
كنت واقف متردد وخايف مش عارف أخبط ولا لا، خبطت على الباب وايدي بترتجف، على شقة او يمكن أوضة فوق السطوح، بمجرد ما الباب فتح اتصدمت بسأل: سها؟
ابتسمت بتضمني: زين؟ غبت عني كل الأيام دي ليه من ساعة ما ابراهيم ما مات؟
لوهلات دماغي وقفت، أنا كنت جاية لمامة إبراهيم, ازاي سها الي فتحت وايه علاقتها بابراهيم ولابسة اسود عليه ليه وهي مرات ابوي أنا لكن سرعان ما تدراكت ان سها تبقى أم ابراهيم مش أمي أنا لكنها الشخص الي رباني في الأول والآخر بعد ما أمي ماتت وانا لسه يدوب عشر سنين، انفكت عني وهي بتعيط: كدا هونت عليك تغيب عني كل ده؟ دنت الي خبيت عن موضوع ابراهيم وفضلت معي تمهدلي بالأيام كدا تغيب عني كل الأسابيع دي، أنا كنت بصبر نفسي بيك وبقول راحلي ابن وفضلي التاني.
بوست ايدها وانا بقولها: حقك علي أنا آسف.
مسحت على شعري بتربت على كتفي: ربنا يحميك لشبابك أنا قولت إنك أكيد مش ههون عليك ولا أنت هتنساني ومش معنى إني وأبوك اتطلقنا يبقى هتسبني.
بصتلها بصدمة: اتطلقتوا؟ هو أنتوا اتجوزتوا؟
بصتلي باستغراب بعدين سألتني: هي الغيبة دي كلها كانت عشان نوبة من نوباتك صح؟ قالت الأخيرة بتمسك ايدي بتدخلني جو بتقول: طب ادخل استريح الأول انت واقف ليه؟
شلت الشنط الي كنت جايبها وحطتها على الكنبة الي كانت جمب السرير الي كان في الصالة أساسًا, قعدت على كرسي جمب الباب المفتوح بسأل: أنتي عارفة بخصوص نوباتي؟
"ازاي معرفيش وأنا الي مريبيك من وأنت صغير؟"
"هو أنتوا وبابا اتجوزتوا امتى واتطلقتوا ليه؟ يعني إبراهيم كدا اخوي, طب ازاي وابراهيم..." كنت بسأل بخوف زي المجنون لحد ما قاطعتني: اتطلقنا من شهرين واتجوزنا من سنة تقريبًا.
"ازاي يعني وليه؟ وإبراهيم وافق؟ وازاي بابا يسيبك بعد موته؟"
بصتلي باستغراب: وهو إبراهيم لو كان عايش وقتها كان هيوافق او أنا حتى كنت هفكر أتجوز؟
"ازاي يعني لو كان عايش؟ انتي بتقولي من سنة؟"
"إبراهيم ميت بقاله سنتين".
سألتها بصدمة: يعني ايه؟ يعني يعني مش مش لسه ميت.
"بصتلي باستغراب: بدأت تنسى تاني.
عيونها بدأ يترغر فيها الدموع, ربطت على كتفها بهديها: متخفيش أنا كويس.
قالت وهي بتعيط: مش عايزة أخسر ابني التاني ووضعك كل يوم بيسوء, أنا عايشة بيك دلوقتي يا زين, خايف يجي يوم وتنساني.
"مفيش حد بينسى أمه حتى في نوباتي كنتي معي".
مسحت دموعها وبدأت تفكرني: إبراهيم مات من سنتين وبعدها انت اتوليت مسؤوليتي أنا والبنات حتى إنك جبتلنا شقة نقعد فيها غير الاوضة دي واتكفلت بمصاريف البنات وتعليمهم, بس كلام الناس الي في العمارة زاد عن حده وبدأ يطلعوا اشاعات عني وعنك بالباطل وشوية يطلعوها عنك وعن البنات وبسبب شهرة أبوك بدأ حتى الكلام يطلع في الصحافة والجرايد خاصة لما البنات اتعرضوا للضرب في المدرسة والاهانة عشان كدا انت غصبت أبوك يتجوزني عشان تقطع ألسانتهم وفي الوقت ذاته متقطعيش خيرك عنا بعد ما قولتك ابعد عنا, بس أنت عارف ومتأكد إني قولتك كدا عشانك وعشان سمعتك, انا مكنش فارق معي حد قدك انت وبناتي بس لما ابوك اتقدملي وانت اترجتني اتجوزه , وافقت عشان بس أكون جمبك, ويبقى لي الحق بجد فإنك تكون ابني, ابني الي ربنا عوضني بيه بعد إبراهيم.
"طب ايه الي حصل وليه اتطلقتوا؟"
"عشان هو مش قادر ينسى ليلى".
"أمي؟"
"أه, حب طفولته الوحيد, وجوازه مني كان عشان بس يرضيك أنت, أنت متعرفيش أبوك بيحبك ازاي لو يطول يديك عمره هيعمل كدا, كان ديما بيقولها صراحة إنه روحه متعلقة فيك أكتر من هانم وليلى رغم إن هانم كلها مامتك نسخة طبقة الأصل بس روحه فيك أنت, عشان كدا وافق على جوازنا وهو حاسس إنه بيخون مامتك عشان يرضيك, حاولنا انا وهو كتير عشانك وهو حرام كان بيعاملني كويس بس مكنش قادر يحبني, كان حزين طول الوقت لما يشوفك يفرح ولما يشوف صور ليلى يطير من السعادة الممزوجة بزعله, كان مع كل الناس عادي إلا أنا بيجي لحد والحزن بيغطيه رغم الابتسامة المصطنعة, وأول ما قولتله خلينا نطلق, حسيت بلمعة فرح في عيونه, وقالي: انا عملت حاجة طيب؟ زعلتك في حاجة؟
"لا".
"طب طب زين, زين هيزعل وممكن يقطع علاقته بي وأنا مش على استعداد إنه ميكلمنيش حتى دقيقة, فكري وراجعي نفسك تاني يا سها, أنا آسف لو زعلتك وأوعدك مش هزعلك تاني".
"أنا الي هقوله لزين إني الي عايزة اتطلق, المشكلة عندي مش عندك".
بفرحة لمعت في عيونه: ب..بجد يا سها.
"بجد".
"طيب قوليله الأول ولو هو وافق أطلقك هعمل كدا فورا اقصد يعني.. انه..
"مش محتاج توضح, أنا فاهمة".
وفعلا قولتك عن رغبتي ورغم اعتراضك إلا انك استسلمت لرغبتي, بعدين رجعت شقتي هنا وسط أهل بلدي وناسي ومحدش يقدر يتكلم على الأقل زي الأول مانت محرم علي دلوقتي زي ابني.
سكت وبعدين سألتها: غبت عنك كتير؟
"شهر بس عدى علي كأنه سنة ولما هانم كلمتني وزارتني زي مانت متعود تزورني كل يوم كانت بتقولي إنك كويس, بس انا عمري ما حسيت إنك كويس, كنت بستنى قدام القصر بتاعكم كل يوم عشان أشوفك طالع مكنتش بشوفك, كنت حاسة إني هخسر إبراهيم لتاني مرة".
"معلش سامحني".
"انا مزعلتش منك عشان أسامحك أنا بس مش عايزاك تنساني روحي كانت في إبراهيم وإبراهيم روحه كانت فيك, أنت فاهم أنت بالنسبالنا ايه دولوقتي".
ابتسمت وسألتها: والبنات عاملين ايه؟
قاطع سؤالي صوت جاي من برا: ماما أنا كام مرة اقولك متفتحيش الباب واحنا مش هنا.. بس فجأة الصوت انقطع أول ما وقفت قدامي, كانت بنت جميلة في بداية العشرينات, شعرها مسترسل لنص ضهرها, ملامحها ناعمة, ابتسمت أول ما شافتني وجريت تجاهي بشكل تلقائي بتحضني: زين!
انفكيت عنها بسرعة وهي سرعان ما استوعبت فبعدت متوترة بترجع شعرها لورا وايدها بترتجف: أنا آسفة.
كنت حاسس بملامح الغضب على وش سها الي طلبت منها بنبرة حادة تدخل اوضتها, قبل ما أتكلم حسيت بصوت صغير ناعم بيحضني رجلي وهي بتقول: بوبي.
ابتسمت ببص على الصغير الي كان قافش في رجلي بسأل: أنتي حلا صح؟
بعدت عندي وعلى وشها ملامح غضب: أنت نسيت اسمي؟ أنا مش هلعب معاك تاني.
"لا لا مش ناسي أنا بس بنكشك".
"يعني ايه بشنكك دي؟"
ابتسمت بضحك لحد ما ليقت مرة واحدة شنطة بتحدف عندي وصوت مايل أكتر لصوت ذكوري بيقول: أنا مش الشيالة بتاعة الدلوعة بتاعتك, رغم إن حلا طلبت منها تشيل شنطتها وهي قعدت تعيط... فجأة سكتت بتبصلي بصدمة مزجها الابتسام: أبو الصحاب؟! قالت ده بتمد ايدها, مديت ايدي اسلم لكن تلقائيًا ايدي سلمت عليها بحركات ما وكأن كان فيه بنا سلام خاص أشبه بطريقتي انا وإبراهيم في السلام. ابتسمت بضحك لكن سها ردت بعصيبة: ترف أنا كام مرة هقولك تبطلي حركات الصبيان دي وأنتي يا غلا اتفضلي شيلي شنطتك وادخلي لاختك.
ابتسمت ترف بتخبطني على كتفي: هيجليك دلوقتي اياك تمشى فيه بنا ماتش ولازم اغلبك فيه, دين علي أخليك تندم على اليوم الي كسبتني فيه.
اتعصبت سها بتخلع الشبشب من رجلها, فشالت غلا زي كيس الرز وجريت على اوضتها, ابتسمت بضحك, فبصتلي هدوء بتتنهد: معلش بس البنات كانوا متعلقين بيك وهم صغيرين وتعلقهم ده زاد لما إبراهيم مات, ردود أفعالهم بس إنهم بيتعاملوا على أساس إنهم أطفال من سن غلا, أكيد مفهمتش حلا غلط.
"أكيد فاهم مش محتاجة توضحي أو تفهمني حاجة, حلا زيها زي هانم وليلى ومتأكد إن رد فعلها عفوي مش أكتر".
ابتسمت سها على حرج بس بعدين كملت: لازم تتغدى معنا النهاردة.
ابتسمت: أكيد.
خرجت ترف بلبس اشبه بلبس الولاد وأكاد أجزم إنه لبس إبراهيم, ولابسة في ايدها قفازات ملاكمة بترملي واحدة: الغدا على الي يخسر عشان أنا أكيد مش هعمله وأنت الي هتعمله كدا كدا.
اتعصبت سها بتحدفها بالشبشب فتفاديتها بتجري وريا: أنا في حما زين.
"أنا نفسي أفهم انت هتعقلي وتكبري امتى؟ بقيت شحطة وفي أولى ثانوي ولسه مبطلتيش تصرفات العيال بتاعتك دي".
حاولت اتدخل: خلاص خلاص أنا هعمله من غير ماتش.
خرج صوت ترف: لا الماتش مالوش دعوة ثم أنت كدا كدا الي كنت بتعمل الغدا فمش فاهمة هي متعصبة ليه؟
ابتسمت بلف وشي لترف بهمس: كان حلو؟
"ماستر شيف يا بني".
ابتسمت ودخلت المطبخ بعد ما غلا قالتلي إنها هتساعدني وترف اتخلت عني, كنت حاسس إني محتاس لكن غلا كانت بتساعدني وكأننا متعودين نعمل ده سوا, ابتسمت برفع كفي لغلا: هاي فيف, عشر سنين بس شيف كبير. ابتسمت بتضرب كفي بحماس, ساعدني في تحضير السفرة الست ترف أخيرًا بس بعد ما قامت بالشبشب, حلا كانت ساكتة ومميلة راسها طول الوقت, حاولت أفك معها أي كلام على الأكل عشان تفك الحرج بسألها: مقولتليش يا حلا أنتي بقيت سنة كام دلوقتي
ردت وايدها بترتجف بالمعلقة من غير ما تبصلي: تانية جامعة حاسبات ومعلومات.
ابتسمت وقبل ما أكمل كلام قامت من على التريبزة: معلش عندي شغل كتير لازم اخلصه قبل بكرا.
مشيت حلا بتدخل اوضتها ولحقتها ترف بتقول: وأنا كمان شبعت.
شدت ايدي غلا بتقول: يلا نقوم نعمل الشاي بالنعناع أنا كمان شبعت.
ردت سها: سيبه ياكل الأول.
ابتسمت: لا عادي أنا كمان شبعت, سكر زيادة صح؟
ابتسمت: كويس إنك لسه فاكر الشاي بتاعي.
"حسيت مش أكتر".
شدتني غلا وهي بتردد: قلل ناس زود نعناع يلا.
ابتسمت بمشي معها للمطبخ لحد ما لفت انتباهي صوت حلا بتعيط: مكنش قصدي, أنا مش فاهمة عملت ده ازاي؟
"خلاص يا حلا موقف وعدى, وهو أكيد فاهم إنك مش قليلة الأدب يعني, ثم زين مكنش زين إبراهيم, يعني شوية حاسة عيلته مفتحة, والسلام بالاحضان ده عادي, انما إبراهيم لو كان موجود كان ممكن تطير فيها رقاب".
غلا سألتني: ليه وقفت فجأة؟
ابتسمت بهمس ليه: حضري الشاي والنعناع في الكوبيات وأنا هيجي وراك.
ابتسمت: ماشي بس متأخريش.
دخلت غلا المطبخ وأنا كنت ناوي أخبط أتكلم معها لحد ما لاحظتها بتمسح دموعها بتهمس: أنا بجد مكنش قصدي هو بس كان واحشني, فاهمة يعني ايه يغيب عني شهرين ويومين وأربع ساعات؟
بصتلها ترف على مضض: محن الحب وجو التلزيق ده بيخلني أرجع, وحاولي تتصرفي قدام أمك إنك عادي عشان هي ممكن تخليه ميجيش هنا بسببك, ويبقى كلنا اتضرينا.
بصتلها حلا على مضض: وأنتي ايه علاقتك بيه؟
"مش زي الهطل بتاعك متخفيش, زين ده بالنسبالي إبراهيم, فاكرة لما قعدوا يتكلموا علينا وخاصة أنا وزين جه وقفهم عند حدهم, وكان هيعمل بلاغ في البت الي اسمها شريفة دي لما قعدت تخوض في عرضي ومتنازليش غير لما سألني أنا الأول لو مكنش زين موجود كانت أمك رد فعلها سلبي وهتقولي يا ترف مش عايزين مشاكل, لكن زين خلاها هي وأهلها يعتذروا ويترجوا عشان بس أتنازل, مكنتش خايفة وأنا معاه فكرني بابراهيم, كنت ديما بعمل مشاكل وأورطه معي عشان متأكدة إن أخوي هيجي يلم وراي ومهما زعل مني مش هيخلي حد يجي علي, ده بالظبط الي بحسه مع زين".
كنت واقف مصدوم, بس دخلت المطبخ عشان سها متشكيش, بس ليه بجد؟ ليه؟ نفس السيناريو بيتكرر, بس أنا مش هخون زي ما إبراهيم عمل.
الفصل الثاني والثلاثون من هنا