رواية المجنونه والمقبرة الفصل الثالث 3 بقلم صباح البغدادي


رواية المجنونه والمقبرة الفصل الثالث 3 بقلم صباح البغدادي


تجهيز للخطة» 

          بعد وقتٍ قصير، كانت ريم تقف أمام باب منزل مريم، تتردد لحظة قبل أن تطرق، ثم ابتسمت لنفسها ابتسامة شاحبة، تتمتم بخفوت:


– "هو أنا هحتاج استئذان؟ البيت ده بيتي قبل ما يكون بيتها."


طرقت الباب بخفة، ثم فتحته ودخلت بخطوات هادئة، كأنها تخشى أن تكسر سكون المكان، أو تُوقظ فيه وجعًا أكبر.


حين دخلت، وجدت مريم جالسة على الأريكة، شاحبة الوجه، تضم بين يديها كوب قهوة بارد، لم تلمسه منذ وضعته أمامها، تحدّق في الفراغ بعينين زائغتين، كأنها غارقة في بحرٍ بلا شطآن.


اقتربت ريم بهدوء، وجلست قبالتها، تنظر إليها بحنانٍ لا يخلو من القلق، ثم قطعت الصمت قائلة:


– "مريم… الرحلة اتأكّدت، المفروض نكون جاهزين بعد يومين."


قالتها بنبرة خفيفة، تحاول بها أن تبث قليلًا من الحماس في روح صديقتها، لكنها كانت تعلم أن الطريق ليس سهلًا.


مريم لم ترفع عينيها، ولم يتحرك لها جفن، فقط ظلت تنظر إلى الفراغ بنفس النظرة الميتة، قبل أن تتمتم بصوت منخفض، بالكاد خرج من حلقها:


– "أنا… مش هسافر الرحلة دي."


بدت كلماتها كضربة خنجر في صدر ريم، لكنها تمالكت نفسها، وأخفت الصدمة خلف صمتها.


أكملت مريم، بصوت مُتعب، كأنها تسحب كل كلمة من قاع روحها:


– "ممكن… نأجّلها؟ أنا هقدّم عذر لعميد الكلية… وإن شاء الله يوافق."


رمشت ريم للحظات، تُخفي احتراقها الداخلي، قبل أن ترد، وهي تضغط على كلماتها لتخرج بهدوء مصطنع:


– "تأجليها؟!"


ضحكت ضحكة قصيرة، لكنها كانت مكسورة، ثم قالت:


– "مريم… الرحلة مش زي أي رحلة… دي حلمك! حلمك اللي كنتي بتتحاربي عشانه، تنسي؟"


لم ترد مريم، فقط ظلّت صامتة، تمسك بالكوب وكأنه الشيء الوحيد الذي يربطها بالحياة.


زفرت ريم ببطء، تحاول أن تكتم غضبها وحزنها، ثم قالت بلطف، ولكن بلهجة صارمة بعض الشيء:


– "البيت، الحزن، الدموع… كل ده مفهوم، والله أنا حاسة بيكي، بس انتي كده مش بتهربي من الرحلة… انتي بتهربي من نفسك، ومن الحياة كلها."


اقتربت منها، وضعت يدها فوق يدها الباردة، وقالت بإصرار:


– "إحنا مش هنقدم أعذار… ولا هنهرب. يومين، وتكوني جاهزة، وإحنا معاكِ… ومش هسيبكِ لوحدك."


لم تجب مريم، لكنها أخيرًا رفعت عينيها نحو ريم، نظرة ضعيفة، مليئة بالدموع التي لم تسقط، وكأنها تقول دون كلام: "أنا تعبانة… ضعيفة… خايفة."


لكن ريم، بداخلها، كانت قد حسمت الأمر… لن تسمح لها بالانطفاء.


           «رحيل آخر لكن بدموع الفرح» 

مرّت أيام قليلة بعد عودة مريم إلى بيتها، وكأن كل شيء يسير في صمتٍ ثقيل…

وفي صباح هادئ، وبينما مريم تجلس في المطبخ، تتناول كوبًا من الشاي الذي فقد طعمه، دخلت والدتها بخطواتٍ ثابتة، وفي عينيها شيء غريب، خليط بين الطمأنينة والحسم.


جلست الأم قبالتها، وضمت هالة الصغيرة إلى صدرها، ثم قالت بهدوءٍ يشبه السكينة:


– "مريم… أنا قررت أسافر."


رفعت مريم عينيها ببطء، تنظر إليها بدهشة، وكأنها لم تفهم.


– "تسافري  فين يا ماما؟ إحنا لسه خارجين  من عزا بابا، إيه الكلام ده؟"


ابتسمت الأم ابتسامة هادئة، لا تشبه أي ابتسامة رأتها مريم من قبل، وقالت بنبرة مليئة بالإيمان:


– "أنا وهالة خلاص… ربنا كتب لنا الحج السنة دي، والدعوة جات من السما… وقلبي بيقول لي إن ده وقته."


صمتت مريم، عاجزة عن الرد، بينما أكملت الأم، وملامح وجهها تتوهج باليقين:


– "قلب البيت مش بس انك تفضلي فيه، أوقات لازم تسيبي كل حاجة وتركّنيها عشان تروحي لربنا… أنا مش بتهرّب، بس خلاص، أنا محتاجة أرتاح عنده."


نظرت الأم في عيني مريم مباشرة، وقالت بلطفٍ عميق:


– "هالة صغيرة، وقلبي مش هيطمن غير وهي معايا… وأنتِ كبيرة، وقلبي مطمن عليكي، وعارفة إنك قادرة تقفي، حتى لو بتقولي لنفسك العكس."


تمتمت مريم، والدموع بدأت تملأ عينيها:


– "يعني… يعني هتسيبيني هنا لوحدي يا ماما؟"


ربتت الأم على يدها بحنان، وهمست وكأنها تسكب دعواتها في قلبها:


– "أنا مش سايباكي، أنا سايبة ورايا دعوات… دعوات في كل ركن في البيت ده، وفي كل سجدة، وفي كل دمعة نزلت على باباكي، وفي كل لحظة ضحكنا فيها سوا."


أكملت وهي تبتسم بعين دامعة:


– "وهسيبكِ في أمان ربنا… عشان لما أرجع، ألاقيكي أقوى… وأنا عارفة إنكِ قدها."


في يوم السفر، حملت الأم حقيبتها البسيطة، ويدها تمسك بيد هالة الصغيرة، بينما مريم واقفة عند الباب، تتابع المشهد بقلبٍ يكاد ينفطر، لكنها لا تبكي، وكأنها احترمت صمت هذا الرحيل.


وقفت الأم عند عتبة البيت، التفتت تنظر إلى مريم، وقالت بلهجة مشبعة بالوداع والدعاء:


– "خلي بالك من نفسك… ومن قلبك، ومن حلمك… وخلي عنيك دايمًا على السما، اللي بيرفع إيده لربنا، مستحيل يقع."


احتضنتها مريم أخيرًا، وهمست في أذنها:


– "ادعي لي كتير، يا ماما… أنا محتاجاكِ تدعي لي من هناك."


ضحكت الأم برقة، وربتت على ظهرها قائلة:


– "دي أول حاجة هعملها، أول ما عيني تلمح الكعبة… هقول: يا رب، اجبر بخاطر بنتي، وحقق لها حلمها، وقرّب لها الخير كله."


ثم ابتعدت بخطواتٍ هادئة، ومريم تتابعها بعينين دامعتين، حتى اختفت عن الأنظار، تاركة خلفها البيت ساكنًا… ودعوات معلقة في الأركان، تنتظر ساعة استجابة.


في تلك الليلة، جلست مريم وحدها في غرفتها، تتأمل السماء من نافذتها، وتهمس كأنها تكلم أمها:


"أنا هحاول يا ماما… هحاول أكون قوية… وأحقق الحلم اللي بابا كان نفسه يشوفه… وأنتِ، لما تدعي، افتكري إن فيه واحدة هنا بتحاول تتعلم تقف من جديد."

يُتبع....


                      الفصل الرابع من هنا 

            لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة