
أدهم بص لنادية بعيون مليانة رجاء وخوف، وصوته كان بيترعش وهو بيسأل:
"جميلة مالها؟ ليه غمضت عينها فجأة كدة؟ ردي عليا يا نادية ونبي"
نادية قربت من جميلة وبصت على أنظمتها الحيوية من خلال الجهاز .ملامحها ارتخت وطبطبت على كتفه بحنان وهي بتحاول تبتسم عشان تهديه، وقالت بنبرة مطمئنة:
"متقلقش يا أدهم، هي بس من كتر التعب والمجهود نامت.. جسمها كان مستني اللحظة اللي يطمن فيها إن بنتها خرجت للنور بسلام، وأول ما سمعت صوتها انهار من الإرهاق. هي كويسة والله، شوية وهتصحى وتبقى زي الفل."
أدهم أخد نفس طويل كأنه كان محبوس، وهز راسه براحة. ميل على جميلة، باس جبينها بكل حب، ومسح بإيده على شعرها المبلول من التعب والمجهود اللي بذلته عشان تهدي له حتة منه.
خرج أدهم من باب العمليات وهو شايل البنت الصغيرة بزهو وحذر، وكأن شايل أغلى جوهرة في العالم. أول ما شافوه، الكل اتجمع حواليه بلهفة وفرحة.
محمود كبر وهلل بصوت مليان خشوع: "بسم الله ما شاء الله.. الله أكبر، ربنا يحميها ويبارك فيها يا ابني."
ياسمين عيونها دمعت من الفرحة وقربت لثمت القماشة اللي لافة البنت: "عسولة خالص يا أدهم، شبه جميلة أوي.. ربنا يبارك لك فيها ويجعلها من الذرية الصالحة."
علي حط إيده على كتف أدهم وضغط عليها بامتنان: "مبروك يا صاحبي، تتربى في عزك وربنا يحفظها لك من كل شر."
أدهم نزل لمستوى يزن اللي كان لسه قاعد على الأرض وباصص لهم بصمت، وقال بحنان:
"مش عايز تشوف أختك يا يزن؟"
يزن بصله بخوف ممزوج بحماس طفولي، وقام وقف براحة. أدهم عطاه البنت بحرص شديد وهو مسند إيد يزن الصغير، ويزن أول ما شاف ملامحها الصغيرة والدقيقة، ضحك ببرائة وقال:
"دي عسولة خالص يا بابا.. صغننة أوي زي فتون"
وسط الفرحة دي، خرجت نادية من أوضة العمليات وباين على وشها إرهاق السنين. محمود أول ما شافها، قرب منها وباس جبينها قدام الكل تقديراً لوقفتها وتعبها: "تسلمي يحبيبتي، تعبناكي يا حبيبتي."
نادية ارتبكت جداً وبان عليها التوتر، ومقدرتش تدي رد فعل أو ترد بكلمة حنينة زي عادتها، اكتفت بإنها باركت لادهم بصوت واطي وقعدت على أقرب كرسي وهي بتنهج. محمود لاحظ التغير ده واستغرب برودها، بس كتم في نفسه وقال إن ده مش المكان ولا الوقت المناسب للكلام، أكيد هي بس مجهدة من العملية.
بعد شوية، السرير بتاع جميلة خرج من الأوضة وهي لسه نايمة من الإرهاق، بس ملامحها كانت هادية. أدهم ساب كل اللي في إيده ومسك إيدها بقوة، ومشي جنب السرير مع الممرضين لحد ما دخلوا غرفتها الخاصة، وكأنه مش عايز يغيب عن عينه ثانية واحدة
الكل كان متجمع في الغرفة، والجو مليان بمشاعر مختلطة بين الفرحة والراحة. محمود كان قاعد شايل حفيدته التانية بين إيديه، ودموع الفرحة في عينيه وهو بيتأمل ملامحها .علي وياسمين قاعدين جنب بعض على الكنبة ويزن في وسطهم بيحاول يلمس إيد أخته الصغيرة بفضول، أما نادية فكانت قاعدة على الكرسي وسرحانة في الفراغ، كأن بالها مش معاهم خالص.
على السرير، أدهم مكنش عينه بتنزل من على جميلة، قاعد جنبها وماسك إيدها، وبإيده التانية بيزيح خصلات شعرها عن وشها برقة متناهية. قرب باس جبينها للمرة المليون، وبعدين التفت لنادية وسألها بقلق لسه ماراحش:
"طنط نادية، هو طبيعي نومها ده يطول كدة؟ أنا خايف لتكون تعبانة وأنتي بتطمنينا وخلاص."
نادية فاقت من شرودها فجأة وبصتله، وحاولت ترسم ابتسامة هادية على وشها:
"أيوه يا حبيبي، طبيعي جداً زي ما قولتلك الطلق الطبيعي بياخد مجهود جبار، وهي جسمها محتاج يفصل عشان يستعيد قوته."
ياسمين سألت باستغراب وهي بتعدل قعدتها:
"بس هي مش ولدت طبيعي يا طنط؟ المفروض تفوق أسرع من القيصري عشان مفيش بنج، صح؟"
نادية ردت بتوضيح:
"صح يا ياسمين، بس جميلة جسمها رقيق، وبمجرد ما البنت خرجت واطمئنت بصوتها، الجهاز العصبي عندها انهار من كتر التعب فنامت نوم عميق."
ياسمين اتنهدت بحزن:
"يا حرام، جميلة أكيد تعبت أوي.. والمشكلة إنها ملحقتش حتى تملي عينها بشوفة بنتها ولا تاخدها في حضنها."
أدهم ابتسم بنظرة كلها عشق وهو باصص لجميلة النايمة:
"أول ما تفتح عيونها، أنا متأكد إنها مش هتسأل عني ولا عن حد، هتكون ملهوفة بس على بنتها.. حبيبتي تعبت أوي النهاردة."
وسط الكلام ده، خبطت ممرضة ودخلت الغرفة، كان باين عليها توتر غريب وصوتها فيه رعشة مكتومة محدش خد باله منها وسط الفرحة، وقالت:
"لو سمحتوا.. إحنا محتاجين البنت دلوقتي عشان نوديها الحضانة، لازم الدكتورة تطمن على تنفسها وتعمل الفحوصات الروتينية."
أدهم قام وأخد البنت من حضن محمود اللي كان متمسك بيها، وباسها بوسة قوية وكأنه بيودعها لدقايق:
"روحي يا قلب بابا، وشوية وهجيبك تشوفي مامي وتحضنيها."
أدهم سلم البنت للممرضة، اللي إيدها ارتعشت وهي بتاخدها منه، وخرجت من الغرفة بسرعة ملحوظة.. في اللحظة دي، نادية بصت في أثر الممرضة وحست بانقباضة مفاجئة في قلبها، وكأن فيه حاجة غلط.
في ممرات المستشفى..
الممرضة كانت بتمشي بخطوات سريعة ومرتبكة، وأول ما بعدت عن غرفة جميلة، دخلت طرقة جانبية وضلمة، وهناك كانت واقفة واحدة ست لابسه لبس عمال النظافة وماسك شنطة كبيرة.. الممرضة قالت بخوف:
"أنا عملت الي قولتيلي عليه ،هاتي يلا الفلوس الي اتفقنا عليها عشان ألحق أمشي من المستشفى قبل ماحد يشك فيا ."
ثريا محطتش البنت في شنطة، لا دي لفتها في شال أسود كان معاها وضميتها لصدقها بقوة، ونزلت جري على سلالم المستشفى الخلفية.. كانت بتنزل السلالم وهي بتنهج، قلبها بيدق من الخوف ومن نشوة الانتصار في نفس الوقت. أول ما خرجت من الباب الخلفي للمستشفى، بدأت تتلفت حواليها برعب.
مشيت بسرعة لحد ما وصلت لأول الشارع الرئيسي، ورفعت إيدها لتاكسي كان معدي.. التاكسي وقف، ركبت بسرعة وقالت للسواق بصوت مهزوز:
"اطلع يا أسطى بسرعة.. اطلع"
السواق بص لها باستغراب في المراية:
"على فين يا ست هانم؟"
ثريا ردت وهي بتداري وش البنت: "أي حتة بعيد عن هنا.. اطلع بس وهقولك السكة."
التاكسي اتحرك، وثريا بصت للبنت اللي في حضنها وابتسمت ابتسامة مريضة وهي بتهس:
"خلاص يا أدهم.. حتة من قلبك بقت في إيدي، والمرة دي مش هتشوفها غير لما أشوفك مكسور وذليل قدام عيني."
__________________________________
بعد حوالي نص ساعة، بدأت جميلة تفتح عينيها ببطء، الرؤية كانت مشوشة حواليها. أدهم أول ما شافها بتحرك جفونها، قرب منها بلهفة وحط إيده على وشها بحنان:
"حمد لله على السلامة يا حبيبتي.. فوقي يا جميلة أنا جنبك."
جميلة حاولت تاخد نفسها بصعوبة، وأول كلمة نطقت بها كانت بسؤال هز كيان أدهم:
"بنتي.. بنتي فين يا أدهم؟"
أدهم بابتسامة:
"اهدي يا روحي، هي بس في الحضانه الدكاترة بيعملوا لها فحوصات روتينية عشان يطمنوا على نفسها، ده إجراء عادي في كل الولادات."
ياسمين قامت من مكانها وقربت من السرير بابتسامة عريضه:
"متخافيش يا جميلة، والله هما بس بيطمنوا عليها، ليكون لقدر الله عندها الصفرا أو الأنرات بتاعت البيبيهات دي"
بس جميلة مكنتش مقتنعة، فطرة الأم اللي اتولدت جواها في اللحظة دي كانت أقوى من أي مبرر، حست بنغزة في قلبها وكأن بنتها بتستغيث بيها، بدأت تعيط بهستيريا وتحاول تقوم:
"لا.. هاتها يا أدهم.. هاتها دلوقتي، أنا عايزة أشوفها حالا"
أدهم استغرب قلقها الزايد، ولسه هيقوم، علي سبقه وحط إيده على كتفه:
"خليك أنت مع جميلة يا أدهم ، أنا هقوم أشوف الممرضة وأجيب البنت وأجي."
علي خرج وغاب دقايق كانت كأنها سنين على أدهم وجميلة. فجأة، الباب اتفتح وعلي ظهر، بس ملامحه كانت متغيرة تماما، وشه كان مخطوف والقلق باين في عينيه. شاور لأدهم من غير كلام إنه يخرج له برا الأوضة.
أدهم قلبه قبضه، بص لجميلة وقال بتمثيل: "ثواني يا حبيبتي ."
خرج أدهم وقفل الباب، وبمجرد ما بقوا في الطرقة، سأل بحدة:
"فيه إيه يا علي؟ وشك ماله؟ فين البنت؟"
علي اتكلم وصوته مليان قلق:
"أدهم.. أنا روحت الحضانة وسألت الدكاترة والممرضات، كلهم قالوا إن مفيش حد استلم البنت، والممرضة اللي جت خدتها مننا اختفت"
أدهم جاله ذهول، مسك علي من هدومه بصدمة:
"يعني إيه؟ يعني إيه بنتي مش في الحضانة؟ أومال راحت فين!!"
علي حاول يهديه: "أنا قولت يمكن مدورتش كويس، روحت سألت في الإدارة وبحثنا في الكشوفات.. البنت مخرجتش للحضانة أصلاً يا أدهم"
أدهم حط راسه بين إيديه بانهيار وهو مش مصدق، صوته طلع مخنوق بالدموع والغضب:
"يعني بنتي اختفت؟ بنتي راحت فين يا علي؟ هقول لجميلة إيه؟ أقولها إني مقدرتش أحافظ على بنتنا اللي لسه مكملتش ساعة في الدنيا؟!"
علي مسك إيده بسرعة: "تعال نراجع كاميرات المراقبة حالا، أكيد هنوصل اللي عمل كدة."
راحوا أوضة المراقبة، وفي الأوضة جوا، جميلة كانت بدأت تصرخ بهستيريا وكأنها عرفت الحقيقة من غير ما حد يقولها، ونادية وياسمين بيحاولوا يهدوها وهما نفسهم مش فاهمين ليه أدهم وعلي اتأخروا كدة.
فجأة محمود موبايله رن برسالة من علي: "يا عمي حصلنا على أوضة المراقبة حالا.. "
محمود قام مخضوض، وياسمين سألته : "رايح فين يا بابا؟ فيه إيه؟"
محمود حاول يتماسك وقال وهو خارج: "هروح أشوفهم اتأخروا ليه بس، خليكم مع جميلة."
نادية حضنت جميلة اللي كانت بتنهار وبتقول بنبرة تقطع القلب: "بنتي .. رجعولي بنتي"
__________________________________
في غرفة المراقبة، كان النفس مقطوع، والعيون كلها متعلقة بالشاشات. أدهم كان واقف زي التمثال، حاطط إيده على بقه وباصص بتركيز مرعب في كل تفصيلة، ملامحه كانت جامدة بس عينه كانت بتطلع شرار. فجأة، علي صرخ وشاور بصباعه على الشاشة:
"هي دي.. أهي.. الممرضة اللي أخدت البنت"
الكل انتبه للشاشة، وشافوها وهي بتمشي بسرعة وبترتبك، ودخلت من باب جانبي وهي بتحاول تداري وشها. أدهم سأل الموظف بصوت حاد زي السكين:
"الباب ده بتاع إيه؟ بيودي فين؟"
الموظف بلع ريقه:
"ده باب غرفة السلم الخلفي يا فندم، وده مخرج للطوارئ بيودي للشارع الجانبي بعيد عن البوابة الرئيسية للمستشفى، وبمجرد ما بتخرج منه بتلاقي نفسك على الشارع الرئيسي فوراً."
محمود سأل بسرعة وهو بيحاول يلحق أي طرف خيط:
"تعرف تجيب لنا الكاميرات اللي كاشفة الشارع من بره؟ لازم نعرف ركبت إيه أو راحت فين"
الموظف رد وهو بيكتب بسرعة على الكيبورد:
"أيوه يا فندم، ثواني.. الكاميرات الخارجية كاشفة الرصيف كله."
بعد ثواني، ظهرت صورة الشارع ...الكل عينه متثبتة على الشاشة. الموظف بدأ يشغل كاميرا الشارع، والمنظر كان زحمة جداً؛ عربيات رايحة وجاية وناس ماشية في كل حتة. أدهم كان واقف وعينه زي الصقر، بيراقب كل حركة، لحد ما لمح طيف لست لابسة لبس عاملة نظافة وماشية بخطوات سريعة ومرتبكة، وكانت شايلة في إيدها حاجة سودا ملفوفة بحرص وبتتلفت حواليها برعب.
أدهم صرخ في الموظف:
"ثبت الكاميرا هنا.. زوّم عليها بسرعة"
الموظف نفذ الأمر، الست في البداية كانت ماشية بضهرها للكاميرا، فملامحها مكنتش واضحة. أدهم كان بيضغط على سنانه وهو مستنيها تلف، وفجأة، وهي بتعدي الرصيف، التفتت وراها بتوتر وخوف عشان تتأكد إن محدش ماشي وراها، وفي اللحظة دي وشها ظهر بوضوح قدام الكاميرا.
أدهم بص بتركيز، ملامح الست كانت غريبة عليه ومشافهاش قبل كدة، سأل بصوت حاد ومليان حيرة:
"مين دي؟"
علي هز راسه بالنفي واستغراب ، لكن محمود اللي كان واقف وراهم، ملامحه اتجمدت، وجسمه بدأ يترعش بذهول وصدمة مكنتش تخطر على باله. همس بصوت يكاد يكون مسموع :
"ثريا.."
أدهم لف بجسمه كله لوالده، وعيونه وسعت من الصدمة:
"بتقول مين يا بابا؟ ثريا مين؟"
__________________________________
في غرفة جميلة، المستشفى كلها كانت على صفيح ساخن. جميلة كانت مرمية على السرير، وجسمها كله بيترعش بضعف، وصوت أنينها المبحوح وهو بتقول "بنتي.. رجعولي بنتي"صوت أنينها الموجوع كان بيقطع القلب.
أدهم وصوته كان زي الرعد، بص لمحمود بغضب وحرقة مكنش قادر يداريها:
"إزاي يا بابا؟ إزاي تخبي عليا كل ده؟ ست بالحقد ده وبالتاريخ ده مع عيلتنا،تسيبها تمشي عادي كدة من غير ما تقولي؟"
محمود كان ساند على الحيطة بضعف، ووشه كان باين عليه انكسار السنين، رد بصوت مهزوز ودموع في عينيه:
"أنا آسف يا ابني.. والله العظيم أنا مكنتش متخيل إن حقدها يوصل لدرجة إنها تمد إيدها على طفلة لسه مولودة... يوم ما جت المكتب، أنا خوفت عليك، قولت بلاش أقلقك وأشيلك هم ، خصوصاً إنك كنت لسه يا دوب قايل لي إن جميلة حامل.. مكنتش عايز أنكد عليك فرحتك بالخبر."
أدهم خبط بإيده على التربيزة اللي جنب السرير بغل:
"فرحة إيه يا بابا اللي كنت بتحميها؟ أهو النهاردة فرحتي اتدفنت .. بنتي مخطوفة في إيد ست مريضة، وجميلة بتموت قدام عيني.. كان لازم تقولي عشان أعمل حسابي، عشان أحمي بيتي منها"
جميلة نادت على أدهم بصوت مبحوح من البكا ،أدهم قرب منها وهو حاسس بوجع الدنيا كلها في قلبه ،كانت متمسكة بإيد أدهم بكل قوتها، دموعها مش بتوقف وهي بتترجاه بصوت يقطع القلب:
"عشان خاطري يا أدهم.. رجع لي بنتي، أنا لسه حتى مشفتش ملامحها ولا شميت ريحتها.. رجعها لي يا أدهم متسيبهاش في إيد الست دي"
أدهم وشه كان زي لوح الثلج من كتر الغضب، بس عينيه لانت وهو بيبص لجميلة، وطى عليها وباس جبينها بقوة وهمس لها بصوت مليان إصرار ويقين:
"وعد يا جميلة.. وحياة وجعك ده، وحياة كل دمعة نزلت منك، لهرجعها لك في حضنك. بنتنا هترجع، واللي عملت كدة هتدفع التمن غالي أوي.. اهدي أنتي بس وحاولي ترتاحي ."
أدهم قام وخرج من الأوضة، وراه علي ومحمود اللي كان باين عليه التعب والندم. أدهم بص لعلي وقال بلهجة حاسمة:
"علي.. مفيش وقت نضيعه. الكاميرات جابت لنا رقم التاكسي، أنا عايزك تقلب الدنيا وتجيب لي صاحبه في أقل من ساعة. التاكسي ده هو الخيط الوحيد اللي هيوصلنا لمكان ثريا.
وأنا هحاول أوصل للممرضة اللي ثريا اتفقت معاها ،أكيد تعرف مكانها"
علي رد عليه بجدية وهو بيمسك موبايله:
"رجالتنا شغالين دلوقتي يا أدهم، بلغت كل النقط والكمائن بمواصفات العربية ورقمها (ط ر ج ٥٤٢).. وصاحب التاكسي هيتجاب ."
محمود كان ماشي جنبهم وهو ساند على العصاية بتاعته وبيمسح دموعه، وقال بحزن:
"أنا جاي معاكم يا أدهم.. الست دي أنا اللي عارفها، وأنا اللي أقدر أواجهها لو لزم الأمر. بنتنا مش هتروح ضحية حقد قديم أنا كنت سببه."
أدهم بص لوالده نظرة عتاب مقدرش يتحكم فيها ... وبالفعل، اتحرك أدهم وعلي ومحمود بسرعة ناحية العربيات اللي كانت مستنية قدام باب المستشفى، والهدف واحد تتبع مسار التاكسي
في نفس الوقت..
التاكسي كان لسه بيتحرك في شوارع القاهرة الزحمة، والسواق بدأ يقلق من نظرات الست اللي راكبة ورا ومعاها طفلة بتعيط.
_________________________________
ثريا وصلت لبداية الشارع، ودفعت حساب التاكسي بإيد بترتعش من الأدرينالين والتوتر. نزلت وهي بتشد الشال على البنت اللي في حضنها، وعينيها بتلف في كل ركن في الشارع زي الديب.
طلعت السلم بسرعة وجسمها كله بينهج، فتحت باب الشقة ودخلت وقفلت وراها بـ الترباس. رمت الشال من على وشها وخدت نفسها بالعافية، وحطت البنت براحة على الكنبة. البنت كانت بدأت تصرخ من الجوع، صوت صريخها كان بيملى الشقة بوجع ملوش آخر.
ثريا فتحت شنطة كبيرة كانت مشترياها وهي في طريقها للمستشفى، طلعت منها علبة لبن بودرة وبزازة ومستلزمات تانية، وبدأت تحضر الرضعة ببرود مرعب وهي بتبص للبنت وبتقول:
"اشربي يا حبيبتي.. اشربي ونامي، عشان لما تصحي يكون باباكي بدأ يدفع تمن جرحي القديم."
بعد ما سكتت البنت والرضعة بدأت تهديها، ثريا طلعت موبايلها، وفتحت الكاميرا وصورت البنت صورة واضحة وهي نايمة ببرائه.
بعدها جابت ورقة وقلم، وكتبت بخط إيد مهزوز رسالة لسليم وقفلت الورقة وحطتها على الترابيزه اللي في الصاله وخرجت من البيت تنفذ باقي خطتها
__________________________________
سليم فتح باب الشقة بعد ما رجع من المدرسة ...الهدوء في البيت كان غريب، هدوء تقيل يقبض القلب. رمى شنطته ونادى بصوت عالي:
"ماما.. يا ماما! أنتي فين؟"
استغرب جداً، لأن ثريا مابتخرجش خالص وتسيب البيت فاضي كده. بدأ يتحرك في الصالة بخطوات قلقة، لحد ما عينه وقعت على ورقة مطوية محطوطة على الترابيزة. مسكها بوجل، وبمجرد ما فتحها وقرأ أول سطور، فتح عينه بصدمه.
"سليم حبيبي.. أنا جبت حقنا وحق أبوك . أنا خطفت بنت أدهم السويسي عشان أحرق قلبه عليها زي ما حرق قلبي. لما ترجع مش هتلاقيني في البيت لأني في مشوار مهم، الطفلة هتلاقيها في أوضتك على سريرك وجنبها حاجتها.. خد بالك منها لحد ما أرجع."
سليم وقف مكانه زي التمثال، الورقة وقعت من إيده وهو مش مستوعب اللي قرأه. "خطف؟ أمي خطفت طفلة؟"
وقبل ما يكمل تفكيره، شق سكون البيت صوت بكاء رضيع، صرخة مكتومة وضعيفة جاية من جوه أوضته.
رجليه شالته بالعافية لحد باب الأوضة، فتحه براحة، واتصدم من المشهد. على سريره، كانت فيه طفلة رضيعة ، جسمها الصغير ملفوف في قماشة وبتبكي بحرقة وهي بتحرك إيديها في الفراغ.
سليم قرب منها ودقات قلبه بتتسارع مع كل خطوة، قعد على طرف السرير وبص لها بذهول...
البنت كانت بتعيط بقوة ووشها الصغير بقى أحمر من كتر الصراخ.
سليم ملقاش حل غير إنه يمد إيده ويشيلها بتوتر، أول ما رفعها بين دراعاته، جسمها كان دافي ورقيق جداً.
"ششش.. بس خلاص.. اهدي."
قالها بصوت متردد، لكن البنت مابطلتش عياط. سليم بص حواليه بقلة حيلة وقال لنفسه:
"أكيد بتعيط من الجوع.. شكلها جعانة أوي."
لمح جنب السرير علبة لبن أطفال وببرونة جديدة لسه بغلافها. ساب الطفلة بحرص على السرير وجري على المطبخ، قرأ الطريقة المكتوبة على العلبة بتركيز شديد ، جهز الرضعة ورجع بسرعة.
شالها تاني وسند راسها على دراعه، وأول ما حط الببرونة في بقها، البنت سكتت فجأة وبدأت ترضع بلهفة. سليم وهو بيتأملها، لقى ابتسامة غصب عنه بتترسم على وشه.. ملامحها كانت لطيفة جدا وهي بترضع.
همس لها وهو باصص في عيونها اللي بدأت تقفل بنوم:
"شكلك كنتي جعانة أوي.. معلش."
دقايق والبنت خلصت رضعتها، واستسلمت للنوم، ومرسوم على شفايفها الصغيرة ابتسامة هادية وهي نايمة. سليم فضل باصص لها بذهول، الحقد اللي كان مالي قلبه تجاه عيلة السويسي بدأ يتزاحم مع شعور غريب بالشفقة والمسؤولية تجاه الكائن الرقيق اللي بين إيديه.
لمس خدها بصباعه براحة وقال بهمس:
"يا ترى اسمك إيه؟.. وإيه اللي مستنيكي ومستنينا يا صغيرة. "
الفصل الواحد والثلاثون من هنا