
وفجأة وبصوت طرقعة هزت أركان الطاحونة الجنزير اطق والباب الحديد اتفتح.
صقر ما استناش ثانية حدف العتلة وارتمى في المية اللي كانت مغرقة السرداب .. نزل لتحت وسحب نسمة لحضنه وهي كانت شبه غايبة عن الوعي المية واصلة لحد منخارها وعبايتها بقت مليانه بالطين .
صقر (بصوت باكي ومرعوب وهو بيطلعها قال):نسمة! فوقي يا بت عمي.. ارفعي راسك يا غالية! صقر وياكي اهو والله ما هملك واصل قومي بس !
صقر شالها بين ذراعيه وطلع بيها من السرداب، الهوا والعفرة بره كانوا لسه مليين الجو وبعد كده قعد وسند ظهره لحجر الطاحونة، وبدأ يضغط على صدرها بجنون عشان تخرج المية اللي شربتها ودموعه نازلة تغسل وشها المتعفر.
نسمة (بدأت تكح بعنف وتطلع الميه وفتحت عينيها بتعب ونظرة مكسورة وهي بتقول):
صقر؟ أنا متّ يا ولد عمي؟ أنا في القبر؟
صقر (طبطب عليها وهو حاطط حائل على ايديه وبيحاول ان هو ما ينساش لأنها مرات اخوه ما ينفعش يلمسها حتى لو كانت حبيبته قالها ): بعد الشر عنك أنتي حية واللي وصلت للسرداب دي والله لادفع الثمن غالي!
نسمة (بتشهق بدموع وبتقول):عاصم.. عاصم كان رايد يخلص مني.. بصمني بالعافية يا صقر.. وقالي ورثه من بوكي هو قبري اللي انا كنت فيه وهملني وراح!
صقر (بص في عينيها وبنبرة جبارة قالها):اسمعيني زين يا نسمة.. الدنيا كلها دلوق لازم تعرف إنك متّي. عاصم لازم يفتكر إن خطته نجحت عشان يقع بلسانه. أنتي دلوقت سر حدايا انا صقر الهواري وما حدش في النجع كله هيعرف إنك لسه بتتنفسي غيري.
صقر شالها وسترها بشاله الصوف الكبير ومشي بيها وسط العفرة بخطوات زي الشبح وتفادى أي طريق فيه ناس لحد ما وصل لـ بيت الجبل المنعزل.. بيت كبير جداً بس ما فيش حد يقدر يقرب منه غير صقر وبعد كده دخلها صقر واحطها على السرير وجاب الدكتورة منال اللي بيثق فيها كأنها أخته ووصاها على نسمه وقالها ان نسمه ما ينفعش اي حد يعرف ان هي لسه عايشه وهي لازما تعالجها لحد ما تخف والدكتورة فعلا وافقت وفضلت معاها.
على الناحية التانية وبعد ساعات عاصم كان واخد دش مية دافية ونايم على سريره حاطط يد تحت راسه ومبتسم ببرود وشطانة.. كان بيسمع صوت الريح بره ويضحك، متخيل إن نسمة دلوقت بقت مجرد جثة هامدة في قاع السرداب والمية مو'تتها وجر'يمته اختفت.
عاصم (بيكلم نفسه بغرور وهو بيقول): عفارم عليك يا ولد الهواري.. ضربت عصفورين بحجر؛ ورث ابوي رجعلي، وبدر اللي كان هيموت عليكي، هيعيش عمره كله يدور على خيالك في الغيطان.. ليلتك سعيدة يا عروسة السرداب!
عاصم غمض عينه ونام نومة الظالم اللي فاكر إن الدنيا ضحكتله، وهو مش عارف إن صقر في اللحظة دي كان قاعد قدام نسمة في بيت الجبل وعينه بتقد شرار وهو بيحلف بعزة وجلال الله لا يخلي المره الجايه يا جنازته هو اللي هتطلع بعد ما شايف حاله نسمه السيئه اللي باين عليها التعب.
الصبح طلع على النجع بس مكانش يوم عادي الشمس كانت باهتة ورا بقايا العفرة والهدوء اللي كان موجود و هي هدوء ما قبل العاصفه اللي عاصم ناوي يفجرها.
في بيت الجبل، كانت نسمة نايمة في أمان والدكتورة منال وصقر واقف بره في التراس اللي كاشف النجع كله، عينه منمتش لحظة، والسبحة في إيده بتتحرك بسرعة مع دقات قلبه اللي قايدة نار
فجأة تليفونه رن والغفر قالوا له انه لازما يجي البيت الكبير دلوقتي علشان ابوه الحاج توفيق عايزة ضروري.
صقر (بصوت واطي ونبرة حجرية بص للدكتوره وقالها ): يا منال نسمة أمانة في رقبتك، لو حست بأي حاجة اتصلي بيا أنا نازل أشوف السبع اللي فاكر إنه أكل الفريسة وهضمها.
نزل صقر للبيت الكبير في البلد واول ما دخل لقى عاصم قاعد وسط كبار العيلة وشعره متسرح ولابس أنضف ما عنده وكمان لابس وش الضحية اللي كرامتها انداست.
عاصم (بصراخ وتمثيل متقن قدام أبوه والناس قال ):يا بوي.. يا كبار النجع.. أنا مكنتش رايد الفضيحة تطلع بره، بس ما ينفعش اسكت على العار ! نسمة هربت.. هربت في عز العفرة، خدت الذهب والحجة وشقى عمري وهملت الدار في نص الليل هي ما كانتش رايداني وانتم خابرين اكده ليه جوزتوها لي ليه سويته فيا اكده!
الحاج توفيق (بصدمة وكسرة رد على ابن وقال): كيف يا ولدي؟ نسمة بت أصول ومتربية على يدنا.. يمكن حصلها حاجه واعر علشان اكده طلعت؟
عاصم (بغل وجبروت رد على ابوه قال):
أصول إيه يا بوي! دي استغلت إني كنت نايم وغفلتني، والظاهر إن عينها كانت على المال من الأول.. وأنا عاصم الهواري مفيش واحدة تكسر عيني ولا تخليني فرجة للنجوع.. أشهدوا يا ناس، وأشهد يا خوي يا كبير..
عاصم وقف في نص المندرة، وبص لصقر بتحدي، كان مستني يشوف صقر بينهار أو بيصرخ، بس صقر كان واقف زي تمثال مش فارق معاه اي حاجه من اللي بيقولها مستني يخلص كلام.
عاصم (بصوت جهوري):نسمة بت عمي طالق.. طالق.. طالق بالثلاثة! وما هتبقاش على ذمتي ثانية واحدة واصل.. والنجع كله يعرف إن عاصم الهواري فرحه الأسبوع الجاي على هنية بت العمدة، عشان الكل يعرف إني رميت القديم تحت رجلي وكمان انتوا لازما تعرفوا ان بنت عمي من يوم فرح ما خلتنيش جيت جنبها لأنها عاشقه الله اعلم ايه اللي فيها!
الناس بدأت تهمس بصدمة والحاج توفيق وقعت العصاية من إيده وهو بيزعق بصوت عالي و بيقول: عيب يا ولدي تقول على بت عمك الحديت الواعر ده اتحشم؟!
صقر قرب من عاصم بخطوات رزينة، حط يده على كتفه وضغط عليها بقوة خلت عاصم يحس إن عضم كتافه هيتكسر.
صقر (بصوت واطي ومسموع لعاصم بس قال):مبروك يا عريس الطلاق وقع، والكلمة طلعت ومترجعش.. بس خابر يا عاصم عادتنا وتقاريدنا بيقولوا ان الكلمه اللي بتطلع من خشم الراجل ما ترجعش تاني ماشي يا اخوي؟ و بكرة نشوف الهربانه دي هتفضل هربانه لحد ميته ودماغك دي هتسوحك لحد وين؟!
عاصم (بقلب بدأ يترعش بس كابر وهو بيقول): اللي بيهرب ما بيرجعش يا اخويا ودماغي هتوديني للورث والعز يا صقر.. وأنت خليك ورا الأصول لحد ما تضيعك.
صقر كتم في نفسه لحد ما ساب المندرة والشرار بيطلع من عينه ركب على عربيته وطلع بيها على بيت الجبل، المسافة كانت طويلة بس عقله كان أسرع، بيفكر في الجبروت اللي وصل له عاصم وإنه مش بس غدر بيها، ده كمان نهش في عرضها قدام الناس.
وصل صقر بيت الجبل، دخل الأوضة لقى نسمة قاعدة سانده ضهرها، وشها دبلان وعينها حمراء من كتر البكا، والدكتورة منال بتحاول تهديها. أول ما نسمة شافت صقر، انهارات من تاني.
نسمة (بشهقات وصوت مقهور): إيه يا صقر؟ النجع قولي يا ولد عمي انا اي حاجه انتظرها من اخوك؟
صقر (قعد على كرسي بعيد عنها، حاطط يده على ركبه وباصص للأرض بجمود وهو بيقول):عاصم رمى يمين الطلاق يا نسمة.. رماه قدام أبوي وقدام كبار النجع.. طلقك بالثلاثة.
نسمة (صرخت وضربت بيديها على السرير وهي بتقول):طلقني؟! والناس؟ قال لهم إيه عني؟
صقر (غمض عينه بوجع وهو بيبصلها وبيقول ):قال إنك هربتي بمالك وذهبك.. وقال حديت الواعر اللي ما ينفعش يتسكت عليه واصل طعنك في شرفك يا بنت عمي
وقال إنك كنتِ مش عارف اقولها يعني انك كنت بتعصيه من يوم فرحكم وما اديتهوش حقوق الشرعيه ولا لمسك ولا جه جارك؟!
نسمة قامت وقفت بضعف كانت هتقف وهي تايهه وبتبص لصقر بعتاب يقطع القلب وقالت:
أنت اللي سويت فيا اكده يا صقر! أنت اللي ما رضيتش تتجوزني ورمتني لاخوك الصغير انا ما كنتش بحبه علشان اكده ما كنتش طايقاه وكفايه ريحه الخمره اللي كنت بشمها في خلقاته واخرتها ايه انت واقف وشايف ده كله بيحصل وما دفعتش على بت عمك وهو بيرمي عليا يمين الطلاق قدام اهل البلد انا مش فارقه وياي انه طلقني انا اصلا مش رايداه بس يدوس على شرف وكرامتي وانت واقف هتتفرج عليه يا صقر!
صقر(قام وقف زي الجبل، ونبرة صوته هزت حيطان الأوضة وهو بيقول):اسمعي زين يا نسمة.. يمين الطلاق اللي رماه ده، هو اللي فك رقبتك من جحيمه! لو مكنش طلقك، مكنتيش هتقدري ترفعي عينك فيه بكرة.. هو دلوقت رماكي، وبكرة النجع كله هيعرف مين الخاين ومين الشريفة. أنتِ دلوقت في شهور العدة وقاعدة في داري وفي حمايتي وعزة وجلال الله؟!
اليمين اللي رماه ده هيكون هو القبر اللي هيدفن حاله في اخويا الغبي وبالنسبه ان انا ما رضيتش اتجوزك وجوزك اخويا لأني بعشقك عشق وعمي حلفني على كتاب ربنا وقالي أني ما ينفعكيش واني كبيرة عليكي وهو اللي طلب انك تتجوزي من عاصم ورفضني يا نسمه وما كانش في ايدي حاجه انا كنت رايدك بس ابوكي كان شايف اكده وهو كان عنده حق انتي بنته الصغيرة وانا كبيره عليكي وكمان سبق للجواز ؟!
نسمة (بكت بمرارة وقعدت على الأرض وهي بتقول): بس أنا بقيت مطلقة يا صقر.. بقيت فضيحة على كل لسان.
صقر (قرب منها خطوة واحدة بس فضل بعيد بمسافة علشان ما ينفعش ان هو يقرب منها اكثر من كده وبعد كده قال بصوت هادي ومليان حنيه ):مطلقة من خاين يا نسمة، وده شرف ليكي مش عار المطلقه عمرها ما كانت معيوبه بالعكس لواحده اتاخد منها حقوقها وان شاء الله هترجعلها.. ما تشيليش هم حاجه يا بت عمي وفي ليلة فرحه على بت العمدة، لما يفتكر إنه ملك الدنيا هنزلك البلد بس هتنزل وانتي نسمه القويه مش المكسورة وكمان هيكون وياكي ورق الورث كله وغير كمان انا رايد اخوي هو اللي يعترف لحاله قدام البلد كلها ان هو اللي سوى فيك اكده وبعد اكده أنا اللي هرد لك اعتبارك قدام الصغير والكبير.
نسمة (بصت له بعين غرقانة دموع):وليه يا صقر؟ ليه بتسوي فيا اكده من الأول؟ ليه رفضت تتجوزني وهملتني للي يسوى واللي ما يسواش علشان فرق السن وحديت ابوي كنت تقدر توقف ده كله يا ولد عمي بس انت استسهلت ورميتني لاخوك السكري بتاع النساوين ؟
صقر (بص لبعيد بوجع، وقلبه بيتعصر ورد عليها وقال): انا قلتلك انا كنت شايف إنك صغيرة وكنت رايدلك واحد من سنك كيف ما ابوك كان بيحلم يجوزك
مكنتش خابر إن اللي من سنك مفيهوش ريحة الرجولة. بس خلاص يا نسمة الحساب بدأ، والأسبوع ده هتخفي فيه، وبيت الجبل ده هيكون شاهد على ميلاد نسمة الجديدة وهجيبلك حقك وهرجعلك كل حاجه راحت منك.
صقر سابها وخرج بره الأوضة وقلبه كان بيتحرق من العشق اللي مش قادر يدري ومن الغل اللي مالي قلبه ناحية أخوه.. وهو بيقفل الباب، سمع صوت نسمة وهي بتقول بضعف: يا رب انصرني على اللي ظلمني.
مرت خمس أيام والنجع كله قايد نار.. عاصم مكنش بيفوق من المنكر الفلوس اللي فاكر إنه ورثها عمته وخليته يرمي وش التقوى ويصاحب الرفقة السوء على أطراف البلد. عاصم كان بيسهر كل ليلة في الخمارة بيشرب ويطوّح ويحكي عن شطارته وإزاي غفل النجع كله.
عاصم قاعد وحواليه تلاتة من صحابه، وفي ركن ضلمة كان قاعد منصور واحد من رجالة صقر المخلصين، لابس شال ومخبي وشه ومستني اللحظة الصح.
عاصم (بيضحك بسكر وهو بيشرب من القزازة قال): صقر .هههه صقر ده دقة قديمة.. قعد يلف ورا خيال نسمة في الغيطان لحد مجنه جنونه ميعرفش إن نسمة زمانها عضمه هتبخر في قاع السرداب !
منصور (بخبث وهو بيقرب منه وماسك كاميرا وبيصوروا من غير ما حد ما يعرف قال): ارمي همك يا ولد العم احنا بنسمعك انا كنت رايده اعرف هي نسمه راحت وين دلوقت ؟ لا يكون حد غدر بيها ؟ دي كانت قطة مغمضه ما طلعتش بره البلد قبل اكده؟!
وفجاة حصل اللي ما كانش في الحسبان؟؟
يا جماعه التفاعل قليل جداً بجد انا زعلانه منكم هي روايه مش عاجباكم ولا ايه التفاعل بتاعكم هو اللي بيشجعني علشان اكمل يا ريت تشجعوني؟!.
الفصل الثالث من هنا