
"زين! زين!". الصوت كان مألوف وريحتها كمان مألوفة, لحد ما فجأة حسيت بقلم فتحت عيوني على شدته من الألم, بصيت ليقت نفسي جو أوضة وكأني عارفها, لسه عيوني بدور على مصدر القلم تفاجئت بيها قدامي, قومت مفزوع: هانم! مش أنت مُتِ؟
ملامحها كانت مختلفة عن المعتادة, فيها براءة ولطف على خلاف الشخص الي عرفته, كانت بتسألني بخوف: أنت كويس؟
"أنا فين؟ وأنتي ازاي عايشة؟"
كان بتبصلي بحزن غطى ملامحها, قربت مني بتضمني: لوهلة خوفت تموت.
زحتها عني: أنتي في وعيك؟ مش فاهمة متوقعة مني أعمل ايه بعد كل الي أنت عملتيه؟ ثم أنتي ازاي عايشة؟
"أنا ممتش عشان أرجع من الموت".
اتعصبت وأنا بقول: أااه فهمت تلاقيها لعبة قذرة وتمثيلة عملتيها مع حكيم عشان...
قاطعتني: اهدا, مفيش حاجة من دي بغض النظر إني معرفيش مين حكيم بس حاول تفوق لحياتك الطبيعية وافتكر أنا أختك يا زين وأكيد معملتش ولا هعمل فيك حاجة وحشة.
وقبل ما أرد باب الأوضة فجأة فتح وكانت ليلى بتفتح الباب بقلق: زين أنت كويس؟
ابتسمت بحضنها: أنتي عايشة؟ أنتي كويسة صح؟
انفكت عني بتلمس وشي وكتفي وهي بتعيط: أنت الي كويس؟ كنت مسافرة ومحدش بلغني بتعبك غير لما جيت.
كنت مستغرب ومش واعي ولا فاهم أي حاجة ببصلها باستغراب, بصتلي بتطمن: عندك مشكلة لو صافي دخل؟
بصتلها بصدمة مزجها الفرح: صافي عايش؟
بصت لهانم بقلق بعدين بصتلي: هو خايف يدخل فتعمل معاه زي المرة الي فاتت, كنت فاكر انه الي قتل إبراهيم.
"المرة الي فاتت؟!!"
هانم قاطعتها: خلاص يا ليلى مش وقته, دخلي جوزك عادي.
سبتني ليلى وراحت تنده على صافي, بصيت لهانم مش فاهم حاجة بسألها: هو في ايه؟
"هقولك بس محتاجة عقلك يركز معي في الي هقوله, اعرف الأول إن أيا كان الي انت شوفته مش حقيقي, الحقيقي هو الي انت عايشه دلوقتي".
"يعني ايه؟"
"انت بتحصلك نوبات ذهانية متتكررة, بتشوف هلاوس صوت وصورة وانت صاحي وأنت نايم بتفصلك عن الواقع مرات تستمر معاك لأيام ومرات تستمر معاك لاسابيع واوقات لو ربنا كرمك بتستمر معاك لساعات, للأسف مخك بيصورلك فيلم سنيمائي متكامل الاحداث حتى بعد ما تفوق وتصحى بتبقى لسه متأثر".
"أنتي بتحاولي تعملي معي زي ما بتعملي مع المرضى بتوعك صح؟"
اتنهدت: طيب لو انا فعلا كدا قولي ايه اخر مكان كنت فيه؟
"بيت آل جاد, القصر المهجور بتاع ليلى".
"طيب ازاي صحيت ليقت نفسك في عيادتي؟"
"يمكن خدرتني وجبتني هنا".
"طب ازاي وأنا ميتة زي ما بتقول؟"
"لعبة لعبتيها مع حكيم".
"طب وليلى وصافي؟ مش انت مستغربة انهم عايشين؟"
سكت متردد وحيران بسألها: هو فين إبراهيم وليه ليلى قالت إن صافي قتل إبراهيم؟
"قلتلك يا زين مخك كل مرة بيدخل في فيلم جديد مالوش أثر على أرض الواقع"
"يعني انا عندي ايه؟"
وقبل ما أتكلم كان صافي دخل وعلى ايده طفل صغير في حدود سنة, قرب مني بيسألني بخوف: أنت كويس؟
"صافي أنت تعرفني وعارف إن ليلى أختي؟ انا ولا مرة شوفتك وأنت ولا مرة شوفتني"
بص لليلى باستغراب بعدين لهانم بعدين بصلي بيكمل: احنا جيرانا من واحنا صغيرين, أكيد أعرفك وأعرف ليلى.
قاطع كلامه الطفل الصغير بيحاول يجيلي عشان اشيله بيقول: نانا نانا.
شيلته بسأل ليلى: ده مؤنس؟
ابتسمت بتهز راسها بالإيجاب, ضمته بشده وخوف تملكني, سألت صافي وأنا لسه حاضنه: طب وحكيم؟
سألني باستغراب: مين حكيم؟
"مش أخوك؟"
"لا, أنا معنديش أخوات أصلًا".
انفكيت عن مؤنس وأنا لسه شايله بسأل هان بخوف: إبراهيم كويس صح؟
سألتني هانم: ايه آخر حاجة شوفتها عن إبراهيم؟
"كان جنبي وأنتي بتعلقي له محاليل بعدين غبت عن الوعي وملقتهوش جمبي, حكيم خباه".
"حكيم ده غير بسام الي شوفته الي المرة الي فاتت الي وز صافي يقتل إبراهيم بردو".
بصتلها باستغراب: قصدك؟
"قولتك يا زين أنت مريض فصام وللأسف الشديد حالتك ازدادت سوء لما إبراهيم مات"
عيوني غرغرت بالدموع بسأل: يعني ايه؟
عقلك رافض يصدق موته وبما ان مخك بيئة خصبة أصلًا للهلاوسة فمخك كل مرة بيدخلك في فيلم جديد يهرب فيها من ألم موته لكن في كل مرة بينتهي الفيلم بنفس النهاية, إبراهيم يا بيختفي يا بيموت, كل مرة عقلك بيستخدم الشخصيات الي في حياتك ويضيف عليهم شخصيات جديدة, وكل مرة حد فينا بيبقى متوقع إنك هتقوم من نوبتك وانت لسه متأثر بشخصيته الشريرة جو نوبتك, يعني آخر مرة كانت ليلى وقبلها صافي ودلوقتي شكلها أنا. قالت الأخير بتتقدم ناحية مكتبها بتعمل حاجة على اللابتوب بتاعها, دارت اللابتوب ناحيتي وهي بتقول: دي كاميرات المراقبة الي في الاوضة, حطيتها عشان تسجل تصرفاتك وقت نوباتك الذهانية.
بصيت على الفيدوز مصدوم, معقولة ده انا؟ كل لحظة انهرت فيها كانت على الهوا, لما ليلى ظهرتلي عشان اقتل إبراهيم عشان اقرا الي في الدفتر كنت انا واقع على الأرض بنفس الطريقة, وبقرب من مكتب هانم وبتطلع كشكول عادي, اللحظة الي شوفت فيها راس وسام كنت واقفة ووقعت على ركبي بزحف ناحية كرسي المكتب بمسح بايدي الأرض بزحف ناحية باب الاوضة بتخيل اني بفتح باب على الهوا وبدخل لدرجة ان راسي خبطت في الباب عشان كان مقفول ثم قعدت في ركن الاوضة ببص في الكشكول وبقرأ بخوف وجسم بيرتجف, عيوني كانت مفتحة لكن وكأني أعمى عيوني كأنها متحجرة, مقدرتش اكمل الي شوفته من شدة الألم صراخ واضطرابات وشدة شعر وكأني مسحول جو العالم الي عقلي خلقه لي وحبس جسمي جوه.
قفلت الابتوب وصافي بادر بالكلام: بابا طلب مني أجيبك أول ما تبقى كويس.
"باباك؟"
"لا باباك انت".
"هو عايش؟ ومعي؟"
ابتسم صافي بيهز راسه بالإيجاب, ركبت معاهم العريبة وانا سرحان طول الطريق, جزء من ذاكرة الحاضر بدأت ترجعلي حتى موت إبراهيم او يمكن الحادثة الي حصلت.
توقف صافي بالعربية وانا مهموم مش قادر أحدد ايه الحقيقة وايه الهلاوس الي بيخلقها عقلي, قاطع شرودي صافي وهو بيقول: وصلنا.
خرجت من العريبة مصدوم بسأل: فين؟
شاور ناحية قصر وهو بيقول: بيتكم, وبعدها ببيتين شاور على فيلا حجمها اصغر بيقول: وده بيتنا انا وليلى.
بصيت ناحية بيتنا بقول: بس بس ده بيت حكيم.
ابتسم صافي بيحاول يلطف الأجواء: أموت وأشوف حكيم ده,يا ترى مين فينا الي كان اكثر شر انا ولا هو.
بصتله وانا مش قادر أنطق هو بيهزر وانا كل ده كنت عايش حياة مش حياتي, دخلنا القصر ثم مكتب ما, بمجرد ما شوفت الشخص الي كان قاعد على المكتب قدام اللابتوب بتاعه سألت بصدمة: توفيق؟
رفع راسه تجاهي بفرحة لمعت في عيونه: زين؟ انت فوقت أخيرًا؟
قال الأخيرة وهو بيمشي ناحيتي بسرعة لكن كان على كرسي بعجل, سألته باستغراب: امتى بقيت عاجز يا توفيق؟ ده بسبب هانم؟
بصلي باستغراب: توفيق؟
قاطع استغرابه أحد الخدم بيرد علي: ده السيد جاد يا زين بيه.
"جاد؟ بس ده كان اسم عيلة حكيم وبيت حكيم بيت آل جاد".
بص توفيق او يمكن جاد مش عارف لصافي بيسأل: مين حكيم؟
هز صافي كتافه بمعنى معرفيش, تجاهل جاد كل حاجة بيشد ايدي عشان يحضني بيكمل: مش مهم, توفيق ولا متولي ولا فخر مش فارق معي انك كل مرة بتشوفني باسم وهوية جديدة, المهم إني اشوفك قدامي وأنت واقف على رجلك.
انفكيت عنه ومقدرتش احضنه, ببص لصافي: ممكن تقولي فين أوضتي.
استغرب صافي بيسأل: فكرت أول حاجة هتسأل عنها هو قبر إبراهيم زي ما بتعمل في كل مرة.
"لا انا عايز أطلع أوضتي".
اخدني صافي وأرشدني للأوضة, مكانها كان كأنها اوضة حكيم, دخلت الأوضة وكانت زي اوضة حكيم بالظبط, بس الصدمة كانت بنفس الصورة الي راسمها ليلى, قربت من الصورة بس الغريبة إن بدل البنت كان ولد, حاولت ألمس اللوحة لكن في حاجة وقعت منها, بصيت على الي وقع واكتشفت إنه جواب, فتحت الجواب وكان الخط وكأنه مألوف, كأنه لابراهيم:
إلى الزهرة التي أرهقني عطرها وضيعني حبها, إلى التي سلبت مني ليلي فلم يعد لي نوم بيها وسرقت مني نهاري شارد التفكير بها, إلى متى سيظل جفائك وأنا على بعدك غير قادر؟ آسف لكل شيء فعلته ولم أفعله, لا أريد سوى رضاك.
الفصل الواحد والثلاثون من هنا