رواية المجنونه والمقبرة الفصل السادس 6 بقلم صباح البغدادي


رواية المجنونه والمقبرة الفصل السادس 6 بقلم صباح البغدادي


«لعنة كِمِت والبوابة السوداء"

 "استيقاظ الملك… وعودة اللعنة"


في زاوية معزولة من المدينة، كان الليل يُخيّم بهدوئه المريب، لكن هناك… في ذلك البيت القديم، نافذة صغيرة ينبعث منها ضوء أحمر خافت، يتراقص بين الظلال كأنّه شُعلة تحذير خفيّة لا تراها إلا الأرواح الهائمة.


في الداخل، كان جسده ممدّدًا على الفراش، ساكنًا كأنه تمثال نُحت بيد فنان مهووس بالدقة. ضوء النافذة ينصبّ فوق وجهه، يوقظ ملامح رجل بملامح ملكيّة، كأنّه لم يذق طعم الزمن.

لكن هذه الليلة لم تكن كغيرها… إذ تسلّلت إلى أذنيه أصواتٌ لم يعهدها.


— "ماما… يا ماما! الراجل اللي لقيناه على الطريق بالليل… فاق! فاق والله!"


ركضت الطفلة الصغيرة تنادي أمها، وصوتها يحمل خليطًا بين الخوف والدهشة، بينما هرعت الأم إلى الغرفة، ملامحها متوترة، وصوتها يلهث:


— "أخيرًا؟! يا رب سترك… روحي بسرعة هاتِ الدكتور، بسرعة! هو قال من الأول إنه ممكن يفوق في أي لحظة!"


لم تمرّ سوى دقائق، حتى حضر الطبيب، يحمل حقيبته، وخلفه الفضول يجرّه جَرًّا.

وقف بجانب الفراش، يتفحّص الرجل النائم بعين خبيرة، قبل أن يقترب ببطء، وعيناه لا تفارق ملامحه الغريبة.


لكن الرجل فتح عينيه ببطء، نظرة جامدة، كأنها تخترق الزمان والمكان، حدّق في الجميع بحيرة، كأنه ضاع في عالم لا يعرفه.

حاول النطق… لكن الكلمات خرجت بلغة لا يفهمها أحد، لغة بدت كأنها تعويذة قديمة بعثت من رماد القرون.


الطبيب اقترب بحذر، محاولًا تهدئته:


— "اهدأ، إنت في أمان… قول لي اسمك؟ منين؟"


لكن الرجل ظل يحدّق بعينيه العميقتين، وكأنه يحاول فك شيفرة هذا العالم الغريب من حوله، ثم قال أخيرًا بنبرة آمرة، بصوت جهوري اعتاد أن يُسمَع ويُطاع:


— "عفوًا، لا أفهمك! تحدّث بلغة أفهمها!"


ساد الصمت، والوجوه تجمّدت، تبادل الجميع نظرات قلق، بينما الطبيب لم يملك سوى أن يهمس مذهولًا:


— "هو… فاكر نفسه ملك بجد؟!"


لكن الرجل رفع رأسه ببطء، نظر للطبيب نظرة فيها عظمة وكبرياء، وقال بنبرة وكأنها وحي يُتلى على مسامع العالم:


— "أنا من كِمِت… أنا ملك كِمِت!"


جمدت الأنفاس في صدورهم، أحد الشبان انفجر ضاحكًا، يحاول تخفيف وطأة الرعب المتصاعد:


— "يا جماعة! شكله فاكر نفسه بطل فيلم The Prince of Egypt ولا حاجة! هو إيه الهزار ده؟!"


لكن الضحك لم يدم طويلًا… لأن نظرات الرجل لم تكن نظرات شخص يهذي، بل كانت عينيه تلمع بيقين، وعقله حاضر بقوة.


في داخله، كان نرمر يظن أنه غاب فقط لشهر واحد… لم يكن يعلم أن عامًا كاملًا قد انقضى في هذا الزمن.


اعتدل جالسًا، رغم الإرهاق الذي يُنهك جسده، وقال بصوت أجوف، كأن صدى مقابر الملوك يخرج من حنجرته:


— "كنت أبحث عن إحداثيات القلادة… قلادة الأبعاد التي كانت بحوزتي… إنها ليست زينة، بل مفتاح العبور بين العصور."


العالم حوله كان ينهار في ذهول. الكل يحدّق فيه، يتساءل: هل هذا مجنون، أم حامل لسرّ لا يدركونه؟!


صوت خافت هتف في الزاوية:


— "ده مجنون رسمي… ولا إحنا اللي اتجننا؟!"


لكن الطبيب أشار بيده للسكوت، ونظر للرجل بعمق، كما لو أنه يحاول أن يفهم ما وراء تلك العيون الصلبة.


أما نرمر، فقد كان يحس بتصاعد نيران الغضب داخله، تنبعث مع أنفاسه الثقيلة، قبل أن يهدر بنبرة مهيبة:


— "جئت عبر القلادة… لأمنع الكارثة. لقد كانوا يحفرون قرب الهرم الأكبر… اقتربوا من البوابة السوداء… من السحر المحرّم! لو استمروا، سينقلب العالمان فوق بعضهما، كانت كِمِت ستُبتلع مع هذا الزمان! جئت… لأوقفهم… قبل فوات الأوان."


ساد صمت يشبه السقوط الحر… الحضور تجمّدوا في أماكنهم، والرعب يزحف في زوايا الغرفة كأنه دخان لا يُرى، بينما الحقيقة أمامهم بدت أفظع من أن تُقال بصوتٍ عالٍ.


لقد استيقظ الملك… ومعه استيقظت اللعنة...! 

في تلك اللحظات المشحونة، كان الطبيب خالد يحاول السيطرة على توتره، بينما يراقب نرمر بعينين مليئتين بالشك والحذر. كل شيء في هذا الرجل يثير الريبة، بدءًا من ملامحه، مرورًا بملابسه، وصولًا إلى لغته الغريبة، ثم قدرته المفاجئة على فهمهم والتحدث بلغتهم.


تنحنح خالد قليلًا، محاولًا إخفاء ارتباكه، وقال بنبرة حذرة، وهو يراقب كل حركة لنرمر:


— "بص… أنا مش هسألك إنت مين ولا جاي منين… لأن واضح إن الليلة دي مش ليلة أسئلة ولا إجابات… بس فيه حاجة أهم دلوقتي."


صمت لحظة، ثم أشار إلى ملابس نرمر الغريبة:


— "لو نزلت كده في الشارع، الناس مش هتسيبك… ده إحنا في عصر كاميرات وموبايلات! لازم تلبس حاجة تليق بزمننا، عشان تعرف تتحرك وتتصرف براحتك."


ظل نرمر ينظر إليه بثبات، بعينين فيهما عمق آلاف السنين، كأنه يُقيّم حديثه بميزان ملكي قديم، قبل أن يُخفض رأسه قليلًا ويقول بصوت هادئ، فيه نبرة استيعاب وقبول:


— "معك حق… لا بد أن أتخفى… فالمعركة لم تنتهِ بعد."


ارتاح خالد قليلًا لمرونة نرمر، فتنهد بارتياح، واتجه نحو خزانة قديمة في زاوية الغرفة، يبحث بين ملابسه عن شيء يناسب هذا الضيف العابر للزمن.


وأثناء بحثه، خطر في باله سؤال، جعله يتوقف عن الحركة فجأة، كأن صاعقة سقطت على رأسه. التفت إلى نرمر ببطء، وقد تجمّدت ملامحه بدهشة شديدة:


— "استنى… استنى… إنت… إنت كنت فاهمني وأنا باتكلم معاك؟!"


ارتسمت على وجه نرمر ابتسامة خافتة، لم تخفَ عنها تلك الهيبة المتجذرة فيه، ثم رفع رأسه، ونظر لخالد نظرة ثابتة، وقال بنبرة هادئة، كمن يكشف سرًا قديمًا:


— "منذ أن وطأت قدمي أرضكم هذه… صارت لغتكم بين يدي كما لو وُلدت بها… أُتقنها متى أردت."


تسمرت عينا خالد، لا يدري إن كان سيُغمى عليه من هول المفاجأة، أم سيضحك من عبثية الموقف. رفع يده إلى رأسه، ومررها على شعره في حركة لا إرادية، ثم تمتم لنفسه بذهول:


— "يا نهار أبيض… إحنا مش ناقصين سحر، كمان بيفهم ويتكلم بلساننا! يا ساتر يا رب."


لكن نرمر اكتفى بالصمت، ينظر إليه بثقة، كأنه يعلم أن ما يقوله لا يحتاج إلى تفسير، فهو ببساطة "نرمر"، ملك كِمِت، المعتاد على ما هو أعظم.


بلع خالد ريقه بتوتر، ثم استجمع شجاعته وواصل بحثه في الخزانة، حتى وجد سروالًا جينز داكنًا وقميصًا قطنيًا بلون رمادي، تناسبا مع جسد نرمر القوي.


تناولهما بيده، وقد تردد للحظة قبل أن يمدهما إليه، قائلًا بنبرة مشحونة بالحذر:


— "ها… جرّب دول… ولو احتجت أي حاجة تانية… أنا هابقى برّه، بعيد شوية، عشان مش عايز أشوف حاجة مش لازم أشوفها."


رفع نرمر حاجبه بخفة، ثم تناول الملابس بهدوء، وأجاب بثقة لا تخلو من نبرة ساخرة خفيفة:


— "لا تخف… فلستَ أهلًا لرؤية ما لا يُرَى."


اتسعت عينا خالد، ولم يملك سوى أن يخرج مسرعًا من الغرفة، قلبه يدق بجنون، وهو يتمتم:


— "يا ستير… أنا فين؟! هو أنا وقعت في فيلم ولا لعبة بلايستيشن ولا إيه؟!"


أما في الداخل… فقد وقف نرمر أمام المرآة للمرة الأولى في حياته، يحمل بين يديه ملابس هذا العصر، ينظر إلى انعكاس صورته… كأنّه يرى شبحًا من زمن بعيد في جسدٍ جديد.


تمتم لنفسه ببطء، كمن يُحدّث روحه القديمة:


— "الزمن… لا يرحم الضعفاء… لكنني لستُ ضعيفًا."


ثم ابتسم ابتسامة غامضة، وبدأ يرتدي ملابس العصر الحديث، استعدادًا للخطوة التالية من رحلته....


                   الفصل السابع من هنا 

            لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة