
رواية فتاة الإشارة الفصل الثاني والعشرون 22 بقلم اسماعيل موسى
انا شايف انك عامله حساب للى اسمها تالا دى اكتر من الأزم
همس صقر المرشدى هو يرمق الشارع الصاخب من خلف الشرفه المزججة، كانت أحدا يديه فى جيب بنطاله وفى الأخرى يمسك سيجارة مالبورو
رمته بسنت بنظرة ثاقبه ،مش عيب انك تعمل حساب لخصمك يا صقر، بس انا عايز أوضحلك حاجه، خوفى من تالا مش نابع من شخصيتها او ثقافتها ،نابع من حاجه تانيه خالص.
التفت صقر المرشدى وبدا ان الحديث يعجبه راسمأ علامة استفهام بحاجبه وعلى وجهه ابتسامه خافت بسنت ان تفقدها
ردت بسنت بسرعه، خافت ان تتأخر فتغضب صقر المرشدى وهى تعرف أن صقر لا يحب أن تتأخر الردود عليه من ضمن الصفات التى اكتشفتها فيه مبكر جدا وتعلمتها على يديه بقسوة.
خايفه لأن يامان اخترها تحل مكانه ويامان مش بيعمل اى حاجه دون تفكير عميق وطويل، طالما اختارها يبقى شاف فيها حاجه انا مش قادره اشوفها، بس انا عيونى مزروعه فى كل انش جوة الشركه واى حاجه بتحصل بتوصلنى قبل تالا نفسها
همس صقر المرشدى وهو بيتمشى داخل المكتب، وهو فين يامان السويدى دلوقتى ؟ يامان كان قصة وانتهت انا واثق انه مش هيظهر تانى...
رفعت بسنت عيونها والتقت بعيون صقر وبدرت منها ايمآة توافقيه تعنى انها تعرف كل ما حدث
رفع صقر إيده كأنه بيهش الأفكار ،ثم إن يامان عين الرجل العجوز المخبول مدير الشركه مش تالا
الراجل العجوز دا مجرد واجهه يا صقر ،يامان كان عارف ان تالا مش هتدخل الشركه لو هو الى طلبها
لكن لما عبده يتولى المسؤليه تالا غصب عنها هتساعده
أخرجت بسنت لفافة تبغ رمتها فى فمها وسحبت السسجاره من فم صقر اشعلتها بها،،ثبتت بسنت عيونها فى عيون صقر وهمست، ليك فى البنات الهايفه الصغيره ؟
ابتسم صقر، انا لى فى كل حاجه، ما انتى عارفه
ردت بسنت بسرعه عارفه عارفه، كانت كل نظره من صقر تجاهها تشكل تهديد ،لا تريد أن تغضبة وتنال عقابه
طيب اعمل حسابك يمكن احتاجك تحط تالا ضمن حساباتك
إلى اى حد سألها صقر بتركيز ؟
قالت تالا، إلى حد بعيد يا صقر، لو خطتنا ما مشيتش ذى ما انا عايزه، هسيبك تتصرف معاها.
وماله يا قمر ،اتصرف معاها ومع إلى خلفوها انتى بس اشرى ؟
همست بسنت وهى تضيق عينيها ،قريب اوى متستعجلش
لكن انت شفتها قبل كده؟
رد صقر، مش محتاج اشوفها عشان اخضعها، إى امرأه قابله للخضوع ،شعرت بسنت بالاسأه، لكن اليس هذا ما حدث معها!
حتى لو حاولت أن تبدو محايده ،ان تنسى كل شيء لكن الحقيقه تطفح على وجهها مع كل نظرة عين من صقر
صورتها على تليفونى اتفضل شوفها ؟
كانت صورة تالا بوجه المهرج عندما كانت فى محل الحج عبده تدهن البويات ،التقطتها بسنت بعد مرور يامان بلحظات عندما كانت تراقبه
دقق صقر فى الصوره ثم علق ،وشها مش واضح، لكن جسمها حلو
هتعجبك، خاطبته بسنت وهى ترمى نظره على ساحة الجدار
بس خلى بالك منها لأنها خطيره.
ثم كأنها انتبهت للتو، ابتسمت بسنت تالا متعرفكش
ولا تعرف انت مين ولا حتى اسمك، شعرت بالراحه
يبقى هنبداء دلوقتى.
& & & & & & & &
لم يكن يحمل اسمًا عندما وصل إلى المشفى بل كان مجرد رجل مجهول عثرت عليه سيارة إسعاف قرب أحد الشوارع الخلفية فى ليلة ممطرة بعدما وجده المارة ملقى بلا حركة وسط الظلام والمياه المتجمعة على الأسفلت البارد
كانت ملابسه مغطاة بالغبار وآثار الدم الجاف بينما حمل رأسه أثر ضربة قوية جعلت الأطباء يتوقعون منذ اللحظة الأولى أن نجاته نفسها تبدو معجزة غير مفهومة
فى الملفات الطبية لم يجدوا ما يكتبونه داخل خانة الاسم لذلك سجلوا بدلًا منها مجهول الهوية رقم ٣١٧ وكأن الرجل فقد حقه حتى فى امتلاك اسمه منذ اللحظة التى عبر فيها أبواب المشفى
ومنذ ذلك اليوم وهو يرقد فى الغرفة الأخيرة من جناح العناية المركزة جسد ساكن تحاصره الأسلاك والأجهزة بينما تبدو روحه كأنها تائهة فى مكان بعيد لا يستطيع أحد الوصول إليه مهما حاول الاقتراب منه
وجهه كان هادئًا بشكل غريب هدوء أكبر مما يجب كأن التعب الذى عاشه قبل سقوطه كان أعمق من أن يظهر حتى فوق ملامحه الشاحبة
مرت الأيام بطيئة دون أن يستيقظ واعتادت الممرضات وجوده كما اعتاد الأطباء المرور أمام غرفته دون الحديث كثيرًا عن حالته بعدما تحول بالنسبة لهم إلى مجرد حالة معلقة بين الحياة والغياب
لكن الحقيقة التى لم يعرفها أحد داخل ذلك المكان أن اسمه كان يامان وأن هذا الاسم اختفى من العالم فى اللحظة التى فقد فيها ذاكرته وغرق داخل ذلك الفراغ الطويل
أحيانًا كانت أصابعه تتحرك ببطء فوق الملاءة البيضاء كأنه يحاول الإمساك بشىء يراه وحده داخل حلم بعيد وأحيانًا تنكمش ملامحه فجأة وكأن كابوسًا عنيفًا يطارده خلف عينيه المغلقتين دون رحمة
فى إحدى الليالى اقتربت منه ممرضة شابة لتعدل جهاز المحاليل لكنها توقفت عندما سمعته يهمس بصوت ضعيف متقطع بكلمة غير واضحة ربما كانت اسم شخص أو اسم مكان لكن الكلمة اختفت قبل أن تكتمل وكأن عقله خاف من تذكرها
حاولت الممرضة إيقاظه بسرعة إلا أنه عاد للسكون فورًا كأن بابًا صغيرًا انفتح داخل ذاكرته للحظة قصيرة ثم أُغلق من جديد قبل أن يرى أحد ما بداخله
لم يكن يتذكر شيئًا عن نفسه ولا يعرف من هو ولا لماذا انتهى به الأمر ملقى فى الشارع ولا من الأشخاص الذين ربما يبحثون عنه الآن فى مكان ما دون أن يعلموا إن كان حيًا أو ميتًا
داخل رأسه كانت هناك فوضى مبعثرة وصور سريعة غير مكتملة تظهر ثم تختفى بلا ترتيب امرأة تبكى وسط الظلام ولهب يشتعل فى مكان غامض وصوت بعيد يصرخ باسمه ثم يأتى بعد ذلك ظلام كثيف يبتلع كل شىء كأنه هاوية بلا نهاية
وفى كل مرة كان يقترب فيها من الوعى يشعر بخوف مجهول خوف رجل استيقظ داخل حياة لا يعرف عنها شيئًا ولا يملك منها حتى ذكرى واحدة تساعده على فهم نفسه
حتى اسمه نفسه
يامان
كان يبدو غريبًا عنه الآن كأنه يخص شخصًا آخر مات منذ زمن بعيد ولم يترك خلفه سوى جسد نائم فوق سرير أبيض داخل غرفة باردة لا يسمع فيها إلا صوت الأجهزة وأنفاسه الثقيلة البطيئة
منذ اللحظة الأولى لوصوله كانت هناك عين تراقب كل شيء بصمت شديد وكأنها تخشى أن يفتح عينيه فى أى وقت ويعود شخصًا آخر غير ذلك الرجل الغارق فى الغيبوبة
كان هناك رجل مهم داخل إدارة المشفى لا يظهر كثيرًا ولا يتحدث إلا نادرًا لكن الجميع ينفذ أوامره دون نقاش وكأن وجوده وحده يكفى لإسكات الأسئلة
فى الليلة التى وصل فيها يامان استلم بنفسه تقرير الإسعاف وطلب نقل المصاب إلى غرفة بعيدة فى آخر جناح العناية المركزة بعيدًا عن أعين الزوار والأطباء الجدد
جلس وحده بعد ذلك أمام استمارة الدخول وبدأ يكتب المعلومات بيده ببطء شديد
كتب اسمًا مجهولًا لا يمت للحقيقة بصلة وحدد عمرًا مختلفًا ومهنة لا علاقة لها بحياة يامان الحقيقية ثم سجل عنوانًا وهميًا وكأنه كان يمحو حياة كاملة بحبر بارد لا يهتز
حتى العلامات المميزة أخفاها عمدًا
الندبة الصغيرة القريبة من كتفه لم يذكرها
والخاتم الذى وُجد فى جيبه اختفى قبل أن يصل إلى قسم الأمانات
كل شيء كان يتم ترتيبه بعناية حتى لا يقود إلى هويته الحقيقية
وعندما حضرت الشرطة لسؤاله عن المصاب أخبرهم أن الرجل مجرد مجهول تعرض للسرقة والضرب فى الشارع ولا توجد أى دلائل مهمة حوله
حادثة عادية كما وصفها
مجرد رجل بلا اسم ولا عائلة ولا ماضٍ
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا
فى كل ليلة تقريبًا كان ذلك الرجل يقف خلف الزجاج المعتم يراقب يامان بصمت طويل
لم يكن ينظر إليه كطبيب أو كمسؤول داخل المشفى
بل كأنه يراقب خطرًا نائمًا يخشى استيقاظه فى أى لحظة
وكان أكثر ما يخشاه أن تعود ذاكرة يامان
لهذا بدأ يتدخل فى كل التفاصيل الصغيرة داخل علاجه
أصدر تعليمات غير مباشرة بتقليل أى محفزات عصبية قد توقظ ذاكرته
منع الممرضات من التحدث معه كثيرًا أثناء جلسات الفحص
ورفض تمامًا فكرة عرضه على طبيب متخصص فى استعادة الذاكرة العصبية
حتى الصور التى أحضرتها إحدى الممرضات لمحاولة تحفيز استجابته اختفت فى اليوم التالى دون تفسير
وعندما سألت عنها قيل لها إن الإدارة أمرت بالتخلص منها لأنها لا تفيد الحالة
أحيانًا كان يامان يتحرك أثناء نومه المضطرب وكأنه يهرب من شيء يطارده داخل عقله
تتشنج أصابعه فجأة
ويتغير تنفسه بعنف
ثم يهمس بكلمات غير واضحة لا يفهمها أحد
وفى إحدى الليالى فتح عينيه للحظات أطول من المعتاد
عينان مرهقتان ضائعتان تتحركان ببطء فوق سقف الغرفة البيضاء وكأنهما تحاولان فهم العالم من جديد
اقترب الطبيب بسرعة وهو ينادى الممرضات لكن قبل أن يصل إلى السرير دخل ذلك الرجل فجأة
وقف بجانب يامان ونظر إليه طويلًا ثم قال بصوت منخفض ثابت يحمل برودة مخيفة
انت لا تتذكر شيئًا
لا تحاول
الغريب أن ملامح يامان المضطربة بدأت تهدأ تدريجيًا بعد سماع صوته
وكأن شيئًا عميقًا داخل ذاكرته ما زال يعرف هذا الرجل ويخافه رغم النسيان
أغلقت عيناه من جديد وعاد جسده للسكون بينما استمرت الأجهزة فى إصدار أصواتها المنتظمة داخل الغرفة الباردة
أما ذلك الرجل فبقى واقفًا للحظات ينظر إليه بصمت ثم ظهرت فوق شفتيه ابتسامة خفيفة قاسية
ابتسامة شخص يعرف أن الحقيقة ما زالت مدفونة داخل عقل رجل لا يتذكر حتى اسمه الحقيقي.
قفزت تالا من فوق السرير فورًا بعدما سمعت صراخ الحاج عبده وخرجت من غرفتها كأن النار اشتعلت داخلها هى الأخرى وكانت يداها ترتجفان وهى ترتدى سترتها بسرعة ثم التقطت مفاتيحها وهاتفها وانطلقت خارج المنزل دون حتى أن تغلق الباب جيدًا
طوال الطريق كانت تسمع صوت الحاج عبده المختنق عبر الهاتف وهو يصرخ بأن النيران تزداد وأن سيارات الإطفاء لم تصل بعد وأن العمال يجرون فى كل اتجاه بذعر لكن تالا بالكاد كانت تسمعه لأن عقلها كان يعمل بسرعة مخيفة
المخزن الشرقى؟
لماذا الشرقى تحديدًا؟
أغمضت عينيها لثوانٍ قصيرة وهى تقود بسرعة ثم شعرت بشىء بارد يمر داخل عقلها فجأة وكان الأمر يبدو غريبًا أكثر مما يجب لأن المخزن الشرقى لم يكن يحتوى على أخطر البضائع ولا أكبر كمية إنتاج بينما المخزن الكبير كان القلب الحقيقى للشركة والمكان الذى لو احترق فعلًا ستنتهى الشركة بالكامل
اتسعت عيناها فجأة وهمست لنفسها لا دى مش صدفة
وصلت سيارات الأمن وبعض الحراس قبلها بدقائق وكان الجميع يتحرك نحو ألسنة النار المرتفعة فى جهة المخزن الشرقى بينما العمال يصرخون ويحاولون إبعاد الشاحنات القريبة لكن تالا ما إن نزلت من سيارتها حتى صرخت بأعلى صوتها فى الحراس سيبوا المخزن الشرقى وروحوا على المخزن الكبير حالًا
تجمد الجميع للحظة من شدة المفاجأة حتى الحاج عبده نفسه صرخ فيها من بعيد إنتى بتقولى إيه يا بنتى؟ المخزن بيولع قدامنا
لكن تالا كانت تنظر فى اتجاه آخر تمامًا وكانت عيناها مثبتتين على الظلام البعيد خلف المخازن ثم صرخت بعنف أكبر قولت الكل يروح على المخزن الكبير حالًا
تحرك بعض الحراس بتردد قبل أن يركضوا بالفعل ناحية المخزن الكبير بينما بقيت سيارات الإطفاء والعمال تحاول السيطرة على الحريق الشرقى وكانت تالا تجرى خلف الحراس بأنفاس متقطعة وقلبها يدق بعنف وكأنها تعرف ما الذى ستجده هناك قبل أن تصل
وفجأة لمح أحد الحراس ظل رجل يقف خلف المخزن الكبير وهو يسكب سائلًا فوق الصناديق القريبة من الجدار الخلفى فصرخ الحارس بأعلى صوته فانقلب الرجل مذعورًا وحاول الهرب لكن اثنين من الحراس اندفعوا نحوه بسرعة بينما اشتعل جزء صغير من الأرض بعدما ألقى زجاجة مشتعلة قبل هروبه بثوانٍ
توقفت تالا مكانها للحظة وأنفاسها ترتجف بينما كانت تراقب النار الصغيرة وهى تتمدد فوق الأرض الأسمنتية ثم همست بصوت منخفض كنت عارفه
فى تلك اللحظة رن هاتفها بعنف داخل يدها وكان الحاج عبده يصرخ بصورة هستيرية من الطرف الآخر إنتى فين يا بنتى؟ المخزن الشرقى هينهار والناس بتدور عليكى فى كل حته
رفعت تالا عينيها نحو المخزن الكبير ثم نظرت إلى الرجل الذى أمسك به الحراس أخيرًا قبل أن ترد بصوت هادئ بصورة غريبة وسط كل الفوضى أنا فى المكان إلى مفروض أبقى فيه.