
_ وأنا بعشقك يا بنت السلطان..
قالها بصوتٍ مفعمٍ بعاطفةٍ دافئة، دافنًا وجهه بين خصلاتها وكأنه يجد فيها ملاذه الوحيد، فارتسمت ابتسامة هادئة على شفتيها تأثرت بها كلماته…
تنهدت بعمق، وكأنها تحاول أن تستجمع شيئًا ما داخلها، ثم ابتعدت عنه إنشًا واحدًا فقط، لتقطب حاجبيها بتعجب وقالت:
_ هو إنتَ كنت فين من الصبح... صحيت وفضلت أدور عليك بس ملقتكش في جنبي!!
تبدلت ملامحه إلى حزنٍ خافت، وانخفضت نظراته للحظة، كأن الكلمات تثقل صدره… متردد بين أن يبوح أو يحتفظ بما يخفيه حتى لا يزيد خوفها.
لكنه استجمع أنفاسه أخيرًا وقال بهدوء:
_ كنت في المستشفى!!
_ ليه!؟
شهقت بصدمة، وبدأت عيناها تتفحصانه بقلقٍ متسارع، وقالت بتلعثمٍ واضح:
_ إنتَ بخير حصلك إيه... وإيه وداك هناك يا ريان وإزاي متتصلش عليا تقولي!!
رفع يده سريعًا ووضعها فوق شفتيها يمنع سيل أسئلتها التي اندفعت دفعة واحدة، وكأنها كانت على وشك الانهيار…
اتسعت عيناها بخوف، بينما ابتسم هو بهدوءٍ يحاول به طمأنتها وقال:
_ استني هفهمك... مش أنا اللي تعبان أنا روحت لحاجة تانية خالص!!
قطبت حاجبيها بتعجب، ثم زفرت براحة خفيفة وهي تحمد الله في داخلها أنه بخير… لكن ظل القلق عالقًا بقلبها، خاصة بعد تهديد "محمود" الذي لم يغادر ذاكرتها.
نظرت إليه بانتباهٍ شديد، تنتظر تفسيرًا يطفئ نار شكوكها:
_ وإنتَ إيه وداك المستشفى... كنت بتعمل إيه!؟
تنهد بعمق، وعيناه لا تفارقانها، وكأنه يهيئها لما سيقوله…
_ الأول بس أنا مش عايزك تتخضي ولا حاجة... أنا كنت هناك عشان... عشان!!
_ عشان إيه يا ريان وترتني!
قالتها باندفاعٍ حاد، ليزفر هو أخيرًا قائلاً:
_ عشان يوم ما كُطنتِ في المستشفى، وكنتِ لسه متأثرة بالبنج… في حد دخل عليكِ أثناء ما أنا كنت بره بجيب حاجة، وحاول يقتلك… لولا إني دخلت عليه في آخر لحظة لا سمح الله كـُ... كنت ممكن أخسرك!!
_ يقتلني أنا.. وده مين وليه أصلًا!؟
قالتها بصدمةٍ مرعبة، وقد شحب وجهها تمامًا، وكأن الأرض سُحبت من تحت قدميها…
نظر إليها بهدوءٍ متماسك وقال:
_ معرفش هو مين بس أنا مش عايزك تخافي يا شرف.. أنتِ أكيد واثقة فيا وعارفة إني مش هخلي حد يقرب منك!
ارتجفت يداها بين يديه دون إرادة، وعيناها شردتا بعيدًا… أفكارها تتصارع، وشكوكها تتسلل إليها بقسوة…
هل كان الهدف ريان؟
أم… هي؟ أم أن "هنا" حاولت قتلها …؟
اتسعت عيناها فجأة بصدمةٍ خاطفة… لكنها تماسكت، فهي لا تملك دليلًا، ولا حتى يقينًا بأنها قد سمعت حديثها بذلك اليوم .
لاحظ "ريان" ارتجافها، فاحتوى كفيها بين يديه برفق، ورفع وجهها نحوه قائلًا بقلق:
_ بُصيلي يا شرف متقلقنيش عليكِ وتندميني إني قولتلك!!
أنا خايف عليكِ مالك!!
لم يكن يعلم… أنها لا تخاف على نفسها بقدر ما تخاف عليه هو.
نظرت إليه وعيناها تلمعان بدموعٍ ثقيلة وقالت بصوتٍ مهتز:
_ أنا مش خايفة على نفسي يا ريان… أنا خايفة عليك إنتَ… يمكن تكون إنتَ هدفهم… يمكن أبويا أو رفعت حاولوا يقتلوك… أنا مش مطمنة!!
قطب حاجبيه بتعجبٍ سريع، لكنه أخفى ذلك فورًا، ومسح دموعها بحنانٍ بالغ وهمس برفق:
_ يا حبيبتي... مستحيل متقلقيش عليا… مستحيل حد يقدر يأذيني…
أنا متأكد إن اللي كان مستهدف أنتِ مش أنا…
وأنا اللي المفروض أكون خايف… حاسس إن روحي ممكن تضيع مني… مش هرتاح غير لما أعرف مين السبب!!
ارتجفت أهدابها، ودموعها انسابت بصمت…
هي لم تعد تخشى الموت… لكنها تخشى الفقد.
ذاك الوجع الذي ذاقته من قبل… ولا تحتمل تكراره.
حاوطت وجنتيه بين كفيها وقالت برجاءٍ صادق:
_ أرجوك يا ريان خلي بالك من نفسك… أنا مش هقدر على بعدك يوم تاني…
مش هقدر أعيش من غيرك لحظة والله أموت… أنا مش عايزة أخسرك… لو فقدتك زي كل حاجة حلوة في حياتي هنهار… ومش هيبقى مني حاجة!!
امتلأت عيناه بحزنٍ عميق، فهو أكثر ما يؤلمه هو رؤيتها تبكي…
ضمها إلى صدره بقوة، وكأنه يحاول أن يخفيها داخله، وربت على ظهرها بحنان وقال:
_ متخافيش يا روحي... وحياتك عندي يا شرف لأحارب الدنيا كلها بس عشان مشوفش في عيونك دمعة…
مش عايزك تخافي… أنا جبل… ولا إنتِ مش بتثقي فيا بقى وشيفاني عيل مش قد وعدي!!
تشبثت به أكثر، وكأنها تريد أن تحميه من العالم بأكمله…
قبلت عنقه وهمست بألم:
_ واثقة فيك يا حبيبي… والله أنا بس خايفة عليك منهم… دول سمهم نار… مش هيهدوا إلا لو قتلوني أو قتلوك يا ريان وأنا مش عايزة كده!!
ربّت على كتفيها، محاولًا انتشالها من خوفها بنبرةٍ أخف:
_ متقلقيش على جوزك يا بت يا شرف… ولا إنتِ بقى شيفاني عيل…
وبعدين سيبيني كده بس أستمتع باللحظة دي شوية… إنتِ بتقولي يا حبيبي يلهوي…
طب بالنسبة للكلمة دي… فاكراها كده بتعدي بالساهل!!!
دي اللي قتلتني بجد!!
مسحت دموعها بخجل، وابتعدت عنه قليلًا…
نظرت إليه بعينين مبللتين، فرفع يده ولمس وجهها برقةٍ أذابت ما تبقى من خوفها…قبل خدها وهمس:
_ ولا عيون العسل اللي قدامي… فكرة إن نظرتك ليا دي سهلة… دي بتخطف روحي وبتقتلني يا بنت السلطان…
بقيت أسير عيونك الحلوين… يا فراولتي!!
ابتسمت بحب، واقتربت منه أكثر وهمست:
_ بحبك أوي يا ريان... وبخاف عليك من الدنيا كلها.
أغمض عينيه للحظة، مستسلمًا لضعفه أمامها…
تعلقت بعنقه بدلال، فضمها إليه بقوة وهمس بمشاغبة:
_ لأ ما أنا كده ممكن أتهور… أنا والله بتلكك أصلًا!!
ضحكت بخفة، وحاولت الابتعاد… لكن يديه أحاطتا خصرها تمنعها، بينما احتواها أكثر وقال:
_ طب دلوقتي الحضن ممكن يطول… وأنا أقسم بالله دقيقة كمان ومهقدرش أمنع نفسي عنك!!
ابتعدت سنتي واحد، لكن عينيها ظلت معلقة بعينيه…
رفعت يديها حول عنقه واقتربت حتى تلاشت المسافة بينهما، وهمست بحرارةٍ خجولة:
_ بوسني يا ريان...
تجمد لثانية، غير مصدق… ثم استسلم، والتقط شفتيها وكأنه يتنفسها…
لحظة ذابت فيها كل الحواجز، وكل الخوف، ولم يبقَ سوى شعورٍ واحد يجرفهما معًا…ابتعد قليلًا وهمس:
_ كان نفسي تبقي مراتي رسمي النهارده قبل بكرة…
لكن أخاف عليكِ… وعارف إنك تعبانة…
مش هضغط عليكِ متخافيش… بس خليني في حضنك النهارده مش عايز أخرج منه أبدًا!!
ابتسمت باتساع، ثم اعتدلت سريعًا وقالت وهي تمد يدها:
_ تعالي نام في حضني!!
لم يتردد… وضع رأسه على صدرها بهدوء، فاحتوته بحنانٍ أمومي، تقبّل رأسه برفق وقالت:
_ تحب أحكيلك حدوته كمان!!
ابتسم، وقبّل عنقها وقال:
_ قوليلي... قولي اللي إنتِ عايزاه.
مررت أناملها في شعره وبدأت تحكي بصوتٍ ناعم:
_ طيب هحكيلك… كان يا مكان سعد يا أكرام لا يحلو الكلام إلا بذكر النبي علي افضل الصلاة والسلام...
وفي زمان بعيد مرة بنت جميلة أوي… كانت تايهة ومش لاقية طريق…
خسرت كل حاجة في حياتها… وكانت شايفة الدنيا قافلة أبوابها في وشها…كل الناس خذلوها ومحدش كان بيحبها لا امها ولا أبوها ولا حتي اخواتها.. لكن في لحظه القدر فتحلها أبوابه.. لحد ما في لحظة…مكنتش تتوقعها ظهر قدامها الفارس وهو شايل سيفه وجي بيحارب عشانها كل الناس... اللي أذوها في يوم من الأيام…خافت منه متنكرش خافت يكون فخ جديد وممكن تقع في... خافت تفقد حاجه تانيه لما تثق فيه لكن
هو مكنش مثالي… بس كان أمان غريب عليها…
خافت منه في الأول… لكن معاه حست لأول مرة إنها مش لوحدها…
وبقيت تخاف تخسره… لأنه الحاجة الوحيدة اللي رجعت لها الإحساس بالحياة…
أنهت كلامها… لكنها فوجئت بأن أنفاسه قد انتظمت…
نظرت إليه، فوجدته غارقًا في نومٍ عميق…
ابتسمت بحب، وهمست:
_ بحبك أوي يا رياني…مكنتش متوقعه إني ممكن أحبك كده
ثم ضمته أكثر، وأغمضت عينيها…
لتغفو أخيرًا وهي تشعر… بالأمان الذي بحثت عنه طويلًا.
• • • •
وفي صباحِ يومٍ جديد
وفي بيت "شريف" اللي استأجره مخصوص...
عشان يبقى قريب من بيت "ريان"
كانت "هنا" قاعدة قدامه، بتهز رجلها بعصبية، والغضب مولّع في عيونها بشكل يخوّف...
لاحظ هو الحالة اللي وصلت لها، فزفر بضيق وقال:
_ خلاص يا هنا... فهمت، إيه اللي حصل لكل ده؟!
_ إيه اللي حصل؟!
قالتها بانفعال، وكأن النار بتخرج من صوتها:
_ بقولك امبارح ضربني قدامهم كلهم... لطشني وكأني واحدة جابها من الشارع!
وخلاني مهزوقة قدام الكل...
ولا البت التانية اللي كانت واقفة فوق وبتضحك عليا!
وأقسم بالله... ما هسيبهم هما الاتنين، وهيدفعوا التمن غالي أوي!
اندفعت بالكلام بغلّ مرعب، فتنهد هو بضيق أكبر وقال ببرود:
_ يعني إنتِ ملاك مثلاً؟
ما إنتِ بقالك عشر سنين بتضحكي عليه... ومفهماه إنه مبيخلفش!
وبكل بجاحة بتعايريه... كأن العيب فيه مش فيكِ!
أنا متأكد... لو ريان عرف الحقيقة، مش هيسيبك لحظة بعد اللي عملتيه فيه... أنا عارفه كويس!
_ يووووه... متجننيش!
قالتها بحدة وهي بتبصله بعصبية:
_ إنتَ معايا ولا معاه؟! مش فاهمة!
وبعدين ما هو ريان ده هو نفسه صاحب عمرك... اللي حطيت عينك على مراته وفلوسه!
وعايز تخلص منه عشان تاخد الشركة لوحدك!
ولا إيه؟ مش أنا لوحدي اللي بغلط يا "شريف"... إنتَ كمان!
قالتها بانهيار واضح، فجزّ على أسنانه بغضب مكتوم...
مش قادر يستحملها أكتر من كده...
ومش فاهم إزاي ريان استحمل واحدة زي دي عشر سنين!
لو كانت مراته هو... كان خلص منها من زمان...
لكنه، وبرغم كل ده، لبس قناع الهدوء قدامها... لأنه لسه محتاجها.وقال بنبرة هادية تخبي اللي جواه:
_ المهم... إني أوصل للي أنا عايزه.
وبعدين إي حطيت عيني على مراته دي... مش عشان عايزها وبحبها..
ملامحها هديت شوية عند كلامه... وزفرت بضيق وهي بتقول بصوت واطي:
_ شريف... أنا مكنش قصدي أزعلك.
لف وشه عنها، وادّى إحساس بالزعل، وقال بنبرة باردة متعمدة:
_ خلاص... اللي إنتِ شايفاه.
لو مش عايزاني أكلمك خالص... ماشي.
_ إنتَ بتقول إيه!
قالتها بسرعة، وقربت منه أكتر:
_ أنا جيت عشان أكلمك... وأقولك اللي جوايا.
إنتَ عارف إنك أكتر واحد بحبه يا شريف...
أنا مش عايزة غيرك...قلبي وروحي عمرهم ما حبوا غيرك...
حتى بعد ما اتجوزت ريان...حبك فضل جوايا... ومخلصتش منه.
قالتها بهدوء غريب عليها، فبصلها هو بنظرة مليانة اهتمام مصطنع...
نظرة بيعرف يرسمها بإتقان، تخدع أي حد وقال:
_ خلاص... مش زعلان.
بس اهدي كده... وبلاش جنانك ده... عشان ما نضيعش كل حاجة عملنها
_ حاضر.
قالتها بابتسامة هادية، قبل ما تقرب منه أكتر... وتدخل بين حضنه، وهمست عند شفايفه بجرأة:
_ على فكرة بقى... إنتَ وحشني أوي.
ابتسامة خبيثة لمعت في عينه... وهو بيقربها منه أكتر، وقال بصوت واطي:
_ وإنتِ أكتر... يا بطتي.
_ بجد؟ طب ورّيني كده!
قالتها بدلال جريء، قبل ما تضحك بصوت عالي... وتسحبه من ياقة قميصه ناحية الأوضة...
وفي اللحظة دي... كانت لعبة الخيانة بتبدأ تاخد شكل أخطر من أي وقت فات...
• • • •
وفي مكانٍ آخر... حيث كانت أصوات العصافير تُغرّد مع شروق شمسٍ جديدة،
وتتسلل أشعتها الذهبية عبر زجاج الغرفة في هدوءٍ دافئ...
حتى انسكبت تلك الأشعة، المزعجة قليلًا، فوق عينيها العسليتين...
تداعب جفنيها بجرأةٍ جعلتها تتأفف بضيقٍ ناعم...
شعرت بثقلٍ يحيط بها...
لتفتح عينيها بنعاسٍ لم يغادرها بعد...
لكنها، في اللحظة التالية، شعرت بأنفاسه الدافئة تنساب فوق بشرتها الناعمة،
تلامسها برفقٍ خاطفٍ، سرق ما تبقى من وعيها...
ودون أن تشعر... ارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ عذبة، يغمرها حبٌ صادق،
حين وجدته ما زال يعتليها بجسده الكبير مقارنةً بها...
يحتويها بينه وبين الفراش بدفءٍ حنون،
وقد دفن وجهه في عنقها الرخامي... كطفلٍ ضلّ طريقه، فوجد الأمان أخيرًا بين ذراعيها...
رفعت أناملها ببطء... تتغلغل بين خصلاته السوداء،
وهي تتأمل ملامحه عن قربٍ شديد...
تلك العينان الواسعتان، تحفّهما رموشٌ كثيفة، وحاجبان مرسومان بقوةٍ جذابة...
أنفه الحاد... وشفتيه الممتلئتان، المرسومتان بدقة،
تُزينهما لحيةٌ نامية بخفة، تزيده وسامةً وجاذبية...
وبشرته القمحية... التي تليق برجلٍ مثله،
حتى أنها أصبحت تغار عليه من نظرات النساء التي قد تطالعه...
تمنت، ولو لوهلة... أن يبقى أمام عينيها هي فقط،
فغيرتها عليه اصبحت حارقة...
تشتعل داخلها، حتى تكاد تُبكي قلبها قبل عينيها...
شعرت بحركته الخفيفة...فاجتاحها خجلٌ مفاجئ...
ماذا لو فتح عينيه الآن، ووجدها غارقة في تأمله؟
حتماً سيُربكها بكلماته الدافئة... تلك التي تُربّت على قلبها الخجول، الممتلئ حياءً...وبالفعل... رفرفت أهدابه ببطءٍ آسر،لتسلب أنفاسها من جديد،
خاصةً حين لاحظت بوضوحٍ أدق تلك النقطتين الصغيرتين في عينيه،
تزدادان وضوحًا مع ضوء الشمس المتسلل من النافذة...
لحظةٌ واحدة...
كانت كفيلة بأن تسرق عقلها،
وهي تغرق في سحر عينيه... وتتيه بهما نحو عالمٍ آخر...
لـ يتعجّب هو من رؤيتها مستيقظة...
فابتسم ابتسامةً هادئة، امتدت حتى عينيه برحابة، وقال بصوتٍ دافئ:
_ إيه القمر اللي واحد صاحي عليه ده بس... صباح النور علي أحلى عيون
سندت رأسها فوق كفها، على الوسادة بجانبه،
وهمست بلطفٍ رقيق:
_ صباح الخير يا حبيبي.
ابتسامه واسعه اخذت مجرها فوق شفتيه.. وهو يقترب منها اكثر وهمس بنبرته المشاغبه المعتاده:
_ قوليها تاني كده!؟
_ هـ... هي إيه!؟
سألت بخجل، ليبتسم هو قائلاً:
_ يا حبيبي!!
اضجر وجنتيها بحمرة الخجل... لتعتلي وجهها تلك البقعه الحمراء فوق وجنتيها المكتنزه بوجهها الابيض المستدير.. وهمست بخجل:
_ يا حبيبي!
مزلت لم تصدق ما تقوله هي حقًا ولا تصدق بأنها اعترفت بحبها الجام له لليلة أمس..
للحظه حاولت النهوض بها لولا يديه التي تشبتت بها قائلاً برفق:
_ رايحه فين!!؟
هدخل الحمام...!
ردّت بارتباك، فابتسم هو وأفلت يدها برِفق وقال:
_ طيب تعالي أساعدك!!
اشتعلت وجنتاها بصدمة، وقالت بسرعة:
_ تساعدني؟ لا شكرًا... أنا هساعد نفسي!!
_ تعالي بس يا "شوشو"، متخافيش مني!!
قالها بنبرة مشاغبة وهو ينهض بسرعة، يلتقطها قبل ما تهرب، وأضاف:
_ رايحة على فين يا بطة!!
حاولت تفلت من قبضته اللي محاوط خصرها... لكنها فشلت، كالعادة. احمرّ وجهها أكتر، ورفعت عيونها الهاربة وقالت بتلعثم:
_ ر... رايحة الحمام يا ريان، مالك؟!
كانت بترجع خطوة، وهو يقرب قدّها خطوة... لحد ما مدت إيديها بارتباك تمنعه يقرب أكتر، وبدأت تتلخبط في كلامها:
_ بقولك إيه... بص والله... والله أنا...!!
_ أنتِ إيه يا روحي؟
قالها بحنان وهو بيحاصرها بينه وبين الحيطة اللي ظهرت وراها فجأة، فاتسعت عينيها بصدمة.
رفعت عيونها ليه، فغرقوا الاتنين في نظرة طويلة...
هو تايه في عسليتها، وهي غرقانة في عيونه بلون القهوة الغامق...
_ تعرف إن عيونك حلوة أوي؟
قالتها من غير ما تحس بنفسها، فابتسم بحب وقال:
_ بجد؟ يعني بتحبي عيوني؟
_ أوي... حلوين جدًا... عارف؟ شبه عيون الغزال بالظبط... ورموشك كمان... وملامحك كلها حلوة أوي... حتى لون بشرتك بحبه جدًا!!
قالتها وهي تايهة فيه، فابتسم بعشق، قبل ما يقاطعها وهو بيبادلها نفس الغزل:
_ طب تعرفي إن عيونك أنتِ كمان حلوين أوي؟ ووشك... ومناخيرك الصغيرة... وشفايفك... دي أنا بعشقها... ونفسي أبوسها!!
خبطته في كتفه بقوة خلته يتأوه، وقالت بعبوس لطيف:
_ والله إنك قليل الأدب!!
_ وأنا بعشق أمك!!
قالها بمشاكسة وهو بيندفع عليها، لكنها فلتت منه وجريت وهي بتقول بصوت عالي:
_ بلدي وكل كلامك بيئة!!
_ آه، دانتِ شكلك عايزة اللي يلمّك بجد!!
قالها بحدّة مصطنعة، وجري وراها... فطلعت فوق السرير وهي بتتمايل بدلال وتغني:
_ على إيه؟ ده أنا أكلك في دقيقة!!
انطلقت ضحكتها الرنانة... لكنه مسكها بسرعة، فوقعوا الاتنين على السرير، وهو فوقها.
بصّ لضحكتها وقال بوعيد، وهو بيخبط على خدها بخفة زي الفراشات:
_ بقى أنتِ يا كلبة البحر تخليني أجري وراكي، وكمان تترقصيلي كده؟!
_ خلاص والنبي... والنبي سبني يا ريان... والله ما هجري تاني!!
قالتها برجاء طفولي، لكنه مسك إيديها وثبّتها فوق راسها على السرير برفق قوي، وبص لها بمكر وقال وهو بيضغط على شفتها السفلى بجرأة:
_ مش قبل ما تدفعي التمن... وغالي كمان!!
ضحكت على كلامه، وحاولت تفلت، لكنها ما قدرتش... فرق الحجم كان واضح جدًا.
حاولت تبعده، لكنه سحبها أكتر... وسرحوا الاتنين في عيون بعض.
قرب منها ببطء، أنفاسه بتسحب أنفاسها... والمسافة بينهم بتختفي تدريجيًا...
لحد ما انتهت تمامًا، وشفايفه لمست شفايفها.
اتصدمت في الأول... لكن الحنين والشوق غلبوها.
ساب لها الحرية، وفك أسر إيديها...
فرفعت إيديها بسرعة، ولفتها حوالين رقبته، وضمّته ليها أكتر... كأنها عايزة تخبيه جواها.
لحظة ساحرة خطفتهم هما الاتنين...
بعد وقت، بُعد عنها وهو مش حاسس بالزمن... مرّت دقايق ولا ساعات، مش فارقة.
مرّر إبهامه على شفايفها برقة، وهمس:
_ حاسس إنك جاهزة...
قطبت جبينها باستغراب:
_ جاهزة لإيه؟!
_ إنك تبقي مراتي... مش عارف أقولك أنا عايزك قد إيه... أنا قربت أتجنن يا "شرف"... كل ما بتمنعيني عنك بحس إني هضيع... قلبي بيموت فيكِ...
إديني إشارة واحدة... تخليني أنسيكي كل حاجة وحشة عيشتيها...
قالها برجاء راجل وصل لأقصى صبره...
ابتسمت بخجل، وسكتت لحظة... بتبص له بحيرة وتوتر...
لحد ما قلبها أخيرًا قرر...
لفّت إيديها حوالين رقبته، ودفنت وشها فيها وهمست:
_ وأنا موافقة يا ريان... بس مش دلوقتي، تمام؟
امتلأ قلبه بفرحة واضحة، فضمّها ليه وهو بيبتسم باتساع وقال:
_ زي ما مولاتي تأمر!!
ابتسمت بخجل، وعدّلت خصلة شعرها ورا ودنها، وقالت بهدوء:
_ ينفع بقى تسيبني أدخل الحمام؟!
بعد عنها وهو بيبصلها بمكر... ساعدها تقف قدامه، لكن قبل ما تمشي، انحنى فجأة وشالها بين إيديه.
شهقت بخضة، وبدأت تحرك رجليها في الهوا بخجل:
_ والنبي يا ريان نزّلني... أنا بتكسف منك! والله بقيت كويسة خلاص!!
_ لأ... وبعدين أنا أضمن منين؟ يمكن عفريت يبص عليكِ كده ولا كده وأنا بغير؟
قالها بهزار، فرفصت برجليها، فشدّ عليها أكتر وقال:
_ عاجبك كده؟ كده كنتِ هتقعي! اركزي بقى!!
دفنت وشها في رقبته قبل ما يدخل بيها الحمام، وقالت بعبوس:
_ والله إنك رخم... وقليل الأدب!
_ بس بعشقك يا حياتي!!
قالها بمشاكسة، وهو بيقفل باب الحمام عليهم بقوة خفيفة.
• • • •
بعد ساعة... كانت "هنا" داخلة من باب الفيلا، بتضحك وكأن ولا حاجة حصلت...
صوتها بيعلى بالغُنا، بجرأة واستفزاز، كأنها عايشة قصة حب من طرف واحد... بينها وبين نفسها بس.
في المقابل، كانت "كريمة" واقفة في نص الصالة، مربعة إيديها قدام صدرها، ورافعه حاجبها باستنكار واضح...
لحد ما قطعت الجو ده بصوت حاد:
_ كنتِ فين يا ست هانم؟ وخرجا من الصبح كده ليه؟!
اتخضّت "هنا" من الصوت المفاجئ، جسمها اتوتر للحظة، قبل ما تلوّي شفايفها بضيق وترد ببرود مستفز:
_ كنت في داهية... على أساس إن ده فارق معاكي أوي يعني؟!
قربت منها "كريمة" بخطوات سريعة، ومسكت إيديها بعنف، تهزها وهي بتقول بحدة:
_ بقولك كنتِ فين؟ انطقي! وداخلة تغني وترقصي كده... ده شكل واحدة جوزها ضربها امبارح؟!
نزعت "هنا" إيديها بقوة من قبضتها، وصاحت فيها بغِل واضح:
_ شيلي إيدك عني! جوز مين اللي بتتكلمي عنه؟ هو فالح غير إنه يقعد في أوضته مع مراته؟!
يعني أنتِ أمه ومش قادرة عليه، جاية تحاسبيني أنا؟ على إيه؟!
اشتعلت عيون "كريمة" بالغضب، ورفعت إيديها كأنها هتضربها، لكن "هنا" مسكتها قبل ما توصل لها، وزقتها بقسوة وهي بتقول بحدة:
_ إوعي تفكري إني هسيبك تمدي إيدك عليا!
زادت نبرة صوتها، وبقت أقرب للفحيح وهي بتكمل بتهديد صريح:
_ وأقسم بالله... لو فكرتي تاني ترفعي إيدك عليا، هندمك على اللحظة دي!
بصّت لها "كريمة" بصدمة، وقالت بنبرة مش مصدقة:
_ إنتِ بتكلميني أنا كده يا "هنا"؟!
رفعت "هنا" دقنها بتحدي، وردت بثبات:
_ آه... ولو زودتي كلمة واحدة كمان، مش هسكت!
وفجأة، قطع صوت تالت التوتر اللي في المكان:
_ واطي صوتك... وإنتِ بتتكلمي معاها!
اتجمدت "هنا" مكانها، ولفّت بسرعة ناحية الصوت، ملامح الصدمة واضحه عليها...
ما كانتش متوقعة وجوده.
اقترب "ريان" بخطوات هادية... هدوء يسبق العاصفة، لحد ما وقف قدامها مباشرة، وقال بصوت جامد مليان تحذير:
_ وإنتِ واقفة في بيت "ريان الهلالي"، وبتكلمي أمه كده... تبصي في الأرض!
وصوتك يبقى واطي... أحسن لك!
حاولت تتمالك نفسها، وقالت بنبرة فيها براءة مصطنعة:
_ وإنت مش شايف إن أمك هي اللي بتكلمني إزاي؟ ولا كل حاجة هنا... هنا وبس؟!
قاطعها بصوت أعلى وتحذير أوضح:
_ واطي صوتك قولت!
وبعدين يا حلوة... الست اللي بتكلميها دي هي اللي منعتني أطلقك امبارح...
مع إني والله كنت ناوي أعملها!
بس اصبري... وهرجعلك يا "هنا" الحساب كله... قديم وجديد!
ضغطت على أسنانها بعصبية، ونزلت برأسها للأرض لحظة، قبل ما تستدير وتمشي من قدامه بخطوات سريعة مليانة غضب مكتوم...
فضل هو واقف مكانه لحظة، وبعدين لفّ ناحية أمه...
الصمت بينهم كان تقيل، مليان كلام ما اتقالش.
بصّ لها بنظرة حادة، من غير ما ينطق، وبعدها سابها ومشي... خارج الفيلا كلها.
وقفت "كريمة" مكانها، عينيها بتلاحق طيفه بحسرة...
حاسة إنها بتخسره شوية بشوية، مرة ورا التانية...
والحقيقة اللي بدأت تضغط عليها... إنها من البداية كانت السبب.
هي اللي أجبرته على الجوازة دي... بحجة إنها عايزة تشوف ولاده،
لكن يمكن... هي اللي ضيّعت ابنها بإيديها.
• • • •
وفي غرفة "شرف"... كانت واقفة قدام المرآة، بتتأمل انعكاسها بصمت...
ابتسامة واهنة ارتسمت على شفايفها وهي بتمشط خصلات شعرها المبلولة، بعينين تايهين في عالم تاني...
سحبت نفس عميق، وقفلته جواها وهي مغمضة عينيها بقوة...
ومفيش حاجة عدّت على بالها غير وجوده جنبها... أنفاسه القريبة، لمسته الدافية، قبلاته اللي كانت بتسحبها من نفسها... وبتنسيها كل حاجة حواليها.
زاد الحنين جواها وهي بتبص لنفسها بدقة...
لكنها ما شافتش غير وجه شاحب، خالي من أي نور...
وكأن أنوثتها انطفِت جوا عينيها من غير ما تحس.
نظرة حزن سكنت ملامحها الجميلة...
وإحساس قاسي اتسلل لقلبها إنها مش كفاية... وإنه مش ممكن يشوفها زي ما بتتمنى، وإنه بس... عايزها وخلاص.
إزاي ما خدش باله من بهتان عينيها؟
ولا من الشرخ اللي مستخبي جوا نظراتها؟
دمعة هربت منها، من غير إذن...
كأن قلبها قرر يحاصرها بوجع الذكريات.
نزلت بعينيها على جسمها الضعيف الهزيل، فزاد الألم جواها...
لكنها فجأة ابتسمت، لما افتكرت همسته الدافية في ودنها:
_ "والله لو كل ستات الأرض اجتمعوا عشان يبقوا في جمالك... مش هيعرفوا."
خبط على الباب قطع شرودها...
ففوقت على صوت "سميرة" وهي بتقول باحترام:
_ مدام شرف... دي أنا سميرة.
تنهدت شرف، ولمّت شعرها بسرعة على هيئة ديل حصان، واتحركت ناحية الباب وفتحته بهدوء، وابتسامة خفيفة على شفايفها:
_ صباح الخير يا طنط سميرة... عاملة إيه؟
_ بخير الحمد لله يا ست هانم.
قالتها بابتسامة طيبة، قبل ما تبص للأطباق اللي في إيديها وتكمل:
_ ريان بيه وصاني أعملك الفطار وأطلعهولك.
لمعة صغيرة ظهرت في عيون شرف أول ما سمعت اسمه...
وفتحت الباب أكتر وهي بتقول:
_ اتفضلي... دخّلي حطيهم على الترابيزة هناك.
دخلت سميرة، وشرف وسّعت لها الطريق، وقعدت على الكنبة وهي مبتسمة بحب...
رغم كل حاجة، لسه فاكرها.
لكن لما رفعت عيونها لسميرة، لاحظت شرودها الغريب...
فعقدت حواجبها وسألت بقلق:
_ في إيه يا طنط سميرة؟ وشك متغير كده ليه؟
تنهدت سميرة بتعب، وصوتها خرج مهزوز وهو بيحمل وجع كبير:
_ أكون مش زعلانة إزاي... وأنا شايفة ابني اللي ربيته بإيدي، واحدة بتضحك عليه ومفهماه إنه مش بيخلف؟
أفرح إزاي وأنا شايفة كسرته امبارح... وكسرته كمان وهو واقف قدام أمه ومش قادر ينطق؟
اتسعت عيون شرف بصدمة، وقامت من مكانها فجأة... قربت منها وهي مش مصدقة:
_ إنتِ بتقولي إيه يا طنط سميرة؟ مين دي؟ إزاي تعمل فيه كده؟ وليه؟!
بصتلها سميرة باستغراب صادق، وقالت:
_ أنا كنت فاكراكِ عارفة... ما إنتِ مراته يا بنتي... معرفتش إنك متعرفيش.
اتجمدت ملامح شرف، وعينيها لفّت في المكان بذهول...
عقلها مش مستوعب كم الوقاحة...
إزاي إنسانة تقدر تكسر راجل بالطريقة دي؟
تخونه... وتخدعه بالشكل القاسي ده؟
صورة ريان وهو بيتكسر قدامها ضربت جواها بعنف...
ردة فعله لما يعرف الحقيقة كانت كفيلة ترعبها.
وقعت على الكنبة بضعف، ودفنت وشها بين إيديها...
تايهة بين سؤال واحد:
إزاي تقول له؟
إزاي تداوي قلبه وهي نفسها مش قادرة تلملم وجعها؟
غمضت سميرة عينيها بحزن، وقالت بندم:
_ يقطعني يا ست هانم... ماكنتش أعرف إنها بالوحاشة دي كلها... والله كنت فاكراكِ عارفة.
رفعت شرف رأسها ببطء، وصوتها خرج مخنوق بالكتمة:
_ تقدري تمشي يا طنط سميرة... مفيش حاجة.
هزّت سميرة راسها ومشيت بهدوء...
وأول ما الباب اتقفل، شرف حطت إيديها على وشها بقهر...
كأنها سامعة صوت قلبه وهو بيتكسر جواها هي.
همست لنفسها بوجع:
إزاي في حد يخون بالقسوة دي...؟
إزاي؟...
• • • •
وفي إحدى مصانع "ريان" الهلالي،
كان واقف بيتابع أمور شغله اللي بتم زي ما هو عايز بالظبط..
خطته نجحت، وبدأ الندل "راشد" يخسر كل حاجة واحدة واحدة..
كل مصانعه اللي كانت واقفة على رجليها، بتتهاوى منه واحدة ورا التانية،
والناس بدأت تنسحب من تحت إيده بهدوء، كأنهم سفينة بتغرق وبيهربوا منها قبل ما تبلعهم..
ابتسامة رضا تسللت لملامحه، وهو بياخد نفس ببطء، وقال بنبرة مليانة قسوة مكبوتة:
_ خلاص يا با... حقك بيرجع... وهزّاه زي ما قتلك وحرق قلوبنا عليك زمان... هخليه يخسر حياته... ووساخة كل واحد فيهم هتدفع تمنها غالي.
وفي وسط ما هو واقف،
قرب منه واحد، مال على ودنه وهمس بهدوء:
_ لسه نازل من عندها يا "ريان" باشا.
اتشدت ملامح ريان فجأة، ورد بتحذير صارم:
_ أوعى يكون شافكو!
ابتسم التاني بمكر، وغمز بعينه وهو بيقول بثقة:
_ عيب عليك يا ريان بيه... كله في السليم،
والصور والفيديوهات كلها عندي.
ربت ريان على كتف راجله، وذراعه اليمين "سليم"، وقال بنبرة امتنان خفيفة:
_ تسلم يا صاحبي.
ابتسم سليم وهو بيتراجع لورا، وقال باحترام:
_ تؤمرني بحاجة تانية يا "ريان" باشا
هز ريان راسه بهدوء:
_ تسلم يا باشا.
رحل سليم من قدامه،
لتتمدد ابتسامة عريضة على شفايف ريان، ووميض انتقام اشتعل في عينيه بشكل أوضح...
اشمئزاز تقيل سيطر عليه وهو بيفتكر "رفعت"...
حتى ابن عمه مسلمش من خيانته... ولا أبوه نفسه!
إزاي في ناس بالوساخة دي...
ينهَبوا ويغدروا من غير ذرة خجل... ولا حتى خوف؟!
قبض على إيده بقوة، وقال بصوت واطي مليان وعيد صادق:
_ قربت نهايتك يا عم رفعت...
سحب نفس عميق،
وبعدها لف بجسمه يكمل باقي شغله...
بس المرة دي، وهو متأكد إن النهاية بقت أقرب مما أي حد يتخيل...
• • • •
وفي بيت "راشد الهلالي"
كان واقف زي المجنون، بيتابع انهيار شغله واحده ورا التانيه... كل حاجه بتقع من إيده كأنها رمل، ومش قادر يلحقها.
رمى بصره ناحية الخزنة، وفتحها بسرعة... لكن اتجمد مكانه فجأة.
قبل ما يقفلها، رجع فتحها تاني بصدمة أعنف... وكأن إحساس غريب شدّه إن في حاجه ناقصة.
جحظت عيونه أكتر، وصوته خرج متحشرج من الصدمة:
_ الله... فين أوراق الأملاك؟!!
بدأ يدور عليها بهستيريا، يقلب كل حاجه حواليه بعصبية قاتلة... كأنه فقد روحه مش مجرد ورق.
وفي اللحظة دي، دخلت "سميحة"...
كانت شايلة الأكل، لكن عيونها مليانة خوف وتوتر، وأنفاسها متقطعة.
غمضت عينيها بقوة، ودمعة هربت غصب عنها وهي بتهمس بصوت مكسور:
_ يا رب سامحني... بس ده الشيء الوحيد اللي هيخلّصني من ظلمه...
مسحت دموعها بسرعة، والكدمة الزرقا اللي مالية وشها كانت بتفضح وجعها...
دخلت وهي منكسة راسها، مكسورة من جواها، شايلة قهر سنين...
قهر عمره ما هيسكن... إلا لما تشوف نهايته قدام عينيها.
لكن قبل ما تاخد خطوه لجوه...
كان هو شدّها من شعرها بعنف، هادرًا فيها بجنون:
_ فين الورق اللي كان هنا يا بنت الكلـب؟!
مين اتجرأ يدخل خزنتي ويفتحها؟!!
اتصدمت في الأول، لكن حاولت تفلت منه بعنف... محاولة ضعيفة قدام قبضته القاسية اللي كانت أقوى منها بكتير.
هزت راسها بالنفي، وصوتها طالع مهزوز بكدب واضح:
_ ورق إيه؟ والله ما شفت حاجة.
قرب منها أكتر، وعيونه بتولع بشر خالص:
_ يعني إيه مشفتيش؟!
ده كان هنا أوراق أملاك... وشيكات توديني في ستين داهية!
انطقي يا مرة... مين بيدخل هنا في غيابي؟!
وإلا أقسم بالله أدفنك مكانك دلوقتي... انطقي!!
هدر فيها كالمجنون، وهو بيهزها بعنف يوجع العضم...
قلبه القاسي عمره ما عرف الرحمة، ولا حتى لمسها يوم.
وفجأة... زقّها بعيد عنه بقرف، بعد ما اتأكد إنها مش هتتكلم، أو يمكن... مش هتقدر.
خرج من البيت وهو مولّع من جواه...
عينيه بتقدح شر، ونفسه مليان رغبة في الانتقام من أي حد يقف في طريقه.
ومشى... رايح لمكان مجهول،
بس اللي واضح إنه ناوي على مصيبة... مصيبة هتولّع الدنيا كلها
• • • •
وفي تمام الساعة الخامسة عصرًا...
كان "راشد" بيصف عربيته قدام واحد من مصانع "ريان الهلالي"...
وعينيه مولعة بنار غريبة، فيها تصميم مرعب على حاجة محدش يعلمها غير ربنا...
كأنه داخل على حرب، يا هيموت فيها... يا يموّت اللي قدامه.
_ ريان يا هلالي!!
دوّى صوته الجهوري في قلب المصنع، فالتفتت كل العيون ناحيته...
العمال سابوا اللي في إيديهم، وبصّوا له بنظرات مليانة كره ووجع...
ده الراجل اللي سنين طويلة كان بيسرق تعبهم، ويشردهم من غير رحمة... ولا حتى ضمير يأنبه.
قطع الصمت خروج "ريان الهلالي" من مكتبه بعد ثواني قليلة...
عيونه متسعة بدهشة من الصوت العالي، لكن سرعان ما اتحولت لحدة صارمة وهو بيهدر:
_ خير يا رجالة؟ سايبين شغلكم ليه؟!
كل واحد يرجع مكانه... عم جي يزور ابن أخوه، فيها إيه يعني؟!
كانت عيون "راشد" بتقدح شرار...
حقد متراكم، وغِلّ واضح كأنه مستعد يسفك دمه في أي لحظة.
دخل المكتب بعد ما أذن له "ريان"...
وعينيه بتلف في المكان كله، كأنه بيدور على دليل... أو فرصة.
قفل "ريان" الباب وراه، وقال بسخرية لاذعة:
_ والله ونورتني يا حمايا...قولي بقى، جاي النهارده ناوي تقتلني؟ولا نشرب لنا فنجانين قهوة كده؟!
وفي لحظة غفلة...
رفع "راشد" سلاحه في وشه، وصوته خرج مسموم بالغِلّ:
_ لا... جاي أقتلك يا ابن أخويا!
اللي خلاني أعملها في أبوك زمان... أعملها فيك، ولا يرفلي جفن!
انطق... فين الأوراق اللي كانت في خزنتي؟!
بعت مين يسرقها يا ابن الهلالي؟!
كان "ريان" واقف قدامه ثابت زي الجبل...
ولا رمش حتى، كأن السلاح اللي في وشه ده ولا حاجة.
لكن كلامه الأخير خلاه يعقد حواجبه باستغراب، فرفع إيده بهدوء وقال بسخرية باردة:
_ أوراق إيه دي يا راشد؟
ولا إنتَ جاي ترمي بلاك علينا إنتَ كمان؟!
اشتعل "راشد" أكتر، واندفع عليه ماسك في ياقة قميصه بعنف:
_ إنتَ هتستعبط يا ابن الكلـ...
دانا أدفنك هنا!
بقولك طلّع الورق... وإلا قسمًا بالله أقتلك وأخلص منك!
ويبقى لا إنتَ طلت حاجة... ولا أنا كمان!!
لكن "ريان" زقه بعيد عنه ببرود قاتل، وقال بنبرة حادة:
_ إيدك دي ما تترفعش عليا تاني...
وإلا وربنا هيبقى نهارك أسود.
بص برا ناحية رجاله اللي واقفين بترقب، مستنيين أي إشارة...وبعدين رجعله وقال بثقة واضحة:
_ شايف الرجالة دي يا راشد؟
مستنيين بس إشارة مني... وهيدخلوا يفسخوك نصين هنا.
فالأحسن ليك، وبكرامتك كده... تتكل على الله،
وتروح تشوف مين سرقك ولبسها فيا... أحسنلك.
عض "راشد" على سنانه، وعينيه بتولع بوعيد مرعب:
_ مش هسيبك يا ريان...
إلا لما أجيب رقبتك تحت رجلي يا واطي!
قالها وهو بيرفع وشاحه على كتفه، ومسك عصايته، وبدأ يدب بيها في الأرض بعصبية...
وخرج من المكتب بعنف، وهو بيتمتم بكلمات ما وصلتش لودان "ريان"...
اختفى من قدامه تمامًا...
فضل "ريان" واقف مكانه لحظة، وبعدين خبط كف في كف وهو بيهز راسه بدهشة:
_ لا حول ولا قوة إلا بالله...الراجل شكله اتجنن رسمي!
• • • •
وفي المساء... في بيت "ريان الهلالي"
دخل من باب الفيلا، وهو بيفرك راسه بإرهاق واضح...
اليوم كان تقيل عليه بشكل غير عادي، ضغط شغل خانق...
وفوق ده كله، سؤال واحد مش راضي يسيب دماغه من ساعة ما خرج "راشد" من مكتبه:
يا ترى إيه الأوراق دي؟ ومين اللي خدها منه؟!
طلع السلم بخطوات ثابتة، لكن جواه دوشة أفكار ما بتهداش...
متجه ناحية ملاذه الوحيد...المكان اللي بتكون هي فيه...
نصه التاني، وسكينته اللي بترجع له روحه.
اشتاق لها بصدق...اليوم كان طويل بغيابها،
وكل اللي محتاجه دلوقتي... إنه يشوفها، يقرب منها، ويغرق في وجودها بس.
خبط على باب الأوضة بهدوء...
لكن مفيش رد.
عقد حواجبه باستغراب، وفتح الباب ودخل بخطوات حذرة...
بص حواليه، يدور عليها...لكن مفيش أثر ليها.
رمى مفاتيحه وحاجته على الترابيزة، وخلع جاكته وهو بينادي بنبرة هادية:
_ شرف حبيبتي... إنتِ فين؟!
الصمت كان الرد الوحيد.. لف حواليه تاني، وبصوت أعلى شوية نده:
_ يا شــــــــــــرف... إنتِ فين؟!
لكن فجأة...الباب اتحرك من وراه بهدوء.
لف بسرعة...
ولقاها خارجة من غرفة الملابس، بخطوات بطيئة... وابتسامة دافية مالية وشها.
اتسمر مكانه...
أنفاسه اتسحبت منه من غير ما يحس.
كانت واقفة قدامه بشكل عمره ما شافه منها قبل كده...
من غير خجل... من غير حواجز...
بعينين مليانين حب صريح لأول مرة يقدر يقراه فيها.
القميص السماوي نازل بنعومة على جسدها، مبرز جمالها البسيط...
وبشرتها البيضا الشاحبة زودت المشهد رقة،
وعيونها العسلية كانت بتحكي كل اللي جواها من غير كلمة.
همست باشتياق صادق وهي بتجري عليه وتترمي في حضنه:
_ وحشتني أوي!!
تعلقت في رقبته، وهو تلقائيًا شالها بين دراعاته بابتسامة واسعة ارتسمت على وشه...
وهي رجعت تهمس بخفة وحزن بسيط:
_ كل ده غياب بره... بقالك كتير أوي!
بعدها عنه مسافة بسيطة، وقال بندم حقيقي:
_ حقك عليا والله... كان عندي شغل كتير أوي النهارده.
بس إنتِ طبعًا في بالي طول اليوم...
وكنت ناوي أعملك مفاجأة... بس إنتِ اللي فاجأتيني بصراحة!
رجع يبص لها من أولها لآخرها بانبهار صادق:
_ إيه الجمال ده كله بس... أنا مش قد كده!
لفها قدامه بخفة، فخجلت وغطت وشها بإيديها وهي بتضحك:
_ بس كسفتني... طب قولي شكله حلو عليا؟!
ابتسم بثقة وقال:
_ قمر طبعًا... هو في كلام بعد كده؟!
قربها منه، وحط إيده على خصرها بحنان، ورفع إيديها يقبلها برقة:
_ حبيبة قلبي طول عمرها قمر.
ضحكت بخجل، لكن عيونها ثبتت عليه لحظة أطول...
كأن في حاجة جواها عايزة تطلع،وقطعت الصمت بصوت مليان حنين:
_ ما قابلتكش ليه من زمان يا ريان؟
ليه الدنيا اضطرت تعمل فيا كل ده عشان أبقى معاك؟
يمكن كانت هتبقى أصعب... بس كانت هتبقى أحسن مليون مرة.
تنهد بعمق، وقرب منها يقبل جبينها بحنان:
_ سواء دلوقتي أو بعدين... أنا مبسوط إنك في حضني دلوقتي.
ربنا مأذنش نتقابل غير بعد ما الدنيا تلف بينا شوية...
بس في الآخر، كل واحد فينا لقى نصه التاني... وده كفاية.
ابتسمت، والسعادة لمعت في عيونها، ورفعت دراعاتها تلفهم حوالين رقبته بدلال خطف أنفاسه:
_ بس إنتَ وحشتني أوي...
ابتسم بخفة وقال وكأنه مش مصدق:
_ بجد؟
قربت منه أكتر، وداعبت أنفه بأنفها برقة، وهزت راسها:
_ أوي أوي كمان!
ابتسم، ورفع إيده يبعد خصلات شعرها عن رقبتها،
ومال عليها بهدوء، يطبع قبلات رقيقة على عنقها...
لحد ما أغمضت عيونها، واستسلمت لدفء قربه منها.
لكن همستها قطعت اللحظة:
_ ريان...
_ قلبه وروحه...
رد وهو بيبعد شوية، وعينه ثابتة في عيونها باهتمام.
اتنهدت الآخرى بعمق، وقالت بهدوء فيه رهبة خفيفة:
_ ريان... أنا... أنا عايزة أخلف...!!!
يُتبع...
الفصل الثامن عشر من هنا