رواية فتاة الإشارة الفصل الثلاثون 30 بقلم اسماعيل موسى


رواية فتاة الإشارة الفصل الثلاثون 30 بقلم اسماعيل موسى


لا ليه يا بنتى؟  انا قلت ربنا استجاب لدعايا من ايام طويلة
من يوم وفاة والدى يامان وانا بدعيله ربنا يكرمه بواحده تعوضه عن إلى شافه فى حياته، يامان مش وحش وان كنتى شوفتى حاجه وحشه منه يغيرها.

اعتدلت تالا، الموضوع مش كده يا ست فردوس، يامان فاقد الذاكره وميعرفنيش شخصيأ ،حاليا عشان كلامكم الكويس عنى هو اخد الخطوة دى ،لكن انا مش هسمح لنفسى ارتبط بشخص عشان كلام الناس عنى عجبة.

أفهم من كده ان لسه فيه آمل ؟
بصت تالا على يامان، يامان بيه إدى نفسك فرصه تعرفنى واعرفك ،يمكن انا معجبكش ويمكن انا كمان متعجبنيش

تاهت ولقيناها يا بنتى همست فردوس بفرحه ،يامان يخطبك
ولو مستريحتوش كل واحد يروح لحاله.

صمتت تالا، بصى يا ست فردوس شهادتى فى يامان هتكون مجروحه ،يامان لسه مريض ومش عايزة قبولى ليه يكون فيه اى دافع من الشفقه، خلى يامان يتعالج وبعد كده ربنا يسهل.

قال يامان انا موافق ،مش لازم يحصل ارتباط دلوقتى
لكن مش هتسيبى الشركه، انا مش متذكر اى حاجه عن الشغل ولا انتى عايزه كل إلى عملتيه يروح هباء ؟
انا هفضل معاكى فى الشركه لحد ما اتذكر الشغل ماشى ازاى او ذاكرتى ترجعلي.

وافقى بقا ؟  حثته فردوس بنبره حنينه ،ميبقاش دماغك ناشف ؟
تمام، انا هرجع الشركه وانت هتكون موجود معايا خطوه بخطوه لحد ما تعرف كل حاجه حصلت فى غيابك.

فى صباح اليوم التالى دخل يامان الشركة للمرة الأولى بعد غيابه الطويل وكان الغريب أن المبنى كله صمت للحظة فور ظهوره فتوقف الموظفون عن الحركة واتسعت عيون البعض بدهشة بينما وقف آخرون يراقبونه كأنهم يرون شبحًا عاد من الموت أما يامان فكان يتحرك بهدوء غريب لا يحمل تلك النظرة المتعالية التى اعتادها الجميع منه قديمًا ولا ذلك الغضب الحاد الذى كان يملأ حضوره دائمًا بل بدا كرجل يدخل عالمًا يعرفه ويجهله فى الوقت نفسه
كانت تالا تنتظره داخل مكتب الإدارة تقف بجوار النافذة تراجع بعض الملفات وحين دخل رفعت عينيها نحوه للحظة قصيرة ثم أشارت إلى المقعد المقابل للمكتب وقالت اتفضل دا جدول الشغل إلى فاتك خلال الشهور الأخيرة فجلس يامان بهدوء وأخذ ينظر إلى الملفات المكدسة أمامه عقود وتقارير خسائر وطلبيات جديدة ومشكلات قانونية وخطوط إنتاج توقفت ثم عادت وكان كل شيء يبدو ضخمًا بصورة خانقة
قال بعد صمت قصير أنا كنت بسيب كل ده لمين فردت تالا وهى تفتح أحد الملفات لبسنت غالبًا أو للمديرين التنفيذيين فهز رأسه ببطء وكأنه يحاول فهم النسخة القديمة من نفسه ثم بدأ يراجع الأوراق معها واحدة تلو الأخرى
ومع مرور الأيام بدأت صورة جديدة تتشكل داخل الشركة حيث أصبح يامان يجلس ساعات طويلة داخل المكتب يستمع أكثر مما يتكلم بينما تتحرك تالا بين الملفات والهواتف والاجتماعات بسرعة مرهقة وتشرح له كل شيء بالتفصيل وفى البداية كان الموظفون يدخلون المكتب بتوتر شديد معتادين على يامان القديم الرجل الذى يصرخ قبل أن يسمع ويطرد قبل أن يناقش لكن المفاجأة أنه أصبح هادئًا بصورة أربكتهم أكثر من غضبه نفسه
فى أحد الاجتماعات وقف مدير المبيعات يعترض بعصبية على إحدى الصفقات الجديدة وقال إن تخفيض الأسعار مرة أخرى مخاطرة غبية وكان الجميع يعرف أنه قبل شهور كان يامان سيطرده فورًا بهذه الطريقة لكن يامان اكتفى بالنظر إلى تالا ثم سألها بهدوء رأيك إيه ففتحت تالا الملف أمامها وأجابت بثبات أن الصفقة ستكسبهم عميل تصدير جديد وأن الخسارة فيها مؤقتة لكن استمرار المنتج فى السوق أهم الآن من هامش الربح
ظل يامان ينظر إليها ثوانٍ طويلة ثم قال ببساطة نفذوا الصفقة فسادت حالة من الصمت داخل قاعة الاجتماع حتى إن المدير نفسه بدا مصدومًا من سهولة القرار وبعد خروج الجميع رمق يامان تالا بنظرة طويلة قبل أن يبتسم بخفة وقال هما كانوا مستحملين عصبيتى إزاى كل السنين دى فرفعت عينيها من فوق الأوراق وقالت ببرود خفيف مكنوش مستحملين كانوا خايفين منك بس
ضحك يامان لأول مرة بصوت واضح داخل المكتب وكانت ضحكة قصيرة لكنها حقيقية لدرجة جعلت تالا نفسها تتوقف لحظة عن الكتابة وتنظر إليه باستغراب بسيط ومع الوقت بدأت ساعات العمل بينهما تطول أكثر فأحيانًا يبقيان داخل الشركة حتى الفجر والأوراق مبعثرة فوق المكتب والقهوة الباردة تملأ المكان بينما يناقشان الصفقات وخطط السوق والأزمات التى تركها صقر المرشدى خلفه
كان يامان يتعلم الشركة من جديد لكن هذه المرة بعينيها هى فكانت تشرح له أسماء العملاء وتحكى له من خانه ومن وقف بجانبه وتخبره كيف كادت الشركة تسقط أكثر من مرة وأحيانًا كان يظل ينظر إليها أثناء الكلام دون أن ينتبه يراقب طريقة تحريكها للأوراق وعصبيتها حين يغلق أحدهم الهاتف فى وجهها وصمتها الطويل عندما تفكر وإصرارها الغريب على القتال حتى آخر لحظة
وفى إحدى الليالى كانت تالا تراجع عقدًا جديدًا قرب منتصف الليل بينما المطر يضرب الزجاج الخارجى للمكتب وفجأة قال يامان دون مقدمات إنتى كنتى بتعملى كل ده لوحدك ؟ لم ترفع عينيها عن الملف وقالت إى شخص فى مكانى كان هيعمل إلى انا عملته واكتر ، سكت يامان  لحظة قبل أن يهمس بصوت منخفض وصادق بصورة أربكته هو نفسه لا إنتى كنتى بتنقذى حياة كاملة مش شركة بس
توقفت يد تالا أخيرًا فوق الورق لكنها لم تنظر إليه فقط شعرت بشىء غريب يتحرك داخل صدرها ببطء شىء يشبه الخوف أكثر مما يشبه الراحة لأن أخطر ما فى يامان لم يكن قسوته القديمة بل هدوءه الجديد الذى بدأ يتسلل إليها دون أن تشعر.

مر أكثر من عشرين يوم من العمل يامان بداء يعود إلى عهده القديم من ادراك مسؤولياته وتالا تدقق فى احد الملفات
لما وصلت تالا رساله
تالا بصت فى الرساله وسحبت التليفون بعيد ،يامان حس انها حاجه خاصه
سأل تالا تشربى قهوة ؟
انا هخرج اطلب اتنين قهوة لو كنتى عايزه؟

الرساله كانت من صقر، انا واقع فى ورطه ومحدش هيقدر ينقذنى منها غيرك
قد يبدو طلبى غريب بالنسبه ليكى، شخص اختطفك وعذبك
لكنه يثق بك.

ردت تالا  ليه الانسه بسنت مش قايمه بالواجب؟

وصلها الرد ،اعتقد بعد خسارة مليارات بسببك استحق مساعده بسيطه ،تسديد دين قديم.

دين ايه؟ كتبت تالا بسرعه ،لو تحاسبنا انت إلى هتطلع مديون ؟
وانا مستعد اسدد ديوني كتب صقر بلا تردد.

بتكلمى مين سألها يامان وهو شايل فناجين القهوه ؟
بكلم صقر ردت تالا من غير مواربه

صقر ؟ اغمض يامان عيونه ،صقر المرشدى ؟ فتح ورقه فى جيبه دا أكبر اعدائى واعدائك ؟

همست تالا صقر بيطالبنى اسدد دينى ،الخساره إلى اما كنت سبب فيها ليه، بيقول محتاج مساعدتى ؟

انتظرت تالا يامان ان يغضب ،ان يصرخ او يقرر
بس يامان همس، انا واثق انك هتعملى الصح.

مر اليوم الأول بعد خروج تالا من الشركة بطيئًا بصورة لم يتوقعها يامان وكان المكتب يبدو أوسع من المعتاد بعد غيابها حتى صوت الأوراق فوق الطاولة صار مختلفًا والهدوء الذى كان يتمناه قديمًا تحول إلى شيء ثقيل يخنق أعصابه كلما مر الوقت
جلس يامان أمام الملفات يحاول التركيز فى الأرقام والعقود لكنه كان يرفع عينيه تلقائيًا نحو الباب الزجاجى كل عدة دقائق كأنه ينتظر أن تدخل تالا فى أى لحظة ثم يتذكر فجأة أنها ليست هنا أصلًا وأنها ربما لن تعود قريبآ

حتى القهوة التى اعتاد أن يشربها معها فقدت طعمها تمامًا وصار يطلبها ثم يترك نصفها يبرد فوق المكتب دون أن ينتبه بينما يظل شاردًا فى الكرسى المقابل لمكتبه وكأنه ما زال يتوقع أن يجدها جالسة هناك تدقق فى الملفات أو تراجع الأرقام بصمتها المعتاد.

لاحظ الحاج عبده ذلك التغير بسرعة وفى إحدى المرات دخل عليه يحمل مجموعة أوراق لكنه توقف وهو يراقب يامان جالسًا أمام المكتب بعينين ضائعتين ثم قال بخبث خفيف إن المكتب شكله ضلم فجأة ولا يمكن تكون عينيه هى التى تعبت
رفع يامان عينيه نحوه بضيق وسأله ماذا يريد بالضبط لكن الحاج عبده ابتسم وهو يهز كتفيه وقال إنه لا يريد شيئًا فقط يبدو أن هناك شخصًا كان يملأ المكان بصوته وحركته ثم اختفى فجأة
رمقه يامان بنظرة باردة لكنه لم يرد لأن الكلمات أصابته بصورة لم يتوقعها وللمرة الأولى منذ سنوات بدأ يشعر أن وجود تالا داخل الشركة لم يكن مجرد مساعدة مؤقتة كما كان يقنع نفسه بل كانت تمسك الفوضى كلها دون أن يشعر وكانت أيضًا تمسكه هو بطريقة خفية لم يفهمها إلا بعد غيابها
مر اليوم الثانى أثقل من الأول وعاد يامان إلى منزله مبكرًا على غير عادته دخل غرفته ثم خرج منها بعد دقائق وجلس قليلًا فى الصالة قبل أن يعود إلى المكتب الصغير داخل البيت ويفتح بعض الملفات ثم يغلقها دون تركيز وكأن عقله يرفض الاستقرار على أى شيء
حتى فردوس لاحظت الأمر بسرعة ووقفت أمامه تسأله بهدوء ماذا به ولماذا يبدو متوترًا بهذا الشكل لكنه رد سريعًا بأنه بخير ولا يوجد شيء غير طبيعى
ابتسمت فردوس بخبرة أم عاشت عمرها كله تراقبه وقالت إن هذه أول مرة تراه غير قادر على الجلوس فى مكان واحد ثم تركته ورحلت بينما ظل هو جالسًا مكانه صامتًا يشعر بفراغ حقيقى لم يعرفه من قبل.

لم يكن فراغ العمل ولا ضغط المسؤولية بل فراغ شخص كان يملأ المكان بحضوره دون أن ينتبه أحد حتى اختفى فجأة
أما تالا فكانت فى مكان آخر تمامًا داخل مبنى قديم على أطراف المدينة بعدما اصطحبها رجال صقر المرشدى إلى طابق سفلى مغلق لا يحمل أى لافتات وكانت الممرات الطويلة الباردة تزيد إحساسها بأن المكان يخفى أكثر مما يظهر
عندما دخلت وجدت صقر واقفًا أمام جدار زجاجى سميك وخلفه صفوف طويلة من الخوادم والأجهزة الإلكترونية التى تصدر أزيزًا متواصلًا بينما يتحرك بعض الفنيين بسرعة واضحة وكأنهم يحاولون السيطرة على كارثة حقيقية
التفت صقر إليها ببطء ثم قال إنه كان واثقًا من أنها ستأتى
وقفت تالا بثبات وسألته مباشرة ماذا يريد منها بالضبط
اقترب منها قليلًا وقال إن المشكلة أكبر بكثير مما تتصور ثم أشار بيده نحو الغرفة خلف الزجاج وأخبرها أن هذه ليست مجرد سيرفرات عادية بل قاعدة بيانات ضخمة تضم عقودًا وتحويلات واتفاقات استيراد وحتى معلومات تخص المنافسين
ضيقت تالا عينيها وسألته ببرود وما علاقتها بكل ذلك
ابتسم صقر ابتسامة باردة وقال إن هناك من اخترق النظام بالكامل
ساد الصمت للحظة قبل أن يكمل بصوت أخفض أن من فعل ذلك لا يريد المال بل يريد تدميره هو شخصيًا
اقتربت تالا من الزجاج تراقب الفنيين داخل الغرفة ثم سألته لماذا لا يبلغ الشرطة
ضحك صقر بسخرية قصيرة وقال إن الأمر إذا خرج إلى العلن فسينهار قبل أن تتحرك الشرطة لأن هناك ملفات لو تسربت ستوقع شركات كاملة وربما تسقط أسماء كبيرة فى السوق كله
التفتت إليه تالا ببطء وسألته مرة أخرى لماذا اختارها هى بالتحديد
نظر إليها طويلًا قبل أن يجيب بأنها الوحيدة التى رآها تفكر وقت الكارثة لا وقت المكسب وبأنها الوحيدة التى استطاعت قلب الطاولة عليه من قبل رغم كل الظروف
ثم صمت قليلًا وأضاف أن هناك سببًا آخر
رفعت تالا حاجبها تنتظر
فقال صقر بهدوء إن الشخص الذى اخترق النظام ترك رسالة باسمه داخل الملفات
مد يده إليها بملف صغير ففتحته تالا بسرعة وما إن وقعت عيناها على الاسم حتى اتسعت عيناها بصدمة حقيقية
بسنت
رفعت رأسها نحوه بسرعة لكن صقر كان ينظر إليها بعينين باردتين يصعب قراءة ما بداخلهما ثم قال بصوت هادئ يحمل غضبًا دفينًا إن بسنت سرقته واختفت....


             الفصل الواحد والثلاثون من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة