
رواية جمعية حب الفصل الثالث والعشرون 23 بقلم شمس محمد بكري
|| مطعونٌ بصلة القرابة ||
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..
|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||
_الرجاء الدعاء لـ "نسمة" ولكل أموات المسلمين بالرحمة
والمغفرة، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
____________________________________
مرة واحدة فقط يندفع المرء بغزارةٍ كما حبات المطر..
ومن ثم يتوقف بإنشداهٍ كأنه لم يعِ لنفسه ماذا فعل، حيث بعض الخُطى حين نخطوها نرى من على بُعدٍ طريقًا؛ وحين نقطع منتصف المسافة نجد أننا ولجنا طريقًا مُغايرًا لما رأينا..
مرة واحدة فقط، ومن بعدها يصبح مُرتاب الخُطى، فلم يعد يسلك دربًا كما كان خُفافًا، بل تُصبح خطواته ثقيلة كأنه يدرس عملًا دؤوبًا، مرة واحدة في العُمر يندفع نحو شيئًا لم يكن ملكًا له، ليقف بعدها خائفًا من الخُطى؛ فيراقب انسحاب الأشياء وضياعُها من بين يديه…وكأنه دفع الثمن مُسبقًا.
<"لكني لا أعلم في لحظتي هذه موطنًا ليَّ غير نظراتك">
اختلفت المُسميات والمقصد واحدٌ..
فهل سألت من قبل المقصد تحديدًا من كلمة موطن؟ رُبما يكون البلد، وقد يكون في مفهوم الجغرافيا هو الحدود الخطية الوهمية، وقد يكون هو مدينة آمنة بعيدًا عن مُدن مُحَّارَبة، وقد يكون عائلة، قد يكون الدفء بداخل المنزل، لكن في لحظةٍ ما قد يكون موطنك نظرة عينٍ آمنة من وسط نظرات مُخيفة وقاسية..
صدح صوت جرس الباب في هذه اللحظة فتحرك "أدهـم" يفتحه لأنه يعلم أن الطارق تابع لشركة التوصيل الذي طلب منها توصيل علبة الشوكولاتة المميزة، وقد فتح الباب ليجد أمامه شابًا يقف بثباتٍ يضم كفيه فوق بعضهما، وحينها حرك رأسه يسأله بعجبٍ من هيئته:
_نعم؟ مين حضرتك؟.
_"عُـلا" هنا؟.
داهمه بالسؤال عن خطيبته بطريقةٍ مباشرة جعلته يرفع حاجبه وكشر عن أنيابه استعدادًا للهجومِ عليه، وقد ظهر ذلك في سؤاله:
_وأنتَ مين وبتسأل عنها ليه؟.
_أنا "مـأمون" ابن عمها وخطيبها.
تبدلت ملامح "أدهـم" ووقف في ساحة عراكٍ بداخل نفسه وهو يفكر أي طريقة أرقى لإزهاق روحٍ بدون صوتٍ، وبدون آداة حادة وبدون نقطة دمٍ، وبدون سجنٍ في شابٍ بهذا الرخص؟ حقًا أنه سؤال لن تجد جوابًا دبلوماسيًا عليه إلا حين تُجرب بنفسك عمليًا؟ توسعت عيناه واتقد فيهما شرر الغضبِ وقال هازئًا منه:
_خطيبها !! قصدك كنت، تفرق دي خد بالك.
_أنتَ مين أصلًا؟ وبتتكلم معايا كدا ليه؟.
رد عليه "مأمون" بهذا الرد مستفسرًا فوجده يقول بسخريةٍ:
_أنا اللي بقيت خاطبها، "أدهـم الشيمي".
توسعت عينا الآخر وظل "أدهـم" مُستمسكًا بحبال صبره، يناظره بهدوءٍ حين استشعر حفيف خطواتٍ من خلفه وقد كان "آدم" لحق به، وقتها ما بين ضراوة الفعل وعملية الحكمة وُضِع "أدهـم" كمن وُضِعَ بين مطرقةٍ وسندانٍ، كل شيءٍ مهما بلغ مُسماه يبقى في النهاية فقط لأجلها هي..
وقف "آدم" أمامه وبكل هدوءٍ يشبه دبيب غُبار ما قبل العاصفة قال منتهجًا الصبر والعقلانية:
_أهلًا يا أستاذ "مـأمون" ممكن أعرف سبب الزيارة؟.
وباندفاعٍ غبي قال متلهفًا:
_عاوز أشوف "عُـلا".
حقًا ليس من المنطق أن ينطق اسمها هكذا بهذه اللهفة أمام الخاطب الذي لم يمر يومان بأكملهما على خطبتهما، إنها مشاعر في غاية الغرابة يشعر بها كأنها حقًا ملكًا له ولا يحق لغيره أن يشتاق لرؤيتها بهذه الطريقة، التزم الصمت فقط لأنه يعلم أن الأمور هناك بعض الاضطرابات بها، وتدخله لن يُزيدها إلا سوءًا واضطرابًا أكبر من قبل..
_بصفتك مين عاوز تشوفها، لأن حاليًا الآنسة "عُـلا" أختى مخطوبة وخطيبها موجود وأكيد مفيش صفة لحضرتك هنا.
نطق بها "آدم" الذي رغم صغر سنه مقارنةً بعمر أخيه لكن يبدو أنه يمتاز ببعض الحكمة التي تُصرفه في مثل هذه الأمور، وجاء الحكيم الأكبر "عـرفه" يستبين سبب تأخرهما ولمح بعينيه الشاب، مد يده يصافحه دون أن يعرف هويته وقد عرفه "آدم" عنه ووقتها تبدلت نظرات "عـرفه" واستطاع أن يعرف إلى أين يسقط نظر الشابيْن، وحينها تولى هو المُهمة حيث رحب به قائلًا يدعوه لداخل البيت:
_اتفضل يابني، أهلًا وسهلًا نورت.
دعاه لداخل البيت متجاهلًا النظرات المشتعلة خلفه من كليهما، سواءً كانت من أخيها أم من خطيبها، ولج "مـأمون" معه لغرفة الصالون دون أن يمر به على صالة الشقة الواسعة أو موضع تناول الطعام، فلم تلمحه "عُـلا" لكنها فهمت أن هناك ضيفٌ بالبيتِ، وبعد مرور دقيقتين عاد لها "آدم" يدعوها للحضور، فودعت المشهد أمامها بنظرة تائهة وتبعته وهي تُفكر فيمن يُمكن أن يكون حضر لها هُنا ويطالب برؤيتها؟.
ولجت غرفة الضيوف لتجد ما لم تظنه ولو بخيالها حتى، خطيبها السابق وابن عمها نظير خطيبها الحالي أخو أخوها، ما هذا الكابوس المُروع الذي لم يُراوض حتى طفلة في العاشرة من عمرها؟ سقط قلبها وهي ترى ملامح "مأمـون" حين رفع عينيها نحوها، والوحيد الذي اهتم بشأن نظراتها كان "أدهـم"؛ حيث بحث في عينيها عن لهفةٍ، رُبما عن شوقٍ، عن بقايا مشاعر أو حُبٍ، بحث عن سعادة لرؤيته، كان يتابع عينيها وبناءً عليه سوف يُقرر.
لكن القلوب حين تكون على موعدٍ مع اللقاء تُسارع بالاستعداد له، وهذا ما اتضح من خلال نظراتها حين تحركت تبحث عن "أدهـم" كأنها تستجديه وتُطالبه بمغفرةٍ أو عفوٍ لهذا الموقف الغريب، كأنها تعتذر منه مُسبقًا عن شيءٍ لم تقترفه يداها، والغريب هي مشاعرها في هذا التوقيت، حيث شعرت أنها تنتمي لهُنا، فلم تعد الاسكندرية موطنها كما كانت، ولم يعد عناق "ياقوت" جدتها يحتويها كما اعتادت، ولم تعد جدران البيت الذي تعرفه ملكًا لها، الغرابة حقًا أنها شعرت بنظرات "أدهـم" كأنها موطنها، "أدهـم" بذاته أضحى هو الموطن ذات الحدود الآمنة.
غرقت في شرودها في عينيه حين غابت وغاصت في بحر نظراته، ولم تشعر بهذا الذي وقف أمامها بلهفةٍ واضحة كمن وجد ضالته بمنتصف الصحراء وتلهف باسمها ينطقه:
_إزيك يا "عُـلا" عاملة إيه؟.
رفَّت بعينيها حيث موضع وقوفه وكأن نظراتها خاوية، عيناها فارغتان في هذه اللحظة خاصةً وهو يقف أمامها ويقول بضيقٍ كأن الغرفة ضيقة عليه ليتنفس:
_أنا ما صدقت نزلت إجازه علشان أعرف أوصلك، محتاجين نتكلم مع بعض أنا وأنتِ ونحدد شكل حياتنا علشان اللي حصل أكيد مايرضيش حد، ولا أنا راضي عنه، دا غير إن موضوع خطوبتك دا أكيد فيه حاجة غلط، مين جبرك توافقي؟.
توسعت عيناها أكثر وكانت أن تصرخ به، رُبما تضربه لأنه يقلب الدفة عليها ويعاتبها بل ويتهم الآخرين بقلب شؤون حياتها، وبدلًا من كل ذلك التزمت صمتًا مُخزيًا، لم تجد من الأبجديات ما يُغيثها حقًا، في نفس اللحظة تدخل المنقذ والحامي لها، حيث "آدم" الذي قال بتهكمٍ:
_مفيش حاجة بينكم تتقال تاني خلاص، أنتَ غلطت في حقها وسيبتها وهي حاليًا مش ليك، هي خلاص لقت نصيبها ورجعت مكانها اللي كان مستنيها، أي حاجة تانية مالهاش مكان في حياتها ولا ليها لازمة خلاص.
حديثه لم يُعجب "مـأمون" الذي التفت وناظره مباشرةً حين يقول مُدعيًا عليه ويتهمه بضراوة مقاتل:
_والحل إنك تجبرها تتجوز أخوك؟ ياترى بقى تصفية حسابات بينكم ولا مقابل إنك تورث منه؟ ولا إيه التمن اللي يخليك تجوز أختك لأخوك؟.
اتهامه حاد لرجلٍ بأرضهِ و"أدهـم" لازال يُفضل الصمت، يسكت عن الحديث والفعل ويتابع بهدوء أشد غرابة من تبجح "مأمـون" في أرضهم، لكن كلمات "آدم" كانت الماء الذي أطفأت النيران حيث قال بحدةٍ:
_ما يمكن علشان راجل وأرجل منك ومن عيلتك كلها أمنت أسلمه أختي، أنتَ جايب بجاحة الطبع دي منين؟ دا أبوك وعيلتك كلها باعوا البيت اللي هي ليها نصيب فيه ورموها في الشارع في أنصاص الليالي، جاي تتهمني إني بصفي حسابات بيها؟ دا أنتَ تحمد ربنا إني سايبك تتنفس عادي.
كانت هي في عالمٍ آخر، تفكر هل دروس الحياة لم تتوقف عند هذا الحد؟ كل يومٍ تتلقن درسًا قاسيًا وجلَّ ما تفعله فقط أن تكتم عبراتها جهد فعلها، باللحظة ذاتها قال "مأمـون" مستغلًا نقطة ضعفها الوحيدة:
_أنا جيت علشان عاوز أردلك حقك، ترجعي بيتك وترجعي لحضن "يـاقوت" تاني زي ما طول عمرك معاها، واللي تطلبيه هنفذه ومش هتكوني مجبرة على حاجة ولا حد يقدر يزعلك، قولتي إيه؟.
الآن هي وحدها من تملك حق الرد، وهذا ما أكده "عـرفه" بعينيه للشابيْن، هي وحدها من تملك حق تقرير المصير وحق وضع النهاية التي تُريدها، هي وحدها فقط من تُحق الاختيار، وللمرةِ الثانية تُناظر "أدهـم" فتجد في عينيه شيئًا مجهولًا، رُبما هي نظرة أملٍ، رُبما يرجوها بعينيه ألا تفعل ما يخشاه هو، رُبما وجدت في عينيه موطنًا يحتاج بشدة لتمسكها بحدوده الآمنة..
نظراته غريبة وغير مألوفة وتخشى أن تكون من محض الخيال فقط، رُبما هي أمنية من قلبها الوله وتنعكس في مرأىٰ عينيها، لذا أشاحت عينيها عنه وشخصت ببصرها تتذكر عناق جدتها، ومرضها، وحضنها، تتذكر كفها المُجعد حين يستقر بربتات خفية حنونة، تتذكر تناولها للطعام معها، وحينها عرف الدمع طريق عينيها وهي تنطق أخيرًا:
_القرار دلوقتي مش بأيدي، القرار قرار "أدهـم" وهو اللي يحقله يحدد اللي المفروض يحصل، إذا كان عليا نفسي أشوف "ياقوت" طبعًا، بس الكلمة أولًا وأخيرًا لخطيبي واخويا وهما بس اللي يشوفوا الأنسب ليا ويعملوه.
نطقت بهذه الكلمات وكأنها ترفع يديها عن الحلِ، لم تُورط نفسها في هذا الشأن بل تركت له هو وحده الفرصة، فإذا كان غير مجبورٍ عليها ويُريدها له بمحض إرادته فها هي تُعطيه فرصته على طبقٍ من ذهبٍ ليُثبت لها هذا، بينما هو فكان يُحدث نفسه وينعت غباء ذاته، حيث كان يقول "كُف عن التبسم أيها الغبي، هل وقت تبسمك اللعين هذا؟" وقتها عاد لرُشدهِ، انتبه لمقصد حديثها ونظرات أخيه الشامتة في الآخر، ووقتها قال بثباتٍ:
_طالما القرار قراري فخلاص أنا بالنيابة عنها بقول إنها مش لازمها حق ولا حاجة لأنها مش محتاجة حاجة من حد، وبالنسبة لجدتها أنا هخليها توصلها وتعيش معاها كمان، روح بقى لرجالة عيلتك وقولهم بنت عمي مع راجلها هناك واللي عاوز منها حاجة ييجي يكلمه هو.
هذه المرة ابتسمت هي، بسمة آمنة لأنها غدت آمنةً معه أخيرًا، لأولِ مرةٍ تستشعر أنها في أمانٍ تتسلح به أمام غدر العدو، كأن شمسها أشرقت أخيرًا وزالت عتمة دربها، وحين تواصلت نظراتها بنظرات "أدهـم" وهي تبتسم له بعينيها، وقتها بادلها البسمة بأختها مع ومضة من عينه اليُسرى كأنه يُثني عليها.
حاول "مأمـون" أن يبحث عن حلٍ كي يُعيدها، لن يتركها الأمور تنفلت هكذا بعدما أقسم للعائلة أنه سوف يردها لهم، لذا حين وجد الآخر ينوب عنها، توجه له بعينيه وقال بصلدةٍ:
_أظن يعني القرار قرارنا بما إننا رجالتها وعمامها لسه عايشين، مهما كنت أنتَ مجرد راجل غريب عنها.
في هذه اللحظة تحدث "آدم" وقال مستهزءًا بطريقةٍ أقرب للسخرية:
_طب يا سيدي أنا راجلها أهو وبقولك هو معاه حق، مش أنتوا أعمامها وعيلتها، أنا أخوها ومسؤول عنها وبقولك أختي مش هتخرج من هنا، وأنتَ تنساها وتقولهم ينسوها هما كمان، نورت.
طرده بغير حديثٍ أكثر، كانت الكلمة الأخيرة هي الناهية القاصمة التي وضعت ختام المشهد، خاصةً أن "عُـلا" وقفت ترفع رأسها وهي تُجابه الآخر بعينيها ونظراتها، وكأنها تقول له أن أتى للشخصية الجديدة، القديمة المهزومة السلبية تلك لن تنفعه بشيءٍ، اليوم هي لا تعرف عن نفسها القديمة أي شيءٍ غير فقط الاسم، وكل ما هو دون ذلك ألقته في اليَّمِ خلف ظهرها.
رحل "مأمـون" يجر أذيال خيبته بعدما وصل لها بصعوبةٍ، لقد أخبر أمه أنه سيعود بها للبيت ويتزوجها وتكون خادمة أمه كما وعدها، هو من الأساس لم يُكن لها أية مشاعر، هو فقط أرادها كي يؤمن حياة أمه وهو في غربته، ربما عليه إخبارهم بهزيمته ورُبما عليه بالصمتِ لأنه في كلتا الحالتين هو المُلام وحده..
____________________________________
<"لو كان الأمر بيدي ما كنت تركت القمر وحيدًا">
حين يُقرر المرء ألا يأخذ قرارًا سوف يرى بعينيه كل شيءٍ يضيع منه، حين يقف ويلتزم الصمت وهو يرى حقه يضيع حتى حقه في الحياة بنفسها وقتها لن يُحق له من بعد أن يُطالب باسترداد ما ليس له، هُم فقط قلة قليلة من المحظوظين في الحياة، الذين يملكون حق الرجوع من جديد، بعد أن يدركون خسارتهم..
لأول مرة منذ أزيد من عامين ينام بهذا العُمق، كأنه في عالمٍ ثانٍ، كانت هي تأويه في عناقها كما تأوي ابنها الصغير، حتى أنه في بعض الأحيان كان يحقد عليه لأنه يتمتع بما حُرِمَّ عليه، اعتدل "يُـسري" فوق الفراش على صوت هاتفه وقد مدَّ كفه بجواره يستبين تواجدها لكنه وجد الفراش فارغًا منها، فتح عينيه على مضضٍ وخطف الهاتف يلحظه بنصف عينٍ فوجد المتصل "أنـيس".
زفر بقوةٍ واعتدل يجاوب بصوتٍ مكتومٍ تحت وطأة النوم:
_ألو، خير يا عم "أنيس" حصل إيه؟.
_لا ماحصلش لسه، بس قولت أكلمك وأكد عليك إن لو حصل وحد شم خبر بس بمكان "يحيى" ولا عرفوا إنك روحت هناك أنا مش ههددك تاني، علشان أنا بعمل من غير ما أقول، كدا آخرك جيبته خلاص لما روحت وشوفته، تهدا بقى دلوقتي خالص علشان محدش يعرف مكانه وخصوصًا الواد اليهودي "مراد" أخوك.
لم يقدر على جداله أو مناقشته، هو في حالةٍ لا تمسح له بالكلامِ، لذا التزم بالصمت وجلَّ ما استطاع التفوه به كان قوله:
_حاضر، أي أوامر تانية؟.
_حاليًا لأ، بس خلي بالك وياريت ماتكلمهوش في البيت.
قلب عينيه بمللٍ وتثاءب وهو يودعه مُغلقًا لهاتفه، وقد رمى الهاتف بجوارهِ ومسح فوق وجهه بقوةٍ كي يُعيد لنفسه تركيزه وثباته، وعليه ترك الفراش ووقف ينتبه لنفسه فوجد نفسه يرتدى سروالًا قصيرًا باللون الأسود، سحب سترة قطنية بيضاء تناقض دُكنة بشرته السمراء، وارتداها فوقه وخرج من غُرفته حيث غُرفة ابنه التي تقع بنفس الرواق على بُعد عدة أمتار من غُرفته..
فتح باب الغُرفة وطلَّ بطوله الفارع ليرى زوجته تجلس مع الصغير كي فلمحه ابنه وركض عليه يناديه بدلالٍ وحماسٍ حتى التقطه "يُـسري" بذراعيه ولثمه بقوةٍ ثم تنهد وجلس بقربه وهو يقول بصوتٍ عَلُقَ به أثر النوم:
_بتذاكر لسه؟.
حرك الصغير رأسه موافقًا ثم فاض بحديثه يقول:
_لما عرفت إنك هنا من الصبح عاوز أدخلك بس ماما مش راضية، قالتلي إنك تعبان وعاوز ترتاح شوية، وعدتها أخلص كل اللي ورايا وهي تخليني أدخل أصحيك.
ابتسم له "يُـسري" بعينيه ثم لثَّم وجنته، بينما هي لاحظت ثيابه البيتية فوضعت عينيها على أشياء صغيرها تُرتب بعثرتها وهي تقول بدعاءٍ للامبالاةِ وكأنها تتجاهل ما حدث صبيحة اليوم:
_أنتَ مش نازل الشغل؟.
انتبه لصوتها ونبرتها فتنهد بقوةٍ ثم قال وهو يمسح فوق رأس ابنه:
_لأ، قاعد معاكم النهاردة أنتِ و "صُهيب".
فرح الصغير بذلك وهلل وهو يقفز من فوق ساقي والده الذي ناظره مبتسمًا وشرد في "رحـيق" التي لم تُهلل فرحًا هكذا منذ كثيرٍ، تذكر صمتها ووجوم ملامحها الدائم وحينها تنهد بقوةٍ فوجد ابنه يقترب منه بكتابٍ وهو يقول بلهفةٍ حماسية:
_ممكن تذاكرلي أنتَ؟ علشان خاطري.
لم يستطع رفض مطلب صغيره لذا مسح فوق رأسه وضمه له معلنًا معاونته له وحينها شعر كأن شهيته اتسعت فأجلس صغيره فوق ساقه ثم قال بمزاحٍ وكأن نبرته أمست مرحة:
_أنا جعان أوي، أنتوا ماعندكوش أكل هنا؟.
وجاء الرد منها قاطعًا:
_فيه أكيد، بس إحنا مش جعانين، شوف أنتَ لو عاوز تاكل.
كان يتمنى أن يتناول الطعام معهما بنفس الغرفة لكنها أحبطته، وبنفس سرعة الإحباط جاء الحل من ابنه الذي قال بلهفةٍ يُكذب أمه أمام والده:
_لا أنا جعان وماما كمان جعانة، أصلًا من شوية قولتلها عاوز آكل قالتلي استنى بابا يمكن يصحى وناكل مع بعض، هي كدا بتكدب؟.
لم يتمالك "يُـسري" نفسه من الضحكات حين أدلىٰ ابنه على أمه أمامه وظهر ذلك من خلال احتقان ملامحها وهي تتوعد لابنها بعينيها، وقد حمحم هو واستعاد ثباته ووجه عينيه نحوها وهو يقول:
_ماعرفش إيه الناس اللي غاوية كدب دي، يبقى عينهم في الحاجة ويحرموها على نفسهم حتى، ماتزعلش يا حبيبي خلاص هاكل أنا وأنتَ بس، مش مهم ماما تبقى تاكل وقت تاني.
ضحك "صُهيب" مُغيظًا أمه التي توعدته بعينيها أنها لن تُمررها له، وهو يتعلق بعناق أبيه الذي ضمه ومسح فوق رأسهِ بحنوٍ قلما يعامله به، حتى ابنه نفسه أدرك تلك اللحظة الفارقة فسأله متوسلًا القبول:
_ينفع يا بابا تبقى تيجي كل يوم تقعد معايا كدا؟.
تلونت ملامحه وتغضنت حين أدرك اتساع الفجوة التي أمست بينه وبين أفراد عائلته، حرك عينيه نحو "ولاء" التي حركت كتفيها بقلة حيلة فيما تنهد هو بثقلٍ وراح بفكرهِ للماضي، حيث كيف لعالمٍ واحدٍ ومدينة واحدة وبيتٍ واحدٍ أن يشهدون جميعًا على تناقض هذه اللحظات؟ كيف لقلبه أن يكون بمثل هذه القسوة؟ رفع كف ابنه يُلثمه ثم ضمه من جديد وقال:
_طبعًا ينفع، كل يوم هتلاقيني عندك هنا.
في هذه اللحظة قاطعه صوت طرقات الباب ثم ولجت أمه تبتسم بملامح بشوشة وهادئة، انتبهت لهم سويًا فضحكت باتساعٍ ثم قالت تعبر عن فرحتها:
_ماكنتش أعرف إنكم مع بعض، كنت فاكرة "ولاء" لوحدها عن إذنكم هانزل أقعد في الجنينة.
أوقفها "يُـسري" حين انتفض بابنه واقترب منها يقول بلهفةٍ:
_لأ أنتِ وحشتيني تعالي أقعدي معانا، بعدين حتى لو قاعدين مع بعض فيها إيه يعني؟ ما تقعدي معانا هنا، إيه رأيك ناكل هنا كلنا مع بعض؟ أنا جعان أوي.
حركت رأسها توميء له موافقةً وقد تحرك هو وطلب من مدبرة البيت أن تُحضر لهم الطعام معًا، ثم صعد للأعلى من جديد يُغلق الباب وحمل ابنه فوق ساقه حتى جاء الطعام وبدأ يُطعمه بنفسه، وأمه تبتسم له بعينين لمع وميض النجوم فيهما، كأنها ترى عودة التائه بعينيها وقلبها، وبنظرة واحدة في عيني "ولاء" التي خجلت منها وذهبت ببصرها بعيدًا، فأدركت أن الأمور بدأت تعود لوضعها الطبيعي..
لكن رغم ذلك كانت الفرحة منقوصة، حيث الصغير التائه الذي لم يَعُد حتى الآن من ضلاله، لقد ظل هناك بعيدًا في الجهة الأخرى ولم يعِ أنه بذلك يُحارب عائلته بذاتها، شغلها قلبها عليه وظلت تدعو ربها أن يطمئن عليه كما عاد الكبير وضم عائلته في كنفهِ.
وفي الأسفل حيث غرفة مكتب "حسين" كان يجلس يقرأ كتابًا يَملأ به فراغه، تلك الهوة الساحقة التي تبتلعه يُجاهد كل يومٍ كي يخرج منها، حرك عينيه نحو صورة ابنته المؤطرة داخل إطارٍ أسود وابتسم بحنينٍ لها، وقد تذكر لقاءً لهما في أيام مرضها حين سألها بحزنٍ على صحتها وحالتها:
_طمنيني عليكِ يا قلب بابا، أنتِ كويسة؟.
وقتها ابتسمت بوهنٍ وحركت رأسها موافقةً ولم تُخفَ عليه العبرات الحبيسة في حصار الأهداب فوق المُقلِ، مد يده يُمسد فوق رأسها وسألها يُزيد من اطمئنانه:
_طمنيني عرفتي "يحيى" باللي حصل؟.
حينها دارت بعينيها حيث زوجها الذي يحمل "صُهيب" فوق كتفيه ويمسك ابنتها بكفيه ويدور بهما وضحكته الرنانة تصدح عاليًا، ظلت هناك بعينيها وقلبها وروحها تراقبه عن كثبٍ وبكل شغفٍ كأنها قاريءٌ يهوى النظر للمكتبات، ظلت تتابعه حتى زادت حرارة وجهها وقال لها أبوها مستفسرًا:
_عرفتيه ولا لسه يا "مـودة"؟.
_عرفته.
نطقتها قاطعة وحاسمة لا تقبل النقاش أو الجدال، حتى أن عيني عمه استقرا هُناك حيث مكانه وتعجب من ضحكته وسعادته، عقد حاجبيه وعاد يسألها مستنكرًا فعله وضحكته:
_عرفتيه وهو عادي كدا؟.
_لأ طبعًا، هو قالي إنه معايا مش هيسيبني ومستحيل يتخلى عني وهيفضل معايا لحد ما أكون كويسة، وطلبت منه يهتم بـ "رحيق" هو علشان ماتحسش بفرق في حاجة، المرحلة الجاية العلاج هيكون صعب أوي عاوزاك تخلي بالك منهم، المفروض أبدأ خلال أسبوعين العلاج وأنا خايفة أوي، مش هستحمله بس متطمنة إنكم معايا.
وقتها ضمها لعناقهِ ماسحًا فوق رأسها وظهر ذلك في ارتعاد جسدها ورعشته وهو يرجف خوفًا من داخل قلبه، وقد استقرت هي بعناقهِ تمسكه بقوةٍ ولم يفهم هو حينئذٍ ما يدور بخُلدها لكنه كان يُبصر بعينيه خوفًا يستقر فيها فيُظلم روحها ويقتلها بالبطيء.
خرج من فوهة شروده على فتح بابه وظهور "مُـراد" واعيًا قبل أن يسقط في السُكر مخمورًا، ثبت عينيه الثاقبتين عليه وراقبه حتى قال الآخر بثباتٍ وهو يُجيد الهرب من صيادِّه حيث أعين والده:
_أنا خلصت ملف الوارد كله اللي كنت محتاجه مني وهتلاقي نسخة فيها مراجعة كل حاجة معاك في الورق دا، وكل حاجة كنت عاوزها خلصت خلاص، أنا ماشي عندي مشوار مهم.
تقدم يضع الورق على مكتب أبيه ثم التفت كي يُغادر لكن حديث والده أوقفه بحدةٍ حين جهر بصوته:
_رايح فين؟ مشوار إيه اللي مهم دلوقتي؟ رايح تسكر صح؟.
عاد يلتفت بعينيه وضم كفيه يضعهما فوق بعضهما فقال والده بسخريةٍ:
_خلاص بقى دا يومك؟ الصبح شغل وبليل سُكِر؟ يعني مفيش حاجة تانية عدلة تعملها؟ فين هواياتك؟ فين عقلك؟ فين ابني اللي كنت بتشرف بيه؟ حتى لو الوضع مش عاجبك وحصلك صدمة بس ماتبقاش طري لدرجة إن حاجة زي دي تكسرك كدا، لازم تكون صاحب قرار قوي.
وقتها ابتسم ساخرًا، اتسعت سُخريته لتصل لعينيه أيضًا ورد على والده بحنقٍ وهو يقول:
_من عيني حاضر، المفروض أعمل إيه؟ أعمل فقرة ساحر؟ ولا أدوس على زرار جوايا وأقوله خليني تاني كويس فأكون كويس؟ أنا مش فاهم أنتوا عاوزين إيه مني، مش شغلك ماشي مظبوط؟ كل حاجة عاوزينها مش موجودة؟ خلاص سيبني أنا بقى أعمل اللي أنا عاوزه، لو مش عاجبكم أمشي خالص وأسيبهالكم.
رمقه "حسين" بضجرٍ من نظراته، لا يعرف أي شيءٍ من حوله صوابٌ وأيهما خطأٌ، لقد ضاعت منه ابنته ولم تكن وحدها، بل ضاع معها توأمها أيضًا وفرغت الحياة عليه، رأى انسحاب "مراد" من أمامه والتزم الصمت لأنه يعلم أن الآخر إذا ضاق به الحال ذرعًا سوف يوليهم دُبرًا ويرحل بغير رجوعٍ، وإذا كان الأمر بيده فهو يختار أهون الشرين عليه..
لطالما كان الشر فرض عين على المرء..
فالمرء بيده أن يختار أهون الشرين على نفسه وذويه..
وإذا سألوك في تيهك وضياعك إلى أين؟
قُل لهم أنك اخترت من بين الدروب أهون الشرين
____________________________________
<"يا حنِّية زماني في عالم مليء بالقسوة">
بعض النكبات لا تُعالج بغير ربحٍ..
خاصةً نكبات الأحبةِ حين تكون هزيمتهم لنا ساحقة، حين تكون الهزيمة منهم أشر الهزائم فنشعر بالخزي أمام كل أنفسنا حتى قبل الغُرباء، هذه النكبات رغم إتيانها فجأةً لكن أثرها باقٍ لا يزول، فتبدو كظلامٍ لا يطرده إلا نورٌ،
وأثر النكبات لا يُمحيها إلا نصرٌ.
رحل "مأمـون" من البيتِ بعد أن فهم أنها لم تعد تخصهم، لم يعد شأنها هو شأنهم جميعًا في العائلةِ، أصبحت في حماية عائلتها الجديدة، فقد رأى بأم عينيه دفاعهم المُستميت عنها ورأى بعينيه وهي تولي غيرها كي ينوب عنها في أخذ القرار لصالحها، لذا أي بقاءٍ قد يكون مُهاترات فارغة، مجرد خبالٍ فقط يُضيع من وقته وكرامته، وكرامة رجال عائلته أيضًا..
وبعد وقتٍ مضى في صمتٍ قاتمٍ، مشحونٌ باللون القاتم رحل "أدهـم" بخطيبته بعد أن وافق أخوها وتركها تذهب معه، وفي نفس المكان جلس هو يمسك هاتفه فاتت "ورد" تسأله بمزاحٍ كأنما تقصد مشاكسته:
_يعني خليتها تروح معاه أهو وهما لسه مخطوبين، اشمعنا أنا كنت بترفض؟ معناه إيه دا بقى؟ بتفرق وبذمتين؟.
رفع عينيه من عند الهاتف وثبت نظره عليها فلمح "منتصر" يقترب كي يجلس بقربها، وقتها شملهما بنظرةٍ واحدة وقال:
_علشان واثق في "أدهـم" بس مش واثق في الواد اللي جنبك دا، بعدين "عُـلا" محتاجة تقرب منه أكتر ويفهموا بعض، لكن دا كان جاي واقع على وشه ومكفي في حُبك، يعني أي فرصة كان ممكن ينتهزها، صح يا أخينا؟.
_شوف الإنسان سُمعة برضه.
رد بها "منتصر" ضاحكًا فأكمل الآخر بدلًا منه:
_قذرة، الإنسان سُمعة قذرة.
رمقا بعضهما بعضًا بغيظٍ فضحكت "ورد" عليهما حتى أتت أمها من الداخل ووضعت حقيبة سوداء بها عُلب طعام فوق الطاولة وهي تبتسم لهم جميعًا وبالأخص لـ "آدم" الذي أشار نحو الحقيبة وقال بهدوءٍ:
_الشنطة دي تديها لعم "مُرسي" وتسلملي عليه وقوله "آدم" بيقولك بألف هنا وشفا على قلبك، وخليه يقولي رأيه.
كان يعرف أن الرجل الكبير يُحب طعامه، يحبه كما يُحب أخته، وللحق هو يحبه لأنه دومًا يقف بصف أخته ويُنصرها على ذويه بأكملهم، ضحكت "ورد" وأخذت الحقيبة تُعطيها لزوجها الذي أخذها مبتسمًا وهو يشكرهم، فقال "آدم" بتهكمٍ ساخرٍ:
_بلاش أمك تاكل منهم، أنا باعتهم للراجل الطيب بس.
انتبه له الآخر وكشر عن أنيابه فابتسم له الآخر بسمة باردة مستفزة جعلت حرب النيران تنشب فيما بينهما ولم يُطفيء لهيبها غير وجود "عـرفه" الذي أتى وجلس بقربهم بعد أن أطمئن هاتفيًا على "أنيس" وطمئن قلبه على ابن شقيقته وابنته حيث القلق الذي أكله.
في منطقة الزمالك عند "ممشى أهل مصر"..
وأمام النيل جلس "أدهـم" بجوارها، تركها لصمتها تأخذ فرصتها كاملةً في الهرب من الحديث والكلام والخُذلان وكل ما يتم وضعها فيه، كانت تتابع النيل بصمتٍ ثقيلٍ، تشرد بعينيها هناك حيث نقطة بعيدة عنه لا يعلمها هو، تذهب بغيره لنقطةٍ لا يعلمها، رُبما هي هناك عند عناق أمها في الماضي، رُبما هي حيث عناق جدتها ومأواها، وقد تكون هُناك حيث حياةٍ لم تسِر يومًا كما تمنَّت قط.
تركها وحدها ثم تنهد وقال يُضفي مزاحًا على الجو الذي يتسم بالبرودةِ والصمت:
_جيبتك عند النيل أهو، عارفكم يا بتوع اسكندرية تموتوا في المياه قد عينكم، علشان بس ماتتريقوش علينا وتقولوا إننا ماعندناش بحر زيكم، إحنا مياه عذبة.
حركت عينيها نحوه وقد أضافت الأضواء الذهبية وهجًا على مُقتلتيها فاتضحت العبرات الحبيسة، أغصبت شفتيها على بسمةٍ لكنها لم تأتِ بالغصب، فراحت البسمة عن وجهها وعينيها، ظلَّ يراقبها ثم تنهد واعتدل بنصف جلسةٍ وقال بحنوٍ تُجزم أنها تُعامل به لمرتها الأولى في الحياة:
_ما تتكلمي معايا وتقوليلي مالك، خلينا نعرف بعض وندي بعض فرصة علشان مانفضلش كدا في مسافة بينا، أنا مابحبش السكوت كأني أطرش في الزفة، أنا صممت ننزل علشان نتكلم، وأنتِ بالذات تتكلمي.
سَحبت نفسًّا عميقًّا تزفُرهُ علىٰ مهلٍ ثم قالت بهدوءٍ:
_مستغربة، مستغربة بجاحتهم بصراحة، إزاي قادرين يكونوا كدا؟ يعني طول عمري بخدمهم وشايلة معاهم وعمري ما بخلت على حد فيهم بحاجة، فلوس، صحة، أكل، خدمة وكنت بقول أهو على الأقل مستورة وسطهم، بس إزاي هما وأنا وسطهم كانوا عاوزين يَعرّوني؟ يعني رموني وباعوا البيت ومشيوا كأني مش في حياتهم، وأدوني ضهرهم وقولت عادي يمكن دي بداية جديدة ليا وربنا يعوضني خير، خلوني مخطوبة لعيل من العيلة علشان أبقى خدامة عندهم ورضيت وقولت وماله، ماهو أنا ماليش غيرهم وهما أحق بيا من الغريب، لكن ليه؟ ليه كل حاجة تقيلة كدا وصعبة بسببهم؟.
فهم سبب تَخبُطها وحُزنها وثُقل روحها، فهي منذ أن أتت لهذه المدينة وهي تشعر كأنها غريبة وسط الكلِ، المجموع لبعضهم وهي وحدها كأنها طفرة غريبة، لذا رسم الثبات فوق ملامحه وقال باعتيادية فائقة في الكلامِ:
_أديكِ قولتي يمكن بداية جديدة وعوض ربنا ليكِ يا "عُـلا" ولأخوكِ اللي عاش مستنيكِ ترجعي، يمكن كدا أحسن علشانك أنتِ، ماتزعليش مني ومش بقلل منك بس أنتِ كنتِ شغالة في مستشفى وطلعان عينك وكلنا عارفين شغل المستشفيات صعب إزاي، والناس عينهم تتدب فيها رصاصة، دلوقتي "آدم" عنده استعداد يديكِ عمره كله، ومستعد يديكِ اللي تتمنيه بس تكوني بخير، أنتِ فيه حاجة مضايقاكِ معانا هنا؟.
سألها بكل مروءة طباعٍ وشهامة أصلٍ، سألها وأمل في الجواب، ثم أضاف متابعًا ما خشىٰ أن يتحدث عنه أو تُجابهه هي به:
_مضايقك موضوع إننا هنتجوز دا؟ لو دا مخليكِ متضايقة كلميني علشان أكون عارف وألحق أشوف حل، لأني كراجل مش هقبلها على نفسي إن أجبر واحدة عليا لمجرد إن ظروفها معاندة شوية، فيه مليون حل غير حل إنك تحسي نفسك مجرد بديل مؤقت.
لأول مرةٍ تتلاقى الأعين مع بعضها بهذه النظرة الصريحة، بعينيها قصدت السبيل لعينيه تستقر هنا حيثُ المسكن الجديد الذي تجده في نظراته، وجدت نظراته رغم انفعالها صافية، ورغم تحفزه كان حنونًا، ورُغم صراع أفكاره لكنه بدا لها هادئًا، وحينها سألته هي تلك المرة:
_أنتَ عاوز إيه يا "أدهـم"؟.
_سيبك مني أنا، خلينا فيكِ أنتِ يا "عُـلا" واللي عاوزاه.
لأول مرةٍ منذ أبدٍ تُعرض عليها اختيارات، هي اعتادت على الإجبار في كل شيءٍ، حتى أن لحظة عرض الاختيارات بدت لها دافئة، أن يكون المرء مُنعمًا بفرصة الاختيارات هي نعمة كُبرىٰ لم تُدركها غير الآن؛ وقد ابتسمت له بسخريةٍ وهي تقول:
_تعرف لو كان القاضي سألني وأنا صغيرة أنا عاوزة إيه كنت يمكن أجاوب، لو كانوا سألوني إيه اللي عاوزاه يمكن كنت أمسك في حضن ماما وحضن بابا "توفيق" الله يرحمه، وقتها أكيد حياتي كانت هتكون أحسن مليون مرة من القرف دا، بس اللي حصل كان غير كدا، قاضي صدر الحكم وعيلة اتشدت من حضن أمها، واتحرمت من أبسط حقوقي زيي زي أي عيلة، أنا والله يا "أدهـم" مباقيتش عارفة أنا عاوزة إيه خلاص، وبيتهيألي دا أصعب إحساس في الدنيا، إنك تكون تايه حتى عن الحاجة اللي عارفها.
حديثها بدا له عميقًّا لكنه أصاب جُرحًا بداخل قلبه، أصابه حيث مقتلٍ في الشعور باللاشيء سابقًا، والآن أصبح مُطلعًا على كل شعورٍ تشعر هي به، لذا عاد معتدلًا على مقعده وقال بثباتٍ صبغه بحقيقة مشاعره:
_خلاص اعتبريني قاضي وبسألك قبل الحكم عليكِ، عاوزة إيه؟ حتى لو البراءة السجن أنا ماعنديش مانع أديكِ براءتك مني.
وفي الحقيقة هو يُسايس معها، وهي تتعجب من نهج السياسة كأنها اعتادت على طريقة الاستوطان، تعجبت من التفاوض ومن رجاحة عقله في النقاش فابتسمت له بعينيها أولًا، لم تُكذب حدسها بشأنه وشأن شخصية "توفيق" التي تتجلىٰ في طباعهِ، لذا قالت بما هو مُغاير لكل كلماته:
_تعرف إنك شبه شخصية بابا "توفيق" الله يرحمه؟.
رفع حاجبيه ذاهلًا من ردها الذي لم يَمُت حديثهما قط، وطافت الأعين في نظراتٍ حائرة من كليهما من ثَّم عاد لها بعينيه يقول:
_زرعته كانت زرعة خير فيا وفي "آدم"، تعرفي إن الناس كلها بتستغرب لما يعرفوا إننا مش أخوات شُققا أنا وهو؟ من كُتر ما هو ربانا مع بعض إننا واحد مفيش فرق بينا، نسينا إن كل واحد فينا من أم، طب أقولك حاجة؟ واضح إن أمك كانت بتموت فيه.
عقدت هي حاجبيها تسأله بعينيها عن مقصد الحديث فضحك هو مُرغمًا كأنه يُجاهد كي لا تظهر الضحكة هذه أمامها، لكنه فشل خاصةً وهو يقول ضحوك الوجه والملامح:
_أصل الواد "آدم" نسخة من أبويا، وهما بيقولوا إن الست لو بتحب جوزها بتجيب عيل نسخة منه، أمك شكلها كانت واقعة.
في الحقيقة زاحمت الضحكة ملامحها، وضحكت بصوتٍ عالٍ جذَّب أنظاره حتى شاركها الضحكات هو الآخر، ضحكا سويًا مع بعضهما تلك المرة، كان وجهه بشوشًا بشكلٍ غريبٍ، حتى أن خُيَّل لها في هذه اللحظة أنه قد يكون أنيسًا جيدًا للأيام..
اختفت بسمتها حين أدركت إلى أين وصل فكرها، كأنها تغرق في يَّمٍ تخشاه هي وتخشى إنقلاب طوفانه، وفي هذه اللحظة ألقى جملته المعتادة حين وجدها تخفي أثر بسمتها:
_خبيلك ضحكة للعيد.
وقتها حركت رأسها بحدةٍ وبرقت بعينيها ثم سألته بضجرٍ منه ومن جُملته هذه التي أضحت رفيقة أي لقاءٍ لهما سويًا:
_بجد بتعصبني والله الجملة دي، بقولك إيه أنا مش هقرر حياتي معاك غير لما تقولي حكاية الجملة دي إيه، يا أنا يا هي.
تمالك من نفسه مُستعيدًا ثباته وشموخه حيث بدأ يشرح لها باستفاضةٍ أقرب للسُخريةِ والمزاح:
_كان فيه راجل متجوز واحدة بومة منكدة عليه حياته وعيشته، عمرها ما ضحكتله حتى في العيد نفسه كانت بتفضل مكشرة في وشه وتجر شكله وتتخانق، المهم إنه كان كاره حياته وعيشته معاها، حاسس إنه مخنوق علشان عمرها ما ضحكت وطبعها صعب أوي، بس هو كان بيحبها ودايمًا شايف إنها مختلفة عن كل اللي حواليها حتى وهي مكشرة كدا، ومرة في ساعة صفا وهما قاعدين مع بعض قال حاجة وضحكتها جامد أوي، وقتها كان مستغرب إنها بتضحك وضحكتها حلوة أوي كدا، فوقتها قالها جملة خبيلك ضحكة للعيد.
كانت تستمع لكلماته باهتمامٍ واضحٍ، تنصت له بكل شغفٍ وحين توقف سألته باهتمامٍ أكبر كأنها طفلة وتتلقى حكاية عند أهم نقطة فيها:
_طب وليه قالها كدا؟.
انبسطت ملامحه أكثر ورد عليها بصدقٍ تتوارى خلفه عاطفة كلماته:
_علشان ضحكتها حلوة والعيد يبقى عيدين.
لم تتوقع جوابًا هكذا قط، فاجئها حين قال رده عليها حتى ابتسمت هي لكن تلك المرة بخجلٍ، تلاشى الغموض عن الجملة التي استحوذت على عقلها وكيانها، ووقتها أحست تجاهه بألفةٍ كُبرىٰ، تألف تواجده، حديثه، كلماته، نبرة صوته، ياليته لو يُزيد من تواجده حتى تعتاد عليه بشكلٍ أكبر، يبدو لها كأنه صديق طفولتها وأمان أيامها، شيءٌ ما يرتبط به حيث مكمن الحياة البعيدة التي لم تُحظَ هي بها.
بعد الصمت الذي أطبق عليهما تنهد بصوتٍ مسموعٍ فجذَّب أنظارها له وسألها بعينيه وحينها قالت هي بعدما تداركت الموقف وصمتها وهي وعدته بالقرار بعد جوابه؛ فقالت بثباتٍ واهٍ:
_النهاردة لما خليتك تقرر أنتَ مكاني كنت عاوزة منك حل علشان حسيت إني تايهة فيا، حسيت إني ماينفعش أهمشك، هتصدقني لو قولتلك إني كل ما أفكر أهرب منك ألاقي نفسي برجعلك تاني؟ يمكن مش مجبورة عليك، بس نصيبي مربوط بيك، كل اللي محتاجاه منك تديني فرصتي أتقبل وجودك، أتعود عليك وعلى حياتي اللي اتغيرت فجأة، وصدقني أنا من نفسي هاجي أقولك إني مأمنة ليك ومسلماك نفسي.
ابتسم لها بحنوٍ حين أدرك مقصدها ثم زفر بقوةٍ بعدها وقد فهم أنها قد تكون قلقة بشأن الزواج واقترانها به كرجلٍ غريبٍ عنها، رُبما هي تحتاج لوقتٍ كافٍ قبل أن تُخضع نفسها وجسدها وروحها لسُلطة رجلٍ لا تعرفه، وهو في هذه النقطة لا يعرف ما يتوجب عليه أن يفعل، لذا التزم بالصمتِ، حرك عينيه نحو النيل وتذكر حديث والده حين قال قبل أن يرحل..
"السياسة لا تنفع مع النسوةِ، احتلهُن بشهامتك ومواقف مروءتك؛ ثم تفاوض بعدها معهُن فيما ترغب أنتَ".
في نفس اللحظة جاء نُذر الخير، حيث نزلت قطرات الغيث من السماء تِباعًا، بدأت الأمطار تهطل وتنزل فجأةً ويظهر عبق الغُبار والرمال بالمياه، رائحة المطر بدأت تتوغل في الأنفِ، ثم دوامات صغيرة تشكلت في المياه نتيجة سقوط قطرات المياه، رفعت رأسها بلهفةٍ وهي تضحك بسعادةٍ، وهو يضيق حاجبيه ويحرك رأسه متفاديًا قطرات المطر، وقد لمح الناس يركضون من الممشى، فهَّب منتفضًا وقال لها:
_قومي كدا هتغرقي، معاكِ جاكيت؟.
حركت رأسها نفيًا بإحراجٍ وبدأت تُدلك ذراعيها برجفةٍ حين صدح صوت البرق العالي، دبَّ الذُعر فيها وهي ترى الجو تبدل في طرفة عينٍ، ورُغم ذلك لم ترغب في التحرك، هي تعشق لحظات هطول الأمطار، وحين ألح عليها ورفضت زفر بحنقٍ،
والغريب أنه تركها ومشىٰ، لمحته يتركها وحدها ويغيب عن مرمى بصرها فزاد خوفها أكثر، رُبما يكون هناك أمر طاريء جعله يرحل، لكن كيف يُغادرها هكذا؟ احتارت وهي ترى الناس يركضون ويحموّن صغارهم وهي وحدها بين الكلِ تود مشاركتهم جمال لحظةٍ كهذه..
لمعت العبرات في عينيها حين طال غيابه ولا تعرف أي شيءٍ حولها، كأن والدها تركها في مهرجان الألوان والجميع يلطخهم الأثر، لكن رُغم ذلك كانت تشعر بأمانٍ غريبٍ، هناك ثقة فيه لا تعلم مصدرها، لكنه أكدها حين مدَّ يده لها بالسترة الخاصة به التي كانت بسيارته، انتبهت له وقد أغرقها المطر وأغرقه كذلك، لكنه رفع صوته وقال يعاند صوت البرق وهطول الغيث:
_ألبسي دا علشان ماتتعبيش، هدومك غرقت.
ناظرته بحيرةٍ وذهولٍ من موقفه، لكنه جلس بقربها ومد يده لها أكثر فالتقطت السُترة السوداء، حيث كانت معروفة باللغة الدارجة "جاكيت بامب" ارتدته فغمرها الدفء ورفعت القبعة تُغطي رأسها، فيما ضحك هو ساخرًا وظل بمكانه يراقبها وهي تُبلل راحتيها وتُدلكهما ببعضهما وتنفلت فوق الشفاه ضحكة بشوشة، ظل يُمعن نظراته ويراقبها وهو يقسم أن الزمن الذي مر عليهما لم يُغير فيها شيئًا، هي كما هي تعشق المطر وتخشى تركه قبل أن يرحل هو..
وقد ظل هو صامتٌ لكن في خُلده كان يقول لنفسه
"يا حظ المطر بِحُبك وشغفك".
____________________________________
<"ارحل من مكانك، فلن تُشفى بمكانٍ يؤذيك">
ذاك المكان الذي يؤلمك في كل مرةٍ لن تُربت يداه على قلبك..
لن تبرأ جراحك منه لطالما هي بمكانٍ يؤذيها، لذا غادر ولا تلتفت، لا تهتم، لا تكترث، فقط انصت لذاك المُتألم فيك فهو أحق الناس باهتمامك..
بعد مرور يومين…
لازال الطقس مضطربًا، الأمطار تملأ كل مكانٍ وتعطلت حركة المجتمع بالكليةِ، الجميع في حالة اضطرابٍ بسبب سوء الأحوال الجوية، حيث عواصف شديدة تضرب النهار، وأمطار غزيرة تقطع سكون الليل، والوحل والرثّ يفترشون فوق الأسفلتِ، وقد نزل "يحيى" من بيته وتوجه لعمله بسبب حالة خاصة بالعمل..
كان يتابع مع العُمال ثم عاد وجلس بموضعه يراقبهم بعينيه، ثم أخرج هاتفه وفتحه على كاميرا المراقبة الخاصة ببيته يتابع ابنته النائمة، رقَّ قلبه لأجلها وهو يراها غافيةً هكذا وحدها بسكونٍ فوق الأريكة وقد دثرها بالغطاءِ حتى يعود لها بعد ساعتين أو أقل وتمنى ألا يزيد..
أتى الرفيق الذي انتظره وما إن لمحه وقف يصافحه وهو يبتسم، وقد جلس أمامه وقال بهدوءٍ يباشره بسؤاله:
_استغربت إنك كلمتني تاني، أؤمر يا "يحيى".
تنهد الآخر وطرق المكتب ببنانِ أنامله ثم قال بهدوءٍ:
_عاوزك تظبطلي سفري أنا و"رحيق" تاني، شوف الورق اللي يلزمك والمصاريف تقريبًا تكلف كام وعرفني أعمل حسابي، بس ياريت في أسرع وقت، يعني بالكتير أوي شهر وأكون خرجت، أنا كلمتك يا "محمد" علشان عارف إنك نفسك تساعدني وأنا سبق ورفضت، هتقدر تساعدني؟.
سأله بنبرةٍ مرتابة كأنه هو الذي يقنع نفسه، وقد قال الآخر بصوتٍ مبتهجٍ:
_أنتَ عارفني مقدرش أقولك لأ، عيني ليك طبعًا، وصدقني أنا بتمنى ترجع تاني زي ما أنا عارفك، عمومًا أنا مسافر آخر الأسبوع، هاشوفلك الدنيا وأظبط وأقولك، وياريت تيجي ونكمل شغلنا هناك، إحنا كنا مع بعض هناك عاملين أحلى شغل.
_محدش عارف نصيبه فين، الحمدلله على كل حال، بس أهم حاجة محدش يعرف حاجة عني، في السر تخلص كل حاجة علشان أسافر فجأة وبعدها أبقى أقولهم، طالما كدا كدا محبوس، يبقى على الأقل اتحبس في سجن أنا راضي بيه.
كان الشاب رفيقه منذ عمله السابق في مدينة الغردقة، وقد جمعت عائتليهما معرفة سابقة في نفس المدينة، لكن كلا الشابين طمحا في الاستقرار بعيدًا عن عوائلهما، والآن يجمعهما من جديد الطموح ذاته.
في هذه اللحظة كانت "تقوى" عند أعتاب المعرض وسمعت الحديث، اعتصرت قبضة قوية قلبها وهي تعرف بخبر رحيله من الجمهورية بأكملها، لا تعلم أي ذنبٍ اقترفت كي تُعاقب بحبٍ من طرفٍ واحدٍ وياليت الطرف الآخر يهتم بها، هو حتى لا يعرف أي شيءٍ عنها، والآن الحبيب قرر يُغادر الموطن، سوف يأخذ سُفنه ويرحل عنها وعن سواحلها وكأنها ما كانت يومًا مرسىٰ لسُفنه..
رحل رفيقه بعدما ودعه فيما وقفت هي تتابعه كأنها تحفظ تفاصيله قبل أن يرحل، وحين تلاقت الأعين ببعضها، وجد في عينيها اتهامًا يكرهه هو، تُطالعه كأنه أذنب في حقه وهذا ما يكرهه هو، لذا رحب بها وترك مكانه وهو يقول بثباتٍ:
_اتفضلي يا آنسة "تقوى" أقعدي.
رمقته هي بنظرة تائهة وكأنها تغرق فيه هو، تغرق وترفض النجاة من بحرهِ، وقد فهم هو سبب النظرة فتنهد بقوةٍ ثم قال بصوتٍ مضطربٍ كأنه يخشى الحديث:
_أنا خلال شهر إن شاء الله هاكون سافرت، هسيب الشغل وكل حاجة هنا ليكِ وهسلم الحج كل حاجة المعرض دا، تقدروا تجيبوا حد ألحق أسلمه المكان علشان يلحق يعرف تفاصيله.
بنفس النظرة رمقته أيضًا، كأنها ترفض حديثه وقد نطقت أخيرًا بكلماتٍ رافضة لمبدأ سفره:
_وليه؟ ما تخليك هنا على الأقل خدت على المكان وقادر تظبط أمورك خلاص، على الأقل عرفت المرار اللي أنتَ فيه، ليه تروح لمرار تاني غريب عليك؟ وليه تتغرب وتغرب بنتك؟ هو براحتك طبعًا، بس صدقني الهروب مش حل لحاجة، المفروض نعالج الجرح مش نهرب من وجعه، مقتنع بفكرة سفرك؟.
كان يعلم أنها أعمق من سطحية أفكاره، هي دومًا النقيض له، لذا جلس بقلة حيلة وقال مُرغمًا على التحدث:
_حتى لو مش مقتنع يعني المفروض أعمل إيه؟ أحكم على بنتي بالسجن معايا أكتر من كدا؟ تفتكري يعني مسجون زيي هيقدر يتحرك؟ مش عاوز أخليها تعيش صراعات أكبر من عمرها وسنها، كفاية اللي شافته ولحد دلوقتي مأثر عليها، يادوب ألحق أخرج بيها من الوحل دا، صدقيني عاوز أخرج وأخرجها من الحبسة دي، عاوزها تعيش حياة تانية من غير خوف وقلق، هنا صعب أتحرك خطوة بيها، حتى العلاج هي رافضاه، صدقيني الضعف بذاته إني أرضى بالذُل دا ليا وليها.
أشفقت عليه وعليها، كادت أن تعرض عليه فكرة معاونتها له لكنها تراجعت، خشيت أن تفرض نفسها عليه أكثر من ذلك، خشيت أن يأخذ كلامها بمحملٍ آخر غير الصدق، ورُبما يُسيء ظنه فيها، لذا نظرت له بأسفٍ، نظرة يائسة كأنها تُتابع ضياع أحلامها من يديها، زاد الألم فيها وزادت فكرها فيه تحيُرًا لكنها قالت أخيرًا:
_ربنا يوفقك ويكرمك يا أستاذ "يحيى" ويكتبلك اللي فيه الخير أنتَ و"رحيق" وتشوفها زي الأول وأحسن كمان، ولو الخطوة دي فيها خير ليكِ ربنا يسهلهالك ولو بعد الشر فيها أذىٰ ربنا يبعده عنك، وبرضه المكان مكانك.
حرك رأسه موافقًا وأجبر شفتيه على بسمةٍ منقوصة، بسمة اقتنصها عنوةً عن جموده وصلابة مشاعره وحدته ووحدته، أنسحب من أمامها وهو يتمنى لها رجلًا أفضل منه، يتمنى لها أن تلتقي بفارس أحلامها حتى لو لم يملك جوادًا، لكن يكفيه أن يملك قلبًا صادقًا يُحبها بكل طاقته، رجل كامل الحياة والقلب، وليس مثله تحتله الذكريات والمآسي..
هرول من المكان مسرعًا حيث ابنته وما إن ولج خلع سترته ثم شمر ساعديه وجلس بجوارها وضم جسدها الدافيء يغمر به جسده البارد، ضمها بقوةٍ وصوتها البعيد يتردد في سمعهِ، حيث صوتها في الماضي حين كانت في عناقه مرةً تُمسد لحيته ثم مازحته بقولها:
_دقنك حلوة أوي يا "يحيى" أحلى من بتاعة جدو "حسين".
حينئذٍ ابتسم بحنينٍ لها ثم ضمها لعناقهِ يغلق عليها بأمانِ ذراعيه، ووقتها أتت "مـودة" وجلست بقربهما وهي تقول:
_بت متعاكسيش في جوزي، خدتي مني أبويا كفاية عليكِ.
حينها طوقت "رحيق" عنقه وظلت تضحك وهي تتشبث به فالأخرى عاندت معها وهي تعانق زوجها الذي ضم الاثنتين وزرعهما في عناقه كما النبتة التي لا تُبرح أرضها، لكنها رحلت وتركت خلفها أرضًا مُجرفة ولم تعد صالحة للزراعةِ من جديد..
رحلت وتركت له الذكرىٰ..
كما الأحلام تغدو رُفاتًا بدونِ تحقيقٍ
وكأنها فقط مجرد فكرة..
____________________________________
<"بين يداي كان الخيار لكني رُغم ذلك مجبورٌ">
رُغم أن الاختيارات تكاد تكون مُتاحة
لكن الإجبار يظل نمط الحياة، حيثُ الفرض عليك في كل طريقٍ تسلكه، حين تكون أنتَ بموضعٍ تظن نفسك اخترته بمحض أرادتك وفي الحقيقة المخبوءة أنتَ مجرد مجبورٍ حتى عند الاختيارات..
وقف في الشُرفة يتابع الغيوم الداكنة ودُكنة النهار رغم بداية اختفاء الشمس خلف الغمامِ، لقد هرب من الغُربة كي ينعم في أحضان الوطن ولم يتخيل أن الوطن بغير أنيسٍ غربة، فهو يفكر في زوجته التي لازالت تُراعي والديه، تعاون أمه، رضيت لأجله بكل شيءٍ، وفي المساء تكون لأجله هو وحده، تُنصت لحديثه، تستمع لكلماته، تأويه في عناقها، تكون خير المأوىٰ والملجأ..
أخرج "منتصر" هاتفه يراسل الشخص الذي أراده وحين أبلغه بإتمام رغبته توسعت بسمته كأنه ظفر ولقى نصيبه من اسمه، وقد أغلق الشُرفة ثم ولج الغرفة فوجد "ورد" تُرتب ثيابه فوق الفراش وهي تقوم بتطبيقها، وما إن لمحته قالت:
_الحمدلله لحقت الهدوم قبل المطر، مش عارفة لو ماما مكانتش اتصلت كنت هعمل إيه؟ بجد كويس أنها اتصلت، مكالمتها جت في وقتها.
حرك رأسه موافقًا ثم جلس على طرف الفراش وبدأ الحديث بقوله:
_طب خلصي اللي وراكِ علشان كلها كام ساعة وننزل مشوار مهم.
عقدت حاجبيها وبدا حديثه لها مُبهمًا، كأنه رجلٌ فضائي يتحدث بما يُناقض كلماتها، وما إن لمح الاستنكار باديًا هكذا فوق ملمح وجهها قال بضحكةٍ حاول كتمها:
_هحقق حلمك، بس أبوس إيدك انجزيني الوقت مش في صالحنا.
_حلم إيه ووقت إيه؟ عاوز إيه يا "منتصر" أنا مش فاهمة !.
وقف واقترب منها ثم أمسك كفها وقبض فوقه بأمانٍ تسلل لها يناقض برودة جسدها، وقد زاد الدفء من عينيه لعينيها بقوله:
_أنا مش ناسي ساعة جوازنا لما كان نفسك نسافر مع بعض، وساعتها الظروف مسامحتش ووعدتك هعوضك، عيد جوارنا فاضل عليه شهر وشوية، وهكون سافرت تقريبًا، هنسافر أنا وأنتِ مع بعض، وهنتحرك آخر النهار، مأجر عربية ونتحرك بيها، بس الأول أنزل لأمي أتطمن على أبويا.
توسعت بسمتها ووقتها ارتمت عليه تُعانقه فضمها هو، ضمها كأنها الخلاص الوحيد من كل كربٍ، يضمها بقدر غيابه وشوقه لها طوال أيام غربته وضياعه بين الحدود، ضمها وحين شعر بها تُشدد ذراعيها في عناقه، أبعد وجهها عنه ثم لثم وجنتها وجبينها.
تركها ونزل لأمه، يحاول برمجة الحديث في ثنايا عقله حتى يقدر على إقناعها قبل أن تبدأ ببخ سمها ضد زوجته، ولج الشقة بعد أن فتح الباب وقد لمح والده يُصلي فوق مقعده، ابتسم بحنوٍ ثم تحرك حيث أمه الجالسة منعمة بالترفِ تأكل من الحلويات التي ابتاعها لها، لقد صرف لها أضعاف ما كان يصرفه في غُربته.
وهي حين لمحته ابتلعت الطعام ولوحت له فاقترب منها وجلس بقربها وهو يقول بوجهٍ مبتسمٍ:
_أنا قولت آجي أتطمن عليكم، طمنيني عاوزين حاجة؟.
_لأ يا حبيبي، عاوزاك طيب من كل ردي، وسالم من كل أذى، الله يسعدك يا حبيبي ويرزقك، جيبت كل حاجة وكتر خيرك، ربنا يرزقك يابني ويجعلهم فكة في إيدك.
ضحك هو ثم قال بصوتٍ أكثر اتزانًا وهدوءًا:
_أيوة كدا ادعيلي، وادعيلي ربنا يرزقني بعوضي، المهم أنا قولت أعرفك إني هسافر يومين كدا مع "ورد" إن شاء الله، ألحق أفسحها قبل ما أسافر تاني وترجع لوضعها من تاني، وهي بصراحة تستاهل إني أعوضها بكل خير، البت مش مقصرة في حاجة معايا ولا معاكم، وغلبانة وكل همها تعيش بس بخير.
لوت فمها بسخطٍ وتركت ما في يدها وتشدقت بنزقٍ:
_ياخويا أنتَ حُر أنا مالي، بس خلي بالك على فلوسك يا حبيبي وبطل صرف يمين وشمال وبعزقة يمين وشمال، أنتَ بتشقىٰ وبتتغرب بالفلوس دي، بتدفع تمنها بُعدك عننا وعن السنيورة، وهي متدلعة وواخدة على الصرف والعز، بلاش تطاوعها في كل حاجة كدا.
ضايقه حديثها، شعر بها تفرض فروضًا وتسيء ظنونًا وهو لا يُرحب بمثل هذه القسوة منها، وقد أتى والده يوقفها عند حدها بقوله:
_يا ولية اتقِ الله بقى في البت، تعبت منك ومن عمايلك ومفيش فايدة فيكِ، دي لسه الصبح نازلة في المطر والتلج شايلة الهدوم ومسحت مكان الطين والمطر وعملت فطار وقاعدة تاكلي ولا همك حاجة، وبعدين دلوقتي همك مصاريفه وتعبه؟ إشمعنا لما قال إنه هيخرجها ويبسطها؟ علشان مش هيصرف عليكِ صح؟ اتقي الله في ابنك وفي مراته، لسه صارف عليكِ وعلى البيت فوق العشرة ألاف جنيه ومالي البيت عز وخير وعلاج يكفي لسنة، وهدوم وجابلك اللي نفسك فيه كله، وبرضه مستكترة عليه يعيش مع مراته؟ بطلي جحودك دا.
زفرت هي بقوةٍ وتركت جهاز التحكم بعنفٍ فيما قال "منتصر" مغلوبًا على أمره معها:
_يا أمي الله يكرمك البت شقيانة وأنا حاسس بالذنب علشانها، هي بتعمل من غير ما أطلب منها، صحيت الصبح لوحدها ونزلت ليكم هنا تشوف فيه إيه محتاجة تعمله وعملته وأنا كنت نايم، وعمرها ما طلبت مني حاجة، عينها مليانة طول عمرها وشبعانة وأهلها مش مخليينها عاوزة حاجة، الحاجة الوحيدة اللي بتعوزها وجودي معاها، وحتى دي مش بإرادتي.
من جديد تشعر بالغيرة والسُخط منه ومنها، لمَّ ابنها الذي تعبت هي في تربيته ورعايته يحيد عن صفها ويأخذ صف أخرى؟ لمَّ لمْ تكن هي صاحبة الحق فيه كما كانت؟ لقد فضَّل أخرى عليها وأولاها الحق فيه، تبرمت ملامحها وغدا الضيق يغمرها حتى أن الغرفة لم يعد بها متسعًا للنفسِ، وقد ظهر ذلك في قولها الحاد بعدما ضمت كفيها عند بطنها بوضع تحفزي:
_ماشي ياخويا، بكرة ترجع تندب حظك وتفهم اللي عملته في نفسك كويس، قولتلك من الأول دي بلاش، دي مش متعودة على العادي بتاعنا، إحنا بلقمة بملح بناكل ونشبع، دي واخدة على العز، والحل إيه بقى؟ سايب حياتك ومتغرب عن الكل، علشان تقدر تورفلها العيشة اللي كانت عايشاها، والشقة كلفتك قد إيه توضيب وفرش؟ علشان بس ماتحسش إنها راحت مستوى أقل؟ خليني ساكتة.
ابتسم هو بسخريةٍ واستهزأ بقولها حين نطق بضجرٍ:
_كل دا وساكتة؟ أومال لو اتكلمتي بقى؟ أنا مش فاهم حاطة نقرك من نقرها ليه؟ البت غلبانة وعمرها ما ضايقتني ولا حتى جت عليا، وأي حاجة بعملها معاها دا علشان ماحسش نفسي قليل قصادها، أظن التمن إنها صاينة غيابي وشايلة دوري، كل اللي مضايقك بس إني حبيتها وفضلت متبت فيها، كنتِ عاوزاني أتجوز على مزاجك وتبقى الكلمة كلمتك، بس أقولك ياما سواء هي أو غيرها أنا راجل والواجب عليا إني أخلي بالي منها.
رفعت حاجبيها بانفعالٍ مكبوتٍ فيما تدخل والده ينهي الحوار بقوله الذي بدا عليه الضيق واضحًا:
_قوم يابني شوف حالك وشوف مراتك وجهزوا نفسكم وأمشوا بدري قبل الليل، ربنا يكفيكم العين والقَّر، ويسعد أيامكم ويبارك فيها، يلا قوم يا واد أخلص بقى هتفضل مبحلق في وشي، أبقى هاتلي بسبوسة بس وأنتَ جاي.
ضحك والده وقصد يمازحه؛ فتحرك هو نحوه يُلثم جبينه وكفه وهو يتضرع للخالق أن يحفظه له ويديم له سكنه في قلبه الطيب، وقد ظلت ترمقه "خيرية" وترمق أثره بخيبة أملٍ كأنه وقف في جيش العدو يحارب ضدها، لاحظ زوجها نظراتها فقال بثباتٍ:
_ارحمي نفسك من عمايلك في الواد يا "خيرية" وارحمي مراته، بطلي أنانية وفكرة إن ابنك وماله حقك دي هتخسرك ابنه وحياتك وحياته، يا ستَّار يا رب منك ومن عمايلك، بس أقول إيه؟ علشان ماعندكيش بنت مش حاسة باللي بتعمليه، بس ربنا هيردهولك، حماوات آخر زمن بلا هم.
التفت بمقعده وتركها وحدها ونظرتها كما هي..
موقدة كما النيران فوق الجمر الملتهب وتود إحراق كل من تُسول له نفسه أن يقترب من محيطها الآمن..
____________________________________
<"ويّحُكَ يا فتىٰ؛ أتأمن الدُنيا وهيَّ تغويّك لدربِها">
طفل الأمس البريء؛ هو رجل اليوم القاهر..
فالفريسة التي لم تَمُت بين أنياب الأسد، بالغدِ تكون ضارية وتتعلم فنون الأكل والقتلِ، حتى لو لم تقتل فريستها، سوف تتفنن في أكلها كي تتركها تتألم فقط، ولا سيّما أن فريسة اليوم، بالأمس كان ضارية..!
راهن العالم على صبري..
وحينما استنزف طاقتي بأكملها؛
راهنت أنا على قوته..
فإمَّا أنا وإمَّا العالم، وإما النصر لأيًا مننا.
كان "أدهـم" في معرضه يجلس متابعًا سير العمل خاصةً قبل مراسم زفافه وعقد قرانه، كان يحاول ترتيب كل شيءٍ قبل أن ينهمك في التحضير والتجهيز، لكن قدوم بعض الرجال من السوق جذب أنظاره، اعتدل واقفًا مرحبًا بهم بأدبٍ وفقًا لمكانتهم العملية والعلمية، كانوا خمس رجالٍ من أكبر تاجري السوق وقد تعجب هو من سبب الزيارةِ، وسأل بوجهٍ مبتسمٍ:
_خير يا حج، مع إني اتشرفت بمجيتكم لحد هنا.
ضحك أحدهم وقال بعتابٍ ودود بغير شائبة ضيقٍ:
_جايين عاتبين عليك، بقى تبقى ابن الحج "توفيق الشيمي" اللي جامل السوق كله وليه وجايب عند طوب الأرض ومش عاوز تفرحنا معاك؟ طب دا مفيش معرض هنا ولا محل إلا ونفسه يقف في فرحك، عاوز تلم نفسك كدا سُكيتي من غيرنا؟ مش هنشرفك إحنا يعني؟.
في الحقيقة وضعه لا يُحسد عليه، وُضِع في ضائقة لا يعرف كيف المخرج منها، لذا استعاد ثباته وأجاد رسم البسمة حيث قال بهدوءٍ:
_أنتوا تشرفوا أي حد يا معلم وكفاية بس الاسم اللي يتقال منكم ياخد ختم بالشرف والنزاهة، بس كان فيه ظروف والله أجبرتني أحاول ألم الدنيا، بس على العموم فيه ليلة هنا في السوق علشان أتشرف أنا بمجيتكم فرحي، وهاجي لحد عندكم أعزمكم.
ابتسموا له وباركوا زواجه القريب ثم رحلوا من المعرض خلف بعضهم، بينما هو مسح وجهه بكلا كفيه وهو يشعر بالضيق، وقد جال بخاطره "سُليمان" فتحرك من مكانه حيث تواجده هو في معرضه، ذهب لهناك كي يستشيره في أمره، وما شجعه على ذلك هو ذهابه للعمل اليوم، وقد تيقن أن الذي نشر الخبر بينهم هو "حلمي" الذي أراد أن يخجله أمام الناس، وحينها رغب في فصل رأسه عن جسدهِ؛ وهذا ما أنتواه هو، أن يقتل "حلمي".
وفي الوقت ذاته كان "سُليمان" أغلق هاتفه بعد خاطب أمه التي طمئنت قلبه على شقيقه والصغار أيضًا بعد أن أتت "رحمة" بهما كي يكونا مع جدتهما، "رحمة" القاسية التي لم تسبق وترحمه، لم يجد سبيلًا للرحمةِ غير بوصالها في هذا الوقت.
وقد ذهب وقتها "أدهـم" وتحدث مع "سُليمان" وأراد منه أن يدعمه في الذهاب لـ "حلمي" كي يُلقنه درسًا قاسيًا، وكان "سُليمان" يحاول الحديث مع رفيقه، هذا الذي يحمل فوق كتفيه حجرًا أشد صلابةً من حجر الصوان، رجلٌ لا يمكن قهر عناده، كان استنزف كل طاقته بالفعل، لكنه لازال يحاول، "أدهم" لا يتغير مهما تغير الزمن بخارطته، مهما تبدلت العناوين وتغيرت الطُرقات سيظل الرفيق كما هو، على عكسه هو، يشبه الطين الفُخاري يتشكل بأيدي الأيام بكل ما يتغير فيها..
زفر "سُليمان" قانطًا على الرفيق ورفع صوته بمعرضه ليتردد صداه في المكان مُجلجلًا:
_ما تسيبك من الهبل اللي في دماغك دا بقى يا "أدهم" خلص الموضوع من برة برة وسيبك من "حلمي" وأعمل ليلة وخلاص، متخسرش الدنيا كلها وأولهم نفسك، اعقل وسيبك من اللي عاوز تعمله دا، قال تروح تضربه قال، سيبك منه.
يتحدث وهو يعلم أن الحديث يذهب بغير رجعة..
حديثه لن يُغني ولا يُسمن من جوعٍ في عقلٍ يابسٍ لم يطيء صاحبه بقدميه شاطيءٍ قط، والدليل أن رفيقه التفت له بعدما تفحص صف السيارات الجديدة التي وضعت بالمعرض وقال ببسمةٍ ظافرة كأنه ربح لتوهِ اليانصيب:
_عاوز أغير عربيتي يا "سليمان" نقيها معايا.
توسعت عينا الآخر وعلا صوت أنفاسه بصخبٍ كهدير الموج في شاطيءٍ اهتاجت عواصفه، دامت النظرة بينهما لثوانٍ أنهاها "سليمان" بقوله الزاعق فيه:
_أنتَ مجنون يالا؟ أنا بكلمك في إيه وأنتَ بتهبب إيه؟.
دار "أدهم" بعينيه حانقًا حتى التقط باب معرض رفيقه، تحديدًا جهة الدخول حيث ولج رجلٌ يُغطيّ الشيب رأسه، لكن صفاته تتنافى مع هيئة عمره، رجل القسوة تظهر فوق ملامحه، عيناه تنطقان بجمودٍ في قلب صاحبهما، مشيته تضرب فوق الأرض بغلظةٍ كأنه ملك قطعة الشطرنج والجميع ضحاياه فوق تلك الرقعة.
راقبه "أدهـم" وهو يراه كما الذئب يتجه نحو فريسته، ضارية تقترب مما تشتهي لتسرق قلبه بالدماء، لم يكن يومًا هينًا، ولن يكون، لذا أشار "أدهـم" برأسه نحو الزائر وهو يقول بتهكمٍ:
_حماك جِـه.
توسعت عينا الآخر والتفت له يُصحح الجملة حين جاور رفيقه:
_قصدك كان حمايا.
لملم "أدهـم" نظراته خلف ستار النظرة السابحة في الفراغ، فيما اقترب الرجل منه يقول بغلظةٍ وصوت عالٍ كأنه يقصد إثارة الجلبة بالمكانِ:
_أنتَ نسيت نفسك يا "سليمان" !! بقى أنتَ ترمي اليمين على بنتي أنا؟ نسيت هي مين وبنت مين علشان ترمي عليها اليمين؟.
اقترب يواجهه، يقف أمامه ندًا بندٍ، يخبره بعينيه _وإن لم ينطقها_ أنه غريمه وغريم ابنته قاسية القلب، فكرر الآخر السؤال مستهجنًا:
_نسيت فضلت قد إيه تتمنى نظرة منها وكنت بتحفيّ في السوق علشان بس تعبرك؟ بقى بنتي أنا يترمي عليها اليمين؟.
_ما أرمي عليها اليمين، هو أنا يعني رامي عليها قنابل مُسيلة للدموع؟ مش راجل والعصمة في أيدي؟ بعدين بنتك اللي وصلتني لكدا، قولتلها بلاش تقف قصادي في الوقت اللي أنا مخنوق فيه، وهي ولا مرة قدرت موقفي، يبقى خلاص.
كان الرجل يُهينه ويُقلل من شأنه، لذا أتى الرد منه بذات القوة التي يُجابهه بها حماه، حتى نفسها الحدة المبالغ بها، نفس العنفوان والتجبر وإن كان قلبه مضروبًا في عُقره من حبٍ لم يُجنِ منه إلا خيبة أملٍ، فسأله أبوها لآخر مرة بضجرٍ:
_طلقتها ليه يا "سليمان" ؟.
_علشان خلقي ضيق.
قبل أن ينتهي صدى السؤال قد وصله الجواب المختصر، هكذا بدون تفنيدٍ أو تبريرٍ أو حتى تجميلٍ، يبدو أن "سليمان" المهذب الذي كان يقسم به تبدل بالكُلِ، هذا لم يكن هو ذاته الخلوق الذي يقسم الكل بأخلاقه، وإنما هذا الذي يجابهه يشبه الضارية التي لم تعد تخشى ذئبًا، وإنما أصبح من ضمن الذئاب هو الآخر..
لذا احرص من فريسة اليوم، قد تكون هي ضارية الغد..
____________________________________
<"بكل أسفٍ أنا منك، لكنك موطن وغربتني عنك">
الألم الأكبر حين يأتيك الغدر من موطنٍ أمانٍ لك..
حين تأمن عدوك على جراحك فتُعلُمه بمكمنها ليأتيك هو غدرًا كي ويطعنك فيها ويفرح بلون الدمِ حين يُبلل المُحيط حولك..
كأنه وطنٌ أقام الحرب وطرد الميدانيين خارج حدوده.
كان "غسان" يشعر بلحظات غضب تجاه جده، يشعر أن هذا الرجل تخطى كل حدود العقل في تدميرهم، لم يكن مجرد جدٍ يُحب عائلته فقط، وإنما هو تفنن وبرَّع في إيذائهم جميعًا، لذا عليه أن يوقفه عند حدهِ قبل أن يتوغل كما مرض السرطان ويتفشىٰ بخلاياه وجسده بكل خبثٍ..
وقف أسفل المبنى المنشود ثم أخرج هاتفه يطلب رقم "نـوف" التي جاوبته بهدوءٍ بعدما تركت الحاسوب من يدها، وحين سألها يطمئن على أحوالها قالت بحماسٍ:
_كويسة جدًا، حاليًا ظبطت أمور الجمعية وعرفت أظبط حاجات كتيرة جدًا كانت محتاجة مجهود رهيب، والشركة كمان عمو "طاهر" ربنا يكرمه راح ظبط فيها كل حاجة والناس اللي شغالين هناك بيتعاملوا كأن بابا موجود وأكتر، وكنت هكلمك علشان أسألك على المشوار اللي قولتلي عليه.
رفع كفه يحك مؤخرة رأسه ثم زفر بقوةٍ وقال:
_ربنا يوفقك وكل حاجة ترجع زي الأول وأحسن، قولت أتطمن عليكِ لحد ما نتقابل، لو احتاجتي حاجة كلميني، عندي مشوار شغل هخلصه وبعدها نتقابل، عاوزة حاجة مني؟.
وصلها اضطرابه واهتزاز صوته فتململت بمكانها وسألته بتقريرٍ:
_أنتَ مش كويس يا "غسان" صح؟.
حرك عينيه نحو المبنى الذي يحمل اسم جده ثم قال بشرودٍ فيه:
_هبقى كويس، لو شوفتك هبقى كويس، سلام وهبقى أكلمك.
أغلق المكالمة معها ثم رمى الهاتف بالسيارة وهندم السترة الرسمية التي يرتديها وولج مقر العمل، ولج بشموخٍ كأنه في ملكه هو شخصيًا، يضرب الأرض مُدمدمًا بثباتٍ كأنه قائد حربٍ، وبغير مقدماتٍ ولج مكتب جده، كما الإعصار ولج ووقف يقول بتهكمٍ حين لمحه يتصفح حاسوبه:
_يا راجل !! تصدق مش لايق عليك إنك تبقى راجل صاحب أملاك وليك اسمك كدا؟ مش فاهم بجد والله هتستفاد إيه؟ عاوز توصل لإيه لما تخسرني كل حاجة؟ يعني مش عاجبك إني سيبتلك البلد كلها ومشيت وطفشت منك؟ عاوزني أبقى قتال قُتلىٰ على إيدك؟.
انفجر بانفعالٍ في وجه جده وقد الذي رفع رأسه يُرشقه بنظرة حادة، ثم اعتدل مستقيمًا في جلسته وضم كلا كفيه وقال على سطح مكتبه ثم استفسر منه بسؤالٍ فاترٍ بلا روحٍ:
_عاوزني أقولك أنا عاوز إيه؟.
_ياريت، على الأقل أبقى عارف عدوي ناويلي على إيه؟.
رد بذلك على جده الذي تنهد وعاد لشموخه يقول بثباتٍ:
_تسيبك من بنت "ناجي" دي خالص وتسيبها لحالها، وتصلح موقفك وموقفنا مع أبو "بسملة" يمكن نقدر نصلح حاجة من اللي فاتت، مش علشاني أنا، بس علشانك أنتَ وعلشان تعرف تقف على رجلك من تاني، يا كدا يا تفضل تحاول تقف وكل مرة هتقع على جدور رقبتك، القرار معاك، يا راحتك وراحة "نوف" معاك، يا مفيش راحة لحد أصلًا.
ألقى الحديث؛
ولم يكتفِ بالصمتِ، بل نظراته كانت حادة كما جناح الصقر حين يذبح فريسته، غريبٌ هو كما حدود دولةٍ قاسية على شعبها، وحنونة على كل غريبٍ يطيء أرضها وحدودها فتفتح له ذراعيها، وكأن القريب هو المطعون الأول بصلة القرابة..
_اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.....
يتبع...
الفصل الرابع والعشرون من هنا