رواية فتاة الإشارة الفصل السابع عشر 17 بقلم اسماعيل موسى


رواية فتاة الإشارة الفصل السابع عشر 17 بقلم اسماعيل موسى


 ظل يامان واقفًا في مكانه كأن الهواء حوله أصبح أثقل من المعتاد والدخان الصاعد من سيجارته يدور ببطء في الفراغ بلا اتجاه واضح بينما الصمت يسيطر على المكتب كأنه امتداد طبيعي للتوتر الذي لم ينتهِ بعد.


كانت تالا تقف على مسافة قصيرة منه دون حركة، لكن داخلها لم يكن ساكنًا على الإطلاق، بل كان عقلها يعيد المشهد مرة بعد مرة، لا يتوقف عند تفاصيل الكلام، بل يحاول تفكيك البنية الكاملة للعقد وكأنه يبحث عن نمط خفي لا يظهر للعين مباشرة، عاينت تالا يامان يتألم ،لم يكن بيدها ما تستطيع فعله ،كانت عاجزة آمام كل ذلك الدمار، شعرت باحباط مروع وبلا كلام غادرت المكتب الخانق.


في تلك الليلة لم تعد إلى منزلها كالمعتاد،دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها بإحكام، كأنها تفصل العالم كله خارجًا

وضعت هاتفها على الطاولة دون أن تنظر إليه، وأغلقت الإشعارات، ثم جلست أمام الأوراق التي بدأت تتراكم حولها بصمت ثقيل،في اليوم الأول لم تنم،وفي اليوم الثاني فقدت الإحساس بالوقت،وفي اليوم الثالث لم تعد تفرق بين سطر في عقد وسطر في ملاحظاتها الخاصة

كانت تعيد قراءة نفس الملفات عشرات المرات، تقارن النسخ، تراجع تواريخ التسليم، وتعيد ترتيب الأحداث داخل عقلها لا على الورق،لكن كل محاولة كانت تنتهي إلى نفس النتيجة، طريق مغلق لا ثغرة واضحة فيه ولا خطأ قانوني يمكن الإمساك به،ومع مرور الأيام بدأت تالا تدخل في حالة عزلة كاملة،لم تذهب إلى العمل، لم ترد على أي اتصال

وكأن العالم خارج غرفتها توقف تمامًا

كانت تنهض أحيانًا لتسير داخل الغرفة ذهابًا وإيابًا بلا هدف، ثم تعود لتجلس فجأة أمام الأوراق كأن فكرة هاربة قد تعود إذا انتظرتها جيدًا،وفي لحظات الإرهاق الشديد كانت تسند رأسها بين يديها وتهمس لنفسها بأن المشكلة ليست في العقد نفسه بل في الطريقة التي يُفهم بها،لكن هذا الإدراك لم يكن كافيًا بعد،كان هناك شيء ناقص، شيء لا يظهر مهما أعادت القراءة،وفي الليلة السابعة، وبعد صراع داخلي طويل بين الإرهاق والإصرار، حدث التحول

لم تكن تقرأ هذه المرة بل كانت تحدق في الأوراق بصمت كامل

كأن عقلها توقف عن البحث التقليدي وبدأ يبحث بشكل مختلف

فجأة لاحظت شيئًا صغيرًا جدًا لم يكن ليلفت الانتباه من قبل

تكرار غير مباشر في صياغة التزامات التسليم عبر المستندات

لم يكن العقد يعتمد على تاريخ واحد نهائي للتسليم

بل على مراحل متتابعة، لكل مرحلة تعريف مستقل ومسؤولية منفصلة،توقفت تالا طويلاً عند هذه الفكرة

ثم شعرت أن كل الأيام الماضية كانت تقودها إلى هذه اللحظة فقط، همست لنفسها بصوت مرهق لكنه واضح

المشكلة ليست في التأخير نفسه بل في تعريف التأخير داخل العقد،وفي اليوم التالي خرجت من غرفتها بعد أسبوع كامل من العزلة، وجهها مرهق، عيناها تحملان أثر السهر الطويل،

وبعد تدقيق مرهق أدركت أن هناك بندًا صغيرًا تم تجاهله لأنه بدا ثانويًا داخل الصياغة الطويلة للعقد

وهو بند ينص على أن أي تأخير ناتج عن طرف ثالث خارج السيطرة المباشرة لا يُعامل كإخلال كامل بالعقد إلا إذا ثبتت المسؤولية المباشرة عن التنفيذ

توقفت تالا عند هذه الجملة طويلاً ثم أدركت أن الوفد يبني مطالبه على اعتبار أن التأخير إخلال مباشر ونهائي بينما العقد نفسه لا يثبت هذا التفسير المطلق


لم يكن الحل فى العقد نفسه ،بل اقحام شيء صغير داخل العقد، كتبت تالا ملاحظاتها بدقه، بدلت ملابسها كانت لم تنم منذ اسبوع ولم تأكل الا لتعيش  فى هاتفها الف اتصال من الشركه ومن يامان لم ترد عليها.

وصلت الشركه الساعه العاشره صباحآ كانت فى حاله يرثى لها  صعدت الدرج نحو مكتب يامان متجاهلة نظرات رئيس قسمها الاتهاميه كانت تعرف انها ستعاقب على الغياب

لكن غير مهم، الأهم انقاذ يامان من ورطته.


طرقت الباب ودخلت ،كان يامان جالس على مكتبه

المكتب مغبر بدخان سجائرة ،عينيه محمره من ألسهر والإرهاق

همس بغضب انتى ؟

كنت عارف انكم شبه بعض ،تختلف الأسماء لكن كلكم نفس العينه،، بتهربو لما الشخص يكون بحاجه إليكم، راجعه ليه ؟

صرخ يامان وقد ازداد غضبه ،روحى مطرح ما جيتى يامان السويدى مش محتاج إى شخص، يامان قادر يواجه مشاكله بمفرده ،تحملت تالا الاهانه ،راعت ظروفه الصعبه

مدت الملف ،اقتراحات تانى ؟ صرخ يامان وقبض على الملف  رماه على الارض وتبعثر ورقه، امسك تالا من ذراعها اطلعى بره مش عايز اشوفك فى الشركه مره تانيه

حاولت تلا تفتح بقها، تتكلم لكن يامان جرها برا المكتب

وقدام الموظفين دفعها على السلم، غورى.

تعثرت تالا وسقطت على الأرض ثم دارت على درج السلم فى سقطات متتاليه مؤلمه.

سقطت دموعها ،وركضت خارجه من الشركه، جرت مثل المجنونه فى الحديقه وفى الشارع حتى انتهت قوتها

اخيرآ بفعل التعب سقطت على الأرض وعندما استعادت وعيها كان فى وجهها نظره صارمه ،نظرة شخص يتمنى زوال كل العالم.

أغلقت هاتفها، ظلت ايام فى غرفتها تبكى محبطه منسكره

زليله تلوم نفسها على خطاء لم ترتكبه، كانت تصرخ لما انا؟

اذهب الى سكرتيرتك، عشيقتك ،بسنت ،عاتبها، اضربها

لكن انا ليه ؟ عملت ايه؟

ثم قررت أن تختفى عن العالم كله.


جمع النادل الأوراق فى مكتب يامان والقاها فى سلة المهملات تحت عيون يامان الساحقه

كان جالس على مكتبه، الشيطان يتلاعب برأسه

كيف يفقد كل شيء دفعه وأحده ؟

المملكه التى بناها تنهار فوق رأسه، ارث عائلته يضيع بسببه ؟

رن هاتفه برقم مربيته فردوس ،لم يرد لكنه لاحظ رساله كانت وصلته من هاتف تالا، لم يفتح الرساله لكن الكلام الظاهر كان يقول لقد وجدت الحل.

ابتسم يامان بسخريه حل ايه ؟ كلكم واحد، خونه متسلقين

احرق يامان ما لا يعد من لفافات التبغ لم يطق الجلوس فى المكتب، أغلق هاتفه وهو خارج نظر إلى سلة المهملات والتقط ورقه من ملاحظات تالا..


                  الفصل الثامن عشر من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة