رواية قلبي عدوك الفصل الثامن 8 بقلم رباب حسين


رواية قلبي عدوك الفصل الثامن 8 بقلم رباب حسين




محظوظٌ من حظى بقلب من يحب.
كم من قلوب تعلقت بعشق لا أمل له، حرقت بلهيب الغيرة، تألمت بصمت كمن يحمل جمرة بين أصابعه؛ يحاول أن يخفيها بعيدًا عن الناس ولا يشعر بلهيبها سواه.
ويظل السؤال: لماذا تعلق القلب بمن هو ليس لنا؟
وفي ظل ذلك الألم أصبح هو درع الحماية لها، يدافع عنها أمام الجميع، وأخرس ألسنتهم جميعًا عنها. هل سيتحمل ذلك العذاب ويضحي لأجلها بكتمان مشاعره أم يحاول أن يجعلها ملكه؟

جذبها آسر من يدها كي تتبعه، وقبل أن يدخلا المدرج توقف عند سماع رنين هاتفه، ثم تلقى المكالمة وقال: أيوة يا تالين، صباح الخير. 
نظرت له أنين بتعجب، فالمعروف عن تالين أنها لا تهتم سوى بدراستها ورياضة التنس، وتسائلت بداخلها: ما سر هذه التغيير؟ هل بينها وبين آسر علاقة؟ 

ابتعد آسر قليلًا وتحدث قائلًا: إنتي قلقانة كده ليه؟ الموضوع مش مستاهل القلق ده كله. 
تالين: بصراحة أنا قلقت من طريقتك إمبارح، بس الكلام مش هينفع في التليفون، لو تعرف تيجي النادي النهاردة أنا هبقى هناك بعد العصر. 
آسر: تمام وأنا هخلص محاضرات وأجيلك. 

أنهى المكالمة ودخل المدرج، وجد أنين تبحث عن أحد، فاقترب منها وقال: بتدوري على مين؟ 
أنين: صافي، إمبارح شكلها كان مرتبك وعايزة اطمن عليها، بس شكلها مجتش. 
دخل الدكتور وتوجه كلًا منهما إلى المقاعد. 

أما عادل فكان يجلس على مكتبه ويتابع أخبار المجلات والصحف حول الحفل الخاص بالفندق، وصورته مع سلوى وخبر زواجهما متصدر العناوين، اقتربت منه سلوى وقالت بسعادة: الحفلة كانت تحفة. 
عادل: فعلًا، يمكن أحلى حفلة عملناها للفندق. 
ثم صمت وظهر الحزن على وجهه، فقالت سلوى: ليه زعلت بقى؟ 
عادل: أنين، حاسس إن فرحتي مكسورة بسببها، إمبارح أكتر الوقت كانت زعلانة، وحسيت إنها كانت بتعيط، نفسي أعرف إيه اللي بيحصل. 
سلوى: البت صافي ديه مصيبة، بجد لازم تبعد عنها، تصرفاتها مش طبيعية، وبعدين فيه حاجة أكبر من حوار الديسكو ده، أنا خايفة تكون بتشرب مخدرات وتجر أنين معاها. 
عادل بصدمة: لا لا... مخدرات إيه؟! إن شاء الله متوصلش لكده. 
سلوى: أنا عايزة أبعد عنها البت ديه وخلاص، شايفة إن علاقة آسر وأنين بقت أحسن، أنا هطلب مساعدته يبعدها عنها. 
عادل: آسر ده ربنا بعتهولي نجدة، مش عارف من غيره كنت هبقى مطمن على أنين إزاي وهي برا البيت، كنت هسيب شغلي وكل حاجة وهركز معاها هي بس. 
سلوى: متخافش عليها يا حبيبي، وبطل زعل بقى، مش بحب أشوفك زعلان كده. 
ظهرت ابتسامة على ثغره مكسورة وقال: حاضر. 

أما صافي، فكانت تجلس بالفراش شاردة، لا ترغب بفعل أي شيء، تفكر فقط بحديث سلوى معها، ثم أغمضت عينيها وأومأت برأسها برفض. 
انتبهت إلى مكالمة من حازم، فتلقتها وقالت: ألو. 
حازم بغضب: بكلمك من إمبارح مش بتردي، ورسايل مش معبراني، فيه إيه؟! 
صافي: معلش حبيبي دماغي مش مركزة. 
حازم: حصل إيه إمبارح فهميني. 
صافي: مش هينفع في التليفون، هو أنت فين؟ 
حازم: في الكلية وبعدين هروح أخلص شغل متأخر في شركة صغيرة كده، آسر مش راضي يعمله هو عشان بقالي يومين مش بشتغل. 
صافي: طيب أنا هجيلك بعد الشغل واحكيلك، عشان محتاجة أعرف رأيك في موضوع ضروري. 
حازم: ماشي، على بليل كده نتقابل، تعالي على البيت هستناكي.
أنهت المكالمة وتفاجأت بدخول نرمين الغرفة، ثم قالت: هو إنتي مخبية عليا إيه؟
زفرت صافي ونهضت من الفراش وقالت: مش مخبية حاجة يا ماما. 
نرمين: لأ مخبية، إمبارح سبتك بمزاجي عشان أبوكي مياخدش باله، بس أنا شفتك واقفة مع سلوى وشكلك كان متوتر، ومن ساعتها وإنتي مش طبيعية، فهميني فيه إيه.
عقدت صافي ذراعيها وقالت باستهزاء: ده إيه الاهتمام المفاجئ ده كله؟!
نرمين: ليه هو أنا مش مهتمة بيكي؟
ضحكت صافي بقوة وقالت: ماما إحنا آخر مرة قعدنا نتكلم فيها مع بعض كانت من سنتين تقريبًا، لما كنا بنختار هدخل كلية إيه وجيت خدت رأيك، وفي الآخر قولتيلي كالعادة اللي يريحك يا حبيبتي إعمليه، وأنين هي اللي قالتلي ساعتها ندخل نظم ومعلومات، يعني حتى تفكير في مستقبلي محاولتيش تتعبي نفسك وتفكري معايا. أنا بس نفسي أسألك سؤال، إنتي خلفتيني ليه؟
نرمين: أبوكي اللي كان عايزني أخلف، وبعدين مش ده موضوعنا... 
قاطعتها صافي وقالت بصدمة: بس! يعني إنتي خلفتيني عشان بابا عايز كده وبس؟! 
نرمين: ما إنتي عارفة إن بسبب الحمل بطلت لعب البالية، وديه المشكلة اللي حصلت بيني أنا وأبوكي، أنا وافقت وضيعت حلمي مني عشانك، عشان تيجي للدنيا. 
صافي: وبقيت دورك فين كأم؟! هو الأم بتخلف بس! أنا فين من حياتك اللي كلها سفر وشوبنج بس؟ يا ماما أنا بقعد بالشهر والاتنين مش بشوفك، ده أنا كلت مع الخدامين أكتر ما كلت معاكم، إنتو مش شايفني ولا مهتمين بيا لا إنتي ولا بابا، بابا بس كل أما يشوفني؛ وصدفة كمان، يقولي "لأ خلي بالك من دراستك، أنا عايز مهندسة شاطرة وأنا هفتحلك شركة عشان تاخدي مكاني." كل واحد فيكو فاكر إن ده دوره بس، لكن في الحقيقة أنا عايشة لوحدي، فا ياريت متجيش دلوقتي تعملي دور الأم اللي بتحاول تهتم وتسأل بنتها مالك، عشان أنا خدت إني أحل كل مشاكلي لوحدي ومش عايزة حد منكم يحل معايا حاجة ولا يعرف عني حاجة، ولو سمحتي سيبيني ألبس عشان نازلة.

نظرت لها نرمين بتعجب، فحديثها كان مثل الانفجار، وكأنها كانت تنتظر لحظة مناسبة لكي تتحدث بكل ما في قلبها، ولم تجد نرمين عذر لما تفعله معاها، فتركت الغرفة بهدوء أما صافي فجلست تبكي وحيدة.
ما يزرعه الأباء يحصده الأبناء. 

أما سلوى، فخرجت من مكتب عادل وتوجهت إلى مكتبها، وبعد وقت تلقت مكالمة على هاتفها وقالت: ألو.
حسن: ست الكل.
عقدت سلوى حاجبيها وقالت: مين معايا؟!
حسن: معقول نسيتي صوتي! أنا حسن يا ستهم.
نظرت سلوى حولها بتوجس، ثم قالت بهمس: بتتصل ليه تاني؟!
حسن: لما شفت صورتك في الأخبار وإنتي منورة جنب عادل كده قلت لازم اتصل وأبارك، لأ والخاتم اللي في إيدك يجنن، ولما شفته افتكرت فلوسي اللي مخدتهاش منك لحد دلوقتي، فقلت أفكرك بيهم.
سلوى بضيق: يوووه، فاكرة، وفاكرة برده إني قولتلك لما أخد الفندق هديك أد المبلغ ده ٣ مرات وإنت وافقت، بتتصل ليه دلوقتي؟!
حسن: ما أنتي خلاص إتجوزتي الراجل وخطتك نجحت، إديني فلوسي بقى.
سلوى: يا بني آدم إفهم، أنا إتجوزته مش ورثته.
حسن: وماله، ما أنا في الخدمة وممكن أخليكي تورثيه من بكرة.
سلوى بغضب: إنت إتجننت! ملكش دعوى بيه خالص، وفلوسك هتجيلك زي ما اتفقنا.
حسن: خلاص، بيعي الخاتم الحلو ده وإديني فلوسي.
سلوى: لأ طبعًا.
حسن: يا ستهم ده أنا خدمتك خدمة عمرك، ده كفاية إن الحكومة معرفتش تمسك دليل واحد عليا، وإنتي وصلتي للمكان ده بسببي أنا وبس، مستخسرة تراضيني.
سلوى: طيب، هبعتلك مبلغ كده لحد ما أقدر أجيبلك المبلغ على بعضه.
حسن: وماله، بس ده برا الحساب.
زفرت سلوى وقالت: حاضر، هبقى أكلمك لما أجهزهم وأقولك نتقابل فين.

أنهت سلوى المكالمة وهي في غاية التوتر، حاولت أن تتنفس بانتظام حتى تهدأ، ولكن الخوف تملك من قلبها. 

انتهت المحاضرة وخرجت أنين مع آسر من المدرج، ثم رأت ماهي تنظر إليها من بعيد وعينيها حزينة، كانت تشتاق لحديثها مع أنين كثيرًا ولكن لم تستطع أن تقترب منها بسبب يزن؛ الذي حين رأى نظراتها جذبها من ذراعها على الفور، فنظرت له وقالت: فيه إيه؟
يزن بحدة: هو إنتي بتكلميها من ورايا ولا إيه؟
زفرت ماهي وقالت: لأ، ده حتى الحفلة رفضت تخليني أروحها.
يزن: وكويس إن مروحناش، مش شايفة زياد عامل إزاي؟!
نظرت له، فوجدت سالي تحاول التحدث معه وهو يبدو عليه الضيق بشدة ويرفض الحديث، ثم وقف أمامها بغضب وقال: خلاص يا سالي، قولتلك كنت عايز أتأكد بس من اللي حصل عشان كده كلمتها.
سالي: وإتأكدت ولا لسه.
زياد: لأ، فيه حاجة جوايا مش مرتاحة، عارفة يا سالي لو طلعتي كنتي بتكدبي عليا هوريكي أيام أسود من شعر راسك.

تركها وذهب، ولاحظ آسر نظرات أنين إلى ماهي فقال: متزعليش، بكرة كل حاجة تبان.
أنين: فاكر لما الحقيقة تتعرف هرجع أنا وهي أصحاب تاني؟! أنا عرفت قيمتي عندها بعد الموقف ده، مكنش المفروض تبعد عني وتصدق كلامهم، كان المفروض تدافع عني أصلًا وتقف قدام خطيبها وتقوله لأ أنين متعملش كده.
آسر: خلي بالك هي بتحبه، والاختيار بينكم صعب، يمكن عارفة إن اللي بينكم هيرجع في يوم من الأيام، لكن لو كانت خسرت يزن مكنتش هتعرف تكسبه تاني. معلش لما الحقيقة تبان سامحيها، البت ديه باين عليها كويسة فعلًا.
نظرت له أنين وضيقت عينيها وقالت: بتحب إنت البنات اللي زيها وزي تالين، صح؟
آسر: اه بصراحة، أهم حاجة في البنت عندي إنها تبقى محترمة.
أنين: عشان كده مكنتش طايقني؟
آسر: ما هو غصب عني برده، أول مرة شفتك مع صافي في ديسكو ولابسة قصير، أكيد هفهمك غلط.
أنين: هي كانت غلطة فعلًا، الله يسامحها صافي بقى.
آسر: طيب يلا بقى نروح عشان عندي معاد ولازم أمشي.
أنين: مع تالين؟
آسر: اه، عرفتي منين؟!
ضحكت وقالت: ده الموضوع كبير بقى.
آسر: لأ متفهميش غلط، إحنا أصحاب عادي.
تحركت من أمامه وقالت: أيوه طبعًا مصدقاك.
ثم أخذت تضحك وهو يتبعها ويحاول أن يعدل تفكيرها عن الأمر. كل ذلك تحت نظرات زياد الذي اشتعل بالغيرة عندما رأها تضحك معه. 

عادت أنين إلى المنزل وذهب آسر إلى النادي، بعد وقت اقتربت منه تالين وجلست أمامه على الطاولة، ثم قص لها آسر ما حدث، وأخبرها أن زياد يسهر بالبار وقد تشاجر معه هناك. 
تعجبت تالين من الأمر وقالت: بس زياد عمره ما أتأخر برا البيت، ومش بتاع سهر ولا بنات.
ضحك آسر وقال: إذا كان دلوقتي مرتبط بسالي ديه، وإنتي أكيد عارفاها يعني، ده غير حوار الرهان اللي عمله على أنين، مش بقولك إنتي متعرفيش حاجة.
تالين بصدمة: لأ... مش ممكن، زياد مش كده أبدًا، أنا عارفة تفكيره كويس، أنا متأكدة إنك فاهم غلط.
آسر: بصي أنا عارف إن ده أخوكي ومن حقك تدافعي عنه، بس أنا من رأيي تقعدي معاه وتفهمي منه كل حاجة، يمكن يحكيلك هو وساعتها هتصدقي.
تالين: أنا فعلًا هقعد معاه، ولما أفهم كل حاجة هكلمك وأبلغك بالموضوع.
ثم تحولت نظراتها إلى إعجاب، فتعجب آسر من نظراتها وقالت: أنا أول مرة أخد بالي من لون عينيك.
آسر بابتسامة: اه، بتبان في الشمس أكتر.
كانت عينيه تبوح بالكثير، فجذبت انتباه تالين لأول مرة، وهذا ما أثار فضولها على عكس طبيعتها، فقالت: هو إنت مرتبط؟
آسر بارتباك: لأ.
تالين: بص، أنا طول عمري مليش في جو الارتباط والكلام ده، ويمكن عشان عمري ما حد لفت انتباهي أو كده، بس بصراحة، أنا شكلي هحبك.

ثم نهضت على الفور وركضت من أمامه وهو ينظر إلى أثرها وتجمدت حركته، ولكن أوقفه قلبه الذي تذكر محبوبته التي لا تشعر به، وكأنه يذكره بألمه في كل مرة يسمع فيها كلمة حب، فلم تكن أنين مجرد معشوقة، بل ملخص لتعريف الحب داخل قلبه، وسطور عشق حفرت بداخله بسك ملكية طويل الأمد. 

في المساء، ذهبت صافي إلى منزل حازم، وما أن رأها ولاحظ الحزن والأرهاق على ملامحها، ضمها إليه سريعًا وبكت بإحضانه فقال بقلق: مالك يا حبيبتي؟
صافي: أنا في مصيبة يا حازم ومش عارفة أعمل إيه.
جذبها حازم إلى الداخل وأجلسها على الأريكة وجلس بجوارها وقال: براحة فهميني حصل إيه؟
صافي: طنط سلوى عرفت كل حاجة، موضوع زياد وإني وقعت بينه وبين أنين، وكمان موضوع جوازنا، وأنا هتجنن من إمبارح عايزة أعرف عرفت منين.
حازم بفزع: عرفت؟! إزاي؟
صافي: أكيد سمعتنا في الجنينة، مش لاقية طريقة تانية تعرف بيها غير كده، بس المصيبة الأكبر إنها بتساومني، يأما أنفذ كلامها يأما تروح تقول لبابا.
حازم: بتساومك على إيه؟!
صافي بارتباك: عايزاني أوقع أنين في مصيبة أكبر.
حازم: ليه؟! عايزاكي تعملي إيه مش فاهم؟
صافي: هقولك.

كانت أنين تجلس بغرفتها، ثم وجدت رسالة على هاتفها من زياد، فتحتها فوجدته أرسل:" أنا مش عارف إحنا وصلنا لهنا إزاي؟ أنا صدمتي فيكي مش قادر أوصفها، ومع ذلك عايزك تعرفي إني مراهنتش عليكي بحاجة وحشة، أنا راهنت إنك أحسن بنت في الدنيا، ودلوقتي بتمنى لو كنت كسبت الرهان، عشان مش عارف أحب غيرك ولا عارف أنساكي، الله يسامحك."
قرأتها والدموع تتلألأ داخل عينيها، كادت تخبره بالحقيقة ولكن تراجعت، فثأرها هو أن يتجرع من نفس الكأس، أن يشعر بأنها كانت تخدعه مثل ما كان يفعل هو، فتركت الهاتف وقبضت على ملابسها، وأخذت تبكي بصمت، فإن كان هو لا يستطيع أن ينساها فهي فقدت معنى الحياة بدونه. 

أما زياد فكان يقود سيارته بعد أن أرسل لها تلك الرسالة، مرهق القلب، الغيرة تأكل صدره، والحزن أصبح كأس يتجرعه كل ليلة وحيدًا، حاول كثيرًا أن يتوقف عن التفكير بها، ولكن كل محاولاته باءت بالفشل، وفي ظل ذلك التخبط أخذ قرار بتغير مساره ولم يعد إلى منزله، بل ذهب إلى البار الذي وجدها تسهر فيه، وقرر أن ينساها ولكن بطريقة أخرى.

تُرى سينسى أم يخط أول خطوة نحو خسارتها إلى الأبد. 
يتبع....




تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة