رواية في ظلال الوادي الفصل العاشر 10 بقلم زيزي محمد


رواية في ظلال الوادي الفصل العاشر 10 بقلم زيزي محمد



                "صراع في طرقات رشيد" 

 ظل عاصم جالسًا وقد استقر طفلاه على ساقيه، يراقبهما تارةً وهما يتبادلان الحديث مع عائشة، وقد بان له بوضوح مدى تعلقهما بها، وتارةً أخرى مع خالتها شريهان التي لم تفتأ تلح عليه بين الحين والآخر أن يتذوق الشاي باللبن مشروبهم المفضل، ولم تكف عن محاولاتها حتى قالت بنبرة يشوبها الضجر وهي تقدم له الكوب مرة أخرى:

-والله عيب متشربش حاجة في بيتنا، اشربه هتحبه اوي!

رمقها بنظرة تخالطها ضيق مكتوم، فقد أثقل عليه إصرارها المتكرر على أن يتجرع ذلك المشروب الذي لم يستسغه قط، ورآه سخيفًا لا يليق بذوقه، ولولا أنها من أهل عائشة لكان رد عليها بما يقطع هذا الإلحاح، أو انسحب من مجلسها دون مواربة؛ ولكن هناك اعتبارات خفية تتعلق بعائشة، جعلته يكظم ما في صدره ويكتفي بالصمت.

وفي تلك اللحظة تدخلت عائشة في الوقت المناسب، كأنها التقطت ما دار في خلده، وقالت بنبرة تجمع بين العتاب واللطف، وقد أتبعت كلماتها بغمزة خفيفة لم تغب عن أعين الحاضرين:

-خلاص يا خالتو متضغطيش على أستاذ عاصم.

جاء تدخلها كنسمة خفيفة بددت شيئًا من توتر الجو، ولكن  الصغير عمر الذي كان يراقب المشهد بعينين متسائلتين، لم يستطع كبح فضوله فالتفت إلى والدته قائلًا ببراءة صريحة:

-ماما ليه بتقولي لبابا أستاذ؟ مش مفروض تقولي اسمه على طول؟

 تعلقت نظرات عاصم بها في صمت واضح، كأنما ينتظر جوابًا يكشف ما وراء الكلمات، أما عائشة فقد بدت وكأنها غاصت فجأة في بحر من التيه، وتعثرت ملامحها بين الدهشة والارتباك، بينما انعكست في عينيها حيرة لم تحسن إخفاءها، فترددت لحظة ثم قالت بصوت خافت مرتجف، تحاول أن تُخفف من وقع السؤال:

-آآ...أنا قولت كده؟! معلش مخدتش بالي.

ثم وبشيء من الحماقة التي لم تستطع كبحها، مدت عائشة كوب الشاي باللبن نحو عاصم، وقالت ببسمة ساذجة لا تخلو من ارتباك واضح:

-اشرب يا عـ...عاصم.

تنهد عاصم بهدوء وقد وجد في ارتباكها متعة خفية، بل وفي عبثية الموقف كله ما يُثير في نفسه قدرًا من التسلية، ولا سيما تلك الصغيرة ليلة التي كانت منهمكة في رسمه على جهازها الحاسوبي؛ تارةً ترفع عينيها نحوه تتأمل ملامحه بدقة، وتارةً تعود إلى شاشتها تُحاول نقل تلك التفاصيل بعناية طفولية، ولكن الإرهاق سرعان ما غلبها فتنفست بوضوح وقالت بصوت يشي بالتعب:

-لا تعبت هكمل رسمتي بعد كده، إيه رأيك يا بابا ننام دلوقتي وبكرة لما اصحى اكملهالك.

وفي تلك الأثناء عاد عمر إلى فضوله الذي لا يهدأ، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة صغيرة متحمسة وهو يسأل:

-انت هتنام معانا النهاردة؟

توهجت وجنتا عائشة وقد أخذت تبحث في ذهنها عن مخرج لذلك المأزق المفاجئ، لكن الكلمات تاهت منها وتعقدت الأفكار في رأسها حتى خُيل إليها أن الصمت سيكون أهون من أي إجابة قد تقال.

ولكن عاصم وبعد لحظة بدت أطول مما ينبغي، قطع هذا التردد بصوت خرج هادئًا، لكنه حمل في طياته ما لم يكن في الحسبان:

-لو ماما مش هتزعل، هخدكم تناموا معايا في بيتي وتشوفوه.

كان وقع كلماته عليها كالصاعقة؛ إذ لم تكن تتوقع منه هذا العرض، لا في هذا التوقيت ولا بهذه البساطة، أما شريهان فقد أطلقت همهمة خافتة ونظرت بحذر إلى ابنة أختها، التي بدت وكأنها قد انسحبت إلى عالم آخر، تواجه فيه أعظم مخاوفها، أن يُنتزع منها حقها بهما، وأن يبتعدا عنها ولو لليلة واحدة.

فشعرت عائشة في تلك اللحظة، وكأنها وقعت في فخ لا مهرب منه؛ فالتزمت الصمت واكتفت بالنظر إلى صغيريها بعينين يغمرهما حزن عميق، تلألأت فيه دموع حبيسة لم تجرؤ على الانفلات.

وقبل أن يطول ذلك الصمت أكثر خرج صوت ليلة رقيقًا، يحمل رجاءً خاصًا يلامس القلب:

-ومينفعش مامي تيجي معانا؟

جاء رده سريعًا على غير عادته، كأنه كان قد أعد له سلفًا، أو رسم معالمه في داخله قبل أن يُنطق به، فقال بنبرة غامضة:

-يا ريت لو هي تحب، أكيد هكون مبسوط!

ابتلعت ريقها بصعوبة وكأن الكلمات علقت في حلقها، ثم قالت بصوت مضطرب تخشى أن يفضح ما بداخلها:

-مش هقدر اسيب تيتة شريهان لوحدها، يلا هقوم اجهزلكم هدوم تباتوا ليلة مع بابا وترجعولي بكرة ان شاء الله من الصبح.

كانت تنتقي كلماتها بعناية واضحة، تُثبتها كأنها تلقي بها قصدًا لتصل إليه لا إليهم فقط، وقد التقط عاصم ذلك المعنى الخفي، فاستقبل حديثها بابتسامة ساخرة خفيفة، تحمل شيئًا من التحدي وكثيرًا من الإدراك، ومع ذلك لزم الصمت احترامًا لحالتها أو لعله وللمرة الأولى يتراجع خطوة من أجل مشاعر غيره، وللمفارقة كان هذا التراجع بحد ذاته أمرًا غريبًا على رجل مثله.

انسحبت عائشة إلى غرفة أطفالها، تحمل في صدرها ما لا يُحتمل، وشرعت تعد حقيبة صغيرة لهما، فكانت يداها تتحركان آليًا بينما روحها تنزف في صمت، فلم تسمح لدموعها أن تنهمر بحرية بل كبحتها، حتى إذا استعصى عليها الكتمان عضت على أصابعها بقوة كأنها تحبس صرخة توشك أن تهدم كل ما تبقى من تماسكها.

وتلك كانت طريقتها القديمة وسرها الصامت، وسلاحها الوحيد في وجه فيض جارف من المشاعر التي لا تجد لها مخرجًا.

وفجأة قُطع ذلك السكون المثقل بطرقات منتظمة على الباب، أعقبها صوت مألوف ومنخفض يحمل نبرة لم تألفها منه من قبل:

-عائشة؟

تجمدت لوهلة ثم أسرعت تفتح الباب على مصراعيه، دخل عاصم بخطوات هادئة وخلفه ظهر الطفلان، يجلسان في الصالة على مقعد قريب، يرمقانهما بنظرات مشوبة بفضول بريء، يحاولان من خلالها فك طلاسم ما يجري.

التفت إليهما عاصم وقد لمح ذلك الترقب في عيونهما، فقال بصوت أجش يحمل حزمًا خفيفًا:

-هكلم ماما في حاجة ثواني وجايلكم.

ثم قام بمواربة الباب خلفه في حركة هادئة تحمل شيئًا من الخصوصية المقصودة، فابتعدت عائشة إلى أقصى الغرفة، تُعطيه ظهرها وتمسح دموعها على عجل كأنها تخشى أن يراها في تلك الحالة، أما هو فوقف خلفها واضعًا كلتا يديه في جيبي سرواله، يترقب بصمت أن تستدير إليه.

وبنبرة هادئة جاءت على النقيض تمامًا من عاصفة المشاعر التي تعصف بها، قال:

-متزعليش لو كنت قولتلك عائشة بس عشان الولاد ميخدوش بالهم من حاجة، زي ما انتي شايفة علقوا على إنك بتقوليلي أستاذ عاصم، فنرفع الألقاب أحسن.

هزت رأسها إيماءة خفيفة موافقة دون أن تلتفت إليه، وما زالت تُخفي وجهها كأنها تُخفي ضعفها، عندها اقترب منها خطوة وخفض صوته أكثر حتى صار أقرب إلى همس حذر:

-عائشة أنا مش هاخد الولاد منك، هي ليلة هيباتوا معايا وبعدين لازم تتعودي على وجودي وأنهم وارد يباتوا معايا.

استدارت إليه فجأة وقد أصابت كلماته وترًا حساسًا في داخلها، فاشتعلت عيناها رغم بقايا الدموع العالقة فيهما، وقالت بنبرة مشدودة:

-قصدك إيه؟ انت وعدتني إنك مش هتاخدهم مني؟

أجابها بهدوء ثابت وكأنه يحاول احتواء اندفاعها:

-ومين قالك إني هاخدهم، أنا بقول يباتوا ليلة لليليتن
مش أكتر.

خفضت رأسها وانهار صوتها، متكسرًا بين شهقات خافتة، وقد خرجت كلماتها مثقلة بضعف لم تستطع إخفاءه:

-بس أنا مش عايزة ولادي يباتوا بعيد عني.

تأملها لحظة وقد لامس ضعفها شيئًا في داخله، ثم قال بنبرة أكثر لينًا:

-تعالي معايا القصر في اوض كتير وهاتي خالتك لو تحبي كمان، وفي خدم كتير بيشتغلوا يعني متخافيش من حاجة.

هزت رأسها نافية بسرعة كأنها تهرب من الفكرة قبل أن تكتمل:

-لا...خلاص خليهم الليلة دي معاك، وبكرة هتجيبهم ليا صح؟

-أيوه طبعًا أول ما يصحوا!

تنفست ببطء ثم قالت بخفوت يشي بالندم:

-أنا أسفة يمكن زعلت ومقدرتش اتحكم في نفسي، أول مرة يبعدوا عني.

نظر إليها نظرة ثابتة وقال ببساطة تحمل طمأنينة مقتضبة:

-متخافيش هما مع أبوهم.

ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة وباهتة، ثم استدارت تُكمل تجهيز الحقيبة، بينما خرج هو إلى الصالة ليستعد مع الطفلين، وبعد لحظات خرجت عائشة تحمل الحقيبة، لكن عمر توقف قبل أن يخطو، وقد بدا التردد واضحًا على ملامحه الصغيرة، فانحنت إليه وابتسمت برفق ثم قبلته قائلة:

-يلا روح مع بابا عشان ميزعلش منك.

نظر إليها بعينين مترددتين وقال بصراحة طفولية:

-بس أنا لسه معرفوش يا مامي!

 ربتت على رأسه بحنان وأجابت بلطف:

-انت لازم تتعرف عليه ومش هتقدر تتعرف عليه غير بوجودك معاه وكمان تشوف بيته وحياته.

ظل متعلقًا بها وقال بصوت خافت:

-كنت عايزك معايا انتي وتيتة شيري.

تنهدت ومسحت على وجنته ثم قالت بحزم ممزوج بالحنان:

-مش هقدر اسيب بيتنا الجديد وامشي في مليون حاجة لازم اعملها، يلا هات حضن كبير وروح مع بابا.

فتقدم إليها واحتضنها بقوة كأنه يحاول أن يستمد منها بعضًا من الطمأنينة، بينما كانت هي تُخفي في صدرها خوفًا لم تُبح به، وتدعو في سرها أن تمر تلك الليلة بسلام.

وفور ابتعاده تقدمت ليلة فقبلتها واحتضنتها بدورها، في مشهد لم يخفَ على عاصم الذي لاحظ ذلك الخيط الدافئ من الحنان الموصول بينهما، وحين ابتعدت الطفلان عنها، قررا أن يسيرا مع والدهما، الذي كان يقف منتظرًا بصمت غريب عليه، يُراعي تلك اللحظة المقدسة بعقلانية لم يعهدها في نفسه من قبل.
                                          ***
وصلت سيارات المرافقة لعاصم عزام مصطفة أمام بوابة قصره العريق، في مشهد يفيض بالهيبة والنفوذ، وما إن توقفت سيارته حتى أسرع أحد الحراس وفتح له الباب الخلفي بكل احترام، ليهبط منه عاصم بثبات يليق بمكانته، يتبعه أطفاله فلم يستطيعا إخفاء دهشتهما من ضخامة القصر وفخامته، راحت أعينهما تدور في كل اتجاه تتأمل التفاصيل المبهرة، بينما كانا يسيران إلى جواره بخطوات مترددة، وكأنهما يدلفان إلى عالم جديد لم يعتاداه.

تقدم الثلاثة نحو بهو القصر الواسع حيث ارتفعت الأسقف المزخرفة وتلألأت الثريات الكريستالية، فوقف عاصم في المنتصف ونادى بصوت جهوري اخترق السكون:

-نادرة.

لم تمضِ لحظات حتى ظهرت نادرة، تهرول بخطوات حذرة، ثم توقفت أمامه وقد خفضت بصرها إلى الأرض في هيئة يغلب عليها الاحترام المشوب بالخوف، لم تجرؤ على رفع عينيها، لكنها لم تكن مستعدة لما سيقوله، فقال عاصم بلهجة حاسمة:

-عمر بيه وليلة هانم ولادي، جهزيلهم اوضة قريبة من اوضتي.

وقعت كلماته عليها كالصاعقة، رفعت رأسها ببطء تنظر إلى الطفلين بذهول واضح، وعقلها يعجز عن استيعاب ما تسمعه، متى حدث هذا؟ ومن أين جاء هذان الطفلان؟ وكيف لم تعلم؟ تسارعت الأفكار داخل رأسها حتى شعرت وكأنها تائهة داخل متاهة بلا مخرج، هل كان سيدها متزوجًا بالفعل من امرأة أخرى؟ وهل أخفى الأمر كل هذا الوقت؟
وقفت صامتة تحدق بهما بحيرة وشرود، حتى قطع صوت عاصم أفكارها، وهو يلتفت إلى الطفلين بنبرة هادئة لم تعتدها منه: 

-هناك جنينة حلوة تقدروا تروحوا تتفرجوا عليها، ومن بكرة هجيبلكم فيها كل الألعاب اللي تحبوها.

أومأ الطفلان برأسهما في صمت ثم انطلقا معًا نحو الحديقة، بخطوات تحمل مزيجًا من الحماس والحذر، وما إن اختفيا عن الأنظار حتى تقدم عاصم نحو نادرة، التي ما زالت تحدق في اتجاههما، وقبض على رسغها بقوة:

-انتي يا بت، واقفة متنحة ليه كده؟

ارتبكت وفتحت فمها محاولة التحدث، لكن الكلمات خانتها فقالت بتلعثم:

-آآ أنا أسفة يا بارون، والله ما أقصد، بس مستغربة يعني من 
ولادك يعني ظهروا امتى؟ ولاد مين؟

لم يمهلها فرصة لإكمال حديثها، فانتقلت يده من رسغها إلى عنقها وضغط بقسوة حتى انقطعت أنفاسها، وراح الخوف يتجسد في عينيها وهي تحاول التقاط الهواء، فاقترب منها أكثر وهمس بصوت منخفض لكنه يحمل شراسة مرعبة:

-هعديهالك عشان هي أول غلطة ليكي يا نادرة، لكن تتدخلي في حاجة متخصكيش هدفنك مكانك، وخصوصًا لو الحاجة دي تخصني يا بت، فوقي كده أحسنلك.

دفعها بعيدًا بعنف فتراجعت بخطوات متعثرة، تلهث وتحاول استعادة أنفاسها بصعوبة، بينما تهز رأسها سريعًا علامة الطاعة والخوف، فعاد يقترب منها مرة أخرى، لكن هذه المرة بصوت أكثر خفوتًا.يحمل تهديدًا صريحًا:

-محدش يتكلم بأي كلام قدامهم، وكل طلباتهم مجابة، ومحدش يجيب سيرة چيني قدامهم فاهمة ولا لا؟! وأي حاجة يقولوها تسمعوها وتسكتوا ومتردوش، لو عرفت إن في حد بس فكر يهلفط بأي كلام قدامهم، هيشوف مني أسود أيام حياته.

أومأت بسرعة أكبر تنتظر إشارة الانصراف، حتى أشار لها أخيرًا، وما إن صعدت الدرج واختفت حتى دخل فايد من باب القصر....فالتفت إليه عاصم وقد عاد إلى صرامته المعتادة:

-شدلي على الخدم اللي موجود، ويستحسن تقلل وجودهم الفترة دي لغاية ما أشوف هعمل إيه! وتسيب نادرة بس، ويا ريت انت كمان متجيش تبلغني بأي حاجة تضايقني وهما موجودين.

هز فايد رأسه بالموافقة ثم اقترب خطوة وقال بصوت منخفض:

-طيب أنا مش عارف أقولك ولا لا، بس لازم تعرف عشان تاخد قرار، چيني هانم طلبت ترجع ونحجزلها، نعمل إيه؟

تبدلت ملامح عاصم وتصلبت، وغرق في صمت ثقيل وهو ينظر نحو الحديقة، كأن شيئًا داخله يتصارع، ثم قال أخيرًا بصوت مختنق:

-مش وقتها تنزل، وصلها إن في مشاكل هنا في الوادي والأفضل تفضل هناك، مش هتنزل إلا بمزاجي، هي عايزة تنزل عشان فلوسها خلصت، ابعتلها وارميلها الطعم وكأن مفيش حاجة.

هز فايد رأسه بالموافقة، رغم أن فضوله كان ينهشه نهشًا لمعرفة السر الكامن وراء تأجيل عاصم لانتقامه من چيني، ولم يكن يدرك أن سيده على قسوته المعهودة، كان يسعى إلى منح نفسه فسحة من الزمن، يتعرف فيها إلى طفليه، ويُرسّخ أواصر علاقته بهما، حتى يُحكم إدخالهما في دائرة حياته، ويثبت وجودهما في عالمه قبل أن يفتح أبواب المواجهة مع تلك الخائنة ومَن أعانها على فعلتها.

في تلك الأثناء اتجه عاصم نحو الحديقة، حيث كان الطفلان يركضان هنا وهناك، يملآن المكان حركة وحياة، فتلك الحديقة التي طالما بقيت مهجورة، لم تطأها أقدام ساكني القصر إلا نادرًا، حتى هو نفسه لم يكن يقصدها إلا قليلًا، ورغم ما كانت تزخر به من جمالٍ أخاذ وتنسيق بديع، إلا أنها بدت دومًا باهتة، كأنها تفتقد الروح التي تُحييها.

أما الآن فقد تغير كل شيء، لدرجة أنه تساءل في نفسه بدهشة صامتة، كيف استطاع هذان الصغيران أن يسكبا في أرجائها كل هذا البهاء؟ كيف أضحت نابضة بالحياة بين لحظة وأخرى؟

تنفس بعمق مستنشقًا نسيم المساء العليل، ثم جلس في زاوية بعيدة يراقبهما بعينين هادئتين، وقد ارتسم على ملامحه شيء من الرضا الخفي، فحاول ولو لبرهة أن يُقصي عن ذهنه كل ما يثقل صدره، وأن يكتفي بالتفكير فيهما....في ضحكتهما وفي خطواتهما المتعثرة، وفي ذلك الشعور الغريب الذي بدأ يتسلل إلى داخله دون استئذان.

ومع مرور الساعات أرخى الليل سدوله، وغرقت أرجاء القصر في سكون عميق، لا يقطعه سوى همسات الريح الخافتة، خفتت الأنوار واستسلم عاصم لنوم ثقيل، كأنما أراد أن يفر من صراعاته ولو مؤقتًا.

ولكن ذلك السكون لم يدم طويلًا، فشعر بحركة خفيفة، تلاها صوت باب غرفته يُفتح ببطء، ثم وقع أقدام صغيرة تقترب منه، ظل مغمض العينين وقد انزلقت يده تلقائيًا أسفل الوسادة، تقبض بإحكام على سلاحه الناري، ذلك الرفيق الذي لا يفارقه حتى في أكثر لحظات ضعفه.

لكن اللمسة الرقيقة التي استقرت قرب وجهه، بدلت كل شيء، فتح عينيه فجأة متحفزًا، ولكن توتره تبدد في لحظة، حين وقعت عيناه على صغيرته ليلة، التي كانت تحدق فيه بعينين يغمرهما الخوف والرجاء.

تراخى جسده وترك سلاحه جانبًا، ثم مال نحوها قليلًا وهمس بصوت أجش، خفف من حدته قدر استطاعته:

-مالك خايفة ليه؟!

رفرفت بأهدابها الطويلة، وقالت بصوت واهن ممتلئ بالبراءة: 

-ممكن أنام جنبك يا بابا؟ أنا خايفة أنام في الاوضة، دي كبيرة خالص وأنا متعودة أنام في حضن مامي.

لم تنتظر إذنًا ولم تدرك أنها تخترق عالمًا مغلقًا لا يُسمح لأحد بولوجه، فاقتربت منه ببساطة.طفولية، واستلقت إلى جواره ثم وضعت رأسها فوق صدره، وكأنها وجدت مأواها الأخير، أغمضت عينيها وتمتمت بصوت يغلب عليه النعاس:

 -تصبح على خير يا بابي.

ولم تمضِ لحظات حتى غفت، وقد غمرها شعور عميق بالأمان، أما هو فظل ساكنًا، متيبسًا للحظات ينظر إليها في صمت، كأنما يحاول استيعاب ما يحدث، كيف استطاعت هذه الصغيرة أن تقتحم حصونه، وأن تفرض حضورها عليه دون مقاومة منه؟ وعلى غير عادته لم يرفض، ولم يبتعد
بل ترك نفسه تنساق لذلك الدفء المفاجئ.

فتحركت يده ببطء وكأنها تطيعه دون أمر، واستقرت على ظهرها يربت عليه برفق متكرر، في إيقاع هادئ يشبه الطمأنينة التي بدأت تزحف إلى داخله، ولكن السكينة لم تدم طويلًا، إذ ما لبثت صورة چيني أن تسللت إلى ذهنه، كطيف ثقيل يعكر صفوه، فحاول أن يجد تفسيرًا أو مبررًا واحدًا لما فعلته، لحرمانه من طفليه طوال تلك السنوات، لكنه لم يجد سوى فراغ قاسٍ يجيب عن تساؤلاته.

عندها اشتدت أنفاسه وتصلبت ملامحه من جديد، فتنهد بعمق وهو يحدق في العتمة، بينما تتلاطم في داخله أمواج الغدر والرغبة العارمة في الانتقام.

                                       ***
في الصباح…

خرجت عائشة من منزلها بخطوات مترددة، وقد أثقل السهر عينيها وأضنى البكاء قلبها، فقضت ليلتها بأكملها ساهرة، تراقب عقارب الساعة وهي تزحف ببطء قاتل، تنتظر لحظة عودة صغيريها بشوق يكاد يمزق صدرها، ومع انبلاج الفجر، حين تسللت أشعة الشمس إلى الوادي وأيقظت طرقاته الساكنة لم يعد لديها صبر يُحتمل.

اندفعت خارج المنزل بعجلة يشوبها التهور، وقد عقدت العزم على الذهاب إلى قصر عاصم غير عابئة بالعواقب، 
لكن قبل أن تخطو بعيدً، دوى رنين هاتفها قاطعًا اندفاعها.

فتوقفت في مكانها وأخرجت الهاتف بيدٍ مرتجفة، ثم أجابت بصوت خافت مبحوح، لا تزال آثار البكاء واضحة فيه:

-الو.

جاءها الصوت الذي لم تكن ترغب في سماعه الآن، صوت عمها فهمي السوالمي بنبرة جادة تخفي وراءها ما تخفي:

-ازيك يا بنت أخويا.

انقبض قلبها بشدة وكأن كلماته لامست جرحًا لم يندمل بعد، فسكن جسدها للحظة وتوقفت عن الحركة تمامًا قبل أن ترد باقتضاب حذر: 

-الحمد لله.

قال بصوت يحمل دلالة لم تخفَ عليها:

-وصلي إنك رجعتي قعدتي في الوادي؟

أخذت نفسًا عميقًا وألقت نظرة سريعة حولها، كأنها تخشى أن يكون أحد يراقبها ثم أجابت بنبرة مهزوزة:

-اه، في حاجة؟

رد مباشرةً ودون مقدمات:

-اه، عايزينك تيجيلنا، محتاجين نقعد معاكي.

 بلغ القلق داخلها أقصاه، فتسارعت نبضات قلبها وشعرت بأن شيئًا ما يُدبر في الخفاء، لذا سألت بحذر وريبة:

-ليه؟

جاءه صوته هذه المرة محملًا بشيء من السخرية المبطنة:

-هو إيه اللي ليه؟ في واحدة عيلتها تقولها محتاجة تقعد معاها وترد تقول ليه؟ وحشتينا يا شيخة..

قبضت على الهاتف بقوة حتى ابيضت أناملها، وقد أدركت جيدًا نبرة التهكم في كلماته، فحاولت أن تُبقي صوتها ثابتًا، فقالت:

-طيب تعالى اتفضل في البيت....

لكن ما إن نطقت كلماتها حتى تذكر أن موعد عودة طفليها قد اقترب فارتبكت وتراجعت سريعًا عن اقتراحها، وقد تسلل التوتر إلى نبرتها: 

-لا طيب انتوا قاعدين فين وأنا اجيلكم.

ولم تكن تدرك بجهلها بطبيعة ذلك الوادي، ولا بما يحمله من صراعات قديمة، فحجم الخطأ الذي توشك على ارتكابه كبير، ولم يخطر ببالها أن خطواتها تلك قد تقودها إلى مواجهة لم تستعد لها بعد، فجاءها الرد حاسمًا:

-وماله يبقى أحسن تيجي البيت الكبير، اقفي قدام بيتك وهتلاقي واحد جايلك من طرفنا يوصلك لغاية عندنا.

أومأت برأسها دون وعي، كأنما يراها:

-تمام.

أغلقت الهاتف ببطء ثم تراجعت بخطوات مرتبكة نحو منزلها، لتقف أمامه في صمت، عيناها معلقتان بالطريق، وقلبها يتأرجح بين رغبتها في استعادة طفليها، وخوف غامض يتسلل إلى أعماقها، ينبئ بأن القادم لن يكون يسيرًا كما تتمنى.

ولم تمضِ سوى ثوانٍ معدودة، حتى ظهرت سيارة بسيطة توقفت على مقربة منها، وخرج منها رجل أشار إليها بيده إشارة مقتضبة تدعوها للقدوم، ترددت للحظة ثم اقتربت منه بخطوات حذرة، لتسمعه يقول بنبرة جادة لا تقبل النقاش:

-أنا من طرف الحج فهمي السوالمي، يلا.

نظرت إليه نظرة سريعة، وكأنها تحاول قراءة ملامحه، أو استشفاف ما يخفيه صوته، لكنها لم تجد ما يُطمئنها ولا ما يدفعها للتراجع، فكان القلق قد استولى عليها بالكامل، وأصبح تفكيرها مشتتًا بين خوفها على طفليها، وبين ذلك اللقاء الغامض الذي دُعيت إليه على عجل.

دون أن تطيل التفكير فتحت باب السيارة وصعدت، وكأنها تُلقي بنفسها في طريق لا تعرف نهايته، فانطلقت السيارة ببطء في طرقات الوادي، بينما ظلت عائشة صامتة تحدق من النافذة، وعقلها يغلي بالأسئلة والهواجس.

ولم تكن تدرك أن هناك رجل يقف متسمرًا في مكانه، وقد أثار انتباهه صعودها مع ذلك الغريب، وتعجب من استجابتها السريعة دون تردد يُذكر، فضيق عينيه في شك، وشعر بأن الأمر لا يخلو من الريبة.

أخرج هاتفه بسرعة وحاول الاتصال بعاصم، وعيناه لا تزالان معلقتين بالسيارة التي ابتعدت تدريجيًا.

                                           ***
بينما في قصر آل عزام…

استيقظ عاصم على لمسة ناعمة، أصابع صغيرة تعبث بملامح وجهه في جرأة لم يعهدها من أحد، تجهمت ملامحه قليلًا، وقد انعقد حاجباه بضيق غريزي، قبل أن يبدأ وعيه في استيعاب ما يحدث، ومن يجرؤ على الاقتراب منه بهذه البساطة.

وما إن فتح عينيه حتى باغتته قبلة قوية استقرت على خده الأيمن، تلتها ضحكة خفيفة وصوت رقيق اخترق أذنيه، كنسمة دافئة تمر على صحراء جرداء:

-صباح الخير على الحلوين المسكرين.

ظل لوهلة ينظر إليها في صمت، كأنما عجز عقله عن مجاراة ما يحدث، الزمن الذي اعتاد أن يمنحه القسوة والصلابة، بدا وكأنه يسخر منه الآن ويضعه في موقف لا يملك له ردًا، فارتبك ولم يجد ما يقوله سوى أن يربت على رأسها بخفة، وهو يجيب بصوته الخشن الذي حاول أن يُلينه قدر المستطاع:

-صباح النور.

اعتدل في جلسته محاولًا استعادة شيء من هيبته، لكنها لم تمنحه الفرصة، حيث اقتربت منه أكثر وتعلقت بعنقه في ألفة مفاجئة، ثم همست وكأنها تحمل سرًا عظيمًا لا يحتمل التأجيل:

-عمر زعلان مننا، عشان أنا نمت جنبك وهو لا، فاكر إنك اخدتني انام جنبك ومخدتهوش، عمالة اقوله بابا مالوش ذنب مصدقنيش، ودي مشكلة كبيرة.

تجمد للحظة، وأخذت عيناه تدوران في أرجاء الغرفة، كأنما يبحث عن إجابة معلقة في الهواء، فحاول أن يستوعب حجم الكارثة التي عرضتها عليه بهذه الجدية الطفولية… لكنه فشل، فمرة أخرى وفي تلك اللحظة تحديدًا، شعر بشيء غريب وحاجة ملحة لوجود عائشة، فبدا له أنه يواجه عالمًا لا يفهم قوانينه، وأنه يفتقد مَن تُجيد التعامل مع مثل هذه المواقف البسيطة والمعقدة في آنٍ واحد.

زفر بهدوء ثم نظر إليها وقال باستسلام صريح:

-اعمل إيه يعني؟

اتسعت عيناها بدهشة من سؤاله، ثم دفعته بيديها الصغيرتين، محاولة إجباره على النهوض وهي تقول بحزم طفولي:

-يلا بينا ننزل نصالحه طبعًا، مينفعش نسيب حد بنحبه وبيحبنا زعلان مننا حرام وعيب، مامي عائشة قالت كده.

وقف أمامها ينظر إليها وكأنها كائن قادم من عالم آخر، فتلك الجدية وتلك البساطة الممزوجة بالحكمة أربكته أكثر مما أربكته أي مواجهة في حياته، وحين طال صمته ضيقت عينيها الصغيرتين بشك واضح، وسألته ببراءة مباشرة: 

-هو انت بتسيب الناس تزعل منك يا بابا؟

توقف السؤال عند صدره، كأنه اصطدم بشيء داخلي لم يكن مستعدًا لمواجهته، فابتلع ريقه ثم أجاب بصوت
 منخفض أجش: 

-لا.

ابتسمت فورًا ابتسامة واسعة أشرقت بها ملامحها، ثم مدت يدها إليه بحماس، تقدم له قطعة من حلوى الفراولة:

-شاطر خد واحدة عشان انت طلعت طيب زي ماما، يلا ننزل نصالحه بقى.

دفعته ليلة بيديها الصغيرتين نحو الأسفل بإصرار لا يقبل التأجيل، فلم تترك له فرصة حتى ليلتفت إلى هاتفه أو يستوعب ما يحدث، فكانت مهمتها القومية في مُصالحة عمر تتصدر كل شيء، أقوى من أي شأن آخر في نظرها.

استسلم لها على غير عادته وهبط معها درجات القصر، حتى وصلا إلى الحديقة، وهناك لمح صغيره يجلس في أحد الأركان، منكفئًا على نفسه، وبجواره نادرة تحاول عبثًا إقناعه بتناول طعامه.

وما إن رأت عاصم حتى نهضت سريعًا وقالت بأدب:

-مش راضي يفطر يا عاصم باشا، اتحايلت عليه كتير.

أومأ برأسه إشارة صامتة ففهمت وانسحبت على الفور تاركة لهما المساحة، فتقدم عاصم بخطوات بطيئة، ثم جلس على أرض الحديقة إلى جوار عمر، مقلدًا ما أشارت إليه ليلة برأسها، وإن بدا عليه الارتباك الواضح، ظل صامتًا عاجزًا عن إيجاد مدخل مناسب، كأن كل خبراته في الحياة تلاشت أمام هذا الموقف البسيط.

فاقتربت منه ليلة وهمست بخطة في غاية السذاجة:

-انت تبوسه من خده ده وأنا ابوسه من خده التاني، ولو فضل زعلان نزغزغه.

نظر إليها لحظة وكأنه غير مصدق، لكن لم يكن أمامه خيار، فكانت هي القائدة في تلك المهمة، اقترب من عمر وقبله على خده بينما فعلت ليلة الشيء ذاته من الجهة الأخرى، لكن عمر لم يبتسم بل قال بصوت متهدج:

-لا أنا زعلان منك، اخدت ليلة تنام جنبك وأنا لا.

توقف عاصم لوهلة ثم رد بعفوية خرقاء:

-لا أنا مخدتهاش هي اللي جت تنام جنبي وأنا مكنتش عايزاها تنام جنبي أصلاً.

وفور أن خرجت الكلمات من فمه أدرك فداحة ما قال،
عندما تبدلت ملامح ليلة في لحظة واهتز صوتها بحزن كاد يتحول إلى بكاء:

-إيه ده يا بابا، يعني أنا ضايقتك، هو انت بتكرهني؟

ارتبك بشدة وشعر كأنه وقع في فخ لا مخرج منه، فأسرع يقول محاولًا إصلاح الكارثة:

-لا لا طبعًا، يعني لا فرحت طبعًا، مش انتي قولتيلي اصالحه كده.

لكن الأمر ازداد سوءًا، فالتفت عمر إليه بعينين دامعتين، وقال بصوت مكسور:

-اه يعني انت مكنتش عايز تصالحني وليلة هي اللي قالتلك، يعني انت مش بتحبني زيها؟!

تجمدت ملامح عاصم واتسعت عيناه بامتعاض واضح، فشعر أن ما يواجهه الآن أشد وطأة من أي معركة خاضها في حياته، كل قوته وكل هيبته لا تُجدي نفعًا أمام دمعة أطفاله، فتح فمه ليقول شيئًا لكنه عجز.

وفي تلك اللحظة الحرجة جاءه صوت أنقذه من هذا المأزق، ولم يكن سوى فايد الذي دخل مسرعًا، لكنه ما إن اقترب حتى توقف على مسافة، وكأنه أدرك أنه يقتحم مشهدًا غير معتاد، ثم قال بنبرة مضطربة:

-عايزينك يا عاصم باشا بسرعة.

ابتعد عاصم عن طفليه بخطوات سريعة، وكأنه ينتزع نفسه انتزاعًا من ذلك المشهد الهش الذي لم يعتده، ثم اقترب من فايد، وقد انعقدت ملامحه بضيق واضح، وقال بغيظ مكتوم:

-عايز إيه؟ متقولش حاجة تضايقني، أنا مش ناقص.

تردد فايد للحظة وكأن الكلمات تثقل لسانه، لكنه أدرك أن الأمر لا يحتمل التأجيل فقال بلهفة واضحة:

-الدكتورة راحت رشيد، الواد اللي بيراقبها شافها بتركب مع واحد من الوادي والواد ده وصلها لغاية بوابة رشيد الكبيرة وهناك دخلت لوحدها، كلمنا حد من حبايبنا هناك،  وقالنا إنها ماشية مع غفير بيشتغل عند عيلة السوالمي.

ساد الصمت لثوانٍ…لكنها لم تكن صمتًا عاديًا، بل كانت كالعاصفة التي تتكون في الخفاء قبل أن تنفجر، فتبدلت ملامح عاصم تدريجيًا، واشتد فكه حتى برزت عروقه، واشتعلت عيناه بشرارة لم تخف على فايد، فلم يسأل ولم يناقش، فقط قال بصوت منخفض يحمل خطرًا صريحًا:

-جهز الرجالة بسرعة وشوف حد يقعد مع الولاد.

أومأ فايد فورًا وانصرف لينفذ أوامره دون تردد، أما عاصم فقد استدار بعنف.وصعد الدرج بخطوات واسعة متسارعة، كأن الأرض تضيق به، فكان صدره يعلو ويهبط بقوة، والغضب يتصاعد داخله كحمم بركانية على وشك الانفجار،
دخل غرفته وراح يبحث عن هاتفه بلهفة، يقلب الأشياء من حوله بعصبية، حتى عثر عليه، أمسكه بإحكام وكأنه يمسك بطوق النجاة الأخير.

ضغط على رقمها دون تردد، فلم يكن ينوي السؤال، بل كان ينوي الأمر...كان يريد إيقافها عند حدها، قبل أن تخطو خطوة أخرى في ذلك الطريق الذي يعرف جيدًا نهايته، أراد أن يعيدها...أن يمنعها...أو ربما...لقد توقف تفكيره عند حد مظلم، فهو يدرك تمامًا أن ذهابها إلى رشيد… ليس مجرد زيارة عادية بل بداية مواجهة ومواجهة كهذه لن تمر بسلام
                                        ***

توقفت السيارة بعائشة أمام بلدة تتوسطها لافتة ضخمة كُتب عليها بخط عريض "نجمة رشيد"، رفعت بصرها إليها، محاولة استدعاء أي ذكرى أو رابط بهذا الاسم، لكن عقلها كان مكتظًا بفوضى الأسئلة والظنون، حتى عجز عن منحها إجابة واحدة واضحة.

انتبهت على صوت الرجل الجالس خلف المقود، وهو يقول بلهجة عملية: 

-انتي تنزلي هنا وتدخلي جوه هتلاقي حد من عيلتك مستنيكي.

أومأت برأسها في تردد ظاهر، وعيناها تجولان في المكان بريبة ثم فتحت باب السيارة ونزلت، شعرت للحظة وكأن الأرض تحت قدميها غريبة، لا تنتمي إليها لكنها تماسكت وتقدمت نحو الداخل، لم تكد تخطو خطوات قليلة، حتى اعترض طريقها رجل آخر وقال بإشارة مهذبة:

-اتفضلي معايا يا دكتورة هوصلك لبيت السولمي.

تزايد ذلك الإحساس الثقيل داخل صدرها، إحساس بالخطر كأنها تسير بإرادتها نحو فوهة بركان متأجج، ومع ذلك لم تنطق واكتفت بالسير إلى جواره، تراقب الطرقات بعينين يقظتين تلتقط أدق التفاصيل، وفجأة توقفت وتجمدت خطواتها، واتسعت عيناها وهي تحدق فيما حولها، تلك الشوارع وتلك البيوت، ذلك الالتواء في الطريق كل شيء بدا مألوفًا بشكل مرعب، لذا خفق قلبها بعنف وشعرت بقشعريرة تسري في جسدها، وهمست لنفسها بصوت خافت: 

-المكان ده، أنا شفته قبل كده.

إنها نفس البلدة...نفس المكان الذي كانت فيه عندما اختُطفت ليلة، ارتجف جسدها والتفتت إلى الرجل بسرعة، وصوتها يخرج مهتزًا: 

-هو في بوابة كبيرة بين الوادي وبين البلد دي صح؟

أومأ الرجل بهدوء مرددًا كلمات بدت عادية في ظاهرها، لكنها سقطت على قلبها كالصاعقة:

-اه بس دي البوابة الشرقية اللي بينا وبين الوادي، اتعملت عشان محدش لا يدخل من عندهم ولا يدخل من عندنا، انتي جيتي من مدخل رشيد الكبير.

توقفت عائشة مكانها وقد بدأ الشك يتسلل إلى أعماقها، فسألته بريبة واضحة:

-طيب ما أنا منهم، سمحتولي ادخل ازاي؟

هز كتفيه بلا مبالاة وأجاب ببساطة زادت ارتباكها:

-متهيألي انتي غريبة عن الوادي، يعني مش من منهم، فموسى بيه مش هيضايقك ولا يحكم عليكي، متخافيش.

تجمدت ملامحها للحظة، موسى…الاسم وحده كان كفيلًا بأن يعيد إليها كل ما حاولت نسيانه، ذلك الرجل الغريب الذي اختطف ابنتها، تراجعت خطوة إلى الخلف، وكأن قدميها بدأت تدركان الخطر قبل عقلها، وهمت بالانسحاب، لكن صوت الرجل أوقفها، وهو يشير إلى منزل كبير وعريق يقف شامخًا أمامهما: 

-بيت السوالمي اهو.

هزت رأسها بسرعة وصوتها خرج مرتبكًا:

-لا...

لكن رنين هاتفها قطع كلماتها، فنظرت إلى الشاشة وجدت اسم عاصم، وكأن النجاة قد أتتها في لحظة، أجابت على الفور:

-الو.

جاءها صوته خشنًا ومتوترًا يحمل غضبًا مكتومًا: 

-انتي فين؟

تلعثمت ونظرت حولها كأنها تبحث عن إجابة في المكان:

-آآ...أنا في...

لم يمهلها، فقاطعها بصوت أعلى حاد كالسيف:

-روحتي رشيد ليه؟ ازاي من غير ما تعرفيني؟ رايحة ليه؟

لكن الكلمات لم تخرج، فتلقت صفعة قوية هوت على وجهها فجأة، فاهتز جسدها وتلاشى توازنها، وسقطت أرضًا بينما دوى صوت غليظ في أذنيها:

-أهلاً بالـ*****، أخيرًا شرفتي وجيتي لأهلك يا *****.

سقط الهاتف من يدها وتشتتت أنفاسها، ووضعت يدها على خدها تحاول استيعاب ما حدث، ثم رفعت عينيها نحو عمها، وقد اشتعل فيهما القهر وقالت بصوت مرتجف:

-انت ازاي تضربني؟

لم يمنحها فرصة، فانحنى نحوها بعنف، وقبض على شعرها بقسوة وجذبها للداخل ثم بدأ يجرها نحو داخل المنزل، وهو يقول بغل واضح:

-لما تبقي تمشي على حل شعرك يبقى تستاهلي المعاملة دي، ونغسل عارنا كمان.

صرخت وتألمت وحاولت الفكاك لكن قبضته كانت كالفولاذ،
وفي خضم ذلك الألم لمحت هاتفها ملقى على الأرض، فمدت يدها بصعوبة، وتمكنت من التقاطه في اللحظة الأخيرة، ثم صرخت باكية وبصوت مكسور:

-عاصم الحقني.

جاءها صوته عبر الهاتف مشتعلاً كالنار:

-ده أنا هحرق رشيد وعيلة السوالمي واحد واحد، متخافيش.

لكن عمها انتزع الهاتف منها بعنف هذه المرة، وأغلقه دون تردد ثم ألقاه إلى أحد رجاله وكأن الأمر لا يعنيه، فكان وجهه هادئًا ومطمئنًا، فهو يعلم جيدًا أن عاصم، مهما بلغ جبروته، لن يجرؤ على دخول أرض رشيد.

                                        ***

بينما كانت غالية تقف في أحد أسواق رشيد المكتظة، أصابت عيناها كل حركة تمر وكل ظل يلوح، وكل همسة تُسمع، فكانت متأهبة وتركز على خطتها التي قررت تنفيذها اليوم بلا تأجيل، ووسط صخب السوق تداخلت أصوات الباعة مع صرير العربات، ولكن ذهنها كان يقظًا كالصقر، لا يلتفت إلا للهدف.

اقترب منها رجل يبدو عليه من سكان رشيد ومن طرف أم ناصر ثم همس بتوتر، متظاهرًا بالانشغال ببيع الخضروات والفواكه:

-على ايدك اليمين من بعيد المفروض موسى عزام هيمشي ومعاه رجالته رايح ناحيه مكتبه، ركزي عشان منلبسش في حيطة، كلها دقايق ويظهر.

ابتسمت غالية بسخرية ووجهها يلمع بعزم، دققت النظر في الطريق كما وصفه، وفجأة ظهر موسى عزام يسير بين رجاله وحاشيته كما لو كان سلطانًا يسير بين رعياه، فهمست لنفسها:

-ده مواعيده مظبوطة.

تنهدت بقوة وابتعدت قليلًا، مراقبة الجو حولها بعينين حادتين، فوجدت أن السوق مكتظ، والجميع منشغل بحاله، ما جعل الحذر أكثر صعوبة، لكنه أيضًا منحها فرصة للتحرك، وفجأة رفعت صوتها عالياً لتثير الفوضى ولتجذب الانتباه:

-يالهوووي...يا حرامي، يا مفتري عايز تاكل حقي عيني عينك.

ارتبك الرجل الذي حاول التظاهر بالقوة أمامها، ولكنه سرعان ما تماسك ورد بغلظة متعمدة:

-امشي يا بت انجري من هنا.

ابتسمت غالية بحدة، وكأنها كانت تنتظر هذا التحدي، واقتربت منه وهي تجيد دورها على أكمل وجه، وتعلقت برقبته بينما كانت نبرة صوتها تحمل الغضب والانتقام:

-هات فلوسي يا حرامي، مش كفاية بتغش في الميزان.

في تلك اللحظة اقترب رجال موسى، الجسد الواحد منهم يبدو كتلة من القوة والتهديد، وتحركوا نحوها بسرعة، دفعها الرجل بقوة إلى الخلف، فأسقطها أرضًا وسط دهشة المارة الذين توقفوا للحظة يراقبون المشهد المفاجئ.

تسارعت أنفاس غالية وبدأ قلبها يخفق بعنف، لكنها لم تفقد توازنها الذهني، حيث وجدت يدًا تمتد ببطء، ونبرة الصوت تأتي ساخرة لكنها مليئة بالتهديد:

-كده، حد يرفص النعمة بردو.

رفعت غالية رأسها وقد تأكدت ظنونها حين وجدته موسى، واقفًا أمامها بكل غروره، فشعرت بقلبها يخفق بعنف، وعرفت أن الخطوة التالية هي الحاسمة، تقدمت إليه بضع خطوات ويدها ترتعش وهي تمسك بيده، وصوتها يمزج بين البكاء والرجاء:

-ابوس إيدك يا موسى بيه، ساعدني من الراجل الظالم ده عايز ياكل حقي عيني عينك وأنا غلبانة.

رمقها موسى بنظرات عبث وفجة، ثم قال بهمس ساخر وكأن الموقف كله لعبة بالنسبة له:

-ده أنا اللي غلبان والله.

اقترب البائع الآخر وصوته يرتجف بالقلق:

-يا موسى بيه دي بت بترمي بلاها عليا.

عاد موسى بنظره نحوها وضحك بقوة وواصل سخريته:

-اختارت غلط، كنتي استنضفي.

شعرت غالية بالغضب يتصاعد داخلها، اقتربت من الرجل وصرخت وهي تضربه:

-ما تنقي الفاظك يا معفن انت، أنا هرمي بلايا عليك انت؟!

لكن موسى كان أسرع وأمسكها بقوة من الخلف وأعادها إلى مكانها بعيدًا عن الرجل وهمس لها بوقاحة:

-اهدى يا وحش، قلبك جريء اوي.

ابتلعت لعابها وشعرت بقربه الشديد يضغط على نفسها، فقالت بصوت متهدج:

-عن إذنك يا بيه.

حاولت دفعه لكنه ظل كالصنم، ينظر إليها بعبث ومكر يثير قلقها ثم سألها بسخرية:

-نعم اعمل إيه؟

ضغطت على أسنانها بقوة وهتفت بغضب خرج رغمًا عنها:

-تبعد عني يا بيه ميصحش.

تظاهر موسى بالاعتذار بهدوء:

-اه، مخدتش بالي.

ابتعد عنها قليلًا لكنها شعرت بالخوف من ردة فعله على تغير نبرتها المستضعفة، فتمسكت بالبكاء وصرخت بصوت مرتفع:

-يا ناس مفيش حد عادل يحكم ويجبلي حقي، ده أنا ولية منكسرة.

اقترب موسى مرة أخرى وابتسامة تهكمية ترتسم على وجهه:

-ورحمة أمي الغالية ما لايق عليكي الانكسار.

توقفت عن البكاء للحظة تحدق فيه ببلاهة، وكأنها تبحث عن مفر، وما أنقذها فعليًا كان دخول رجل غريب الدائرة، اقترب من موسى وأمال على أذنه، وهمس ببعض الكلمات التي وصلت إلى مسامعها بوضوح:

-الدكتورة جت في بيت السوالمي.

اتسعت ابتسامة موسى بحماس، وكأنه وجد أخيرًا لعبته المفضلة فضحك عدة مرات بصوت عالٍ يملؤه العبث:

-والله! ده إيه الحلاوة دي يا ولاد.

وفي لمح البصر مد يده بسرعة وجذبها بقوة، ثم دفعها نحو صالح قائلاً بحزم:

-خد المنكسرة دي والراجل ده، لغاية ما اشوف ضيوفنا وارجعلهم.

التفت بعدها إليها ومال نحوها هامسًا بعبث وقح، وكأنه يسخر من قلبها المرتجف:

-قلبي الضعيف مبيستحملش يشوف حلوين منكسرين، بنكسر معاهم على طول.

غادر موسى بخطوات سريعة نحو أحد الجهات، تاركًا وراءه الرجال الذين قبضوا عليها في مشهد جعل قلبها يخفق بعنف، وجعل كل خطتها الغبية تتلاشى أمام خوفها المفاجئ،
نظر إليها البائع بغضب وصوته يرتجف بالحزم:

-وحياة أمك طلعيني من الليلة دي، أنا متفقتش على كده مع  أم ناصر، يا أما وديني اقوله على كل حاجة.

بينما كان موسى يصعد إلى سيارته متجهاً نحو بيت السوالمي، رن هاتفه فجأة وكان اسم المتصل غير متوقع إطلاقاً، ما أثار ابتسامة على وجهه وهو يلتقط السماعة بحماس:

-حبيبي وحبيب الناس كلها، إيه متصل وحشك صوتي؟!

ارتجف صوته الآخر يحمل جدية لا تخفى:

-خلي بيت السوالمي يسيبوا الدكتورة، عشان مجيش أطربق 
رشيد باللي فيها ولا يهمني حد.

ابتسم موسى بسخرية رافضاً الخضوع:

-تؤتؤ...مبحبش جو التهديدات، وبعدين أهلك مش علموك لما تيجي تطلب طلب تطلبه بأدب، مبتعرفش تترجى حد يا عصوم.

ارتفع صوته على الطرف الآخر من الخط يختلط بالغضب:

-اترجاك انت ليه؟ ما ممكن اجيلك وافرغ مسدسي كله فيك.

ضحك موسى ضحكة قصيرة ثم قال ببرود:

-تاني بتهددني؟! طيب خاف على الدكتورة، يمكن تهف في عقلي واحبسها عندي ولا اخليك تطولها ولا اخليها تطول الصغيرين أحباب الله، صحيح هما أخبارهم أيه وخصوصًا الصغيرة الحلوة اسمها إيه...ليلة، حبتني اوي بنتك، سبحان الله الدم بيحن.

-يعني بردو مش عايز تمشيها من غير مشاكل؟

-لا ازاي ده أنا اكتر واحد مسالم، وبحب معاهدات السلام وعشان انت صلة رحمي وأنا بار بأهلي، هسمحلك تيجي تاخدها بنفسك كمان وتنور رشيد وتشرب معايا الشاي.

أغلق عاصم الاتصال في وجه موسى، بعدما تلقى موافقته على مجيئه، بينما ابتسم موسى داخلياً وهو يفكر في المتعة القادمة، متسائلاً عن ردود أفعال خصمه، فقرر أن يتوجه أولاً إلى منزل السوالمي ليرى ما فاته، مستعداً لمواجهة ألد أعدائه بكل حزم وثبات، منتظرًا اللحظة المناسبة للانقضاض على كل المخادعين أمامه.



تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة