رواية صغيرة ولكن ج2 الفصل الرابع 4 بقلم إلهام رفعت


رواية صغيرة ولكن ج2 الفصل الرابع 4 بقلم إلهام رفعت 


فريسـة للمـاضـي 

جلس في مكتبه عدة ايام ليشغل نفسه في عمله ، ولكن تفكيره شرد دون عمدٍ في ضراوة الحديث الذي نشب بينهم ، لم يتوقع معتــز ان يُوضع في موقف كهذا معها ، ولم يضع في اعتباره أختلاف نمط حياتها المرفهه قيد تفكيره ، واقتصر علي حبها له ومدی تعلقه بها ،لم يدري كيف سيقدر علی تنفيذ مطلبها ، فلم يكن بحوزته ما يكفي له،وفكر ماليا في إقتراض بنكي والتسديد لاحقًا ، ولكن خشي عواقب ذلك الأمر وتعثره فيما بعد ، وابتسم ساخرًا متذكرًا شعور زوجته بضيقه ، ولكن ما فكرت فيه جعله مُهان غير قادرًا علي تحمل ظهور ضعفه امامها ، نكس رأسه حزينًا فلم يري ابنته منذ عدة ايامٍ وكان يتفقد أحوالهم من الخادمه رغم قرب المسافة بينهم .

رفع رأسه وجد صديقه جالس ومحدقًا به ، فنظر له باستغراب وحدثه بحيرة :

- انت هنا من أمتی ، انا ما حسيتش بيك .

رد كرم بنبرة متعجبة : 

۔ فيك ايه يا معتز ، بقالك كام يوم هنا ، ومبتروحش ، مع ان مراتك وبنتك معاك ، ممكن اعرف فيه ايه.

تنهد معتز بقوة ورد بملامح حزينة الی حدٍ ما :

- سلمي عايزة تخلي باباها يشتريلها السنتر .

كرم بتساؤل : 

۔ طيب وانت قولتلها ايه ؟ .

معتر بتعجب : 

۔ هقولها ايه يعني ، رفضت طبعًا ، انا لا يمكن اسمح إن حد يصرف علي مراتي ، او يدخل في مسئولياتي ، تابع بعصبية :

- انا راجل يا كرم ،  واللي قالته ده أهنيي ، ومش هيحصل طول ما انا عايش .

كرم بتفهم : 

۔ اهدي بس يا معتز ، هي بس تلاقيها بتتكلم عادي ، ومتعرفش ان الموضوع ده بيبقي محرج للراجل ، تابع بنبرة لائمة :

- وانك تسيب بيتك ومراتك كام يوم ، مع انهم قريبين منك ، دا غلط يا معتز ، لازم تتكلم معاها تاني وتالت وتعرفها ان كده مينفعش ، وانك مش هتقبل بيه ، بس بالهداوة ، من غير خناق

اومأ رأسه بتفهم ونظر امامه بوجه مكفهر منزعج وأخذ قراره بالعودة للمنزل، فاستطرد كرم بعمليه :

- وصلتنا أخبار ان الجماعة هيوصلوا شحنة كبيرة قوي قريب .

معتز بتفهم : 

۔ هيتمسكوا بيها ان شاء الله.........

______________________


وقفت أمامه لتحكم ربطة عنقه عليه وسط مداعبته لها، فابتسمت لمغازلته الدائمة فيها ، وازعجتها لمساته الجريئة عليها فتذمرت قائلة :

- زين اسكت بقي ، مش عارفه اربط الكرفته .

زين بعبث : هو انا عملت ايه يعني .

نور بضيق زائف : متحطتش ايدك عليا ، خليني اخلص .

زين مدعي الزعل : طيب ، مش هحط ايدي في اي حته .

نور زاممة شفتيها : انت زعلت .

اومأ برأسه ، فاستطردت بدلال : ممكن أصالحك ..

اومأ رأسه بموافقه ، فاقتربت منه بتمايع ووضعت قبلة صغيرة علي وجنته وحدثته :

- لسه زعلان .

عبس بوجهه واومأ راسه ناظرًا لها بعدم رضي ، فاردفت بضجر :

- اومال اعمل ايه .

نظر لها بخبث ودنا منها واخذ قبلة مباغتة من شفتيها ، فصدمت منه ودفعته قائله :

- ازاي تبوسني كده .

زين باستنكار : ايه ده ، انتي اتضايقتي لما بوستك .

اقتربت منها وردت بضيق : لما تبقي عايز تبوسني تقولي .

ثم طوقت عنقه واغمضت عينيها قائله :

- بوس يلا .

كتم ابتسامته ودنا منها مرةً اخري مقبلاً شفتيها بحب ، ثم ابتعد قائلاً :

- كده حلو .

اومأت برأسها ، وردت بمعني : يلا علشان اتأخرت .

زين بتساؤل : هتعملي ايه النهارده ؟.

نور بلا مبالاة : هقعد انضف اي حاجة ، واتفرج علي التي في شوية .

زين وهو يقبل جبهتها : طيب يا حبيبتي ، انا همشي بقي ، وخلي بالك من نفسك .

نور بابتسامة : حاضر يا حبيبي...........

______________________ 


نهض من علي طاوله الطعام ولكن استوقفته رائحة ما نفاذه اثارت أنفه وقامت بتأليب حواسه ومشاعره الذكورية ، وتسائل وهو يستنشقها :

- ايه الريحة الحلوة دي .

مريم قاطبه بين حاجبيها : ريحه ايه دي .

حسام بتعجب : ازاي مش شامه حاجة! ، دا ريحة برفان يجنن.

مريم بسخط : انا مش حاطه اي برفيوم .

اقتربت الخادمة لتحمل الأطباق ، وازدادت الرائحة ولاحظتها مريم التي اغتاظت منها ، بينما انحني حسام قليلاً وبدأ في استنشاق رائحتها واغمض عينيه باستمتاع ، فحدجته مريم بنظرات ناريه مهلكه ونهضت قائلة باهتياج :

- حســـام ..

انتبه لها حسام وتوتر في رده : 

۔ خير يا مريم ، بتناديلي كده ليــه ..

مريم بنظرات غاضبه : 

۔ لم نفسك أحسنلك ، انت متعرفتيش ..

حسام بتلعثم : انا كنت عملت ايه يعني ..

نظرت له شزرًا ، ثم وجهت بصرها للفتاة وحدثتها آمـره :

- روح شوفي شغلك ، والقرف اللي انتي حطاه ده مش عايز اشمه تاني ، مش كفايه المسخرة اللي بتلبسيها دي..

اسرعت الخادمة للداخل وسط نظراتها المحتقرة لها ، ونظرت لزوجها الواقف مدعي المسكنه ، وحدقت فيه بغيظ وضيقت عينيها نحوه قائلة :

- عجبتك ريحتها قوي .

حسام منكسًا رأسه : حرام عليكي يا مريم ..دايمًا ظلماني كده .

مريم بسخريه : 

۔ لا يا شيخ ، علي اساس انا كنت شايفه ايه من شويه ..

حسام لامتصاص غضبها : 

۔ انتي اللي في القلب يا روحي، معقول ابص لدي ، دا حتي كلها علي بعضها وحشه 

تابع بصوت خفيض للغاية :

- سامحني يا رب علي الكذب ده .

واستكمل محدثا اياها بهيام : 

۔ دا انتي الحب الأول والأخير .

مريم وهي ترمقه بطرف عينيها :

- عليا برضه الكلام ده .

اقترب منها حسام قائلاً بنبرة والهة زائفة :

- انتي بس اللي ماليه عنيا وقلبي .

عضت علي شفتيها بخجل مصطنع ، فتابع بهيامه الزائف :

- الحركه دي قولتلك قبل كده انها بتغريني ..

نظرت له بحب ومطت شفتيها منتظره تقبيله لها ، ولكنه نظر لها مدعي عدم الفهم قائلاً :

- عايزه ايه ، بوقك بيوجعك .

اعتدلت في وقفتها وحدجته بغيظ وهتفت بعصبية:

- عايزاك تمشي من قدامي .

شهق حسام من صوتها المنفعل وهرول للخارج وهو كاتم ضحكته من حياته التي تغيرت للأفضل بفضل تلك الخادمة......

_______________________


حملت ابن ابنتها بين ذراعيها وظلت تهدهد فيه وتداعبه ، ويعلو وجهها فرحة شديدة لرؤيه أحفادها ، تشدقت ثریا بنبرة مطمئنة :

- الحمد لله يارب ، ربنا طول في عمري وشوفت احفادي .

ميرا وهي تضمها من كتفها : 

۔ ربنا يطولنا في عمرك يا ماما .

ابتسمت لها ثريا وردت مهونه عليها :

- تلاقيه يا حبيبتي بيسهرك ، ومبتعرفيش تنامي .

ميرا مؤكدة : 

۔ ايوه يا ماما ، دا حتي مبقتش فاضيه لوليد ، بقيت بعيدة عنه ، ودا مضايقه .

ثريا بلوم : 

۔ لا يا ميرا ، مينفعش كده يا حبيبتي ، لازم تهتمي بجوزك وبطلباته .

ميرا بضيق : 

۔ يعني اعمل ايه بس يا مامي ، ما انتي شايفه الولد مجنني ازاي ، ونهله بتيجي علي طول وتشيله معايا .

ثريا باستنكار :

- انتي مش بتقولي الولد متعلق بيكي ومش بيروح لحد ، ازاي بيروح لنهلة .

ميرا موضحة : 

۔ اصله من كتر ما بيشوفها هنا ، اتعود عليها .

ثريا بامتعاض :

- انا مش مستريحه للبت دي ، من امتي وهي بتسأل يعني ، وكمان تجيلك كل شوية ، هي معندهاش حاجة تعملها .

ميرا بعدم فهم : 

۔ وفيها ايه لما تيجي تقعد معايا شوية .

ثريا بجدية : 

۔ اسألي مجربة قبلك ، حافظي علي جوزك من اي حد ، ممكن في لحظه يروح لغيرك ، لما يلاقيكي مش بتهتمي بيه ولا بتشوفيه عاوز ايه .

ميرا بتفهم : 

۔ عندك حق يا مامي ، تابعت بتساؤل :

- بس انتي اللي باين عليكي متضايقة ، في حاجة مزعلاكي؟ .

ثريا محركة رأسها بقلة حيلة :

- هيكون مين غير مالك أخوكي ، حاله بقي وحش قوي ومش عاجبني ، واتغير ، مبقاش زي الأول ، ومش بيرد علي أتصالاتي ، وبقي بيشرب وبيجيب بنات الفيلا ...

ميرا بصدمة: أيه ! ...بنات .

ثريا بضيق :

- البواب بيحكيلي كل حاجة ، حتي بيقول انه مخرجش بقاله كام يوم ، وكان سمع دربكه جوه الفيلا زي ما يكون كان بيكسر في حاجه .

ميرا بقلق : 

۔ وليه يا ماما ماروحتيش تشوفيه .

ثريا بانزعاج :

- البواب الغبي لسه قايلي النهاردة ، لو مكنتش اتصلت بيه علشان اطمن عليه مكنش قالي المتخلف ده .

ميرا بقلق بائن :

- روحي يا مامي وشوفيه ، ليكون عمل في نفسه حاجه ، ولا يكون تعبان .

ثريا وهي تنهض : 

- انا هروحله دلوقتي ، دا ابني ولازم اطمن عليه...........

______________________


ولج البواب بحذر داخل الفيلا حاملاً بيده بعض المتطلبات المنزلية بحجة رؤيه ما يحدث بالداخل ، خاصةً بعدما عنفته ربة عمله علي تقصيره في إبلاغها عن اخباره ، وبرر ذلك عدم خروجه ومكوثه داخل المنزل الأيام الماضيه .

تقدم نحو الداخل وصدم مما رأي ، فقد اضحی أثاث الفيلا عبارة عن ركام ، نظر له بصدمة جلية وتسائل كيف حدث ذلك ، فقد انقلبت الردهه رأسًا علي عقب ولم تعد صالحه للإستعمال .

حرك الرجل رأسه مبديا استياءه مما رآي .

أتی مالك من الخلف وحدثه بعصبية:

- انت ايه اللي دخلك هنا يا حيوان .

انتفض البواب من مكانه وارتعدت اوصاله ، ثم أستدار بجسده وصدم من هيئته الغير مهندمه ، ونبات بعض الشعر اسفل ذقنه،  وشعره الأشعث ، فحدجه مالك بنظرات شرسة وهو يعيد سؤاله :

- ايه اللي دخلك هنا يا حيوان ، يلا أنطق .

البواب بتوتر جم :

۔ ا..أ.انا كنت جايب لحضرتك شويه طلبات .

مالك باهتياج :

- حد قالك اني عاوز حاجه ، بتدخل ليه من غير ما اقولك يا بني آدم انت .

الرجل بتلعثم :

۔ اسف يا بيه ..اصل الست ثريا كانت بتسأل و...

قاطعه بنبرة غاضبة : 

- وانت بتنقلها اخباري بقي ، انت اللي بتقولها بجيب بنات هنا .

ارتعد البواب وتراجع للخلف خوفًا من تطاوله عليه ، فاستأنف مالك بصرامة :

- امشي اطلع بره وسبني لوحدي ، ولو دخلت هنا تاني مش هيحصلك كويس ..

اومأ رأسه بطاعة وهرول للخارج معاتبًا نفسه علي تدخله فيما لا يعنيه ، وأقتفی مالك أثره بانزعاج ، ثم نظر أمامه وقام بركل تلك الأريكه المبعثرة وهتف بغضب :

- بكره تشوفوا انا هعمل ايه ، هوريكوا كلكم ..........

________________________


وقف امامها يرتدي ملابسه ، فنظرت له وهمت هي بالنهوض لاففه جسدها بالملاءه ، وتقدمت منه قائله :

- رايح فين ، خليك معايا .

رد ماجد وهو يكمل ارتداء ملابسه : 

۔ عندي شغل مهم ، ماينفعش أسيبه .

هانا بنبرة منزعجة : 

۔ وشغلك دا اهم مني علشان تسيبني وتروحله .

ماجد باستغراب :

۔ ما احنا كنا مع بعض من شوية .

هانا بضيق : 

۔ مع بعض من ورا الناس ، انا عارفه انت ليه مأجل جوازنا لحد دلوقتي ، ناقصك ايه ، تابعت بغيظ :

- ولا خلاص زهقت مني ، وشايف غيري .

رد ماجد بانزعاج : 

۔ قولتلك مش جاهز لجواز دلوقتي ، اصبري عليا .

هانا بحزن : 

۔ انا بحبك يا ماجد ، ومصدقتش نفسي لما طلبت ايدي .

هتف ماجد بنبرة متعالية :

۔ ودلوقتي بتنامي في حضني ، وبقيتي معايا في كل مكان ، وغيرك بيتمني اللي انتي فيه ، تابع مستهزءًا :

- نسيتي انتي كنتي ايه ..يا....يا هاله ...وكنتي عايشة فين ، كنتي في الزباله ، وانا اللي وصلتك لكده .

اغرورقت الدموع في عينيها ونكست رأسها متحسره علي حالتها ، فتنهد هو بقوه وشعر بها ،فتقدم منها وضمها اليه قائلاً بهدوء:

- انتي اللي وصلتيني اني أقولك كده ، انا مش عايز علاقتنا تبوظ ، لاني ببقي مبسوط وانا معاكي .

ثم ابعدها عنه قليلاً وتابع : 

۔ وانت عجباني .

دنا منها وقبلها بهدوء معبرًا عن اعتزاره لما تفوه به ، ثم ابتعد عنها وتابع بجديه :

- خلاص يا هانا ، مش عاوز اسمع كلام في الموضوع ده ، وانا لما ابقي جاهز اتجوز ، هنبقي نتجوز علي طول ، خلاص يا حبيبتي .

اومات برأسها وردت بصوت متحشرج :

- خلاص يا حبيبي..............

______________________


تفاجأ بوجودها تدخل عليه ، نهض من مقعده غير مصدقًا رؤيتها امامه ، فاقتربت منه بسعادة جلية علي طلعتها وهي تنظر اليه ، حملق زين فيها متعجبًا منها واعتلت ملامحه فرحة بائنة لقربها منه ، نظرت له بعدم فهم وحدثته باستغراب :

- انت متضايق ولا ايه انك شوفتني .

دار حول المكتب متجها اليها وهو محدقًا بها ، ووقف قبالتها قائلاً :

- انتي جيتي ازاي؟ .

ضحكت نور بصوت عالي ، وضحك هو الآخر متذكرًا ما حدث بينهم قبل ذلك ،فاستأنف بفرحة :

- انتي اول مرة تيجي هنا الشركة . 

نور بسعادة مطلقة : 

۔ وهاجي علي طول هنا ، علشان بتوحشني

زين بحب : وانتي كمان بتوحشيني .

نور بدلال : 

۔ انا جيت نتغدي برة النهاردة ، عايزه أخرج معاك ونتفسح شوية .

زين بابتسامة فرحة: 

۔ النهارده هيبقي ليكي انت ، قوليلي بس عاوزه ايه وانا أعمله يا روحي .

نظرت اليه بتفكير ، ثم عبست ملامحها وزمت شفتيها ، فتعجب زين منها واستطرد متسائلاً :

- ايه اللي زعلك؟ ، انتي كنتي كويسه من شويه .

ردت نور بامتعاض :

۔ ايه اللي قاعده بره دي .

زين بتخمين : تقصدي السكرتيره .

اومأت راسها وردت بضيق :

۔ انا مش حباها ، لازم تمشي .

زين بتعجب :

۔ ليه يا نور ، دي شغاله كويس ، فهميني امشيها ليه

ردت بايجاز : بغيِر .

زين بتأفف :

۔ هتغيِري من السكرتيرة، هو انا هبصلها برضه .

نور بتلميح :

۔ ما انت بصيت لغيرها ، وكانت واحدة لمؤاخذة .

بهتت تعابيره وهو ينظر لها ورد بضيق داخلي :

- خلاص يا نور ، انسي بقي الموضوع ده ، انتي مراتي دلوقتي ، واكيد مش هبص لغيرك وانتي معايا .

نور بمغزي : بجد يا زين ، يعني مش هتبص لغيري .

زين بعدم تصديق : انتي مش واثقه فيا يا نور .

نور بابتسامة زائفة : واثقة ، اصل لو عملتها مش هيحصل كويس .

زين بنبرة واثقة : ودا مش هيحصل ابدا ...................

________________________ 


القي البواب علي مسامعها ما فعله به ، وما حدث بالداخل من تخريب ، غير هيئته التي باتت مُبَعْثَرة وغير مرتبة ، انتفض قلب ثريا بارتجافه حزينة علي ابنها ، وتوجهت للداخل وهي تمقت نفسها علي تخليها عنه ووجوده بمفرده يقاسي ويلات همومه واحزانه دون ونيس .

تقدمت للداخل وشهقت مصدومة من هول المنظر ، وأضطربت أكثر من حالته التي تسوء وخشيت ان يصيبه مكروه ما ، دارت ثريا حولها متفحصه الأثاث الذي بات في طي النسيان ، وتوجست من ضراوة افعاله التي ستصيب حتمًا اقرب ما لديه .

لم تتواني في ثبوتها في موضعها ، حتي صعدت للأعلي متجها لغرفته ، هرولت في مشيتها وتعثرت أكثر من مرة غير مكترثه لهيئتها ، ففطرتها الأموميه تحفزها علي رؤيه ما يعانيه فلذه كبدها ، ولجت غرفته وجدته منكبًا علي نفسه ومنكمشًا في الفراش وحالته غير مطمئنه .

نظرت ثريا له بأسي ، ودنت من الفراش وجلست بجواره ، وجهت بصرها لوجهه من الناحية الأخري وجدته غافي غير مدركًا لما حوله ، وضعت يدها علي رأسه عفويًا ومررتها بلطف ، وقامت بضمه لحضنها بحنان لم تعهده من قبل ، شعر مالك بها ، وفتح عينيه وادار رأسه ناظرًا اليها ، ثم ابتسم بسخرية وتحدث بنفور :

- جايه ليه ، دلوقتي افتكرتي ان ليكي ابن .

حركت رأسها حزنًا ولا إراديًا خانتها عبراتها لتنهمر علي خديها ،قسي قلب مالك وهو يطالعها غير مبديًا شفقه عليها ، بل نهض من الفراش بملامح جافه وحدق فيها قائلاً بامتعاض :

- جايه ليه ، انا مش عايز اعرف حد فيكم ، ولا عايز حد يسأل عني ، انا بكرهكم كلكم ، سمعاني ، بكرهكم كلكم .

نهضت ثريا ودموعها مغرقة وجنتيها ، وردت بنبرة متحسرة :

- ليه يا ابني كده ، كلنا بنحبك ومحدش .....

قاطعها بعصبية :

۔ قولت سيبوني لوحدي ، وروحي لجوزك ، انا مش عايز اعرف حد فيكوا .

انفعلت ثريا من اسلوبه الفظ وهتفت معنفة إياه :

- ايه الكلام اللي بتقوله ده ، انت اتعلمت قلة الأدب دي فين ، كل دا علشان ايه ، حبيت واحده وهي بتحب غيرك ، انت لأول ولا آخر واحد يمر بموقف زي ده ، فوق يا ابني قبل ما تخسر اللي حواليك ، تابعت وهي تنتحب بشدة :

- خايفه يجرالي حاجه قبل ما اطمن عليك ، انا امك ومش عيزاك تندم علي حاجه ، انت الشيطان مسيطر عليك ، علشان خاطري يا ابني ، اسمع كلامي ، انا امك ويهمني اشوفك مبسوط.

ثم تعالت شهقاتها الحارقة ، وشعر مالك بالشفقة عليها لوهله ولكن وضع علي قلبه كومه من الجليد لتمنيه الإنتقام فقط ، ظنًا منه خيانتهم له .

نظرت له ثريا بأعين محتقنه متعجبه من قساوه قلبه ، ولكنها تصلبت أمامه وحدثته بقوة رغم الوهن الذي بداخلها :

- روح احلق دقنك دي ، وعيش حياتك قبل ما تضيعها ، وبكره تندم لو عملت حاجه غلط ، وهتقول ماما قالتلي ، يا رتني كنت سمعت كلامها ، تابعت بانزعاج :

- انا هكلم مهندس ديكور يجي يشوف البهدله اللي عملتها تحت دي.

تأفف هو وادار رأسه بعيدًا عنها ، وحدجته هي بنفاذ صبر وتابعت :

- ربنا يهديك................

______________________


ضجرت من الجلوس في المنزل وترك زوجها لها الأيام الماضية، رغم معاتبتها لنفسها بكلمة عفوية لم يخيل ان توصله للغضب منها ، شعرت سلمي بالوحدة لعدم رؤيته امامها رغم قرب المسافات ، فتركت من تحب وابتعدت من أجله ، ولكنه تخلي عنها ، أخذت ابنتها وقررت التمشي قليلاً بها ، فدائما ما تحب الجلوس امام المياه لتسرح بخيالها قليلاً وتجد في ذلك راحه البال وتؤنس وحدتها ..

وقفت الخادمة خلفها وحدثتها بعملية :

- هتتأخري يا سلمي هانم؟ 

ردت سلمي بهدوء زائف :

۔ لا يا هناء ، انا هتمشي علي الشط شوية

هناء بجديه : طيب آجي معاكي اشيل البنت .

سلمي بنفي : لأ...انا هخرج انا وهي شوية، يلا سلام .

همت سلمي بالخروج واوصدت الباب خلفه ، وتوجهت للمصعد لتستقله ، أتت سيدة من الخلف يظهر عليها الترف ، وقفت تلك السيدة بجانبها وابتسمت لها بعذوبة وحدثتها :

- اهلا مدام سلمي ، مبسوطة قوي اني شوفتك .

سلمي باستغراب : أنتي تعرفيني! .

ردت السيدة بابتسامة ذات معني :

۔ طبعًا ، فيه حد ميعرفش مدام سلمي في العمارة ، وزوجة الرائد معتز .

سلمي ماطة شفتيها بتفكير في حديثها : 

۔ اهلا بيكي .

السيدة بنبرة متلاطفة : 

۔ قوليلي يا رودي ، نفسي نبقي أصحاب

سلمي رافعة كتفيها : عادي ، معنديش مانع .

رودي بحماس : انا حاسه اننا هنبقي اصحاب قوي.....اصحاب ايه .....اخوات ان شاء الله..................

________________________


أتت الممرضه ووقفت أمامها ، ونظرت هي حولها قبل ان تتفوه بكلمه لكي لا ينكشف أمرها ، اطمأنت لعدم وجود أحدًا سواهم وتنهدت بارتياح ، فتلوت الممرضة بجسدها وحدثتها بنفاذ صبر :

- متخلصينا يا ست ، مافيش حد غيرنا ، قولي عايزه ايه بقي .

ردت بحذر وصوت خفيض :

۔ عايزاكي تساعديني أخرج من هنا .

الممرضة بتفكير : معاكي تدفعي .

ردت بنبرة سريعة :

۔ معايا فلوس كتير ، هديكي اللي انتي عوزاه ، بس ساعديني أخرج .

الممرضة متغنجة بجسدها : الفلوس الأول  .

عبست بوجهها قائلة :

۔ اديكي فلوس ازاي وانا محبوسة كده ، مش لما أخرج الأول .

الممرضة باقتناع : طيب وانتي عايزاني اعمل ايه .

اجابتها بلهفة :

۔ هديكي عنوان واحد اعرفه انتي بس بلغيه بمكاني وهو هيتصرف .

ردت الممرضة بضيق زائف ونبرة ماكرة :

۔ انا خايفه ، دا انتي محكوم عليكي بالمؤبد ، وكل ده علشان ملاليم هتديهالي .

ردت بنفي :

۔ لا ابدًا ، شوفي عاوزه كام وانا هديلك .

قالت الممرضة بخبث :

۔ اما نشوف ، اديني بقي العنوان .

دونت لها عنوان الرجل واعطته لها وحدثتها بجدية :

- انتي بس قوليله هايدي اخت امين صاحبك ، وهو هيعرفني علي طول ، وهيفهم انا عاوزه ايه .

الممرضة لاويه شفتيها :

۔ طيب ، اما نشوف أخرتها ايه .

ثم دست الورقه في جيب البالطو الأبيض وسارت للخارج وهي تهمهم :

- سبوبه باين عليها سقع ، لازم اطلب مبلغ كبير .


جلست هايدي علي الفراش ناظره امامها بغضب وتوعد فَتَّاك ، وحدثت نفسها بغل :

- مش بعد ما ادَّعَيت اني خارصة الفترة اللي فاتت دي علشان ماينكشفش أمري ، هفضل في القرف ده ، لازم أخرج بقي من هنا ، وانتقم من اللي دمر حياتي وكان السبب في موت أخويا .

ثم نظرت امامها بوعيد وحقد واستأنفت بنبرة هلاك :

- موتك علی إيدي يا ثريا ، انتي وجوزك....



                    الفصل الخامس من هنا 

         لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة