يد عز الدين هي من تدسه في حياته، كان محمد هو من يفعل .


لا تصدق أنها تفكر في هذا لكن حتى عز الدين بكل قذارته، لم يحاول يومًا أن يصل باعتداءته عليها لهذه الدرجة، وما يؤلمها في الأمر أن هذه لم تكن المرة التي تُنتهك بها، سبق وانتهكها الجميع سواء بكلمة أو بنظرة أو بلمسة غير مرغوب بها .


والمثير للشفقة أنها الآن تجلس ممتنة لعز الدين أنه لم يتمادى في انتهاكه له، تشكر مجرم لأنه لم يبالغ في اذيتها .


سقطت دموعها أكثر وهي تزداد في البكاء مجددًا، وقد شعرت أن حالها هذه تحزنها أكثر مما حدث لها .


تخيل أن تجلس وتسترجع تاريخ انتهاكاتك وتقارن بينهم وتمتن لأقلهم شدة .


ارتجفت يدها تمسح دموعها وما تزال تستند بظهرها على الفراش تراقب السماء من الشرفة أمامها وجوارها تستقر تلك الكرة الزجاجية، صوتها يصدح في المكان، تكسر الصمت المميت حولها .


تراقب اوراق الشجرة تتحرك داخل الكرة وكأنها تبحث لها عن مخرج، كانت أشبه بهذه الوريقات تتحرك داخل كرة تصطدم بحوافها بحثًا عن مخرج لها .


كانت تنظر لها بشرود، ثم ودون وعي أمسكت الكرة تضربها في الأرض بقوة لتتحطم بعنف بالارضية .


كانت تنظر لها تراقب الوريقات وكأنها تبحث عن سعادتها في التحرر من الكرة، لكن المرات توقفت عن الدوران بالكامل وسقطت أرضًا .


هنا وانهارت رايانا وكأنها كانت تبحث عن سبب آخر للانهيار مجددًا تبكي بصوت مرتفع وهي تتحرك صوب الكرة تحاول لملمتها بوجع وصدمة من فعلتها، كيف فعلتها، كيف فعلتها وحطمت الشيء الذي حلمت به عمرًا كاملًا.


انهارت وهي تجمع الزجاج بيد مرتجفة :


_ لا ...لا ... أنا آسفة... أنا آسفة ...لا بالله عليكِ لا .


لم تهتم لجروح يدها وهي تجمع جزيئات الكرة، ولم تهتم لشيء وكأنها تحاول تجميع اجزاء روحها، كل شيء ينهار من حولها، كل شيء يضيع من بين يديها .


تتمنى فقط لو كانت تمتلك تهورًا يدفعها لغرز قطعة الزجاج بمنتصف صدرها وتنتهي من كل هذا .


_ رايانا ..


تجمد جسدها وهي ما تزال تحدق بالأرض أسفلها، تراقب الزجاج تحاول أن تكذب الصوت الذي سمعته، لا لا يعقل أنه هنا، معها، يشاهد انهيارها المخزي .


رفضت رفع عيونها له، وهو هرول لها مرتعبّا يلقي ما بيده ارضًا يرفعها بعيدًا عن الزجاج .


يجذبها صوب الفراش، لكنها كانت تتحرك بين يديه تقاوم، لا تريده أن يبصرها بهذا الشكل، هربت منه ليأتيها الآن ويشهد انيهار اسوء من الاول .


_ لا لا ....مسلم بالله عليك ....الكرة انكسرت .


لكن مسلم لم يتركها وهو يجذبها بسرعة بعيدًا عن قطع الزجاج يتوسل لها بصوت مقهور :


_ هجيبلك زيها والله العظيم هجيبلك زيها بالضبط ولو عايزة احسن منها، بس ...اهدي ...هجيبلك واحدة تانية .


ورايانا انهارت بين يديه تسقط ارضًا تهتف من بين بكاءها بكلمات لم يفهم منها شيئًا، كلمات كثيرة غير واضحة بسبب الشهقات التي ترافقها، لم يفهم شيئًا ولم يهتم بفهم شيء بقدر ما كان يهتم فقط بسماعها، تجلس أمامه وهي تلوح بيديها تشرح له شيئًا لا يفهمه، وهو أمامها على ركبته يراقبها ينتظر منها إشارة هدوء .


أما عنها كانت تبكي وهي تحاول اخراج جملة واضحة :


_ مش ...عايزة ... أنا...مش عايزة....هو كان ....كويس ...عز الدين ....ومحمد ...كلهم ...ورق الشجر برضو .


كلمات لا يمكن أن تجتمع في جملة مفيدة، لكنها دخلت عقله ورتبها وأدرك ربما ما تحاول قوله، يخرج من جيبه منديل وانتظر حتى انتهت ومن ثم رفعه لها بهدوء، نظرت للمنديل ثواني، قبل أن ترفع عيونها له وهو ابتسم بلطف جعلها تنهار مجددًا تبكي بلا توقف .


_ لا لا ...مش عايزة انا مش عايزة ...يا مسلم .


وصمتت وكأنها لا تدرك ما يقال حقًا في هذه اللحظة، ومسلم نظر ارضًا بعجر عن مواساتها، عن ضمها والتربيت عليها، وقد رأى أنه لا يمكنه الانتظار أكثر، تعب من البعد وتعب من كل ذلك .


_ أنا عايزة، انا عايزة ...


صمتت وهي ترفع عيونها له حينما قاطعها بهدوء يتحدث بجدية :


_ ايه اللي عايزاه، بس قولي وانا كل اللي تطلبيه هجيبه لغاية عندك، أي حاجة هتطلبيها هتكون ليكِ.


ابتسمت له بسمة مذبوحة من بين دموعها :


_ لازمتها ايه اطلب وتوعد وبكرة تنسى الوعود يا مسلم .


شعر مسلم بصدع داخل صدره، يتنفس بصعوبة بسبب كلماتها التي ضغطت على قلبه وأصابته باختناق، لكنه حاول الابتسام بصعوبة ثم نطق بصوت خافت :


_ مش هنسى لأني... أنا اللي موجود دلوقتي، بكل وعيي، انا اللي معاكِ يا فروشكا .


ارتجفت شفاة رايانا تنظر له بأعين دامعة لا تفهم ما يقول، أما عنه فهو تابع ملامحها بحب، لا يصدق كيف فعل ذلك، تخطى كامل حدوده واقتحم غرفة فتاة بكامل وعيه، شيء لو علم أن شاب فعله لأخته لابرحه ضربًا، يدرك أنه خاطئ، لكن يقسم بالله لم يتمكن من الصبر حتى يبصرها أمامه، صورتها خلف الشجرة وهي تتلاشى رؤيته تقتله .


جلس ارضًا على بعد منها وكأنه لا يضمن نفسه بالقرب منها، لا يضمن ضعفه تجاهها أن يجذبها بين أحضانه تفرغ كامل بكائها معه، يكره نفسه ويشعر بنفسه نذلًا كثيرًا لما فعله بكامل وعيه، لكنه سيندم لاحقًا، ليس الآن.


أبصر الحقيبة التي أتى بها، ليدفعها صوبها بهدوء شديد يهمس بصوت خافت :


_ اتفضلي ..


رفعت عيونها صوب يده تتعجب من الحقيبة التي يمسكها، ومن ثم مدت يدها بتردد تلتقطها منه ببطء، تفتحها أسفل عيونه الفضولية، ثواني اعتدلت في جلستها تستند بظهرها على الفراش وهو أمامها يستند على باب الشرفة يراقبها ينتظر منها أي رد ...


أفرغت محتويات الحقيبة والتي كانت مليئة بالحلوى الكثيرة مع علبة بلاستيكية، فتحت العلبة وهي تنظر له بريبة ليبتسم لها مشجعًا إياها.


وما هي إلا ثواني حتى تبينت ما تحتويه العلبة تهمس بصوت مرتجف :


_ فروشكا ؟؟


_ أنا اللي عملتها ليكِ، أنتِ بتحبيها صح ؟!


سقطت دمعة من عيونها تبتسم بسمة واسعة وهي تومأ بنعم وقد ذكرتها الفروشكا بذلك اللقاء في مطبخ منزلها، ابتسمت تردد بهمسة خرجت ضعيفة ودموعها تهبط دون شعور :


_ بحبها .


_ وأنا كمان بحبها ...اوي .


ختم حديثه بنبرة متوجعة لأجلها، وهي أخذت حبة من الحلوى تأكلها وكأنها تدفع بها تلك الغصة التي استحكمت حلقها، ثم رفعت عيونها الباكية صوبه تهمس بصوت خافت :


_ شكرًا ...


صمتت وصمت هو واستمر الصمت بينهم دقائق طويلة لم يقطعه أحدهم، هي تفكر بما حدث لها تخشى حتى أن يتطرق مسلم للامر، وهو كذلك يخشى أن تتحدث هي به فلا يتحمل رؤيتها مكسورة .


مستعد لتجاهل ما حدث على أن تكون هي بخير وتبتسم مجددًا .


وبعدما طال الصمت قطعته هي بصوت خافت :


_ قولت أنك  ..بوعيك وأنه أنت..قصدك ايه ؟؟ هو اللي كان بيجي ده مش أنت ؟؟ 


نظر لها مسلم وقد توتر من منحنى الحديث، لا يحبذ الانجراف معها لذلك الجزء، ليس الآن وهي شبه منهارة بالفعل، لكن رؤيتها وقد توقفت عن البكاء وجمعت كامل تركيزها عليه، جعله يفكر في الحديث بخصوص الأمر، إن كان الحديث عن مرضه، عن مشاكله، عن عذابه سيخفف عنها عذابها فليفعل .


بلل شفتيه وهو يهمس بصوت منخفض ينظر في أي مكان عداها :


_ هو أنا...مش ...ساعات مش بكون في وعيي بسبب ..


صمت وتردد فبادرت هي بفضول وقلق عليه :


_ انفصام بالشخصية ؟؟


ضحك وهو يمسح وجهه ينفي تلك الفكرة :


_ لا مش لدرجة انفصام، هو أنا بعاني من مرض نفسي بنفصل فيه عن الواقع وساعات بشوف خيالات مش موجودة وساعات بيختلط الواقع مع الاحلام فمش بعرف اميزه و...


صمت ينظر لها بتردد يبصر ردة فعلها ولم يرى سوى أعين متسعة وخوف لا يدري أمنه ام عليه ؟!


_ بعاني من مرض الذهان .


ورايانا فقط تتابعه بصمت وترقب وهو وصل لمرحلة اللاعودة، لن يصل لهنا ويتوقف، إذا كانت هذه المرأة ستصبح زوجته _ وستكون فعلًا _ فعليها معرفة مع من ستعلق المتبقي من حياتها .


_ المرض ده جالي بسبب تراكمات و...و...حياتي زمان مكانتش ....


توقف يرفض الخوض معها في هذه النقطة، هو لن يوجعها ولو بمجرد حكاية حول ماضيه، يهتف بصوت مختنق شعرت به رايانا وكأن أحدهم يحكم الخناق على رقبته .


_ مسلم متــ


قاطعها يأبى التوقف في هذه اللحظة وصوته خرج متحشرجًا :


_ رايانا أنا عشت عشر سنوات في امريكا و...العشر سنوات دول كانوا...كانوا.... كانوا سنوات اتمنيت في كل ثانية مرت عليا فيهم إني أموت، عشر سنوات شفت فيهم جحيم عمر ما فيه انسان يقدر خياله يوصله ليه، محدش خالص ...يعرف باللي حصلي غير حاتم، حتى اهلي ميعرفوش سبب مرضي ...حاتم بس لانه كان ...كان هيبقى مكاني في يوم من الايام، وأنتِ .


صمت يهتف بصوت متهدج خرج بصعوبة :


- مش عايز ...مش عايز اخبي عليكِ عشان ...مش عايز اخسرك بسبب مرضي و.... أنا بسبب الماضي ده حصل عندي مرض نفسي وانفصل الوعي واللاوعي في جسمي والجزء الاسود مني ساعات بيتحكم فيا، وكل اللي حصل زمان بقى يظهر ليا على هيئة خيالات ممكن اشوفها كأنها حقيقة و... أنا اتعالجت ... أنا اتعالجت زمان بس حصل محفز للجزء ده ورجع تاني و...


_ محفز ؟؟


صمت ولم يخبرها ما الذي حفز ذلك الجزء، يرفع عيونه لها يتوسلها.


 كان يتوسلها في هذه الثانية ألا تتخلى عنه :


_ أنا هتعالج تاني عشانك، والله يا رايانا ما هقصر معاكِ في يوم، ولا هتحسي أنك عايشة مع حد مجنون ولا ...هو ...هو ...حتى الجزء ده واللي كنت بخاف على الكل معاه هو ..


صمت ثواني يتنفس بصوت مرتفع قبل أن ينظر لعيونها برجاء :


_ هو بيحبك .............


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


"أقفُ معك ضدّ نَفسي، 

ضدّ القبيلة وأهل المدينة والعالم كلّه،

وأُهدِر عليك عمري بأكمله؛

إن استثنَيتني".


- باسم سلامة.


ـــــــــــــــــ


دمتم سالمين...


          الفصل الخامس والعشرون من هنا 

      لقراءة جميع فصول الرواية من هنا


تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة