
رواية المجنونه والمقبرة الفصل التاسع 9 بقلم صباح البغدادي
حين يلتقي قدران مختلفان»
وفي مكانٍ آخر، بعيدًا عن ضجيج القصر وضوضاء اليوم المزدحم، كان الليل قد بسط ستاره بهدوءٍ مهيب.
كان القمر تلك الليلة في أبهى حلّته، بدرا مكتملًا، ينثر ضوءه الفضي فوق الرمال والقصور القديمة، فيُغلف المكان بجمالٍ غامض، كأنما الزمن توقف عند تلك اللحظة.
وقفت "نور" في شرفة إحدى غرف القصر، عيناها تحدّقان في القمر بإمعان، غارقة في صمتٍ عميق، وكأنها تهرب من ضجيج قلبها إلى صمت السماء.
لكن صوتًا دافئًا قاطع سكونها فجأة، جاءها من خلفها، صوته يحمل نبرة حائرة ولكنها عميقة:
"ألن تكفي عن النظر إلى القمر؟!"
التفتت ببطء، وقلبها يخفق بلا سبب، لتراه واقفًا هناك، خلفها مباشرةً، ملامحه هادئة، وعيناه متقدتان تحت نور القمر، الذي انعكس على وجهه، فزادته رهبة وجاذبية، حتى بدت ملامحه وكأنها منحوتة من ضوءٍ وسحر.
ابتسم وهو يقترب خطوة منها، ثم قال بنبرة هادئة، لكن عينيه كانتا تحملان معاني أعمق مما يقوله لسانه:
"القمر النهاردة بدر… شكله يخطف العيون."
رفرفت عيناها بدهشة خفيفة، لم تفهم مغزى حديثه، لكنه أكمل ببساطة وصراحة أربكتها:
"زيّك بالظبط..."
نظرت إليه "نور" بدهشة، وهي تهمس بارتباك:
"أنا؟! تقصد إيه، نرمر؟!"
أطلق تنهيدة عميقة، ونظر نحو القمر، قبل أن يعيد بصره إليها، وكأنه يخبرها بحقيقة أخفاها طويلًا، وهمس بنبرة صدق لم تعهدها منه:
"أول مرة شُفتك فيها… حسّيت إنكِ مسكتي حاجة جوّا قلبي… حاجة كانت ضايعة من زمان…"
عقدت "نور" حاجبيها بصدمة خافتة، لم تصدق ما تسمعه، فأضاف بصوتٍ خافت، أشبه ببوح قديم:
"أيوه، إنتِ… يا نور… إنتِ اللي خطفتِ قلبي… إنتِ نوري وضيائي، إنتِ اللي نوّرتي حياتي من ساعة ما ظهرتي فيها…"
صمت قليلًا، كأنه يختنق بالكلمات، ثم أكمل بعزم:
"أنا مش مستعد أعيش من غيرك."
خفق قلب "نور" بقوة، وأطرقت رأسها، تحاول لملمة شتات عقلها، قبل أن تهمس بصوتٍ حزين، لم تستطع منعه من الخروج:
"عارف إحنا من عالمين مختلفين؟!"
لم يكن وقع الكلمات سهلًا على قلبه، فقد بدا وجهه متعبًا للحظة، وانطفأت عيناه بظلال الحزن واليأس، وكأنه يدرك مسبقًا أن حبهما مكتوب عليه الفشل.
لكنه لم يستسلم، بل رفع عينيه نحوها، وفي نظراته إصرار دفين، وقال بابتسامة شاحبة:
"تعرفي إيه اللي هيحصل كمان شوية؟!"
نظرت إليه في حيرة، وهمست:
"إيه اللي هيحصل؟!"
ضحك ضحكة قصيرة، لكنها كانت حزينة، وقال بصدقٍ عميق:
"مش عارف…"
ارتبكت أكثر، وبدت ملامحها متوترة، فسألته بقلق:
"مش فاهمة… تقصد إيه؟!"
ابتسم ابتسامة هادئة، وقد بدا أنه استسلم لقدرٍ لا يستطيع تغييره، وقال بعينين تلمعان بأمل خافت:
"قصدي… إحنا عمرنا ما هنعرف… يمكن يحصل حاجة في مصلحتنا… يمكن القمر ده يكون شاهد على حاجة ما حدش يتوقعها…"
وصمت كلاهما، كلٌ منهما غارق في دوامة مشاعره، بينما كان القمر يواصل إشراقه، شاهدًا على هذا اللقاء الذي جمع قلبين من عالمين لا يلتقيان…
لكن، في حضرة الليل… كل شيء قد يصبح ممكنًا...!
في قصر "نرمر"، ذلك القصر الذي يُخفي بين جدرانه أسرار آلاف السنين، تعالت الأصوات فجأة، لتُحدث صخبًا غير معتاد داخل أروقته الحجرية العتيقة.
توقف الجميع عن الحركة، وحدهم السكون والذهول كانا سيدي الموقف.
لم يعرف أحد من أين جاء ذلك الصراخ… سوى شخص واحد فقط، استطاع أن يميز الصوت من بين كل الضجيج.
همس خالد لنفسه، وهو يتلفت حوله بحدة:
"ريم…"
وسرعان ما شاهدها بعينيه، وهي تركض بجنون خلف "ناميسا"، وقد اشتعلت عاصفة من الهلع والضحك في الممرات.
ركض خالد خلفهما وهو يهتف بذهول:
"فيه إيه؟! إيه اللي حصل؟!"
صرخت ريم بأعلى صوتها، ملوّحة بيديها وهي تلهث:
"الأسد هرب! يا ناس، الأسد هرب!"
لكن ناميسا لم تكن لتفوّت هذه الفرصة، فالتفتت إليها وهي تركض، تهتف بغضب حار:
"أنا الأسد يا ريم! بس مش هسيبك النهاردة! هخليكي تقولي: 'أنا الهبلة اللي مسكوها كرسي العرش وقالت عايزة تيمون وبومبا!' هو حد عاقل يقول للحكيم 'تيمون'… قصدي 'ديمون'، وفين سمكة نيمو بقى؟!"
توقفت ريم للحظة، تلهث وهي ترد باحتقان:
"أُوف! مش هو اللي سأل مين تيمون؟! وأنا حكيت له عن كل أفلام ديزني اللي اتفرجت عليها أنا ومريم اللي وراك دي؟!"
أطلت مريم من خلف الجدار، تراقبهما بعينين تلمعان خبثًا، وقالت بسخرية عالية وهي تركض خلفهم:
"بتبعيني يا حيوانة؟! هو أي مصيبة تحصل يقولوا مريم؟! مفيش في البلد دي غير مريم ولا إيه؟! لا بقى! من هنا ورايح، أنا اللي هظبط التابوت اللي دخلنا فيه ده."
رفعت ناميسا حاجبها بدهشة، وصاحت بسخرية مصدومة:
"تابوت؟! بتقولي على قصر ملك كمت تابوت؟! يا نهار مش فايت يا مريم!"
لكن قبل أن ترد ريم، جاء صوت قوي من خلفهم، حاسمًا الموقف دفعة واحدة.
"ريم!"
التفتت ريم بحدّة، لتجد خالد واقفًا بهيبته، يحمل في يده علبة مزخرفة، وفي داخلها خاتم يتلألأ تحت ضوء المشاعل.
اقترب منها بخطواتٍ ثابتة، ثم نزل على ركبته أمامها، ورفع يده بالعلبة قائلًا بنبرةٍ عميقة:
"أترضين بي زوجًا… على طريقة مصر القديمة؟!"
حبست ريم أنفاسها، وقد اتسعت عيناها من الدهشة، بينما قفزت مريم بسرعة، مقاطعة اللحظة بعفويتها المعهودة:
"نعم، يا له من مشهد! تتركون القاهرة ونيلها بمواويلها وزحمتها، وتيجوا تتجوزوا في تابوت؟! يا سلام! قمة الرومانسية بصراحة!"
تأفف خالد بضيق، وهو يتمالك أعصابه بصعوبة:
"يا مريم، اسكتي… أفسدتِ اللحظة!"
ردت مريم بضحكة ساخرة، وهي تشير بيديها حول المكان:
"أفسدتُ اللحظة؟! يا عم، هو أنت فاكر نفسك في باريس ولا في روما؟! ده إحنا جوه تابوت!
في تلك اللحظة، تقدم ديمون، وقد بدا عليه الغضب، وهو ينظر لمريم بازدراء حاد:
"كفي عن هذا الهراء! أتهزئين بقصري؟!"
التفتت إليه مريم، وقد اتخذت وضعية درامية مفتعلة، ثم وضعت يدها على قلبها وتصنعت الألم:
"قلبي، قلبي، قلبي! انتَ جرحت قلبي بكلامك ده يا جدو! آه يا وجع!"
ثم أردفت بمكر، وعينيها تلمعان بمكرها المعتاد:
"على فكرة، يا سادة، من غيري مش هتعرفوا تطلعوا من هنا…"
فجأة، أمسكت بها نور من الخلف، وهي تهزها بعصبية وتقول بحدة:
"إنتِ، يا جالبة المصايب! تعرفي طريق الخروج وساكتة؟! ده انتي تستاهلي تتحبسي لوحدك في تابوت فعلاً!"
ردت مريم بخبث وهي تنظر لها من طرف عينها:
"يا حلوة، انتي عايزة تخرجي ولا الجو عاجبك؟! وبعدين، يا عسل، بريستيجي وسط المومياوات كده مش لايق عليّ أبدًا…"
في تلك اللحظة، أشار ديمون إلى نفسه بدهشة، متسائلًا:
"مومياوات؟! نحن مومياوات؟!"
ثم هتف غاضبًا بأعلى صوته:
"امسكوا هذه الفتاة وارموها في السجن، حتى تتعلم كيف تتحدث مع ملك كمت!"
لكن مريم لم تفقد أعصابها، بل رفعت حاجبها بتهكم، ووضعت يدها على خاصرتها قائلة ببرود:
"آه، إيه يا جدو! براحة! دي أول مرة في حياتي أشوف مومياء بتتكلم!"
وهنا انفجر الجميع بالضحك، فقد كان الموقف يفوق كل التوقعات، حتى خالد ونرمر ونور وريم الذين وقفوا يراقبون المشهد من بعيد، أمام تمثالٍ ضخم للملك "توت عنخ آمون"، لم يستطيعوا تمالك أنفسهم، وقد غلبهم الضحك.
ارتجّ المكان بضحكاتهم جميعًا، لكن شيئًا ما في الأفق كان يوحي بأن هذه الليلة لن تنتهي عند هذا الحد…
«اعتراف بالحب»
في بهو قصر "نرمر"، كان "حابي" يقف في منتصف المكان، يرقب كل ما يجري بعينين ضيقتين، وقد بدا عليه الملل الشديد، فقد ضاق ذرعًا من تلك المشاحنات العبثية، خصوصًا بين مريم وديمون.
قال بنبرة حازمة، وقد عقد ذراعيه فوق صدره:
"توقفي عن هذه الثرثرة… وأخبرينا كيف صار الحل معكِ، فأنا أعلم يقينًا أن وجودكم هنا ليس محض صدفة، بل بسبـبكِ أنتِ… قولي، ماذا فعلتِ؟"
رفعت مريم حاجبها ببرود، وردت بجرأة متعمدة، وقد وضعت يدها على خاصرتها: "شتمتك في سرّي… واضح إنك عامل سحر على اسمك، بيجيبني غصب عني."
ارتجف حاجباه من الغضب، وصاح: "ماذا تقولين؟!"
هزّت كتفيها بلامبالاة: "ولا شيء… أنا معايا قلادة الأبعاد دي، مكنتش أعرف إنها بتجيب ناس من عوالم تانية وتنقلهم كده."
قهقه ساخرًا: "على أساس إنكِ فاهماها يعني؟!"
لوّحت بيدها بتكاسل: "يووووه بقى، هو أنا هقعد أترجم يا عم؟! ترجم أنت بقى، مالك واقف قرفان كده؟!"
أشاح بوجهه عنها، وقد كتم غيظه بصعوبة، فابتسم نرمر ببرود وقال: "أنصت لي… دعك منها. الحقيقة، هي كانت بتلعب في متحف، بتجري يمين وشمال كعادتها، وفجأة مسكت القلادة دي، فحسبتها مجرد عقد، ومن هنا حصل الانتقال لعالمنا.
والعبور كان سهل لأنها كانت قريبة مني… ومعايا أنا قلادة زيها."
ثم أشار إلى عنقه حيث تتدلّى قلادة بريقها غريب.
ضحكت مريم فجأة، وقالت بخفة: "خلاص بقى، وضحت الحكاية! شوفت بقى أنا المترجمة العالمية؟! المهم، نركب على قلادتك ونرجع عالمنا بقى، يلا يا فصيح زمانك."
رمقها نرمر بنظرات نارية حادة وقال بحدة: "ردودك سريعة يا مريم، فعلاً لسانك طويل."
غمزت بعينيها بوقاحة طفولية: "أنت عايز تفضل قاعد هنا معايا نهرّج ولا نرجع؟! أصلاً إنتو مش ناقصين عقليات زيي."
تأفف حابي بغضب مكتوم وقال بتهديد: "تأدبي في حضرتي…"
ضحكت وهي تلوّح بيدها: "بس يلا."
ساد صمت ثقيل، الجميع شهق بدهشة مذهولة، لم يتصوروا أن فتاة يمكنها أن تتحدث مع ملك بهذا الاستهزاء العلني.
صاحت نور بفزع: "اسكتي… اسكتي، فمك ده مصايب! حد عاقل يقول للملك 'يلا'… يا قادرة!"
ردّت مريم ساخرة، وهي تشير إلى نرمر باستخفاف: "هو شكله عيل، ما تقوليش ملك عليّ!"
وقبل أن تنطق بكلمة أخرى، أمسكت ريم فم مريم بعجلة: "روحي شوفي ناميسا بتنده عليكِ، يلا بسرعة."
نظرت لها مريم بتمثيل درامي: "إيه ده يا ريم؟! بتطفشيني؟! مكانش العشم!"
وبحركة سريعة، تركتهم مريم وهي تلوّح بيدها مهددة: "ماشي، همشي… بس راجعة تاني! ما تفتكروش هسيبكم تهنوا في تابوتكم ده! يا شوية ممياوات ماشية على رجلين!"
ثم ركضت بسرعة قبل أن يمسكها خالد.
قال خالد ساخرًا: "مكملناش كلامنا يا ريم…"
لكن قبل أن يكمل، سمع صوتًا خلفه، وإذا بها مريم قد عادت بسرعة: "لأ، كملته… بس إنت بتتلكك، يا لئيم."
ضحكت ريم على تصرفاتها غير المسؤولة، وتمنت بحرقة: "يارب صبّرني… لحد ما نطلع من هنا على خير."
لكن مريم عادت مجددًا، وهي تبتسم بمكر: "وليييه نخرج؟! ده حتى تمثال توت عنخ آمون شكله حلو أوي عليكم هنا… يعني لو حكمت تعترف لها بحبك، هنا وسط الميتين، تبقى لحظة رومانسية مش هتتنسي!"
تنهّد خالد بيأس: "لأ بقى… محدش هيعرف يقول كلمتين طول ما مريم هنا، يلا بينا، نكمل كلامنا في مكان تاني."
أخذ خالد يد ريم وابتعد بها قليلًا ليكمل اعترافه لها.
ابتسم وهو يقول: "أخيرًا بعدنا عنها! مريم دي مش ممكن، كارثة تمشي على رجلين."
ضحكت ريم بسعادة، وهي تراه يصف مريم بكل هذا الضيق.
قالت ضاحكة: "مريم وراك!"
التفت برعب، لكن سرعان ما أدرك أنها تمزح، فضحكت ريم على منظره.
قال مستسلماً: "بتشتغليني… ماشي، شكلك مش مريم بس المجنونة بالمقالب. المهم…"
ابتسم فجأة وأمسك يدها برقة: "المهم عندي… إني بحبك."
شهقت ريم بذهول:
"إيه؟! سكتي يعني؟!"
ثم قال ضاحكًا: "لا، أنا جاد… اتفاجئتي؟!"
هزت رأسها ببطء، وهمست بصدق: "أيوه… مكنتش متخيلة إنك تقولها."
ابتسم بهدوء وهو ينظر إلى عينيها: "ليه؟!"
قالت بخجل: "معرفش… يمكن مكنتش متوقعاها."
همس لها بلطف: "طيب، قولي حاجة."
ضحكت بحمرة خديها: "موافقة."
ردّ مبتسمًا: "بس كده؟!"
خفضت رأسها من الخجل، فاكتفى بابتسامة وهو يراقبها بحب.
في تلك اللحظة، جاء صوتٌ مألوف من الخلف، مفعم بالسخرية: "ياسلام على الحب وسنينه…"
لم يحتج أن يلتفت، فقد عرف فورًا من صاحبة الصوت… إنها مريم، مفسدة اللحظات الرسمية.
ضحكت ريم مجددًا، وقد شعرت بالبهجة وسط كل هذا الجنون.
وفي زاوية أخرى من القصر، كان نرمر يقف أمام نور، ينظر إليها بعمق، وقد لاحظ نظراتها المرتبكة تجاه القمر.
قال بهدوء، وهو يكتم صراعه الداخلي: "أتنظرين للقمر؟!"
انتبهت إليه، وهمست: "أنت…"
تنهد نرمر، وقد شعر أن تلك الليلة لم تترك له خيارًا للهروب من قلبه:
"أحبكِ يا نور… أتركيني أعبر عن حبي لكِ. أعلم أن مصيرنا الفراق، لكن لا زلت أرجو أن يحدث شيء يُبقيكِ معي.
لم أعد أحتمل هذا الغياب… بدونكِ عالمي مظلم.
هل رأيتِ يومًا مكانًا مظلمًا، وفجأة عند دخولكِ أضاء؟!
هكذا هو قلبي، لم يعرف النور حتى التقيتكِ…
أحييتِ قلبي، جعلتِه ينبض من جديد…"
تبسمت "نور" رغم دموعها التي انهمرت بحرقة، تواطؤ القدر كان أقسى من أن يُحتمل، فقد جعلها تعشق رجلاً من عالم آخر!
همس برجاء: "تكلمي يا نور… أستسلمين لفراقنا؟!"
هزت رأسها والدموع تملأ عينيها، وهمست: "لا… لا أقدر… قلبي أحبك منذ أن رأيتك…"
ابتسم بحب، واقترب منها، يهمس في أذنها: "أنتِ نوري… الوحيدة التي تملكين قلبي وعقلي وروحي…"
صوت فجائي قاطع اللحظة، جاء من بعيد متهكمًا: "ياخد روحك يا شيخ…"
التفت الجميع بدهشة، ورأوا مريم تركض بكل قوتها، وخلفها "حابي" يركض ليمسك بها، في مشهد كوميدي عاصف جعل الجميع ينفجرون من الضحك، حتى سقطوا أرضًا من شدته.
صاحت مريم وهي تركض: "بتضحكوا؟! ما توقفوا الطور السريع اللي ورايا ده! نفسي يتقطع، يا رب نفسه يتقطع!"
لكن "ناميسا" أمسكتها أخيرًا وسط ضحكات الجميع، وهم يراقبون المشهد الجنوني.
صرخت مريم وهي تتلوّى محاولة الإفلات: "آه على الغدر لما يجي من أقرب الناس ليكِ! انتي يا ناموسة، تمسكني وتبعيني كده؟!"
أشارت ناميسا برأسها علامة نعم، دون أن تتفوه بحرف.
قالت مريم وهي تتنهد بتهكم: "حلوة أوي… بقى كده؟! خلاص، اللي ليه حق هياخده… ده لو عرفتوا تاخدوه!"
ابتسم حابي فجأة، ثم صرخ بصوت جدي أثار ذهول الجميع: "أنا هخلّصكم من القادرة دي… وهتجوزها، وهظلم نفسي!"
شهق الجميع في لحظة صدمة: "نعم؟! انتَ قلت إيه؟!"
ابتسم حابي ببرود وهو ينظر إلى مريم: "قلت هتجوزكِ."
ردت مريم بذهول: "إيه ده! أنتَ بتتكلم زيّنا؟!"
ضحك، ثم فجأة صفعها بخفة على خدها، وهو يقول بجدية صارخة: "من الأول، وأنا فاهم لغتكِ… يا مصيبة متحركة."
ضج الجميع بالضحك، فقد أيقنوا أن لا أحد يليق بمريم سوى هذا الرجل العجيب، الذي يستطيع كبح جنونها.
قال ديمون بصرامة: "يبدو أن علينا العودة لعالمكم قريبًا… يجب أن نستعد وفق طقوسهم…"
والآن، عيون الجميع اتجهت نحوه، فمصيرهم معلّق بيده… وبالقلادة التي يحملها..!
في قاعة القصر، حيث كان القمر مكتملًا في السماء، يتلألأ نوره على وجوه الجميع، وقف "ديمون" بابتسامة هادئة، وهو يقول بصرامة:
"لقد انتهيتُ من إصلاح القلادة… وعليكم أن تستعدوا للمغادرة عند اكتمال القمر في الشهر المقبل."
ما إن نطق بتلك العبارة، حتى ارتسمت نظرة غريبة على وجه "نرمر"، الذي لم يتحوّل بصره عن "نور"، وكأنه لم يسمع سواها: "وهل يكتمل القمر، وهو في الأصل مكتمل، لا ينقصه شيء؟!"
ضحكت مريم بتهكم، وقالت بمرحٍ معهود: "يا عم روميو الفراعنة، خف علينا شوية! خلينا نعدي الشهر ده على خير."
ضحك الجميع، لكن "نرمر" ظل صامتًا، يتأمل نور في صمتٍ يحمل ألف معنى.
ضحكت مريم ضحكة شقية، ونظر لها نرمر وقال. "عارفة يا مريم، أول ما نرجع لعالمكم، أول حاجة هعملها هبلغ عنكِ إنك اخترقتي أبحاث دفعتك، وفتحتي بوابة لعالم تاني!"
ردّت عليه بجرأة، وهي تشيح بيدها: "يا جدو، شوف مين هيصدقك! ده أنا أصلاً مش مصدقة نفسي."
ركضت بعدها فجأة، وأغلقت على نفسها الغرفة، لكنها لم تستطع تجاهل كلمات "حابي" التي ظلّت ترنّ في أذنها.
ومضت الأيام، مرّ الشهر سريعًا دون أي أحداثٍ تُذكر، سوى تلك المشاكسات اليومية التي اعتاد الجميع عليها من مريم، حتى أصبح وجودها جزءًا لا يتجزأ من يومهم.
وفي قاعة الجامعة، وقفوا جميعًا أمام العميد، يعتذرون عن غيابهم الطويل، ويقدمون الأعذار عمّا حدث خلال الأشهر الثلاثة الماضية.
أما "حابي"، و"ناميسا"، و"نرمر"، فقد بدؤوا في التأقلم مع الحياة في مصر الحديثة، وتعلّموا أسرارها الصغيرة، وأتقنوا اللغة الدارجة بطلاقة مدهشة، بل أصبحوا يتحدثون بها وكأنهم من أهل البلد.
ومع مرور الأيام، توثقت العلاقات بينهم، وتحوّلت صداقتهم إلى روابط حب حقيقية، فأعلنوا جميعًا خطوباتهم:
حابي ومريم… خالد وريم… نور ونرمر…
كانت السعادة تغمر الجميع، بينما "ناميسا" كانت تراقبهم من بعيد، وعلى شفتيها ابتسامة هادئة، وفي قلبها حسرة خفيفة.
قالت بحنين وهي تبتسم: "وأنا بقى إمتى هرتبط؟! ولا مفيش أمل، خلاص أرجع لعالمي وأدور على ملك وأتجوزه؟!"
ضحك "حابي" بخفة، وقال لها بحبٍ أخوي: "يا بنتي، إنتِ ملكة نادرة، تستاهلي حياة الملوك، السعادة لقلبكِ. إنتِ زي النجوم، بتلمعي في السماء، لا حد يقدر يقارن جمالكِ."
قاطعتهم مريم بصوتها المعتاد، غير قادرة على ترك اللحظة تمر بهدوء: "يا سيدي… يا سيدي… شوفوا الكلام اللي يموع النفس ده!"
تنهد "حابي" وقال بضيق: "يا بنتي، إنتِ المشاعر ما عدتش عليكِ ساعة واحدة؟!"
ردّت ساخرة وهي تضحك: "كتر المشاعر عندكم بيجيبلي حموضة، هو انتو مش ملاحظين إن عندكم إسراف عاطفي؟!"
ضحك الجميع، وقال "حابي" وهو يلوّح بيده: "عديمة الرومانسية…"
نظرت له بعينين متكاسلتين وقالت بتدلل: "أنا عديمة الرومانسية يا حبي…"
رد ضاحكًا: "إنتِ الحب كله يا حب."
ضحكت نور، وقالت ممازحة: "ثبتك بكلمتين مش سهل يا حابي!"
غمزت لها مريم قائلة: "نرمر مش سهل برضه…"
خجلت نور من كلامها واحمرّ وجهها، بينما الجميع كان يضحك على تعليقات مريم الجريئة.
أما ريم، فكانت تلتزم الصمت، حينما أخبرها خالد بجدية عن رغبته في الزواج منها.
قالت مريم بخفة: "يا بنتي، إيه المشكلة؟! اتجوزوه الأسبوع الجاي، ما تتأخروش!"
ردت ريم بقلق، وصوتها متحشرج: "خايفة يا مريم… حكاية ماما بتطاردني لحد دلوقتي…"
وضعت مريم يدها على كتفها، وقالت بلطفٍ حقيقي، بعيدًا عن مزاحها المعتاد: "انسي يا ريم… دي حاجات بتاعت ربنا، متفكريش كده."
لم تتمالك ريم دموعها، وانفجرت باكية في حضن مريم، التي ضمّتها بحنو، محاولة تهدئتها.
همست مريم، وهي تمسح دموعها: "اهدي يا ريم، إن شاء الله خير، بلاش توسوسي لنفسك."
قاطعتهم ناميسا، وقد بدت حريصة على فهم ما يجري: "ما بها ريم، يا مريم؟!"
نظرت لها مريم بملل: "بقولك إيه، اتعلمتي العربي، اتكلمي بقى عادي، متقرفناش بقى!"
نظرت ناميسا، وقالت بضحك: "قرف يخدكِ يا شيخة… المهم ريم مالها؟!"
حكت ريم كل شيء لناميسا وللجميع؛ عن خوفها الدفين، عن ذلك اليوم الأسود الذي فقدت فيه والدتها لحظة ولادتها، كيف ظلّ شبح الحادثة يطاردها، ويجعلها ترتعد من فكرة الزواج، خشية أن تلقى نفس المصير وتترك طفلها يتيمًا.
لكن خالد لم يتخل عنها، احتواها بعطفه، ووقف إلى جانبها حتى زالت مخاوفها، ثم تم زواجهم بالفعل، عقدوا قرانهم في صمتٍ جميل، وكانت البداية لحياة جديدة:
مريم وحابي… خالد وريم… نور ونرمر…
ثلاثة قصص حب، جمعت بين عالمين مختلفين، وكأنهم كُتبوا ليكونوا معًا، رغم اختلاف الأزمنة والمعتقدات.
لكن في قلب كل هذه القصص، كانت مريم كما هي، مشاكسة، ساخرة، تضحك وتبكي في اللحظة ذاتها، لكنها رغم كل ذلك، بقيت الروح التي لا غنى عنها بينهم جميعًا....
الفصل العاشر من هنا